تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره الصّافّات

(۳۷) سوره الصّافّات مکیّه

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم‏

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ‏

وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا (۱)

أقسم اللّه تعالى بالملائکه التی تصف عند اللّه تعالى، فقال: «وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا» و هم الملائکه عمّار السماء الرابعه، أو هم أصناف الملائکه التی أسکنها اللّه الأفلاک المستدیرات، فهی الصافات التالیات، فمنها القائمات و القاعدات، و منها الراکعات الساجدات، کما قال تعالى إخبارا عنهم‏ (وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) فهم عمار السموات.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۲]

فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (۲)

و هم من الملائکه المسخرات الموکلین بالأرجاء و هم الملائکه عمّار الهواء.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۳]

فَالتَّالِیاتِ ذِکْراً (۳)

و التالیات یتلو بعضها بعضا، فالرساله یتلو بعضها بعضا، و هم الملائکه عمّار فلک الثوابت، و کلّ هؤلاء أنبیاء ملکیون عبدوا اللّه بما وصفهم به فهم فی مقامهم لا یبرحون.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۴ الى ۶]

إِنَّ إِلهَکُمْ لَواحِدٌ (۴) رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَیْنَهُما وَ رَبُّ الْمَشارِقِ (۵) إِنَّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزِینَهٍ الْکَواکِبِ (۶)

فلک الکواکب الثابته هو أکبر فلک یقطع فی الفلک الأطلس، و إنما سمیت الکواکب ثابته لأن الأعمار لا تدرک حرکتها لقصر الأعمار، لأن کل کوکب منها یقطع الدرجه من الفلک الأقصى فی مائه سنه، فیحسب ثلاثمائه و ستین درجه، کل درجه مائه سنه، و لما فتق‏ اللّه السموات من رتقها و دارت، کانت شفافه فی ذاتها و جرمها حتى لا تکون سترا لما وراءها، فأدرکنا بالأبصار ما فی الفلک الثامن و هو فلک الکواکب الثابته، فیتخیل أنها فی السماء الدنیا لأن البصر لا یدرکها إلّا فیها، فوقع الخطاب بحسب ما تعطیه الرؤیه.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۷]

وَ حِفْظاً مِنْ کُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ (۷)

و هو أعظم الشیاطین.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۸]

لا یَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ وَ یُقْذَفُونَ مِنْ کُلِّ جانِبٍ (۸)

کل ما تولد من نور فهو الملأ الأعلى، و کل ما تولد من الطبیعه فهو الملأ الأسفل، و أکمل العالم من جمع بینهما، و هو البرزخ الذی بجهاته میزهما أو بجمعیته میزهما بالعلو و السفل.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۹ الى ۱۰]

دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (۹) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَهَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (۱۰)

[الشهب هی ذوات الأذناب‏]

«فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ» فیعطی الضوء العظیم الذی تراه فی أثره، و یبقی ذلک الضوء فی أثره طریقا، و الشهب هی ذوات الأذناب تبدو لسرعه اندفاعها من الأثیر الذی هو هواء محترق لا مشتعل، و هو متصل بالهواء، فإذا اتصل الأثیر بالهواء بسرعه تحرک ذوات الأذناب، أثرت فی أجزاء الهواء الرطبه اشتعالا، فبدت الکواکب ذوات الأذناب، و ذلک لسرعه اندفاعها تظهر فی رأی العین تلک الأذناب.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۱ الى ۳۵]

فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِینٍ لازِبٍ (۱۱) بَلْ عَجِبْتَ وَ یَسْخَرُونَ (۱۲) وَ إِذا ذُکِّرُوا لا یَذْکُرُونَ (۱۳) وَ إِذا رَأَوْا آیَهً یَسْتَسْخِرُونَ (۱۴) وَ قالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِینٌ (۱۵)

أَ إِذا مِتْنا وَ کُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (۱۶) أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (۱۷) قُلْ نَعَمْ وَ أَنْتُمْ داخِرُونَ (۱۸) فَإِنَّما هِیَ زَجْرَهٌ واحِدَهٌ فَإِذا هُمْ یَنْظُرُونَ (۱۹) وَ قالُوا یا وَیْلَنا هذا یَوْمُ الدِّینِ (۲۰)

هذا یَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِی کُنْتُمْ بِهِ تُکَذِّبُونَ (۲۱) احْشُرُوا الَّذِینَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ وَ ما کانُوا یَعْبُدُونَ (۲۲) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ صِراطِ الْجَحِیمِ (۲۳) وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (۲۴) ما لَکُمْ لا تَناصَرُونَ (۲۵)

بَلْ هُمُ الْیَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (۲۶) وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ یَتَساءَلُونَ (۲۷) قالُوا إِنَّکُمْ کُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْیَمِینِ (۲۸) قالُوا بَلْ لَمْ تَکُونُوا مُؤْمِنِینَ (۲۹) وَ ما کانَ لَنا عَلَیْکُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ کُنْتُمْ قَوْماً طاغِینَ (۳۰)

فَحَقَّ عَلَیْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (۳۱) فَأَغْوَیْناکُمْ إِنَّا کُنَّا غاوِینَ (۳۲) فَإِنَّهُمْ یَوْمَئِذٍ فِی الْعَذابِ مُشْتَرِکُونَ (۳۳) إِنَّا کَذلِکَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِینَ (۳۴) إِنَّهُمْ کانُوا إِذا قِیلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ یَسْتَکْبِرُونَ (۳۵)

  [هو توحید التعجب‏]

هذا هو التوحید السادس و العشرون فی القرآن، و هو توحید التّعجب، و هو توحید اللّه لا الهویه، فقوله‏ «یَسْتَکْبِرُونَ» أی یستعظمون ذلک و یتعجبون منه، فقالوا: (أَ جَعَلَ الْآلِهَهَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَیْ‏ءٌ عُجابٌ) أی الکثره فی عین الواحد، ما سمعنا بهذا فی آبائنا الأولین، فما أنکروه و لا ردوه بل استعظموه و استکبروه، و تعجبوا کیف تکون الأشیاء شیئا واحدا؟ و استکبروا مثل هذا الکلام من مثل هذا الشخص، حیث علموا أنه منهم و ما شاهد إلا ما شاهدوه، فمن أین له هذا الذی ادعاه؟ فحجبهم الحس عن معرفه الاختصاص الإلهی.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۳۶ الى ۴۸]

وَ یَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِکُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (۳۶) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ الْمُرْسَلِینَ (۳۷) إِنَّکُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِیمِ (۳۸) وَ ما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (۳۹) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِینَ (۴۰)

أُولئِکَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (۴۱) فَواکِهُ وَ هُمْ مُکْرَمُونَ (۴۲) فِی جَنَّاتِ النَّعِیمِ (۴۳) عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِینَ (۴۴) یُطافُ عَلَیْهِمْ بِکَأْسٍ مِنْ مَعِینٍ (۴۵)

بَیْضاءَ لَذَّهٍ لِلشَّارِبِینَ (۴۶) لا فِیها غَوْلٌ وَ لا هُمْ عَنْها یُنْزَفُونَ (۴۷) وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِینٌ (۴۸)

فبالحیاء قصر الطرف، فهن قاصرات الطرف، فلا یشاهدن فی نظرهن أحسن من أزواجهن.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۴۹ الى ۵۵]

کَأَنَّهُنَّ بَیْضٌ مَکْنُونٌ (۴۹) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ یَتَساءَلُونَ (۵۰) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّی کانَ لِی قَرِینٌ (۵۱) یَقُولُ أَ إِنَّکَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِینَ (۵۲) أَ إِذا مِتْنا وَ کُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِینُونَ (۵۳)

قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (۵۴) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِی سَواءِ الْجَحِیمِ (۵۵)

هذه قصه الرجلین اللذین ذکرهما اللّه فی سوره الکهف المضروب بهما المثل، و هو قوله تعالى: (وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَیْنِ) إلى آخر الآیات فی قصتهما فی الدنیا، و ذکر فی الصافات حدیثهما فی الآخره فی قوله تعالى: «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّی کانَ لِی قَرِینٌ یَقُولُ أَ إِنَّکَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِینَ» و فیها ذکر المعاتبه و فی قوله: «تَاللَّهِ إِنْ کِدْتَ لَتُرْدِینِ» لما اطلع فرآه فی سواء الجحیم، و هو قوله: (ما أَظُنُّ السَّاعَهَ قائِمَهً)

فاعلم وفقنا اللّه و إیاک أن درجات الجنه على عدد درکات النار، فما من درج إلا و یقابله درک من النار، و ذلک أن الأمر و النهی لا یخلو الإنسان إما أن یعمل بالأمر أو لا یعمل، فإذا عمل به کانت له درجه فی الجنه معینه لذلک العمل خاصه، و فی موازنه هذه الدرجه المخصوصه لهذا العمل الخاص إذا ترکه الإنسان درک فی النار، لو سقطت حصاه من تلک الدرجه من الجنه لوقعت على خط استواء فی ذلک‏ الدرک من النار،

فإذا سقط الإنسان من العمل بما أمر فلم یعمل، کان ذلک الترک لذلک العمل عین سقوطه إلى ذلک الدرک، قال تعالى: «فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِی سَواءِ الْجَحِیمِ» فالاطلاع على الشی‏ء من أعلى إلى أسفل، و السواء حد الموازنه على الاعتدال، فما رآه إلا فی ذلک الدرک الذی فی موازنه درجته، فإن العمل الذی نال به هذا الشخص تلک الدرجه ترکه هذا الشخص الآخر الذی کان قرینه فی الدنیا بعینه.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۵۶]

قالَ تَاللَّهِ إِنْ کِدْتَ لَتُرْدِینِ (۵۶)

معاتبه على قوله له فی الدنیا (ما أظن الساعه قائمه).

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۵۷]

وَ لَوْ لا نِعْمَهُ رَبِّی لَکُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِینَ (۵۷)

[نصیحه: لا تصاحب إلا من ترى معه الزیاده فی دینک‏]

– نصیحه- لا تصاحب أحدا إلا من ترى معه الزیاده فی دینک، فإن نقص منه فاهرب منه کهروبک من الأسد بل أشد، فإن الأسد یهدم دنیاک فیعطیک الدرجات، و قرین السوء یحرمک الدنیا و الآخره.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۵۸ الى ۶۰]

أَ فَما نَحْنُ بِمَیِّتِینَ (۵۸) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى‏ وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِینَ (۵۹) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ (۶۰)

اعلم أن أحدا لا یؤاخذه على ما جناه سوى ما جناه، فهو الذی آخذ نفسه، فلا یلومن إلا نفسه، و من اتقى مثل هذا فقد فاز فوزا عظیما.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۶۱]

لِمِثْلِ هذا فَلْیَعْمَلِ الْعامِلُونَ (۶۱)

إذ و لا بد من إضافه العمل إلینا، فإن اللّه أضاف الأعمال إلینا، و عیّن لنا محالها و أماکنها و أزمنتها و أحوالها، و أمرنا بها وجوبا و ندبا و تخییرا، کما أنه نهانا عزّ و جل عن أعمال معینه عیّن لها محالها و أماکنها و أزمانها و أحوالها، تحریما و تنزیها، و جعل لذلک کله جزاء بحساب‏ و بغیر حساب، من أمور ملذه و أمور مؤلمه، دنیا و آخره، و خلقنا و خلق فینا من یطلب الجزاء الملذ و ینفر بالطبع عن الجزاء المؤلم.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۶۲ الى ۶۴]

أَ ذلِکَ خَیْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَهُ الزَّقُّومِ (۶۲) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَهً لِلظَّالِمِینَ (۶۳) إِنَّها شَجَرَهٌ تَخْرُجُ فِی أَصْلِ الْجَحِیمِ (۶۴)

ما ذکر اللّه تعالى فی القرآن إلا ثمرات الجنه، فإنه جعلها منزل موافقه، و ذکر الشجره فی النار فقال: «إنها شجره تخرج من أصل الجحیم» فإنها دار نزاع و تشاجر.

  [سوره الصافات (۳۷): الآیات ۶۵ الى ۶۷]

طَلْعُها کَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّیاطِینِ (۶۵) فَإِنَّهُمْ لَآکِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (۶۶) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَیْها لَشَوْباً مِنْ حَمِیمٍ (۶۷)

أهل النار یجوعون و یظمئون، لأن المقصود منهم أن یتألموا، فإنهم فی دار بلاء فیأکلون عن جوع و یشربون عن عطش.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۶۸ الى ۸۹]

ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِیمِ (۶۸) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّینَ (۶۹) فَهُمْ عَلى‏ آثارِهِمْ یُهْرَعُونَ (۷۰) وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَکْثَرُ الْأَوَّلِینَ (۷۱) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِیهِمْ مُنْذِرِینَ (۷۲)

فَانْظُرْ کَیْفَ کانَ عاقِبَهُ الْمُنْذَرِینَ (۷۳) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِینَ (۷۴) وَ لَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِیبُونَ (۷۵) وَ نَجَّیْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْکَرْبِ الْعَظِیمِ (۷۶) وَ جَعَلْنا ذُرِّیَّتَهُ هُمُ الْباقِینَ (۷۷)

وَ تَرَکْنا عَلَیْهِ فِی الْآخِرِینَ (۷۸) سَلامٌ عَلى‏ نُوحٍ فِی الْعالَمِینَ (۷۹) إِنَّا کَذلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ (۸۰) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِینَ (۸۱) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِینَ (۸۲)

وَ إِنَّ مِنْ شِیعَتِهِ لَإِبْراهِیمَ (۸۳) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِیمٍ (۸۴) إِذْ قالَ لِأَبِیهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (۸۵) أَ إِفْکاً آلِهَهً دُونَ اللَّهِ تُرِیدُونَ (۸۶) فَما ظَنُّکُمْ بِرَبِّ الْعالَمِینَ (۸۷)

فَنَظَرَ نَظْرَهً فِی النُّجُومِ (۸۸) فَقالَ إِنِّی سَقِیمٌ (۸۹)

إشاره إلى حکمه علویه صدرت من الاسم الحکیم.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۹۰ الى ۹۵]

فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِینَ (۹۰) فَراغَ إِلى‏ آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْکُلُونَ (۹۱) ما لَکُمْ لا تَنْطِقُونَ (۹۲) فَراغَ عَلَیْهِمْ ضَرْباً بِالْیَمِینِ (۹۳) فَأَقْبَلُوا إِلَیْهِ یَزِفُّونَ (۹۴)

قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (۹۵)

وقع التوبیخ بهذه الآیه، و أخذوا بجهلهم حیث عبدوا من یعلمون أنه لیس بفاعل، فإن إضافه الفعل إلى المخلوقین فیه إشکال و لبس، و إن کانت القدره التی للمخلوقین ذوی الأفعال لا تزید على قدره العابد إیاهم، فهی قاصره عن سریانها فی جمیع الأفعال، فإن القدره الحادثه لا تخلق المتحیّزات من أعیان الجواهر و الأجسام، فعبدوا من لم یخلق أعیانهم، و لهذا وبخهم بقوله تعالى: (أَ فَمَنْ یَخْلُقُ کَمَنْ لا یَخْلُقُ أَ فَلا تَذَکَّرُونَ) و بهذا القدر أخذ عبده المخلوقین ذوی الأفعال.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۹۶]

وَ اللَّهُ خَلَقَکُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ (۹۶)

رد الحق کل صوره فی العالم تظهر عن الأسباب المنشئه لها إلى نفسه فی الخلق، فقال فی کل عامل‏ «وَ اللَّهُ خَلَقَکُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» فهو خالقک و خالق ما أضاف عمله إلیک، فأنت العامل لا العامل، کما قال: (وَ ما رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَ لکِنَّ اللَّهَ رَمى‏) و العمل لیس لجسم‏ الإنسان بما هو جسم،

و إنما العمل فیه لقواه، و قد أخبر أن العمل الذی یظهر من الإنسان المضاف إلیه أنه للّه خلق، فالأعمال خلق للّه مع کونها منسوبه إلینا، فلم ینسبها إلیه من جمیع الوجوه، و أضاف العمل إلینا بهذا الحکم مع کون ذلک العمل خلقا له و إبداعا، و من ذلک تعلم أن ظاهر الشریعه ستر على حقیقه حکم التوحید بنسبه کل شی‏ء إلى اللّه، فأنت مکلّف من حیث وجود عینک، محل للخطاب، و هو العامل بک من حیث أنه لا فعل لک، إذ الحدث لا أثر له فی عین الفعل، و لکن له حکم فی الفعل، إذ کان ما کلفه الحق من حرکه و سکون لا یعمله الحق إلا بوجود المتحرک و الساکن، فإن الحق تعالى عن الحرکه و السکون أو یکون محلا لتأثیره فی نفسه،

فقوله تعالى: «وَ ما تَعْمَلُونَ» أثبت بالضمیر، و نفى بالفعل الذی هو خلق، أی خلق ما تعملون، فالعمل لک و الخلق للّه، فنسب العمل إلیهم و إیجاده للّه تعالى، فإن أفعال العباد و إن ظهرت منهم لو لا اللّه ما ظهر لهم فعل أصلا، و الخلق قد یکون بمعنى الإیجاد و یکون بمعنى التقدیر، کما أنه قد یکون بمعنى الفعل، و ما أضاف الحق إلیه تعالى عین ما أضافه إلیک إلا لتعلم أن الأمر الواحد له وجوه، فمن حیث ما هو عمل أضافه إلیک و یجازیک علیه، و من حیث هو خلق هو للّه تعالى، فالعمل لک و الخلق للّه،

و بین الخلق و العمل فرقان فی المعنى و اللفظ، فنسب اللّه الفعل للعبد و نسب الناس الفعل للمخلوق، و إن کان الحق أصاره إلى ذلک فصار، فنسبه صار تجعل الفعل للعبد، و نسبه أصار تجعل الفعل للّه، و ظهور الفعل من العبد المخلوق بالاختیار و القصد و المباشره حقیقه مشهوده للبصر، و الفعل من المخلوق من کون الحق أصاره إلى ذلک فکان له کالآله للفاعل، و الآله هی المباشره للفعل، و ینسب الفعل لغیر الآله بصرا و عقلا، و بهذا القدر تعلق الجزاء و التکلیف لوجود الاختیار من الآله، و هی مسئله دقیقه فی غایه الغموض، و لا دلیل فی العقل یخرج الفعل عن العبد، و لا جاء به نص من الشارع لا یحتمل التأویل، فالأفعال من المخلوقین مقدره من اللّه، و وجود أسبابها کلها بالأصاله من اللّه، و لیس للعبد و لا لمخلوق فیها بالأصاله مدخل إلا من حیث ما هو مظهر لها،

و مظهر اسم فاعل و اسم مفعول، فما عمل أحد إلا ما أهّل له، ممن کبّره أو هلله، و ما هو إلا من حیث أنه محل لظهوره، و فتیله لسراجه و نوره، یقول اللّه تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى یَسْمَعَ کَلامَ اللَّهِ) و یقول و هو القائل على لسان عبده: [سمع اللّه لمن حمده‏] و یقول: [کنت سمعه الذی یسمع به‏ و بصره و لسانه و یده و رجله و غیر ذلک‏] قولا شافیا و بصره و لسانه و یده و رجله و غیر ذلک‏] قولا شافیا، لأنه ذکر أحکامها فقال: [الذی یبطش بها و یسعى بها و یتکلم به و یسمع به و یبصر به و یعلم‏] و معلوم أنه یسمع بسمعه أو بذاته یسمع، و على کل حال فجعل الحق هویته عین سمع عبده و بصره و یده و غیر ذلک، و الملک مع علمه بذلک یقول: (وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِکَ وَ نُقَدِّسُ لَکَ) و الجن یقول: (أَنَا خَیْرٌ مِنْهُ) و الرسول یقول: (ما قلت لهم إلا ما أمرتنی به) و من الناس من یقول: (أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِی الْحافِرَهِ) و السموات و الأرض و الجبال تأبى و تشفق من حمل الأمانه و تقول:

(أتینا طائعین) و قال الهدهد: (أحطت) علما (بما لم تحط به) و قالت نمله: (یا أَیُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساکِنَکُمْ لا یَحْطِمَنَّکُمْ سُلَیْمانُ وَ جُنُودُهُ) و قال اللّه: (یَوْمَ تَشْهَدُ عَلَیْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَیْدِیهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ) و قالت الجلود: (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِی أَنْطَقَ کُلَّ شَیْ‏ءٍ) و قال: (وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) فما ترک شیئا من المخلوقات إلا و أضاف الفعل إلیه، فما فی العالم إلا من نسب الفعل إلیه، أی إلى نفسه، مع علم العلماء باللّه أن الفعل للّه لا لغیره، و اللّه یقول: «وَ اللَّهُ خَلَقَکُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» فأضاف العمل إلیهم و هو خالقه و موجده،

أعنی العمل، فهذه المسأله لا یتخلص فیها توحید أصلا، لا من جهه الکشف و لا من جهه الخبر، فالأمر مربوط بین حق و خلق، و ما ثمّ عقل یدلّ على خلاف هذا، و لا خبر إلهی فی شریعه تخلص الفعل من جمیع الجهات إلى أحد الجانبین، و ما ثمّ إلا کشف و شرع و عقل، و هذه الثلاثه ما خلصت شیئا و لا یخلص أبدا دنیا و لا آخره- من باب الإشاره لا التفسیر-

قال أهل الإشاره «ما» هنا نافیه. فمن کرم اللّه سبحانه و تعالى أن یخلق فی عباده طاعته و یثنی علیهم بأنهم أطاعوا اللّه و رسوله، و ما بأیدیهم من الطاعه شی‏ء، غیر أنهم محل لها، فمن کرمه أنه أثنى علیهم بخلق هذه الصفات و الأفعال فیهم و منهم، ثم أثنى علیهم بأن أضاف ذلک کله إلیهم، إذ کانوا محلا للصفات المحموده شرعا، فهذه أعظم آیه وردت فی ثبوت الحیره فی العالم، فمن وقف مع المقاله المشروعه و جعل لها الحکم على ما أعطاه النظر العقلی من نقیض ما دل علیه الشرع، فذلک السالم الناجی، و من زاد على الوقوف العمل بالتقوى، جعل اللّه له فرقانا یفرق به بین أصحاب النحل و الملل و ما تعطیه الأدله العقلیه، التی تزیل حکم الشرع عند القائل بها، فیتأولها لیردها إلى دلیل عقله، فهو على خطر و إن أصاب، فعلیک بفرقان التقوى فإنه عن شهود و صحه وجود

[لطیفه «وَ اللَّهُ خَلَقَکُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» فهو العامل‏]

– لطیفه- «وَ اللَّهُ خَلَقَکُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» فهو العامل، فالعارف یبذل المجهود و هو على بینه من ربه أن اللّه هو العامل لما هو العبد له عامل، و لو لا ذلک ما کان التکلیف، فلا بد من نسبه فی العمل للعبد، فالنسبه إلى الخلق و العمل للحق، فهو تشریف، أعنی إضافه العمل إلیه، سواء شعر بذلک العبد أو لم یشعر. و اعلم أنه ما من عمل إلا و هو أمر وجودی، و ما من أمر وجودی إلا و هو دلاله على وجود اللّه و توحیده، سواء کان ذلک الأمر مذموما عرفا و شرعا أو محمودا عرفا و شرعا، و التوحید المؤثر فی إزاله حکم الشریعه کمن ینسب الأفعال کلها إلى اللّه من جمیع الوجوه، فلا یبالی فیما یظهر علیه من مخالفه أو موافقه، فمثل هذا التوحید یجب التنزیه منه لظهور هذا الأثر، فإنه خرق للشریعه و رفع لحکم اللّه،

فالأعمال خلق للّه مع کونها منسوبه إلینا، فلم تنسب إلیه من کل الوجوه، فإن اللّه تعالى خلق الأفعال کلها، ثم قسمها إلى محمود و مذموم، فانظر حیث یقیمک، فإن أقامک فی مذموم فاعلم أنک فی الوقت ممقوت، فاستدرک بالإزاله و التفرغ و الإنابه، و إذا أقامک فی محمود فاعلم أنک فی الوقت محبوب، فإن فعلت ما لا یرضی الحق منک فارجع على نفسک بالمذمه و التقصیر، فأنت مأجور فی هذه الشرکه، بل هو حقیقه التوحید، فإن توحیدا بغیر أدب لیس بتوحید، فإن لم تر العیب من نفسک، و لا رجعت علیها بالذم، و لا ندمت على فعلک، لم یصح لک توبه، و إذا لم تتب لم تکن محبوبا و لا تنفعک تلک الحقیقه فی الدنیا و لا فی الآخره

 

[إشاره: إذا ترکت ما للّه عند اللّه کنت راشدا]

– إشاره- کما أن الإنسان إذا ترک ما للناس عند الناس أحبه الناس، کذلک إذا ترکت ما للّه عند اللّه و لم تطمع فیه، و لا أضفت شیئا إلى نفسک من جمیع أفعالک، کنت على الحقیقه زاهدا و على التوحید راشدا.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۹۷ الى ۱۰۲]

قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْیاناً فَأَلْقُوهُ فِی الْجَحِیمِ (۹۷) فَأَرادُوا بِهِ کَیْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِینَ (۹۸) وَ قالَ إِنِّی ذاهِبٌ إِلى‏ رَبِّی سَیَهْدِینِ (۹۹) رَبِّ هَبْ لِی مِنَ الصَّالِحِینَ (۱۰۰) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِیمٍ (۱۰۱)

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْیَ قالَ یا بُنَیَّ إِنِّی أَرى‏ فِی الْمَنامِ أَنِّی أَذْبَحُکَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى‏ قالَ یا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِی إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِینَ (۱۰۲)

 

[لم ابتلی إبراهیم علیه السلام بذبح ابنه‏]

اعلم أن رؤیا الأنبیاء وحی، و لکنه إذا رأى صاحب الرؤیا سواء کان نبیا أو غیر نبی الأمر کما هو فی نفسه فلیس بحلم، و إنما ذلک کشف لا حلم، سواء کان فی نوم أو یقظه، کما أن الحلم قد یکون فی الیقظه کما هو فی النوم، کصوره دحیه التی ظهر بها جبریل علیه السلام فی الیقظه، فدخلها التأویل، و لا یدخل التأویل النصوص، فالحلم فی النوم یفسد المعنى عن صورته، لأنه ألحقه بالحس و لیس بمحسوس حتى یراه من لا علم له بأصله فیحکم علیه بما رآه من الصوره التی رآه علیها، و یجی‏ء العارف بذلک فیعبر تلک الصوره إلى المعنى الذی جاءت له و ظهر بها، فیردها إلى أصلها، کما أفسد الحلم العلم فأظهره فی صوره اللبن و لیس بلبن،

فرده رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم بتأویل رؤیاه إلى أصله و هو العلم، فجرد عنه تلک الصوره، کذلک قول إبراهیم لابنه و قد رأى أنه یذبح ابنه، فأخذ بالظاهر على أن الأمر کما رآه، و ما کان إلا الکبش، و هو الذبح العظیم ظهر فی صوره ابنه، فرأى أنه یذبح ابنه فذبح الکبش، فهو تأویل رؤیاه على غیر علم منه قال إبراهیم علیه السلام لابنه‏ «إِنِّی أَرى‏ فِی الْمَنامِ أَنِّی أَذْبَحُکَ» و المنام حضره الخیال، فلم یعبرها و کان کبشا ظهر فی صوره ابن إبراهیم علیه السلام فی المنام، فصدق إبراهیم الرؤیا، لأن الأنبیاء یعطون العلم فی مرائیهم، العلم فی نفس الرؤیا،

فیستغنون عن التأویل لوجود النص فی الخطاب البرزخی، و لذلک لم یحتج إبراهیم إلى تأویل، بل قال: «إِنِّی أَرى‏ فِی الْمَنامِ أَنِّی أَذْبَحُکَ» و لذلک قال تعالى: (وَ فَدَیْناهُ) یعنی تلک الصوره، و هی ابنه التی رآها إبراهیم علیه السلام، و لما بشر إبراهیم علیه السلام فی إجابه دعائه فی قوله: (رَبِّ هَبْ لِی مِنَ الصَّالِحِینَ) ابتلی فیما بشّر به لأنه سأل من اللّه سواه، و اللّه غیور، فابتلاه بذبحه و هو أشد علیه من ابتلائه بنفسه،

و ذلک أنه لیس له فی نفسه منازع سوى نفسه، فبأدنى خاطر یردها فیقل جهاده، و ابتلاؤه بذبح ابنه لیس کذلک، لکثره المنازعین فیه، فیکون جهاده أقوى، و لما ابتلی بذبح ما سأله من ربه، و تحقق نسبه الابتلاء و صار بحکم الواقعه، فکأنه قد ذبح و إن کان حیا، بشّر بإسحاق علیه السلام من غیر سؤال، فجمع له بین الفداء و بین البدل مع بقاء المبدل منه، فجمع له بین الکسب و الوهب، فالذبح مکسوب من جهه السؤال و موهوب من جهه الفداء، فإن فداءه لم یکن‏ مسئولا، و إسحاق موهوب، فلما کان إسماعیل قد جمع له بین الکسب و الوهب فی العطاء، فکان مکسوبا موهوبا لأبیه فکانت حقیقه کامله، لذلک کان محمد صلّى اللّه علیه و سلم فی صلبه، فکانت فی شریعتنا ضحایانا فداء لنا من النار.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱۰۳]

فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِینِ (۱۰۳)

[إشاره: بادر إبراهیم إلى ضیافه ربه بولده‏]

– إشاره- اتخذ إبراهیم علیه السلام ابنه قربانا، لیصح کرمه حقیقه و برهانا، فإنه قصد قرى الواحد المالک، و ذلک أنه لما نزل إلى قلبه، تعینت علیه ضیافه ربه، و لم یضفه بنفسه دون غیره، لأنه لم یکن له فیها منازعون ینازعونه، فإن نفسه لم یکن له فیها منازع، و أما الولد فکانت أمه تنازعه فیه، و النفس تنازع فیه من نسبه الأبوه، و العجله من الشیطان إلا فی خمسه، منها تقدیم الطعام للضیف، لذا بادر إبراهیم إلى ضیافه ربه بولده.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۰۴ الى ۱۰۵]

وَ نادَیْناهُ أَنْ یا إِبْراهِیمُ (۱۰۴) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْیا إِنَّا کَذلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ (۱۰۵)

و ما قال له: صدقت فی الرؤیا أنه ابنک، لأنه ما عبّرها، بل أخذ بظاهر ما رأى، و الرؤیا تطلب التعبیر، فلو صدق فی الرؤیا لذبح ابنه، و إنما صدق الرؤیا فی أن ذلک عین ولده، و ما کان عند اللّه إلا الذبح العظیم فی صوره ولده.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱۰۶]

إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِینُ (۱۰۶)

أی الاختبار المبین، أی الظاهر، و یعنی الاختبار فی العلم، هل یعلم ما یقتضیه موطن الرؤیا من التعبیر أم لا؟ لأنه یعلم أن موطن الخیال یطلب التعبیر، فما وفّى الموطن حقه و صدّق الرؤیا، و کل عذاب فی الدنیا یکون بلاء، إذ کانت دار اختبار.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱۰۷]

وَ فَدَیْناهُ بِذِبْحٍ عَظِیمٍ (۱۰۷)

«وَ فَدَیْناهُ» من أسر الهلاک یعنی تلک الصوره و هی ابنه التی رآها إبراهیم علیه السلام‏ «بِذِبْحٍ عَظِیمٍ» و هو الکبش ففداه ربه بالذبح العظیم الذی هو تعبیر رؤیا إبراهیم علیه السلام‏ عند اللّه و هو لا یشعر، فالتجلی الصوری فی حضره الخیال یحتاج إلى علم آخر، فجعل اللّه الکبش قیمه روح نبی مکرم، و عظّمه و جعله فداء ولد إبراهیم، نبی ابن نبی، فلیس فی الحیوان بهذا الاعتبار أرفع درجه من الغنم، و هی ضحایا هذه الأمه.

فداء نبی ذبح ذبح لقربان‏ و أین ثؤاج کبش من نوس إنسان‏
و عظّمه اللّه العظیم عنایه بنا أو به لم أدر من أی میزان‏
و لا شک أن البدن أعظم قیمه و قد نزلت عن ذبح کبش لقربان‏
فیا لیت شعری کیف ناب بذاته‏ شخیص کبیش عن خلیفه رحمان‏

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۰۸ الى ۱۳۸]

وَ تَرَکْنا عَلَیْهِ فِی الْآخِرِینَ (۱۰۸) سَلامٌ عَلى‏ إِبْراهِیمَ (۱۰۹) کَذلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ (۱۱۰) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِینَ (۱۱۱) وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِیًّا مِنَ الصَّالِحِینَ (۱۱۲)

وَ بارَکْنا عَلَیْهِ وَ عَلى‏ إِسْحاقَ وَ مِنْ ذُرِّیَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِینٌ (۱۱۳) وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلى‏ مُوسى‏ وَ هارُونَ (۱۱۴) وَ نَجَّیْناهُما وَ قَوْمَهُما مِنَ الْکَرْبِ الْعَظِیمِ (۱۱۵) وَ نَصَرْناهُمْ فَکانُوا هُمُ الْغالِبِینَ (۱۱۶) وَ آتَیْناهُمَا الْکِتابَ الْمُسْتَبِینَ (۱۱۷)

وَ هَدَیْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِیمَ (۱۱۸) وَ تَرَکْنا عَلَیْهِما فِی الْآخِرِینَ (۱۱۹) سَلامٌ عَلى‏ مُوسى‏ وَ هارُونَ (۱۲۰) إِنَّا کَذلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ (۱۲۱) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِینَ (۱۲۲)

وَ إِنَّ إِلْیاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِینَ (۱۲۳) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ (۱۲۴) أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِینَ (۱۲۵) اللَّهَ رَبَّکُمْ وَ رَبَّ آبائِکُمُ الْأَوَّلِینَ (۱۲۶) فَکَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (۱۲۷)

إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِینَ (۱۲۸) وَ تَرَکْنا عَلَیْهِ فِی الْآخِرِینَ (۱۲۹) سَلامٌ عَلى‏ إِلْ‏یاسِینَ (۱۳۰) إِنَّا کَذلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ (۱۳۱) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِینَ (۱۳۲)

وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِینَ (۱۳۳) إِذْ نَجَّیْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِینَ (۱۳۴) إِلاَّ عَجُوزاً فِی الْغابِرِینَ (۱۳۵) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِینَ (۱۳۶) وَ إِنَّکُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَیْهِمْ مُصْبِحِینَ (۱۳۷)

وَ بِاللَّیْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (۱۳۸)

أی تعلمون منهم فی الصباح ما تعلمون منهم فی اللیل، فاللیل و الصباح عندهم سواء فی العبره، فهذا معنى قوله‏ «أَ فَلا تَعْقِلُونَ».

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۳۹ الى ۱۴۵]

وَ إِنَّ یُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِینَ (۱۳۹) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْکِ الْمَشْحُونِ (۱۴۰) فَساهَمَ فَکانَ مِنَ الْمُدْحَضِینَ (۱۴۱) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِیمٌ (۱۴۲) فَلَوْ لا أَنَّهُ کانَ مِنَ الْمُسَبِّحِینَ (۱۴۳)

لَلَبِثَ فِی بَطْنِهِ إِلى‏ یَوْمِ یُبْعَثُونَ (۱۴۴) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِیمٌ (۱۴۵)

[لم یولد أحد من ولد آدم ولادتین سوى یونس علیه السلام‏]

استجاب اللّه لیونس علیه السلام دعاءه، فنجاه من الغم من ظلمه بطن الحوت و البحر، فقذفه الحوت من بطنه، فلم یولد أحد من ولد آدم ولادتین سوى یونس علیه السلام، فخرج ضعیفا کالطفل کما قال: «وَ هُوَ سَقِیمٌ» و رباه بالیقطین، فإن ورقه ناعم و لا ینزل علیه الذباب فقال.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱۴۶]

وَ أَنْبَتْنا عَلَیْهِ شَجَرَهً مِنْ یَقْطِینٍ (۱۴۶)

فإن ورق الیقطین مثل القطن فی النعومه، بخلاف سائر ورق الأشجار کلها، فإن فیها خشونه، فمن لطفه تعالى أنبت علیه شجره من یقطین، إذ خرج کالفرخ، فلو نزل علیه الذباب آذاه.

 

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱۴۷]

وَ أَرْسَلْناهُ إِلى‏ مِائَهِ أَلْفٍ أَوْ یَزِیدُونَ (۱۴۷)

فجاء بأو التی للشک، و هذا محال على اللّه تعالى، فلما نزل الحق فی جماله فی هذه الآیه مباسطه معنا، و الشک منوط بنا، فقام للعبد ضرب من المناسبه، فإن کان العبد جاهلا حمل ربه على نفسه و وصفه بالشک فضلّ، و إن کان محققا هرب إلى قوله تعالى‏ (وَ أَحْصى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ عَدَداً) فوقف على سر ذلک، و ألحق الشک بالرؤیه البشریه المعتاده على الخطاب المتعارف بین العرب بالکثره، فیعود الشک على المخلوق، و إن أراد إحصاء العدد و أراد أن ینزه نفسه من غیر الوجه الذی نزه بارئه، فلیأخذها على إراده الکثره لا عن العدد، و إن کانت لا تخلو عن عدد محقق، و لکن لم یرد القائل هنا الإعلام بتعیین العدد، و إنما تعلقت الإراده بالإعلام بالکثره، فهذه الصیغه إذا کانت المتعارفه بین المرسل إلیهم لا یریدون بها الوقوف على عدد محقق.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱۴۸]

فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِینٍ (۱۴۸)

«فَآمَنُوا» أرضى اللّه تعالى یونس علیه السلام فی أمته فنفعها إیمانها و لم یفعل ذلک مع أمه قبلها «فَمَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِینٍ» لما اشتد البلاء على قوم یونس، و کانت اللحظه الزمانیه عندهم فی وقت رؤیه العذاب کالسنه أو أطول، ذکر أنه تعالى جعل فی مقابله هذا الطول الذی وجدوه فی نفوسهم أن متعهم إلى حین، فبقوا فی نعیم الحیاه زمنا طویلا لم یکن یحصل لهم لو لا هذا البلاء، فانظر ما أحسن إقامه الوزن فی الأمور، و قد قیل إن الحین الذی جعله غایه تمتعهم أنه القیامه و اللّه أعلم.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۴۹ الى ۱۵۰]

فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّکَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ (۱۴۹) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِکَهَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ (۱۵۰)

أنکر اللّه على المشرکین نسبه الأنوثه إلى الملائکه بقوله: «أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِکَهَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ».

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۵۱ الى ۱۵۳]

أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْکِهِمْ لَیَقُولُونَ (۱۵۱) وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَکاذِبُونَ (۱۵۲) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِینَ (۱۵۳)

جعلت هذه الطائفه للّه ما یکرهون، فقالوا الملائکه بنات اللّه، فحکموا علیه بأنه اصطفى البنات على البنین، فتوجه علیهم الحکم بالإنکار فی حکمهم، مع کونهم یکرهون ذلک لنفوسهم.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۵۴ الى ۱۵۸]

ما لَکُمْ کَیْفَ تَحْکُمُونَ (۱۵۴) أَ فَلا تَذَکَّرُونَ (۱۵۵) أَمْ لَکُمْ سُلْطانٌ مُبِینٌ (۱۵۶) فَأْتُوا بِکِتابِکُمْ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ (۱۵۷) وَ جَعَلُوا بَیْنَهُ وَ بَیْنَ الْجِنَّهِ نَسَباً وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّهُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (۱۵۸)

یعنی بالجنه هنا الملائکه، فإن اللّه تعالى لما خلق الأرواح النوریه و الناریه أعنی الملائکه و الجان، شرّک بینهما فی أمر و هو الاستتار عن أعین الناس، مع حضورهم معهم فی مجالسهم و حیث کانوا، و لهذا سمى اللّه الطائفتین من الأرواح جنا، أی مستورین عنا فلا نراهم، فقال تعالى فی الذین قالوا إن الملائکه بنات اللّه‏ «وَ جَعَلُوا بَیْنَهُ وَ بَیْنَ الْجِنَّهِ نَسَباً» و الجنه من الملائکه هم الذین یلازمون الإنسان و یتعاقبون فینا باللیل و النهار و لا نراهم عاده،

و إذا أراد اللّه عزّ و جل أن یراهم من یراهم من الإنس من غیر إراده منهم لذلک، رفع اللّه الحجاب عن عین الذی یرید اللّه أن یدرکهم، فیدرکهم، و قد یأمر اللّه الملک و الجن بالظهور لنا فیتجسدون لنا فنراهم، أو یکشف اللّه الغطاء عنا فنراهم رأی العین، فقد نراهم أجسادا على صور، و قد نراهم لا على صور بشریه بل نراهم على صور أنفسهم‏ «وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّهُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ» الجنه هنا قد تکون الملائکه و الشیاطین، فإن الملائکه رسل من اللّه إلى الإنسان موکلون به، حافظون کاتبون أفعالنا، و الشیاطین مسلطون على الإنسان بأمر اللّه، فهم مرسلون إلینا من اللّه.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۵۹ الى ۱۶۴]

سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ (۱۵۹) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِینَ (۱۶۰) فَإِنَّکُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ (۱۶۱) ما أَنْتُمْ عَلَیْهِ بِفاتِنِینَ (۱۶۲) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِیمِ (۱۶۳)

وَ ما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (۱۶۴)

 

[إشاره: من قول الملائکه (وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ)]

فمنهم أهل العروج باللیل و النهار، من الحق إلینا و منا إلى الحق، فی کل صباح و مساء، و ما یقولون إلا خیرا فی حقنا، و منهم المستغفرون لمن فی الأرض، و منهم المستغفرون للمؤمنین لغلبه الغیره الإلهیه علیهم کما غلبت الرحمه على المستغفرین لمن فی الأرض، و منهم الموکلون بإیصال الشرائع، و منهم أیضا الموکلون باللمات، و منهم الموکلون بالإلهام و هم الموصلون العلوم إلى القلوب، و منهم الموکلون بالأرحام، و منهم الموکلون بتصویر ما یکوّن اللّه فی الأرحام، و منهم الموکلون بنفخ الأرواح، و منهم الموکلون بالأرزاق، و منهم الموکلون بالأمطار،

و ما من حادث یحدث اللّه فی العالم إلا و قد وکّل اللّه بإجرائه ملائکه، کما منهم أیضا الصافات و الزاجرات و التالیات و المقسمات و المرسلات و الناشرات و النازعات و الناشطات و السابقات و السابحات و الملقیات و المدبرات، و هم جمیعا تحت سلطان الولاه الاثنی عشر، ملائکه البروج، فإنهم ینفذون أوامر اللّه فی خلقه، و من ذلک فی عروج الرسول صلّى اللّه علیه و سلم لما وصل إلى المقام الذی لا یتعداه البراق،

و لیس فی قوته أن یتعداه، تدلى إلى الرسول الرفرف فنزل عن البراق و استوى على الرفرف و صعد به الرفرف، و فارقه جبریل، فسأله الصحبه فقال: إنه لا یطیق ذلک، و قال له‏ «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» فبالمقامات فضل اللّه کل صنف بعضه على بعض، فاعترفت الملائکه بأن لهم حدودا یقفون عندها لا یتعدونها، و ذلک أن کل واحد منهم على شریعه من ربه متعبد بعباده خاصه،

و من ذلک یعلم أن الملائکه مع کونها لها مقامات معلومه لا تتعداها، لها الترقی بالعلم لا بالعمل، و قد عرفنا اللّه تعالى أنه علّمهم الأسماء على لسان آدم علیه السلام، فزادهم علما إلهیا لم یکن عندهم- إشاره- اعلم أن الملائکه قالت‏ «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» و هکذا کل موجود ما عدا الثقلین، و إن کان الثقلان أیضا مخلوقین فی مقامهما، غیر أن الثقلین لهما فی علم اللّه مقامات معینه مقدره عنده غیبت عنهما، إلیها ینتهی کل شخص منهما بانتهاء أنفاسه،

فآخر نفس هو مقامه المعلوم الذی یموت علیه، و لهذا دعوا إلى السلوک فسلکواعلوا بإجابه الدعوه المشروعه، و سفلا بإجابه الأمر الإرادی من حیث لا یعلمون إلا بعد وقوع المراد، فکل شخص من الثقلین ینتهی فی سلوکه إلى المقام المعلوم الذی خلق له، و منهم شقی و سعید، و کل موجود سواهما فمخلوق فی مقامه فلم ینزل عنه، فلم یؤمر بسلوک إلیه لأنه فیه، من ملک و حیوان و نبات و معدن، فهو سعید عند اللّه لا شقاء یناله، فقد دخل الثقلان فی قول الملائکه «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» عند اللّه،

و لا یتمکن لمخلوق من العالم أن یکون له علم بمقامه إلا بتعریف إلهی، لا بکونه فیه، فإن کل سوى اللّه ممکن، و من شأن الممکن أن لا یقبل مقاما معینا لذاته، و إنما ذلک لمرجحه بحسب ما سبق فی علمه به، و لذلک یقال فی الثقلین: إن المقامات مکاسب، و هی استیفاء الحقوق المرسومه شرعا على التمام، فإذا قام العبد فی الأوقات بما تعین علیه من المعاملات و صنوف المجاهدات و الریاضات التی أمره الشارع أن یقوم بها، و عیّن نعوتها و أزمانها و ما ینبغی لها، و شروطها التمامیه و الکمالیه الموجبه صحتها، فحینئذ یکون صاحب مقام.

 

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۶۵ الى ۱۶۶]

وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (۱۶۵) وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (۱۶۶)

أثنت الملائکه على أنفسهم بعد معرفتهم و تعریفهم بمقامهم.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۶۷ الى ۱۷۱]

وَ إِنْ کانُوا لَیَقُولُونَ (۱۶۷) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِکْراً مِنَ الْأَوَّلِینَ (۱۶۸) لَکُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِینَ (۱۶۹) فَکَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ یَعْلَمُونَ (۱۷۰) وَ لَقَدْ سَبَقَتْ کَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِینَ (۱۷۱)

بما سبقت به المشیئه، فقد سبقت المشیئه بما سبقت، و ما تعلقت المشیئه الإلهیه بکونه فلا بد من کونه، فالخاتمه هی عین السابقه، و إنما سمیت سابقه من أجل تقدیمها على الخاتمه.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۷۲ الى ۱۷۳]

إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (۱۷۲) وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (۱۷۳)

[ «وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» الآیه]

«لَهُمُ الْغالِبُونَ» لمن نازعه فی ملکه، و هنا أضاف الحق الجند إلى نفسه بضمیر الکنایه عن ذاته، و لم یصرح باسم إلهی معیّن منصوص علیه، اکتفاء بتسمیتهم جندا، و الأجناد لا تکون إلا للملک، فالإضافه إلیه سبحانه من اسمه الملک، فهم عبید الملک، و بیّن أنهم أهل عده، إذ کانت العده من خصائص الأجناد التی تقع بها الغلبه على الأعداء، و الأعداء الذین فی مقابله هؤلاء الأجناد الشیاطین و الأهواء و المصارف المذمومه کلها،

و سلطانهم الهوى، و عده هؤلاء الجند التقوى و المراقبه و الحیاء و الخشیه و الصبر و الافتقار، و المیدان الذی یکون فیه المصاف و المقابله إذا تراءى الجمعان بینهم و بین الأعداء، هو العلم فی حق بعض الأجناد، و الإیمان فی حق بعضهم، و العلم و الإیمان معا فی حق الطبقه الثالثه من الجند، و الآله التی یدفع بها العدو المنازع هو الدلیل القطعی من جهه النظر عند العلماء بتوحید اللّه، أو بخرق العاده عند أهل الإیمان الذین لهم علم ضروری یجدونه فی أنفسهم، فتقوم لهم خرق العوائد مقام الأدله للعالم،

فیدفعون بخرق العوائد أعداء اللّه و أعداءهم کما یدفعه صاحب الدلیل، و کل شخص یقدر على دفع عدو بآله تکون عنده فهو من جنده سبحانه و تعالى، الذین لهم الغلبه و القهر، و هو التأیید الإلهی الذی به یقع ظهورهم على الأعداء، و أما قوله تعالى: «لَهُمُ الْغالِبُونَ» الذین لا یغلبون؛ فمنهم الریح العقیم، و منهم الطیر التی أرسلت على أصحاب الفیل، و کذلک کل جند لیس لمخلوق فیه تصرف، قال صلّى اللّه علیه و سلم: [نصرت بالصبا] و قال: [نصرت بالرعب بین یدی مسیره شهر] و تختلف الجند،

فإن جند الریاح ما هی جند الطیر، ما هی جند المعانی الحاصله فی نفوس الأعداء کالروع و الجبن، و منته کل جند إلى فعله الذی وجّه إلیه من حصار قلعه و ضرب مصاف أو غاره أو کبسه، کل جند له خاصیه فی نفس الأمر لا یتعداها، قال تعالى فی الطیر (تَرْمِیهِمْ بِحِجارَهٍ) و قال فی الریح‏ (ما تَذَرُ مِنْ شَیْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَیْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ کَالرَّمِیمِ) و قال فی الرعب‏ (وَ قَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ یُخْرِبُونَ بُیُوتَهُمْ بِأَیْدِیهِمْ).

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۷۴ الى ۱۷۷]

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِینٍ (۱۷۴) وَ أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ یُبْصِرُونَ (۱۷۵) أَ فَبِعَذابِنا یَسْتَعْجِلُونَ (۱۷۶) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِینَ (۱۷۷)

کان النبی صلّى اللّه علیه و سلم لا یغیر على مدینه إذا جاءها لیلا حتى یصبح، فإن سمع أذانا أمسک‏ و إلا أغار، و کان یتلو إذا لم یسمع أذانا [إنا إذا نزلنا بساحه قوم، فساء صباح المنذرین‏] فلو أجمع أهل مدینه على ترک سنه وجب قتالهم، و لو ترکها واحد لم یقتل.

[سوره الصافات (۳۷): الآیات ۱۷۸ الى ۱۸۰]

وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِینٍ (۱۷۸) وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ یُبْصِرُونَ (۱۷۹) سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ (۱۸۰)

[تنزیه الحق عن وصف الواصفین‏]

– الوجه الأول- الخطاب لمحمد صلّى اللّه علیه و سلم فی حق کل ناظر فی صفات اللّه، فیقول له‏ «سُبْحانَ رَبِّکَ» لمحمد صلّى اللّه علیه و سلم ضمیر هذا الکاف، أی ربک الذی أرسلک إلیهم، لتعرفهم بما أرسلک به إلیهم و أنزله بوساطتک علیهم‏ «رَبِّ الْعِزَّهِ» العزه الامتناع، و التسبیح تنزیه، و التنزیه بعد عما نسب إلیه من الصاحبه و الولد، فذکر سبحانه أنّه امتنعت ذاته أن تکون محلا لما وصفه به الملحدون، فإن العزه المنع، فالحق منزه الذات لنفسه، ما تنزه بتنزیه عبده إیاه، و تنزیه الخلق الحق إنما هو علم لا عمل،

إذ لو کان التنزیه من الخلق إلههم عملا لکان اللّه الذی هو المنزّه سبحانه محلا لأثر هذا العمل، فکان قوله تعالى: «سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ» أی هو الممتنع لنفسه أن یقبل ما وصفوه به فی نظرهم و حکموا علیه بعقولهم، و أن الحق لا یحکم علیه الخلق، و العقل و العاقل خلق، و إنما یعرف الحق من الحق بما أنزله إلینا أو أطلعنا علیه کشفا و شهودا، بوحی إلهی، أو برساله رسول ثبت صدقه و عصمته فیما یبلغه عن اللّه، فدخل تحت قوله تعالى فی تنزیه نفسه‏ «عَمَّا یَصِفُونَ» العیاذ برب العزه عما یصفون، یرید مما یطلق علیه مما لا ینبغی لجلاله من الصاحبه و الولد و الأنداد، و عما یصفه به عباده مما تعطیهم أدلتهم فی زعمهم بالنظر الفکری، فالفیلسوف نفى عن الحق العلم بمفردات العالم الواقعه فی الحس، لأن حصول هذا العلم على التعیین إنما هو للحس و اللّه منزه عن الحواس،

و أما المتکلم الأشعری فانتقل من تنزیهه عن التشبیه بالمحدث إلى التشبیه بالمحدث، فقال مثلا فی استوائه على العرش: إنه یستحیل علیه أن یکون استواؤه استواء الأجسام لأنه لیس بجسم، لما فی ذلک من الحد و المقدار و طلب المخصص المرجح للمقادیر، فیثبت له الافتقار، بل استواؤه کاستواء الملک على ملکه، و أنشدوا فی ذلک استشهادا على ما ذهبوا إلیه من الاستواء.

قد استوى بشر على العراق‏ من غیر سیف و دم مهراق‏

فشبهوا استواء الحق على العرش باستواء بشر على العراق، و استواء بشر محدث، فشبهوه بالمحدث، و القدیم لا یشبه المحدث، فقال تعالى تنزیها «عَمَّا یَصِفُونَ» من حیث نظرهم، و استدلوا بعقولهم أن العلم باللّه لا یقبل التحول إلى الجهل و لا الدخول علیه، و ما من دلیل عقلی إلا و یقبل الدخل و الشبهه، و لهذا اختلف العقلاء، فکل واحد من المخالفین عنده دلیل مخالفه شبهه لمخالفه، لکونه خالف دلیل هذا الآخر، فعین أدلتهم هی عین شبهاتهم، فأین الحق؟ و أین الثقه؟

و أصل الفساد إنما وقع من حیث حکّموا الخلق على الحق الذی أوجدهم، فمن وصف الحق إنما وصف نفسه، و لا یعرف منه إلا نفسه، لأن رب العزه لا یعیّنه وصف، و لا یقیده نعت، و لا یدل على حقیقته اسم خاص، و إن لم یکن الحکم ما ذکرناه فما هو رب العزه، فإن العزیز هو المنیع الحمى، و من یوصل إلیه بوجه ما من وصف أو نعت أو علم أو معرفه فلیس بمنیع الحمى، و لذلک عمم بقوله‏ «عَمَّا یَصِفُونَ» فالعلم بالسلب هو العلم باللّه سبحانه، و للّه الأسماء ما له الصفات، فإنه تنزه عن الصفه لا عن الاسم،

فالحق سبحانه لا یعرف فی لیس کمثله شی‏ء، و فیما ذکره فی سوره الإخلاص، و فی عموم قوله بالتسبیح الذی هو التنزیه‏ «رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ» و العزه تقتضی المنع أن یوصل إلى معرفته، و إن کان تعبدنا بما وصف به نفسه شرعا، فنقرره فی موضعه و نقوله کما أمرنا به على جهه القربه إلیه، و ما ظفر بالأمر إلا من جمع بین التنزیه و التشبیه، فقال بالتنزیه من وجه عقلا و شرعا، و قال بالتشبیه من وجه شرعا لا عقلا، و الشهود یقضی بما جاءت به الرسل إلى أممها فی اللّه، فمن شاء فلیؤمن و من شاء فلیکفر، فکل واصف فإنما هو واقف مع نعت مخصوص، فینزه اللّه نفسه عن ذلک النعت من حیث تخصیصه، لا من حیث أنه له،

فإن له أحدیه المجموع لا أحدیه کل واحد من المجموع، و الواصف إنما یصفه بأحدیه کل واحد من المجموع، فهو المخاطب أعنی من نعته بذلک، بقوله‏ «سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ» لذلک ما ورد خبر بالصفات، لما فیها من الآفات، أ لا ترى من جعله موصوفا، کیف یقول: إن لم یکن کذلک کان مئوفا، و ما علم أن الذات إذا قام کمالها على الوصف، فإنه حکم علیها بالنقص الخالص الصرف، من لم یکن کماله لذاته، افتقر بالدلیل فی الکمال إلى صفاته، و صفاته ما هی عینه، فقد جهل‏ القائل: إن الصفه کونه، فقال تعالى: «سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ»

القائل: إن الصفه کونه، فقال تعالى: «سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ» فأوقف العالم فی مقام الجهل و العجز و الحیره، لیعرف العارفون ما طلب منهم من العلم به، و ما لا یمکن أن یعلم، فیتأدبون و لا یتجاوزون مقادیرهم، کما قالت الیهود فی الخبر النبوی المشهور: من کون الحق یضع الأرض یوم القیامه على إصبع و السموات على إصبع- الحدیث- فقرأ النبی صلّى اللّه علیه و سلم (ما قدروا اللّه حق قدره) فصاحب علم النظر الواقف مع عقله، المتحکم على الحق بدلیله، هیهات أن یدرک الألوهیه، و أین الألوهیه من الکون؟! و أین المحدث من حضره العین؟! کیف یدرک من له شبه من لا شبه له؟

للعقل عقل مثله، و لیس للحق حق مثله، محال وجود ذاتین و إلهین، لا یشبه شیئا، و لا یتقید بشی‏ء، و لا یحکم علیه شی‏ء، بل ما یضاف إلیه إلا بقدر ما تمس حاجه الممکن المقیّد إلیه، فالعقل ما عرفه، کیف یلتمس بأمر هو خلقه عاجزا فقیرا مستمدا؟ تعالى اللّه عن إدراک المدرکین علوا کبیرا «سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ» (لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ) فلا یطلب بالعقول، ما لا یصح إلیه الوصول-

الوجه الثانی- اعلم أن عین العبد لا تستحق شیئا من حیث عینه، لأنه لیس بحق أصلا، و الحق هو الذی یستحق ما یستحق، فجمیع الأسماء التی فی العالم و یتخیل أنها حق للعبد حق للّه، فالاستحقاق بجمیع الأسماء الواقعه فی الکون الظاهره الحکم إنما یستحقها الحق، و العبد یتخلق بها، و لیس للعبد سوى عینه، و لا یقال فی الشی‏ء: إنه یستحق عینه، فإن عینه هویته، فلا حق و لا استحقاق، و کل ما عرض أو وقع علیه اسم من الأسماء إنما وقع على الأعیان من کونها مظاهر، فما وقع اسم إلا على وجود الحق فی الأعیان، و الأعیان على أصلها لا استحقاق لها، فالوجود للّه و ما یوصف به من أیه صفه کانت إنما المسمى بها هو مسمى اللّه،

فهو المسمى بکل اسم و الموصوف بکل صفه و المنعوت بکل نعت، و لذلک قال: «سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ» من أن یکون له شریک فی الأسماء کلها، فالکل أسماء اللّه، أسماء أفعاله أو صفاته أو ذاته، فما فی الوجود إلا اللّه، و الأعیان معدومه فی عین ما ظهر فیها، فالصفات للّه حقیقه جهلنا معناها بالنسبه إلیه، و عرفنا معناها بالنسبه إلینا،

من وجه معرفتنا بمعناها إذا نسبت إلینا، و من کون الباری اتصف بها على طریقه مجهوله عندنا، فلا نعرف کیف ننسبها إلیه لجهلنا بذاته، فتکون أصلا فیه عارضه فینا، فلا نستحق شیئا لا من أسمائه و لا مما نعتقد فیها أنها أسماؤنا، و هذا موضع حیره و مزله قدم، إلا لمن کشف اللّه عن بصیرته، فقوله تعالى فیما وصف به نفسه مما هو عند النظار صفه للخلق حقیقه و أخذوه فی اللّه تجوزا، من جوع و ظمأ و مرض و غضب و رضى و سخط و تعجب و فرح و تبشبش، إلى قدم و ید و عین و ذراع، و أمثال ذلک،

مما وردت به الأخبار عن اللّه على ألسنه الرسل، و ما ورد من ذلک فی الکلام المنسوب إلى اللّه المعبر عنه بصحیفه و قرآن و فرقان و توراه و إنجیل و زبور، فالأمر عند المحققین أن هذه کلها صفات حق لا صفات خلق، و أن الخلق اتصف بها مزاحمه للحق، کما اتصف العالم أیضا بجمیع الأسماء الإلهیه الحسنى، فالکل أسماؤه من غیر تخصیص، هذا مذهب المحققین فیه فإنه صادق، و لهذا نحن فی ذلک على التوقیف، فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه، و لا نسمیه إلا بما سمى به نفسه،

لا نخترع له اسما، و لا نحدث له حکما، و لا نقیم به صفه- الوجه الثالث- «سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ» هی حضره لا تقبل التنزیه و لا التشبیه، فیتنزه عن الحد بنفی التنزیه الذی کان یتخیله المنزه، فإن التنزیه یحدّه و یشیر إلیه و یقیده، و یتنزه عن المقدار بنفی التشبیه- الوجه الرابع- التسبیح تنزیه ما هو ثناء بأمر ثبوتی، لأنه لا یثنى علیه إلا بما هو أهل له، و ما هو له لا یقع فیه المشارکه، و ما أثنی علیه إلا بأسمائه، و ما من اسم له سبحانه عندنا معلوم إلا و للعبد التخلق به و الاتصاف به على قدر ما ینبغی له، فلما لم یتمکن فی العالم أن یثنى علیه بما هو أهله،

جعل الثناء علیه تسبیحا من کل شی‏ء، و لهذا أضاف الحمد إلیه فقال‏ (یُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) أی بالثناء الذی یستحقه و هو أهله، و لیس إلا التسبیح، فإنه سبحانه یقول‏ «سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ» و العزه المنع من الوصول إلیه بشی‏ء من الثناء علیه الذی لا یکون إلا له، عما یصفون، و کل مثن واصف، فذکر سبحانه تسبیحه على کل حال و من کل عین.

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱۸۱]

وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِینَ (۱۸۱)

و هم المرحومون السالمون، فما جاءت الرسل علیهم السلام إلا بما أحالته الأدله النظریه و بما أثبتته، فصدّق أهل النظر فی نظرهم، و أکذبهم فی نظرهم، فوقعت الحیره عند أرباب النظر، فإذا سلّموا له ما قاله عن نفسه على ألسنه رسله، و انقادوا إلیهم، فإن انقیادهم‏ ینزلهم منزلتهم، فإنهم ما انقادوا إلیهم من حیث أعیانهم، فإنهم أمثالهم، و إنما انقادوا إلى الذی جاءوا من عنده، و نقلوا عنه ما أخبر به عن نفسه على ما یعلم نفسه، لا على تأویل من وصل إلیه ذلک، فلا یعلم مراد اللّه فیه إلا بإعلام اللّه، فیقف الناظر موقف التسلیم لما ورد، مع فهمه فیه أنه على موضوع ما،

هو فی ذلک اللسان الذی جاء به هذا الرسول لا بد من ذلک، لأنه ما جاء به بهذا اللسان إلا لنعرف أنه على حقیقه ما وضع له ذلک اللفظ فی ذلک اللسان، و لکن تجهل النسبه، فنسلم إلیه علم النسبه مع عقلنا الأدله بالوضع الاصطلاحی فی ذلک اللحن الخاص، فننقاد إلیه کما انقاد المرسلون، و لهذا قال‏ «عَلَى الْمُرْسَلِینَ» أی واجب علیهم الانقیاد بقوله «و سلام» فنکون أمثالهم، ثمّ قال:

[سوره الصافات (۳۷): آیه ۱۸۲]

وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ (۱۸۲)

و الحمد للّه أی عواقب الثناء إذ کل ما جاءوا به إنما قصدوا به الثناء على اللّه، فعواقب‏

[إشاره: الحمد للّه‏]

الثناء على اللّه بما نزه نفسه عنه و بما نزهه العباد به، فإن الحمد العاقب، فعواقب الثناء ترجع إلى اللّه، و عاقب الأمر آخره‏ «رَبِّ الْعالَمِینَ» من حیث ثبوته فی ربوبیته بما یستحقه الرب من النعوت المقدسه، و هو سید العالم و مربیهم و مغذیهم و مصلحهم، لا إله إلا هو العزیز الحکیم، و من سیاق الآیات دل على أن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم حمد اللّه رب العالمین عقیب نصره و ظفره بخیبر، فهو حمد نعمه- إشاره- «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ» جاءت فی أول سوره الفاتحه، و فی وسط سوره یونس، و فی آخر سوره الصافات، فعمت الطرفین و الواسطه.

رحمه من الرحمن فى تفسیر و اشارات القرآن، ج‏۳، ص: ۵۰۱

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *