تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره الطّلاق

(۶۵) سوره الطّلاق مدنیّه

[سوره الطلاق (۶۵): آیه ۱]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ‏

یا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّهَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّکُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُیُوتِهِنَّ وَ لا یَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ یَأْتِینَ بِفاحِشَهٍ مُبَیِّنَهٍ وَ تِلْکَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ یَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِی لَعَلَّ اللَّهَ یُحْدِثُ بَعْدَ ذلِکَ أَمْراً (۱)

«یا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» أی لاستقبال عدتهن، و الطلاق المشروع لا یکون إلا فی طهر لم تجامع فیه، فإذا طلق فیه کانت الأطهار غیر کامله، و لا بد أن تکون الثلاثه قروء کامله «وَ أَحْصُوا الْعِدَّهَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّکُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُیُوتِهِنَّ وَ لا یَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ یَأْتِینَ بِفاحِشَهٍ مُبَیِّنَهٍ وَ تِلْکَ حُدُودُ اللَّهِ»

[ «وَ تِلْکَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ یَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» الآیه:]

حدود اللّه أحکامه فی أفعال المکلفین، و أحکام اللّه التی هی حدوده: وجوب و حظر و کراهه و ندب و إباحه، فکل متصرف بحرکه و سکون فلا بد أن یکون تصرفه فی واجب أو محظور أو مندوب أو مکروه أو مباح، لا یخلو من هذا، فإن کان تصرفه فی واجب علیه فعله بترک فقد تعدى حدود اللّه بترکه ما وجب علیه فعله، فإن ترکه على أنه لیس بواجب علیه فقد تعدى فی ذلک تعدی کفر، و لا بد أن یحکم فیه بغیر حکم اللّه، و ینتقل فیه إلى حکم آخر من حکم اللّه، لکن فی غیر هذا العین، فأباح ترک ما أوجب اللّه علیه فعله، و ترک ما حرم اللّه علیه ترکه، و إن قال بوجوب الترک فیما قال الشرع فیه بوجوب الفعل، فهذا تعد عظیم فاحش و اتباع هوى مضل عن سبیل اللّه، فالتعدی بالفعل و الترک معصیه، و التعدی بالاعتقاد کفر، و من قلب أحکام اللّه.

فقد کفر و خسر. و ثمّ تعد آخر لحدود اللّه و هو قلب الحقائق، و یسمى المتعدی جاهلا و تعدیه جهلا، و هی الحدود الذاتیه للأشیاء، فمن تعدى هذه الحدود فقد ظلم نفسه بظلم یسمى جهلا «وَ مَنْ یَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» لأن لنفسه حدا تقف‏ عنده و هی علیه فی نفسها، و ذلک الحد هو عین عبودیتها، و من ظلم نفسه کان لغیره أظلم، و أما قوله تعالى‏ «لا تَدْرِی لَعَلَّ اللَّهَ یُحْدِثُ بَعْدَ ذلِکَ أَمْراً» و ذلک لأنا ما عرفنا من القوى الموجوده فی الإنسان إلا قدر ما أوجد فیه، و ربما فی علم اللّه عنده أو فی الإمکان قوى لم یوجدها اللّه تعالى فینا الیوم، و منها قوى فوق طور العقل،

و هی قوه یوجدها اللّه فی بعض عباده من رسول و نبی و ولی، تعطی خلاف ما أعطته قوه العقل، و جاءت کلمه «لَعَلَّ» و هی کلمه ترج- و کل ترج إلهی فهو واقع لا بد منه- و هذه القوه قد یحدثها اللّه فی هذه النشأه الدنیا، و أما فی الأحکام فمعلوم أن الرسول صلّى اللّه علیه و سلّم لما قرر حکم المجتهد لا یزال حکم الشرع ینزل من اللّه على قلوب المجتهدین إلى انقضاء الدنیا، فقد یحکم الیوم مجتهد فی أمر لم یتقدم فیه ذلک الحکم و اقتضاه له دلیل هذا المجتهد من کتاب أو سنه أو إجماع أو قیاس جلی، فهذا أمر قد حدث فی الحکم إذا تعداه المجتهد أو المقلد له فقد ظلم نفسه.

[سوره الطلاق (۶۵): آیه ۲]

فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِکُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَیْ عَدْلٍ مِنْکُمْ وَ أَقِیمُوا الشَّهادَهَ لِلَّهِ ذلِکُمْ یُوعَظُ بِهِ مَنْ کانَ یُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (۲)

«وَ أَشْهِدُوا ذَوَیْ عَدْلٍ مِنْکُمْ» یقول مؤمنین لم تروا منهم ما یؤدی إلى تجریحهم، و لیس لکم أن تبحثوا عنهم إذ لیس فی الآیه ذلک … «وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً». و هو قوله تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ یَجْعَلْ لَکُمْ فُرْقاناً) فیخرج مما کان فیه فیفارقه إلى أمر آخر، فیخرج من الضیق إلى السعه، و من عدم الرضى بحاله إلى الرضى بحاله، فمن اتخذ اللّه وقایه أخرجه من الضیق، أی أزال الضیق عنه، فاتسع فی مدلول الاسم اللّه من غیر تعیین، و لذلک رزقه من حیث لا یحتسب، لأنه لم یقید فلم یتقید، فکل شی‏ء أقامه الحق فیه فهو له، فیرجع محیطا بما أعطاه اللّه فله السعه دائما أبدا، فإن الانتقال یعم الجمیع، و الرضا و عدم الرضا الموجب للضیق هو الذی یتفاضل فیه الخلق؛ فمن اتقى اللّه خرج إلى سعه هذا الاسم، فیتسع باتساع هذا الاسم اتساعا لا ضیق بعده، و من لم یتق اللّه خرج من ضیق إلى ضیق، و من أراد أن یجرب نفسه و یأتی إلى الأمر من فصه، فلینظر فی نفسه، إلى علمه برزقه ما هو؟ فإن لم‏ یعلم رزقه فذلک الذی خرج من الضیق إلى السعه، و هو قوله تعالى:

[سوره الطلاق (۶۵): آیه ۳]

وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ وَ مَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدْراً (۳)

من حکم الاسم الإلهی اللطیف إیصال أرزاق العباد المحسوسه و المعنویه المقطوعه الأسباب من حیث لا یشعر بها المرزوق، و هو قوله تعالى‏ «وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ»

 

[وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ‏:]

و کما أن اللّه ما خلق الإنسان إلا لعبادته سبحانه و تعالى، فهو یرزقه من حیث شاء، فلا یشغل نفسه برزقه، کما لا یشغل نفسه بأجله، فإن حکمهما واحد، و ما یختص بهما حیوان دون حیوان؛ فیعیش هذا المتقی الذی یجیئه رزقه من حیث لا یحتسب، طیب النفس فی سعه الرجاء، وسعه من أمله، فإن من علامه التحقق بالتقوى أن یأتی رزق المتقی من حیث لا یحتسب، و إذا آتاه من حیث یحتسب فما تحقق بالتقوى و لا اعتمد على اللّه، فإن معنى التقوى فی بعض وجوهه أن تتخذ اللّه وقایه من تأثیر الأسباب فی قلبک بالاعتماد علیها، و الإنسان أبصر بنفسه،

و هو یعلم من نفسه بمن هو أوثق، و بما تسکن إلیه نفسه، و لا یقول: إن اللّه أمرنی بالسعی على العیال و أوجب علیّ النفقه علیهم، فلا بد من الکد فی الأسباب التی جرت العاده أن یرزقهم اللّه عندها، فهذا لا یناقض ما قلناه، و إنما نهینا عن الاعتماد على الأسباب بقلبک و السکون عندها، و ما قلنا لک: لا تعمل بها، و من معنى قوله: «یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» هو أن اللّه و إن رزقک من السبب المعتاد الذی فی خزانتک و تحت حکمک و تصریفک و أنت متق أنک مرزوق من حیث لا تحتسب، فإنه لیس فی حسبانک أن اللّه یرزقک و لا بد مما بیدک و من الحاصل عندک، فما رزقک إلا من حیث لا تحتسب و إن أکلت و ارتزقت من ذلک الذی بیدک، فهذه الآیه وصیه اللّه عبده،

و إعلامه بما هو الأمر علیه‏ «وَ مَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» أی به تقع له الکفایه، فلا یفتقر إلى أحد سواه، یقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلّم: [لیس وراء اللّه مرمى‏] فلهذا کان حسبک لأنه الغایه التی إلیها تنتهی، عن أبی سعید الخدری أنه قال إنه أصبح ذات یوم و لیس عندهم طعام، و أصبح و قد عصب على بطنه حجرا من الجوع، فقالت له امرأته: ائت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلّم فقد أتاه‏ فلان فأعطاه و فلان فأعطاه، قال: فأتیته ألتمس شیئا فأطلبه، فانتهیت إلى النبی صلّى اللّه علیه و سلّم و هو یخطب و یقول [من یستعف یعفه اللّه، و من یستغن یغنه اللّه، و من سألنا شیئا أعطیناه و واسیناه، و من استعف عنا و استغنى فهو أحب إلینا ممن سألنا] قال: فرجعت و ما سألته، فرزقنی اللّه تعالى حتى ما أعلم أهل بیت من الأنصار أکثر أموالا منا «إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدْراً».

[سوره الطلاق (۶۵): آیه ۴]

وَ اللاَّئِی یَئِسْنَ مِنَ الْمَحِیضِ مِنْ نِسائِکُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَهُ أَشْهُرٍ وَ اللاَّئِی لَمْ یَحِضْنَ وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ یَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ یُسْراً (۴)

فأقام الأشهر مقام الحیض.

[سوره الطلاق (۶۵): الآیات ۵ الى ۶]

ذلِکَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَیْکُمْ وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یُکَفِّرْ عَنْهُ سَیِّئاتِهِ وَ یُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (۵) أَسْکِنُوهُنَّ مِنْ حَیْثُ سَکَنْتُمْ مِنْ وُجْدِکُمْ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَیِّقُوا عَلَیْهِنَّ وَ إِنْ کُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَیْهِنَّ حَتَّى یَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَکُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَیْنَکُمْ بِمَعْرُوفٍ وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى‏ (۶)

«وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى‏» هذا دلیل الذی یقول إنه لا یجب على الوالده إرضاع ولدها.

[سوره الطلاق (۶۵): آیه ۷]

لِیُنْفِقْ ذُو سَعَهٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَیْهِ رِزْقُهُ فَلْیُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا یُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَیَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ یُسْراً (۷)

«لا یُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» من القوه على إقامه الدین، فقد أعطاها اللّه أمرا وجودیا، و هو التمکن الذی یجده الإنسان من نفسه، و بذلک القدر صح أن یکون مکلفا، فإن الشارع إنما یکلف العبد على حاله الذی یقدر علیه، و خفف علیه أکثر من هذا بقوله تعالى‏ «سَیَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ یُسْراً» متصلا بقوله تعالى‏ «لا یُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» و إن أعطاها و فعلته بمشقه هی عسر فی حق المکلف، فکان الیسر قوله‏ (ما جَعَلَ عَلَیْکُمْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ) فما أشد رفقه بعباده! و إن اجتهد الإنسان و أخطأ بعد الاجتهاد فلا بأس علیه، و هو غیر مؤاخذ، فإن اللّه ما کلف نفسا إلا ما آتاها، فقد وفت بقسمها الذی أعطاها اللّه.

 

[سوره الطلاق (۶۵): الآیات ۸ الى ۱۲]

وَ کَأَیِّنْ مِنْ قَرْیَهٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِیداً وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُکْراً (۸) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَ کانَ عاقِبَهُ أَمْرِها خُسْراً (۹) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِیداً فَاتَّقُوا اللَّهَ یا أُولِی الْأَلْبابِ الَّذِینَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَیْکُمْ ذِکْراً (۱۰) رَسُولاً یَتْلُوا عَلَیْکُمْ آیاتِ اللَّهِ مُبَیِّناتٍ لِیُخْرِجَ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ مَنْ یُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ یَعْمَلْ صالِحاً یُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِینَ فِیها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (۱۱) اللَّهُ الَّذِی خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ یَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَیْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدِیرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ عِلْماً (۱۲)

[تنزل الأمر بین السماوات و الأرضین:]

فتق اللّه الأرض و جعلها سبعه أطباق کما فعل بالسماوات، و جعل لکل أرض استعداد انفعال لأثر حرکه فلک من أفلاک السموات و شعاع کوکبها، فالأرض الأولى التی نحن علیها للفلک الأول من هناک، ثم تنزل إلى أن تنتهی إلى الأرض السابعه و السماء الدنیا، و قوله‏ تعالى: «وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» الظاهر یرید طباقا، ثم قال‏ «یَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَیْنَهُنَّ» أی بین السموات و الأراضین، و لو کانت أرضا واحده لقال بینهما، هذا هو الظاهر، و الأمر النازل بینهن هو الذی أوحی فی کل سماء، و هذا الأمر الإلهی الذی یکون بین السماء الدنیا و الأرض التی نحن علیها ینزل من السماء ثم یطلب أرضه، و هو قوله تعالى: (وَ أَوْحى‏ فِی کُلِّ سَماءٍ أَمْرَها) فذلک الأمر هو الذی ینزل إلى أرضه بما أوحى اللّه فیه على عامر تلک الأرض من الصور و الأرواح؛ و الأرض و إن کانت سبعه أطباق فقد یعسر فی الحس الفصل بینهن، مع علمنا بأن کل واحده منهن لا تکون بحیث الأخرى، کما لا یکون الجوهر بحیث جوهر آخر.

و فی هذا التنزل أسرار عظیمه، و قد روی عن ابن عباس أنه قال فی هذه الآیه: لو فسرتها لقلتم إنی کافر، و فی روایه لرجمتمونی؛ و إنها من أسرار آی القرآن. و اعلم أن للّه تعالى أرواحا من الملائکه الکرام مسخره قد ولّاهم اللّه تعالى، و جعل بأیدیهم ما أوحى اللّه فی السموات من الأمور التی شاء سبحانه أن یجریها فی عالم العناصر، و أن اللّه جعل من السماء إلى الأرض معارج على عدد الخلائق، و جعل سبحانه معارج الملائکه من الکرسی إلى السموات ینزلون بالأوامر الإلهیه المخصوصه بأهل السموات، و هی أمور فرقانیه،

و جعل من العرش إلى الکرسی معارج لملائکه ینزلون إلى الکرسی بالکلمه الواحده غیر منقسمه إلى الکرسی، فإذا وصلت الکلمه واحده العین إلى الکرسی انفرقت فرقا على قدر ما أراد الرحمن أن یجری منها فی عالم الخلق و الأمر، و من النفس رقائق ممتده إلى العرش منقسمه إلى فرقتین للقوتین اللتین النفس علیهما، و هو اللوح المحفوظ و هو ذو وجهین، و تلک الرقائق التی بین اللوح و العرش بمنزله المعارج للملائکه، و المعانی النازله فی تلک الرقائق کالملائکه، و ینزل الأمر الإلهی من الکرسی على معراجه إلى السدره إن کان لعالم السموات القصد، و إن کان لعالم الجنان لم ینزل من ذلک الموضع و ظهر سلطانه فی الجنان بحسب ما نزل إلیه؛ ثم إن الأمر الإلهی یتفرع من السدره کما تتفرع أغصان الشجره، و یظهر فیه صور الثمرات بحسب ما یمده من العالم الذی ینزل إلیه و قد انصبغ بصوره السدره،

فینزل على المعراج إلى السماء الأولى فیتلقاه أهلها بالترحیب و حسن القبول و الفرح، و یتلقاه من أرواح الأنبیاء و الخلق الذین قبضت أرواحهم بالموت و کان مقرها هنالک، و تجد هنالک نهر الحیاه یمشی إلى الجنه، فإن کان له عنده أمانه و لا بد منها فی کل أمر إلهی- فإن الأمر الإلهی یعم جمیع الموجودات- فیلقیه‏ فی ذلک النهر مثل ما أعطى السدره، فیجری به النهر إلى الجنان. و فی کل نهر یجده هنالک مما یمشی إلى الجنه، و هنالک یجد النیل و الفرات فیلقی إلیهما ما أودع اللّه عنده من الأمانه التی ینبغی أن تکون لهما، فتنزل تلک البرکه فی النهرین إلى الأرض فإنهما من أنهار الأرض، و یأخذ أرواح الأنبیاء و عمار السماء الأولى منه ما بیده مما نزل به إلیهم، و یدخل البیت المعمور فیبتهج به و تسطع الأنوار فی جوانبه و تأتی الملائکه السبعون ألفا الذین یدخلونه کل یوم و لا یعودون إلیه أبدا.

ثم ینصب المعراج من السماء الأولى إلى السماء الثانیه فینزل فیه الأمر الإلهی و هو على صوره السماء الأولى، فینصبغ بصوره المعراج الذی ینزل فیه، و معه الملائکه الموکلون به من السماء الأولى و معه أرواح البروج و الکواکب الثابته کلها، و ینزل معه ملک من قوه کیوان لا بد من ذلک، فإذا وصل إلى السماء الثانیه تلقته ملائکتها و ما فیها من أرواح الخلائق و قوه بهرام فی السماء الثانیه فیعطیهم ما بیده لهم، و ینزل إلى الثالثه و هو على صوره الثانیه فینصبغ بصوره السلم الذی ینزل فیه، و الحال الحال مثل ما ذکرنا إلى أن ینتهی إلى السماء السابعه و هی السماء الدنیا، فإذا أدّى إلیهم ما بیده لهم و معه قوه صاحب کل سماء فتحت أبواب السماء لنزوله، و نزلت معه قوى جمیع الکواکب الثوابت و السیاره، و قوى الأفلاک و قوى الحرکات الفلکیه کلها، و کل صوره انتقل عنها مبطونه فیه؛ فکل أمر إلهی ینزل فهو اسم إلهی عقلی نفسی عرشی کرسی، فهو مجموع صور کل ما مر علیه فی طریقه،

فیخترق الکور و یؤثر فی کل کره بحسب ما تقبله طبیعتها إلى أن ینتهی إلى الأرض، فیتجلى لقلوب الخلق فتقبله بحسب استعدادها و قبولها متنوع، و ذلک هو الخواطر التی تجدها الناس فی قلوبهم، فبها یسعون، و بها یشتهون، و بها یتحرکون، طاعه کانت تلک الحرکه أو معصیه أو مباحه، فجمیع حرکات العالم من معدن و نبات و حیوان و إنسان و ملک أرضی و سماوی فمن ذلک التجلی، الذی یکون من هذا الأمر الإلهی النازل إلى الأرض، فیجد الناس فی قلوبهم خواطر لا یعرفون أصلها و هذا هو أصلها، و رسله إلى جمیع ما فی العالم الذی نزل إلیه ما نزل معه من قوى الکواکب و حرکات الأفلاک، فهؤلاء هم رسل هذا الأمر الإلهی إلى حقائق هؤلاء العالم، فتنمو به النامیات،

و تحیی به أمور، و تموت به أمور، و یظهر التأثیرات العلویه و السفلیه فی کل عالم بتلک الرسل التی یرسلها فی العالم هذا الأمر الإلهی، فإنه کالملک فیهم، و لا یزال یعقبه أمر آخر، و یعقب الآخر آخر فی کل نفس بتقدیر العزیز العلیم، فإذا نفذ فیهم أمره و أراد الرجوع، جاءته رسله من کل موجود بما ظهر من کل من بعثوا إلیه صورا قائمه، فیلبسها ذلک الأمر الإلهی من قبیح و حسن، و یرجع على معراجه من حیث جاء إلى أن یقف بین یدی ربه اسما إلیها ظاهرا بکل صوره، فیقبل الحق ما شاء و یرد منها ما شاء على صاحبها من صور تناسبها، فجعل مقر تلک الصور حیث شاء من علمه، فلا یزال تتابع الرسل إلى الأرض على هذه المعارج کما ذکرنا، و الأمر الإلهی ینزل من السماء الدنیا إلى الأرض فی ثلاث سنین، فکل شی‏ء یظهر فی کل شی‏ء فی الأرض فعند انقضاء ثلاث سنین من نزوله من السماء فی کل زمان فرد، فالآثار فی الأرض هی الأمر الإلهی الذی یتنزل بین السماء و الأرض، و هو فی کل ما یتولد بینهما بین السماء بما ینزل منها و بین الأرض بما تقبل من هذا النزول للتکوین، یدل على ذلک قوله تعالى‏ «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدِیرٌ» إشاره إلى الصفه العملیه فیهما، فإن القدره ما لها تعلق إلا بالإیجاد، فعلمنا أن المقصود بهذا التنزل إنما هو التکوین، ثم تمم فی الإخبار فقال: «وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ عِلْماً» إشاره إلى الصفه العلمیه فیهما أی فی القوتین العملیه و العلمیه،

فإن القدره للإیجاد و هو العمل، و هو العلیم سبحانه بما یوجد، القدیر على إیجاد ما یرید إیجاده، لا مانع له، فجعل الأمر یتنزل بین السماء و الأرض کالولد یظهر بین الأبوین، و أحاط اللّه بکل شی‏ء علما عند من رزقه اللّه فهما، فلا تعم الإحاطه کل شی‏ء إلا إذا کانت معنى، و لا یعلم الشی‏ء من جمیع وجوهه إلا اللّه عزّ و جل الذی أحاط بکل شی‏ء علما، سواء کان الشی‏ء ثابتا أو موجودا أو متناهیا أو غیر متناه، فالمعلوم لا یزال محصورا فی العلم، لهذا کان المعلوم محاطا به فقال تعالى: «أَحاطَ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ عِلْماً» من الواجبات و الجائزات و المستحیلات، و هو تعلق أعم من تعلق قوله تعالى: (وَ أَحْصى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ عَدَداً) و إن کان بعض العلماء لا یسمی شیئا إلا الموجود،

فلا نبالی فإن اللّه قد أحاط بکل شی‏ء علما، و قد علم المحال، و لو خصص صاحب هذا الاصطلاح العلم المحیط فی هذه الآیه بالموجودات، فلیس له دلیل على ذلک إلا کونه اصطلح على أنه لا یسمی شیئا إلا الموجود، فالإحاطه هنا على بابها فی العموم، و الإحاطه عباره عن تعلق العلم بالمعلومات الغیر المتناهیه هنا، فیحیط بالمحال العلم أی معنى، لعلمه من جمیع الوجوه.

رحمه من الرحمن فى تفسیر و اشارات القرآن، ج‏۴، ص: ۳۴۷

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *