تفسیر ابن عربى (تأویلات عبد الرزاق جیلی) سوره الفاتحه

فاتحه الکتاب‏

[سوره الفاتحه (۱): آیه ۱]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ (۱)

اسم الشی‏ء ما یعرف به، فأسماء اللّه تعالى هی الصور النوعیه التی تدلّ بخصائصها و هویاتها على صفات اللّه و ذاته، و بوجودها على وجهه، و بتعینها على وحدته، إذ هی ظواهره التی بها یعرف. و اللّه اسم للذات الإلهیه من حیث هی هی على الإطلاق، لا باعتبار اتصافها بالصفات، و لا باعتبار لا اتصافها.

و الرَّحْمنِ‏ هو المفیض للوجود و الکمال على الکل بحسب ما تقتضی الحکمه و تحتمل القوابل على وجه البدایه. و الرَّحِیمِ‏ هو المفیض للکمال المعنویّ المخصوص بالنوع الإنسانی بحسب النهایه، و لهذا قیل: یا رحمن الدنیا و الآخره، و رحیم الآخره. فمعناه بالصوره الإنسانیه الکامله الجامعه الرحمه العامّه و الخاصه، التی هی مظهر الذات الإلهی و الحق الأعظمی مع جمیع الصفات أبدأ و أقرأ، و هی الاسم الأعظم و إلى هذا المعنى‏ أشار النبی صلى اللّه علیه و سلم بقوله‏: «أوتیت جوامع الکلم، و بعثت لأتمم مکارم الأخلاق»، إذ الکلمات حقائق الموجودات و أعیانها. کما سمی عیسى علیه السلام کلمه من اللّه، و مکارم الأخلاق کمالاتها و خواصها التی هی مصادر أفعالها جمیعها محصوره فی الکون الجامع الإنسانی. و هاهنا لطیفه و هی أن الأنبیاء علیهم السلام وضعوا حروف التهجی بإزاء مراتب الموجودات. و قد وجدت فی کلام عیسى علیه الصلاه و السلام و أمیر المؤمنین علی علیه السلام و بعض الصحابه ما یشیر إلى ذلک. و لهذا قیل: ظهرت الموجودات من باء بسم اللّه إذ هی الحرف الذی یلی الألف الموضوعه بإزاء ذات اللّه. فهی إشاره إلى العقل الأول الذی هو أول ما خلق اللّه المخاطب بقوله تعالى:«ما خلقت خلقا أحب إلیّ و لا أکرم علیّ منک، بک أعطی، و بک آخذ، و بک أثیب، و بک أعاقب …»الحدیث.

و الحروف الملفوظه لهذه الکلمه ثمانیه عشر، و المکتوبه تسعه عشر. و إذا انفصلت الکلمات انفصلت الحروف إلى اثنین و عشرین، فالثمانیه عشر إشاره إلى العوالم المعبر عنها بثمانیه عشر ألف عام، إذ الألف هو العدد التام المشتمل على باقی مراتب الأعداد فهو أمّ المراتب الذی لا عدد فوقه، فعبر بها عن أمّهات العوالم التی هی عالم الجبروت، و عالم الملکوت، و العرش، و الکرسی، و السموات السبع، و العناصر الأربعه، و الموالید الثلاثه التی ینفصل کل واحد منها إلى جزئیاته.

و التسعه عشر إشاره إلیها مع العالم الإنسانی، فإنه و إن کان داخلا فی عالم الحیوان إلا أنه باعتبار شرفه و جامعیته للکل و حصره للوجود عالم آخر له شأن و جنس برأسه له برهان،کجبریل من بین الملائکه فی قوله تعالى: وَ مَلائِکَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِیلَ‏[۱].

و الألفات الثلاثه المحتجبه التی هی تتمه الاثنین و العشرین عند الانفصال إشاره إلى العالم الإلهیّ الحقّ، باعتبار الذات، و الصفات، و الأفعال. فهی ثلاثه عوالم عند التفصیل، و عالم واحد عند التحقیق، و الثلاثه المکتوبه إشاره إلى ظهور تلک العوالم على المظهر الأعظمیّ الإنسانیّ و لاحتجاب العالم الإلهی.

حین‏ سئل رسول اللّه صلى اللّه علیه و سلم عن ألف الباء من أین ذهبت؟ قال صلى اللّه علیه و سلم: «سرقها الشیطان».

و أمر بتطویل باء بسم اللّه تعویضا عن ألفها إشاره إلى احتجاب ألوهیه الإلهیه فی صوره الرحمه الانتشاریه و ظهورها فی الصوره الإنسانیه بحیث لا یعرفها إلا أهلها، و لهذا نکرت فی الوضع.

و قد ورد فی الحدیث‏: «إنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته»

، فالذات محجوبه بالصفات، و الصفات بالأفعال، و الأفعال بالأکوان و الآثار. فمن تجلّت علیه الأفعال بارتفاع حجب الأکوان توکل، و من تجلّت علیه الصفات بارتفاع حجب الأفعال رضی و سلّم. و من تجلّت علیه الذات بانکشاف حجب الصفات فنی فی الوحده فصار موحدا مطلقا فاعلا ما فعل و قارئا ما قرأ بسم اللّه الرحمن الرحیم، فتوحید الأفعال مقدّم على توحید الصفات و هو على توحید الذات و إلى الثلاثه

أشار صلوات اللّه علیه فی سجوده بقوله‏: «أعوذ بعفوک من عقابک، و أعوذ برضاک من سخطک، و أعوذ بک منک». [۲- ۵]

 

[سوره الفاتحه (۱): الآیات ۲ الى ۶]

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ (۲)

الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ (۳)

مالِکِ یَوْمِ الدِّینِ (۴)

إِیَّاکَ نَعْبُدُ وَ إِیَّاکَ نَسْتَعِینُ (۵)

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِیمَ (۶)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ‏ إلى آخر السوره، الحمد بالفعل و لسان الحال هو ظهور الکمالات و حصول الغایات من الأشیاء إذ هی أثنیه فاتحه و مدح رائعه لمولیها بما یستحقه. فالموجودات کلها بخصوصیاتها و خواصها، و توجهها إلى غایاتها، و إخراج کمالاتها من حیز القوّه إلى الفعل، مسبحه، حامده، کما قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏[۲]، فتسبیحها إیاه تنزیهه عن الشریک و صفات النقص و العجز باستنادها إلیه وحده، و دلالتها على وحدانیته و قدرته، و تحمیدها إظهار کمالاتها المترتبه، و مظهریتها لتلک الصفات الجلالیه و الجمالیه.

و خصّ بذاته بحسب مبدئیته للکل، و حافظیته و مدبریته له التی هی معنى الربوبیه للعالمین، أی لکلّ ما هو علم للّه یعلم به کالخاتم لما یختم به، و القالب لما یقلب فیه، و جمع جمع السلامه لاشتماله على معنى العلم أو للتغلیب، و بإزاء أفاضله الخیر العامّ‏ و الخاص، أی النعمه الظاهره کالصحه و الرزق. و الباطنه کالمعرفه و العلم. و باعتبار منتهائیته التی هی معنى مالکیه الأشیاء فی یوم الدین إذ لا یجزی فی الحقیقه إلا المعبود الذی ینتهی إلیه الملک وقت الجزاء بإثابه النعمه الباقیه عن الفانیه عند التجرّد عنها بالزهد و تجلیات الأفعال عند انسلاخ العبد عن أفعاله، و تعویض صفاته عند المحو عن صفاته و إبقائه بذاته، و هبته له الوجود الحقانی عند فنائه فله تعالى مطلق الحمد و ماهیته أزلا و أبدا على حسب استحقاقه إیاه بذاته باعتبار البدایه و النهایه و ما بینهما فی مقام الجمع على ألسنه التفاصیل، فهو الحامد و المحمود تفصیلا و جمعا، و العابد و المعبود مبدأ و منتهى.

و لما تجلى فی کلامه لعباده بصفاته شاهدوه بعظمته و بهائه، و کمال قدرته و جلاله، فخاطبوه قولا و فعلا بتخصیص العباده به، و طلب المعونه منه، إذ ما رأوا معبودا غیره، و لا حول و لا قوّه لأحد إلّا به. فلو حضروا لکانت حرکاتهم و سکناتهم کلها عباده له و به، فکانوا على صلاتهم دائمین داعین بلسان المحبه لمشاهدتهم جماله من کل وجه على کل وجه.

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِیمَ‏ أی: ثبتنا على الهدایه و مکّنا بالاستقامه فی طریق الوحده التی هی طریق المنعم علیهم بالنعمه الخاصه الرحیمیه التی هی المعرفه و المحبه و الهدایه الحقانیه الذاتیه من النبیین و الشهداء و الصدّیقین و الأولیاء، الذین شاهدوا أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا، فغابوا فی شهودهم طلعه وجهه الباقی عن وجود الظل الفانی.

 

[سوره الفاتحه (۱): آیه ۷]

صِراطَ الَّذِینَ أَنْعَمْتَ عَلَیْهِمْ غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ وَ لا الضَّالِّینَ (۷)

غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ‏ الذین وقفوا مع الظواهر، و احتجبوا بالنعمه الرحمانیه، و النعیم الجسمانیّ، و الذوق الحسیّ عن الحقائق الروحانیه، و النعیم القلبی، و الذوق العقلیّ کالیهود إذ کانت دعوتهم إلى الظواهر و الجنان و الحور و القصور، فغضب علیهم لأن الغضب یستلزم الطرد و البعد و الوقوف مع الظواهر التی هی الحجب الظلمانیه غایه البعد. وَ لَا الضَّالِّینَ‏ الذین وقفوا مع البواطن التی هی الحجب النورانیه و احتجبوا بالنعمه الرحیمیه عن الرحمانیه، و غفلوا عن ظاهریه الحقّ، و ضلّوا عن سواء السبیل، فحرموا شهود جمال المحبوب فی الکلّ کالنصارى إذ کانت دعوتهم إلى البواطن و أنوار عالم القدّوس و دعوه المحمدیین الموحدین إلى الکلّ، و الجمع بین محبه جمال الذات، و حسن الصفات، کما ورد فی القرآن الکریم:وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ وَ جَنَّهٍ[۳]،

اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ یُؤْتِکُمْ کِفْلَیْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ یَجْعَلْ لَکُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ[۴]، وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئاً[۵]. فأجابوا الدعوات الثلاث. کما جاء فی حقهم: وَ یَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ یَخافُونَ عَذابَهُ[۶]، یَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا[۷]، إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا*[۸]. فأثیبوا بالجمیع على ما أخبر اللّه تعالى: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ[۹]، لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ[۱۰]، فَأَیْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[۱۱]، لِلَّذِینَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِیادَهٌ[۱۲].


[۱] ( ۱) سوره البقره، الآیه: ۹۸.

[۲] ( ۲) سوره الإسراء، الآیه: ۴۴.

[۳] ( ۱) سوره آل عمران، الآیه: ۱۳۳.

[۴] ( ۱) سوره الحدید، الآیه: ۲۸.

[۵] ( ۲) سوره النساء، الآیه: ۳۶.

[۶] ( ۳) سوره الإسراء، الآیه: ۵۷.

[۷] ( ۴) سوره التحریم، الآیه: ۸.

[۸] ( ۵) سوره فصلت، الآیه: ۳۰.

[۹] ( ۶) سوره البینه، الآیه: ۸.

[۱۰] ( ۷) سوره الحدید، الآیه: ۱۹.

[۱۱] ( ۸) سوره البقره، الآیه: ۱۱۵.

[۱۲] ( ۹) سوره یونس، الآیه: ۲۶.

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *