تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره طه

[سوره طه (۲۰): الآیات ۱ الى ۵]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ‏

طه (۱) ما أَنْزَلْنا عَلَیْکَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ (۲) إِلاَّ تَذْکِرَهً لِمَنْ یَخْشى‏ (۳) تَنْزِیلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى‏ (۴)

الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ (۵)

[بحث‏ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏]

المسأله الأولى- بحث عام فی الألفاظ التی تعطی التشبیه و التجسیم- المحقق الواقف العارف بما تقتضیه الحضره الإلهیه من التقدیس و التنزیه و نفی المماثله، لا یحجبه ما نطقت به الآیات و الأخبار فی حق الحق تعالى، من أدوات التقیید بالزمان و الجهه و المکان و ما أشبه ذلک من الأدوات اللفظیه، و قد تقرر بالبرهان العقلی خلقه الأزمان و الأمکنه و الجهات و الألفاظ و الحروف و الأدوات و المتکلم بها و المخاطبین من المحدثات، کل ذلک خلق اللّه‏ تعالى،

فیعرف المحقق قطعا أنها مصروفه إلى غیر الوجه الذی یعطیک التشبیه و التمثیل، و أن الحقیقه لا تقبل ذلک أصلا، و لکن تتفاضل العلماء السالمه عقائدهم من التجسیم، فتتفاضل العلماء فی هذا الصرف عن هذا الوجه الذی لا یلیق بالحق تعالى، فطائفه لم تشبّه و لم تجسم، و صرفت علم ذلک الذی ورد فی کلام اللّه و رسله إلى اللّه تعالى، و لم تدخل لها قدما فی باب التأویل، و قنعت بمجرد الإیمان بما یعلمه اللّه فی هذه الألفاظ و الحروف، من غیر تأویل و لا صرف إلى وجه من وجوه التنزیه، بل قالت لا أدری جمله واحده، و لکنی أحیل إبقاءه على وجه التشبیه، لقوله تعالى‏ (لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْ‏ءٌ) لا لما یعطیه النظر العقلی، و على هذا فضلاء المحدثین من أهل الظاهر السالمه عقائدهم من التشبیه و التعطیل، و طائفه أخرى من المنزهه عدلت بهذه الکلمات عن الوجه الذی لا یلیق باللّه تعالى فی النظر العقلی،

عدلت إلى وجه ما من وجوه التنزیه على التعیین مما یجوز فی النظر العقلی أن یتصف به الحق تعالى، بل هو متصف به و لا بد، و ما بقی النظر إلا فی هذه الکلمه، هل المراد بها ذلک الوجه أم لا؟ و لا یقدح ذلک التأویل فی ألوهته، و ربما عدلوا إلى وجهین و ثلاثه و أکثر على حسب ما تعطیه الکلمه فی وضع اللسان، و لکن من الوجوه المنزهه لا غیر، فإذا لم یعرفوا من ذلک الخبر أو الآیه عند التأویل فی اللسان إلا وجها واحدا قصروا الخبر أو الآیه إلى تلک المصارف، و قالت طائفه من هؤلاء: یحتمل أن یرید کذا، و یحتمل أن یرید کذا، و تعدد وجوه التنزیه،

ثم تقول: و اللّه أعلم أی ذلک أراد، و طائفه أخرى تقوّى عندها وجه ما من تلک الوجوه النزیهه بقرینه ما، قطعت لتلک القرینه بذلک الوجه على الخبر و قصرته علیه، و لم تعرج على باقی الوجوه فی ذلک الخبر و إن کانت کلها تقتضی التنزیه، و طائفه أخرى من المنزهه أیضا و هی العالیه، فرغوا قلوبهم من الفکر و النظر و أخلوها، إذ کان المتقدمون من الطوائف المتقدمه المتأوله أهل فکر و نظر، فأشبهت فی هذا العقد المحدثین السالمه عقائدهم، حیث لم ینظروا و لا تأولوا و لا صرفوا،

بل قالوا: ما فهمنا، فقال هؤلاء بقولهم ثم انتقلوا عن مرتبه أولئک بأن قالوا: لنا أن نسلک طریقه أخرى فی فهم هذه الکلمات، و ذلک بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفکری، و نجلس مع الحق تعالى بالذکر على بساط الأدب و المراقبه و الحضور و التهیؤ لقبول ما یرد علینا منه تعالى، حتى یکون الحق تعالى یتولى تعلیمنا على الکشف و التحقیق، لما سمعته یقوله (و اتقوا اللّه و یعلمکم اللّه) و یقول (إن تتقوا اللّه‏ یجعل لکم فرقانا).

فعند ما توجهت قلوبهم و همهم إلى اللّه تعالى و لجأت إلیه، و ألقت عنها ما استمسک به الغیر من دعوى البحث و النظر و نتائج العقول، کانت عقولهم سلیمه و قلوبهم مطهره فارغه، فعند ما کان منهم هذا الاستعداد تجلى الحق لهم معلّما، فأطلعتهم تلک المشاهده على معانی هذه الأخبار و الکلمات دفعه واحده، و هذا ضرب من ضروب المکاشفه،

فإنهم إذا عاینوا بعیون القلوب ما نزهته العلماء المتقدم ذکرهم بالإدراک الفکری، لم یصح لهم عند هذا الکشف و المعانیه أن یجهلوا خبرا من هذه الأخبار التی توهم، و لا أن یبقوا ذلک الخبر منسحبا على ما فیه من الاحتمالات النزیهه من غیر تعیین، بل یعرفون الکلمه و المعنى النزیه الذی سیقت له، فیقصرونها على ما أریدت له، و إن جاء فی خبر آخر ذلک اللفظ عینه فله وجه آخر من تلک الوجوه المقدسه، معیّن عند هذا الشاهد، و طائفه أخرى لیس لهم هذا التجلی، و لکن لهم الإلقاء و الإلهام و اللقاء و الکتابه، و هم معصومون فیما یلقى إلیهم بعلامه عندهم لا یعرفها سواهم، فیخبرون بما خوطبوا به و ما ألهموا به و ما ألقی إلیهم أو کتب، و قد تقرر عند جمیع المحققین الذین سلّموا الخبر لقائله و لم ینظروا و لا شبّهوا و لا عطلوا، و المحققین الذین بحثوا و اجتهدوا و نظروا على طبقاتهم، و المحققین الذین کوشفوا و عاینوا، و المحققین الذین خوطبوا و ألهموا، أن الحق تعالى لا تدخل علیه تلک الأدوات المقیده بالتحدید و التشبیه على حد ما نعقله من المحدثات،

و لکن تدخل علیه بما فیها من معنى التنزیه و التقدیس، على طبقات العلماء و المحققین فی ذلک لما فیه و تقتضیه ذاته من التنزیه، و إذا تقرر هذا، فقد تبیّن أنها أدوات التوصیل إلى أفهام المخاطبین، و کل عالم على حسب فهمه فیها و قوه نفوذه و بصیرته، فعقیده التکلیف هینه الخطب، فطر العالم علیها، و لو بقیت المشبهه على ما فطرت علیه ما کفرت و لا جسّمت، و جاء فی هذه الآیه الاستواء على العرش بلفظ العرش و لفظ الاستواء، و ما هو نص فی ظرفیه المکان، بخلاف اسم لفظه المکان، فإنه نصّ بالوضع فی ظرفیته، و المتمکن فی المکان نص فیه، فعدل إلى الاستواء و العرش، لیسوغ التأویل الذی یلیق بالجناب العالی لمن یتأول و لا بد، و الأولى التسلیم للّه فیما قاله، و رد ذلک إلى علمه سبحانه بما أراده فی هذا الخطاب، و نفی التشبیه المفهوم عنه، بقوله (لیس کمثله شی‏ء)- المسأله الثانیه فی الاستواء- ذکر تعالى أنه استوى على العرش على طریق التمدح و الثناء، إذ کان العرش أعظم الأجسام، و الاستواء حقیقه معقوله معنویه تنسب إلى کل ذات بحسب ما تعطیه حقیقه تلک الذات، و لا حاجه لنا إلى التکلف فی صرف الاستواء عن ظاهره، فهو استواء منزه عن الحد و المقدار، معلوم عنده، غیر مکیف و لا معلوم للعقول و الأذهان، و کما لا یلزم من الفوق إثبات الجهه، کذلک لا یلزم من الاستواء إثبات المکان، فذلک الاستواء مجهول النسبه، ثابت الحکم، متوجه کما ینبغی لجلاله نخلص من ذلک إلى القول بأن استواء الرحمن لیس کاستواء الأکوان،

و أنه لو جلس علیه جلوسا کما یدعیه المشبهه لحدّه المقدار، و قام به الافتقار إلى مخصص مختار، لا تحیط به الجهات و الأقطار، و الافتقار على اللّه محال، فالاستقرار بمعنى الجلوس علیه محال، و لا سبیل إلى هذا الاعتقاد بحال، و ما بقی فیه سوى أمرین مربوطین بحقیقتین، الأمر الواحد أن نصرف هذا الاستواء إلى الاستیلاء، و الأمر الآخر أن نؤمن بها کما جاءت من غیر تشبیه و لا تکییف، و نصرف العلم بها إلیه، فإنه أسلم بالمؤمنین عند قدومهم علیه، و لهذا یختم المنزّه تأویله بقوله: و اللّه أعلم، لمعرفته بأن التنزیه قائم بذاته، و لکن صرف هذه الآیه إلى هذا الحکم لا یلزم.

فتحفظوا من مکر اللّه فی التأویل و استدراجه، و اسألوه الثبات على منهاجه، و طهروا قلوبکم بماء التقدیس و التنزیه، من التجسیم و التشبیه، فإنه لیس کمثله شی‏ء، و هو السمیع البصیر، و یستوی و یجی‏ء و ینزل، و هو فی السماء و فی الأرض کما قاله، و على المعنى الذی أراده، من غیر تشبیه و لا تکییف، و هو العلیم القدیر.

– المسأله الثالثه فی معنى العرش- الوجه الأول- «عَلَى الْعَرْشِ»* أی على ملکه، فالعرش عین الملک، یقال: ثلّ عرش الملک إذا اختل ملکه- الوجه الثانی- العرش الذی استوى علیه الرحمن، هو سریر ذو أرکان أربعه و وجوه أربعه، و له أربعه قوائم یحمله منها أربعه من الملائکه، و فی کل نصف وجه قائمه، فهی ثمانیه قوائم، لا حامل لتلک الأربعه الیوم إلى یوم القیامه، فإذا کان فی القیامه وکّل اللّه بها من یحملها، فیکونون فی الآخره ثمانیه و هم فی الدنیا أربعه، و قوائم هذا العرش على الماء الجامد، فالعرش إنما یحمله الماء الجامد، و الحمله التی له إنما هی خدمه له تعظیما و إجلالا، و ذلک الماء الجامد مقره على الهواء البارد، و العرش مجوف، محیط بجمیع ما یحوی علیه من کرسی و أفلاک و جنات و سماوات و أرکان و مولدات، و بین مقعر العرش و الکرسی فضاء واسع و هواء محترق، و الکرسی فی العرش کحلقه ملقاه، و لما أوجد اللّه العرش استوى علیه الرحمن واحد الکلمه لا مقابل لها، فهو رحمه کله، لیس فیه مایقابل الرحمه، و إن وقع ببعض العالم غصص، فذلک لرحمه فیه.

لو لا ما جرعه إیاها اقتضى ذلک مزاج الطبع و مخالفه الغرض النفسی، فهو کالدواء الکریه و الطعم الغیر المستلذ و فیه رحمه للذی یشربه و یستعمله و إن کرهه، فباطنه فیه الرحمه و ظاهره من قبله العذاب، و ما استوى علیه الرحمن تعالى إلا بعد ما خلق الأرض و قدّر فیها أقواتها، و خلق السموات و أوحى فی کل سماء أمرها، و فرغ من خلق هذه الأمور کلها، و رتب الأرکان ترتیبا یقبل الاستحالات لظهور التکوین و التنقل من حال إلى حال، و بعد هذا استوى على العرش، فالعرش هو الجسم الکلی، و استوى علیه سبحانه بالاسم الرحمن بالاستواء الذی یلیق به، الذی لا یعلمه إلا هو، من غیر تشبیه و لا تکییف، و هو أول عالم الترکیب، و قد قال تعالى‏ «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» فی معرض التمدح، فلو کان فی المخلوقات أعظم من العرش لم یکن ذلک تمدحا، و العرش المذکور فی هذه الآیه مستوى الرحمن و هو محل الصفه- المسأله الرابعه فی تفسیر الآیه-

اعلم أن اللّه سبحانه ما استوى على عرش إلا بالاسم الرحمن، إعلاما بذلک أنه ما أراد بالإیجاد إلا رحمه بالموجودین، و لم یذکر غیره من الأسماء، و ذکر الاستواء على اعظم المخلوقات إحاطه من عالم الأجسام، فإن الآلام لیس محلها إلا الترکیب، و أما البسائط فلا تقبل فی ذاتها قیام معنى بها، بل هی عین المعنى، فتدل هذه الآیه على شمول الرحمه للعالم و إن طرأت عوارض البلایا، فإنها رحمه کما ذکرنا فی شرب الدواء الکریه، لیس المقصود منه عذاب من شربه و لا إیلامه،

و إنما المقصود من استعماله ما یؤول إلیه من استعمله من الراحه و العافیه، فللحق سبحانه تجل عام إحاطی، و تجل خاص شخصی، فالتجلی العام تجل رحمانی. و هو قوله تعالى‏ «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» فمن معافى و مبتلى، بحسب ما یحکم فیه من الأسماء إلى الأجل المسمى، فتعم الرحمه التی وسعت کل شی‏ء من الرحمن الذی استوى على العرش، فتعم النعم العالم، فإن العرش ما حوى ملکه کله مما وجد، و عرشه وسع کل شی‏ء، و النار و من فیها من الأشیاء، و الرحمه ساریه فی کل موجود، و التجلی الخاص هو ما لکل شخص شخص من العلم باللّه،

و الرحمن لا یظهر عنه إلا مرحوم، لذلک قال‏ «عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» لنعلم إذا ظهرت أعیاننا و بلّغتنا سفراؤه هذا الأمر شمول الرحمه و عمومها، و مآل الناس و الخلق کلها إلیها، فلو لم یکن من عظیم الرجاء فی شمول الرحمه إلا قوله‏ «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» لکفى فإذا استقرت‏ الرحمه فی العرش الحاوی على جمیع أجسام العالم، فکل ما یناقضها أو یرید رفعها من الأسماء و الصفات فعوارض لا أصل لها فی البقاء، لأن الحکم للمستولی و هو الرحمن، فإلیه یرجع الأمر کله، فیکون المآل للرحمه التی وسعت کل شی‏ء، فهو فی الدنیا یرزق مع الکفر و یعافی و یرحم، فکیف مع الإیمان و الاعتراف فی الدار الآخره على الکشف کما کان فی قبض الذریه؟- إشاره- قرأ أبو العباس العریبی‏ «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ» وقف و الابتداء «اسْتَوى‏».

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۶]

لَهُ ما فِی السَّماواتِ وَ ما فِی الْأَرْضِ وَ ما بَیْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏ (۶)

أی ثبت له ما فی السموات و ما فی الأرض و ما بینهما و ما تحت الثرى، فالاسم الرحمن ثابت الحکم فی کل ما یحوی علیه العرش، و هو قوله (و رحمتی وسعت کل شی‏ء) فمآل الکل إلى الرحمه و إن تخلل الأمر آلام و عذاب و علل و أمراض مع حکم الاسم الرحمن، فإنما هی أعراض عرضت فی الأکوان دنیا و آخره، و من أجل أن الرحمن له الأسماء الحسنى، و من الأسماء الضار و المذل و الممیت،

فلهذا ظهر فی العالم ما لا تقتضیه الرحمه و لکن لعوارض، و فی طی تلک العوارض رحمه، و لو لم یکن إلا تضاعف النعیم و الراحه عقیب زوال حکمه، و لهذا قیل: أحلى من الأمن عند الخائف الوجل، فما تعرف لذات النعیم إلا بأضدادها، فما ثمّ حکم إلا للرحمن لأنه المستوی على العرش، فلا تنفذ الأحکام إلا من هذا الاسم، فالرحمن استوى على عرشه، و ما انقسمت الکلمه إلا من دون العرش، من الکرسی فما تحته، فإنه موضع القدمین، لیس سوى انقسام الکلمه، فظهر الأمر و الخلق، و النهی و الأمر، و الطاعه و المعصیه، و الجنه و النار، و کل ذلک عن أصل واحد و هی الرحمه التی هی صفه الرحمن.

[سوره طه (۲۰): آیه ۷]

وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ یَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏ (۷)

[ «فَإِنَّهُ یَعْلَمُ السِّرَّ»]

الوجه الأول- یدل ظاهر الآیه فی قوله تعالى‏ «فَإِنَّهُ یَعْلَمُ السِّرَّ» أی ما یحدّث المرء به نفسه، لقوله و إن تجهر بالقول، فإنه یعلم ذلک و یعلم ما تحدث به نفسک، و هو قوله (و نعلم ما توسوس به نفسه) و متعلق السر الاسم الباطن، و هو ما یسره العبد فی نفسه،و هو خلاف الجهر و العلانیه- الوجه الثانی- السر ما بینک و بینه، و ما هو أخفى ما یستر عنک عینه فالسر ما بین العبد و الحق، و الأخفى ما یعلمه سبحانه من العبد و لا یعلمه العبد من نفسه أن یکون فیه، فلا یعلم الأخفى إلا اللّه، و السر یعلمه الزائد، و ما زاد فهو إعلان و زال عن درجه الکتمان، فقوله‏ «وَ أَخْفى‏» الأخفى عن صاحب السر هو ما لا یعلمه.

مما یکون لا بد أن یعلمه خاصه، فالعلم بما هو أخفى من السر ما لا یعلمه إلا اللّه وحده، لا علم لهذا العبد به، و لا یمکن أن یعلمه إلا اللّه، فالأخفى هو سرّ سرّ، و هو العلم الذی انفرد به الحق دون سواه، فما هو أخفى من السر ما لا یعلم من الأمر، و ما هو إلا العلم باللّه- الوجه الثالث- «یَعْلَمُ السِّرَّ» و السر هو إخفاء ما له عین‏ «وَ أَخْفى‏» و هو إظهار ما لا عین له، فیتخیل الناس أن ذلک حق، و اللّه یعلم أنه لیس له وجود عین فی نفس الحکم، فیعلم السر و أخفى، أی أظهر فی الخفاء من السر، و الشی‏ء الخافی هو الظاهر لغه منقوله-

الوجه الرابع- و مع هذا فإن الألف و اللام لها حکم فی مطلق اسم السر، للشمول على جمیع ما ینطلق علیه اسم السر، و ما هو أخفى من ذلک السر، و من السر النکاح، فمن أسمائه السر، فیعلم ما ینتجه النکاح، و هو قوله (و یعلم ما فی الأرحام) فإنه الخالق ما فیها، و لذلک فإن الإیجاد بمنزله السر فی النکاح، و الأخفى هو التوجه بتعلق القدره بإیجاد موجود ما، فنفذ الاقتدار فکان أخفى من السر، لجهلنا بنسبه هذا التوجه إلى الذات العلیه و نسبه الصفات إلیها، لأنها مجهوله لا تعرف فیعرف التوجه، فأعقب ذلک بتوحید الموجد للأشیاء مع کثره النسب، فهو واحد فی کثیر فقال:

[سوره طه (۲۰): آیه ۸]

اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ (۸)

[توحید الإبدال‏]

هذا التوحید السادس عشر فی القرآن، و هو توحید الإبدال، فإنه أبدل اللّه من الرحمن، و هذا فی المعنى بدل المعرفه من النکره، لأنهم أنکروا الرحمن، و فی اللفظ بدل المعرفه من المعرفه، و هو توحید الهویه القائمه بأحکام الأسماء الحسنى، لا أن الأسماء الحسنى تقوم معانیها بها، بل هی القائمه بمعانی الأسماء، فهو قائم بکل اسم بما یدل علیه، و قد تسمى بأحکام أفعاله من طریق المعنى، فکلها أسماء حسنى، غیر أنه منها ما یتلفظ بها، و منها ما یعلم و لا یتلفظ بها لما هو علیه حکمها فی العرف من إطلاق الذم علیها، و اللّه اسم جامع‏

 

[الأسماء الحسنى کلها للمرتبه]

لحقائق جمیع الأسماء، و هو دلیل على مسمى، و هو ذات مقدسه له نعوت الکمال و التنزیه‏ «لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏»* فالاسماء کلها للمرتبه، و لها ترتیب حقائق معقوله کثیره من جهه النسب لا من جهه وجود عینی، فإن ذات الحق واحده من حیث ما هی ذات، و لکن لما کان وجودنا و افتقارنا و إمکاننا لا بد له من مرجح نستند إلیه، و أن ذلک المستند لا بد أن یطلب وجودنا منه نسبا مختلفه، کنّى الشارع عنها بالأسماء الحسنى و تسمى بها، فاللّه واحد و إن تکثرت أحکامه فإنها نسب و إضافات، فهو من حیث نفسه له أحدیه الأحد، و من حیث أسماؤه له أحدیه الکثره، و الأسماء الحسنى تبلغ فوق أسماء الإحصاء عددا، و تنزل دون أسماء الإحصاء سعاده، و هی المؤثره فی هذا العالم، فإنه لیس فی المخلوقات على اختلاف ضروبها أمر إلا و یستند إلى حقیقه و نسبه إلهیه،

و هی المفاتیح الأول التی لا یعلمها إلا هو، و إن کان لکل حقیقه اسم ما یخصها من الأسماء، فحقیقه الإیجاد یطلبها الاسم القادر، و حقیقه الأحکام یطلبها الاسم العالم، و حقیقه الاختصاص یطلبها الاسم المرید، إلى غیر ذلک من الحقائق، فالاسماء الحسنى نسب و إضافات ترجع إلى عین واحده، إذ لا یصح هناک کثره بوجود أعیان فیه کما زعم من لا علم له باللّه من بعض النظار، لأن الصفات الذاتیه للموصوف بها و إن تعددت، فلا تدل على تعدد الموصوف فی نفسه لکونها مجموع ذاته، و إن کانت معقوله فی التمییز بعضها عن بعض، فأسماء اللّه و هی صفاته نسب و إضافات له لا أعیان زائده، لما یؤدی إلى نعتها بالنقص، إذ الکامل بالزائد ناقص بالذات عن کماله بالزائد، و هو کامل لذاته، فالزائد بالذات على الذات محال، و بالنسب و الإضافه لیس بمحال، و لو کانت الصفات أعیانا زائده و ما هو إله إلا بها، لکانت الألوهیه معلوله بها، فلا یخلو أن تکون هی عین الإله

– فالشی‏ء لا یکون عله لنفسه- أو لا تکون، فاللّه لا یکون معلولا لعله لیست عینه، فإن العله متقدمه على المعلول بالرتبه، فیلزم افتقار الإله من کونه معلولا لهذه الأعیان الزائده التی هی عله له، و هو محال، ثم إن الشی‏ء المعلول لا یکون له علتان، و هذه کثیره، و لا یکون إلها إلا بها، فبطل أن تکون الأسماء و الصفات أعیانا زائده على ذاته، تعالى اللّه عما یقول الظالمون علوا کبیرا، فأسماء اللّه الحسنى نسب و إضافات، منها ما یحتاج إلیها الممکنات احتیاجا ضروریا، و منها ما لا یحتاج إلیها الممکنات ذلک الاحتیاج الضروری،و قوه نسبتها إلى الحق أوجه من طلبها الخلق. و لما کانت الأسماء الإلهیه نسبا تطلبها الآثار، لذلک لا یلزم ما تعطل حکمه منها ما لم یتعطل، و إنما یقدح ذلک لو اتفق أن تکون أمرا وجودیا، فاللّه إله سواء وجد العالم أو لم یوجد،

فلذلک قلنا: إنه سبحانه لو رحم العالم کله لکان، و لو عذب العالم کله لکان، و لو رحم بعضه و عذب بعضه لکان، و لو عذبه إلى أجل مسمى لکان، فإن الواجب الوجود لا یمتنع عنه ما هو ممکن لنفسه، و لا مکره له على ما ینفذه فی خلقه، بل هو الفعال لما یرید، و لما کانت الصفات نسبا و إضافات، و النسب أمور عدمیه، و ما ثمّ إلا ذات واحده من جمیع الوجوه، لذلک جاز أن یکون العباد مرحومین فی آخر الأمر، و لا یسرمد علیهم عدم الرحمه إلى ما لا نهایه له إذ لا مکره له على ذلک، و الصفات و الأسماء لیست أعیانا توجب حکما علیه فی الأشیاء، فلا مانع من شمول الرحمه للجمیع، و لا سیما و قد ورد سبقها للغضب، فإذا انته الغضب إلیها کان الحکم لها، فکان الأمر على ما قلناه،

و لذلک قال تعالى (و لو شاء ربک لهدى الناس جمیعا) فکان حکم هذه المشیئه فی الدنیا بالتکلیف، و أما فی الآخره فالحکم لقوله‏ (یَفْعَلُ ما یُرِیدُ) فمن یقدر أن یدل على أنه لم یرد إلا تسرمد العذاب على أهل النار و لا بد، أو على واحد فی العالم کله؟ فکل ما ذکر فی قوله: لو شاء، و لئن شئنا، لأجل هذا الأصل، فله الإطلاق و ما ثمّ نص یرجع إلیه لا یتطرق إلیه الاحتمال فی تسرمد العذاب کما لنا فی تسرمد النعیم، فلم یبق إلا الجواز، و أنه رحمن الدنیا و الآخره، و الأسماء الإلهیه منها مشترکه و إن کان لکل واحد من المشترکه معنى، إذا تبین ظهر أنها متباینه، فالأصل فی الأسماء التباین، و الاشتراک فیه لفظی، و منها متباینه، و منها مترادفه و مع ترادفها فلا بد أن یفهم من کل واحد معنى لا یکون فی الآخر، فعلمنا ما سمى به نفسه و اقتصرنا علیها، و قیدت الأسماء بالحسنى لدلالتها على المسمى الاسمى.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۹ الى ۱۰]

وَ هَلْ أَتاکَ حَدِیثُ مُوسى‏ (۹) إِذْ رَأى‏ ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْکُثُوا إِنِّی آنَسْتُ ناراً لَعَلِّی آتِیکُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (۱۰)

«إِنِّی آنَسْتُ ناراً» أی أبصرت نارا، من آنست الشی‏ء إذا أبصرته، و یدل أیضا على‏ أنه ما قطع فیما أبصر أنه نار «لَعَلِّی آتِیکُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» فانظر ما أعجب قوه النبوه لأنه وجد الهدى، و کل خیر فی السعی على الغیر، و السعی على الأهل من ذلک، فمشى موسى علیه السلام فی حق أهله لیطلب لهم نارا یصطلون بها و یقضون بها الأمر الذی لا ینقضی إلا بها فی العاده، و ما کان عنده خبر بما جاءه، فأسفرت له عاقبه ذلک الطلب عن کلام ربه، فکلمه اللّه فی عین حاجته و هی النار فی الصوره، و لم یخطر له علیه السلام ذلک الأمر بخاطر، و أی شی‏ء أعظم من هذا؟ و ما حصل له إلا فی وقت السعی فی حق عیاله، لیعلمه بما فی قضاء حوائج العائله من الفضل، فیزید حرصا فی سعیه فی حقهم، فکان ذلک تنبیها من الحق تعالى على قدر ذلک عند اللّه تعالى، و على قدرهم لأنهم عبیده على کل حال، و قد وکّل هذا على القیام بهم.

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۱]

فَلَمَّا أَتاها نُودِیَ یا مُوسى‏ (۱۱)

[تجلی الحق لموسى علیه السلام فی صوره النار]

و تجلى له الحق فی عین حاجته فلم تکن نارا

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۲]

إِنِّی أَنَا رَبُّکَ فَاخْلَعْ نَعْلَیْکَ إِنَّکَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (۱۲)

لما خرج موسى علیه السلام فی طلب النار لأهله لما کان فیه من الحنو علیهم، وقع التجلی له فی عین صوره حاجته، فرأى نارا لأنها مطلوبه فقصدها فناداه ربه منها، و هو لا علم له بذلک لاستفراغه فیما خرج له‏ «یا مُوسى‏ إِنِّی أَنَا رَبُّکَ» و لما کان القاعد لا یلبس النعلین و إنما وضعت للماشی فیها، و من وصل إلى المنزل خلع نعلیه، قیل لموسى علیه السلام‏ «فَاخْلَعْ نَعْلَیْکَ» أی قد وصلت المنزل، فإنه کلمه اللّه بغیر واسطه، بکلامه سبحانه بلا ترجمان، و قوله تعالى‏ «فَاخْلَعْ نَعْلَیْکَ» له ظاهر و باطن، فأما ظاهره فالحکمه فی الأمر بخلع النعل الظاهر، أن سیر الأنبیاء فی الأرض کان سیر اعتبار و ادکار و نظر لما أودع فیها من سر البدء و الإعاده، بمقتضى قوله تعالى‏ (قُلْ سِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَانْظُرُوا کَیْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ یُنْشِئُ النَّشْأَهَ الْآخِرَهَ) و کان المراد التعرف لموسى بسر الإعاده و قیام الساعه، و لهذا کانت مناجاته من الجانب الغربی، لأن من أکبر آیات الساعه طلوع الشمس من مغربها،

و قیل له فی أول مناجاته (إننی أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدنی و أقم الصلاه لذکری إن الساعه آتیه) و من المعلوم أن بعث الخلائق و حشرهم یکون من الأرض المقدسه، و قد فسر قوله تعالى‏ (وَ اسْتَمِعْ یَوْمَ‏ یُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَکانٍ قَرِیبٍ) أی من صخره بیت المقدس، فمن هاهنا قیل لموسى صلّى اللّه علیه و سلم عند ما سار بأهله و بلغ بیت المقدس و کشف له عن سر ما أودع فیه من قیام الساعه «فَاخْلَعْ نَعْلَیْکَ» تنبیها على أنه انته سفرک و بلغ ما کان المراد بک من التعرف، و لهذا قیل له‏ «إِنَّکَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ» أی هذا هو الوادی الذی أودع فیه سر قیام الساعه و رجوع الخلائق إلى اللّه تعالى، فاخلع نعلیک و ألق عصاک، فإن النعل و أخذ العصا من توابع السفر، و خلع النعل و إلقاء العصا من أعلام الإقامه، قال الشاعر:

فألقت عصاها و اطمأن بها النوى‏ کما قر عینا بالإیاب المسافر

و أما الباطن فإن حقیقه النعل ما یکون وقایه لقدم الصدق من عوائق طریق القلب إلى اللّه تعالى و ما فیه من وعر و شوک، کما نبه علیه قوله صلّى اللّه علیه و سلم: [تعس عبد الدینار و تعس عبد الدرهم، تعس و انتکس و شیک و لا انتقش‏] فنبه بهذا على أن افتتان القلب بزینه الدنیا یعوق قدم الصدق عن السیر إلى اللّه تعالى، فإن عظم فی عینیه منها شی‏ء تعس به، و إن احتقره أو استهان به کان بمثابه الشوک یدخل فی قدم السائر، فإن انتقش أی أخرجه بمنقاش الاستغفار، و ألقاه بالزهد فیه سلم و سارع بقدم صدقه إلى اللّه تعالى، و إن أهمله کان بمثابه الشوکه التی یهملها صاحبها حتى تتمکن و یفسد بها الدم و یحصل المرض و الوقوف عن السیر، و ربما تمکنت فکانت سببا للموت أو ورما للقدم، و النعلان یقیان من ذلک، و هما الرجاء فیه و الخوف منه، کموسى صلّى اللّه علیه و سلم لما خرج خائفا یترقب، و قال عند التوجه (عسى ربی أن یهدینی سواء السبیل) علم أنه انتعل الخوف و الرجاء و رکبهما فی سیره، لأن من انتعل فقد رکب، لحدیث جابر بن عبد اللّه رضی اللّه عنهما فی صحیح مسلم قال: کنا مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم فی سفر، فقال: أکثروا من النعال فإن الرجل یظل راکبا ما انتعل.

فلما بلغ موسى علیه السلام فی حضره المناجاه و التأنیس وصل فی وادی التقدیس، قیل له‏ «فَاخْلَعْ نَعْلَیْکَ» لأن الرجاء و الخوف لأرباب السلوک لا لمن وصل و خص بمجالسه المملوک، روینا أن نعلا موسى کانتا من جلد حمار میت، فجمعت ثلاثه أشیاء: الشی‏ء الواحد الجلد و هو ظاهر الأمر، أی لا تقف مع الظاهر فی کل الأحوال، و الثانی البلاده فإنها منسوبه إلى الحمار، و الثالث کونه میتا غیر مذکى و الموت الجهل، و إذا کنت میتا لا تعقل ما تقول و لا ما یقال لک، و المناجی لا بد أن یکون بصفه من یعقل ما یقول و یقال له، فیکون حی‏

 

[خلع النعلین‏]

القلب فطنا بمواقع الکلام، غواصا فی المعانی التی یقصدها من یناجیه بها- اعتبار- خلع النعلین فی الاعتبار یشیر إلى خلع صفه الجهل المختصه بالحمار، لأن النعلین کانتا من جلد حمار میت، فهو صفه جهل و موت، و الوادی المقدس فی الاعتبار یشیر إلى صفه موسویه- إشاره- خلعت النعلان إشاره لزوال شفعیه الإنسان.

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۳]

وَ أَنَا اخْتَرْتُکَ فَاسْتَمِعْ لِما یُوحى‏ (۱۳)

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۳]

وَ أَنَا اخْتَرْتُکَ فَاسْتَمِعْ لِما یُوحى‏ (۱۳)

و قرئ «و إنا اخترناک» قرأ بها حمزه على رب العزه فی المنام، و إذا قرئ «و أنا اخترتک» کان أحق بالآیه و أنسب و أنفى للتغییر، فإنه ما زال التوحید یصحبها إلى آخر الآیه فی قوله (فاعبدنی) و إذا قرئ بالجمع ظهر التغییر بالانتقال فی العین الواحده من الکثیر إلى الواحد، فمساق الآیه یقوی «و إنا اخترناک» لأنه عدد أمورا تطلب أسماء مختلفه، فلا بد من التغییر فی کل صوره یدعى إلیها، و کان جمله ما تحصل فی هذه الواقعه لموسى على ما روی اثنتی عشره ألف صوره، یقول له فی کل صوره: یا موسى، لیتنبه موسى على أنه لو أقیم لصوره واحده لا تسق الکلام، و لم یقل فی کل کلمه: یا موسى؛ فقوله «إنا اخترناک فجمع، ثم أفرد ثم عدد ما کلم به موسى علیه السلام غیر أن قوله «و إنا اخترناک» قرأ بها حمزه على رب العزه فی المنام، فقال له ربه: «و إنا اخترناک» فهی قراءه برزخیه، فلهذا جمع لأنه تجل صوری فی منام، فلا بد أن تکون القراءه هکذا، فإذا أفردتها بعد الجمع فلأحدیه الجمع لا غیر.

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۴]

إِنَّنِی أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِی وَ أَقِمِ الصَّلاهَ لِذِکْرِی (۱۴)

[توحید الاستماع‏]

هذا هو التوحید السابع عشر فی القرآن، و هو توحید الاستماع، و هو توحید الأنایه، و قوی بالجمع إذ قد قرئ «و إنا اخترناک» فکثّر، ثم أفرد فقال «إننی» و إن کلمه تحقیق، فالإنیه هی الحقیقه، و لما کان حکم الکنایه بالیاء یؤثر فی صوره الحقیقه، نظرت من فی الوجود على صورتها، فوجدت نونا من النونات، فقالت لها: قنی بنفسک من أجل کنایه الیاء، لئلا تؤثر فیّ صوره حقیقتی، فیشهد الناظر و السامع التغییر فی الحقیقه أن الیاء هی عین الحقیقه؛ فجاءت نون الوقایه فحالت بین الیاء و نون الحقیقه، فأحدثت الیاء الکسر فی النون المجاوره لها، فسمیت نون الوقایه لأنها وقت الحقیقه بنفسها، فبقیت الحقیقه على ما کانت علیه لم یلحقها تغییر، فقال‏ «إِنَّنِی أَنَا اللَّهُ» و لو لا نون الوقایه لقال‏ «إِنِّی أَنَا اللَّهُ» فغیرها، و تغییر الحقیقه بالضمیر فی الإن هو مقام تجلیه فی الصور یوم القیامه، و ما ثمّ إلا صورتان خاصه لا ثالث لهما، صوره تنکر و صوره تعرف، و لو کان ما لا یتناهى من الصور فإنها محصوره فی هذا الحکم، إما أن تنکر أو تعرف، لا بد من ذلک، فإذا قرئ‏ «وَ أَنَا اخْتَرْتُکَ» کان أحق بالآیه و أنسب و أنفى للتغییر، فإنه ما زال التوحید یصحبها إلى آخر الآیه.

[تفسیر من باب الإشاره الانیتان‏]

تفسیر من باب الإشاره- الوجه الأول: و اعلم أن إنیتین ضبطتهما العباره، و هما طرفان، و لکل واحده من الإنیتین حکم لیس للأخرى، إنیه فی جانب الحق‏ «إِنِّی أَنَا رَبُّکَ» و إنیه فی جانب الخلق الکامل (إنی رسول اللّه) و الإنیتان متمیزتان، إلا أن لإنیه الحادث منزله الفداء و الإیثار لجناب الحق بکونها وقایه، و بهذه الصفه من الوقایه تندرج إنیه العبد فی الحق اندراجا فی ظهور، فینسب الفعل إلى العبد و لیس إلیه، قال صلّى اللّه علیه و سلم: [الخیر کله بیدیک، و الشر لیس إلیک‏] قال تعالى‏ «إِنَّنِی أَنَا اللَّهُ» النون الثانیه من إننی هی نون الوقایه، فلو لا نون العبد التی أثر فیها حرف الیاء، الذی هو ضمیر الحق، فخفض النون، فظهر أثر القدیم فی المحدث، و لولاه لخفضت النون من إن، و هی إنیه الحق فخفضتها، و مقامها الرحمه التی هی الفتح، فما أزاله عن مقامه إلا هو و لا أثر فیه سواه، فأقرب ما یکون العبد من الحق إذا کان وقایه بین إنیه الحق و بین ضمیره، فیکون محصورا قد أحاط به الحق من کل جانب، و کان به رحیما لبقاء صفه الرحمه، فبابها مفتوح، و بها حفظ على المحدث وجوده، فبقی عین نون الوقایه الحادثه فی مقام العبودیه الذی هو الخفض المتولد عن یاء ضمیر الحق، فظهر فی العبد أثر الحق، و هو عین مقام الذله و الافتقار، فما للعبد مقام فی الوصله بالحق تعالى أعظم من هذا، حیث له وجود العین بظهور مقامه فیه، و هو فی حال اندراج فی الحق محاط به من کل جانب، فعرف نفسه بربه حین أثر فیه الخفض، فعرف ربه حین أبقاه على ما هو علیه من الرحمه، فإنه الرحمن الرحیم، فما زال عنه الفتح (فتح أنا) بوجود عین العبد (نون الوقایه) فلا یشهده أبدا إلا رحمانا، و لا یعلمه أبدا إلا مؤثّرا فیه، فلا یزال فی عبودیته قائما، و هذا غایه القرب، و لو لا هذا القرب المعیّن لعاد الأثر على إنیه الحق، و لهذا ظهر فی‏ «إِنِّی أَنَا رَبُّکَ» لیعلم أن الأثر إذا صدر من الحق لا بد من‏ ظهور حکم، و ما وجد إلا الحق فعاد علیه، فجاء العبد فدخل بین الإنیه الإلهیه و المؤثر فعمل فیه، قال أبو یزید لربه: یا رب بما ذا أتقرب إلیک؟

فقال: بما لیس لی، فقال: یا ربّ و ما لیس لک؟ فقال: الذله و الافتقار، فعلم عند ذلک ما لإنّیّه الحق و ما لإنیه العبد، و لیست العنایه من اللّه ببعض عباده إلا أن یشهده هذا المقام من نفسه، فما یزید على العالم کله إلا بالعلم به حالا و ذوقا، و لا یجنی أحد ثمره الإیثار مثل ما یجنیها صاحب هذا المقام، فإن ثمره الإیثار على قدر من تؤثره على نفسک، و الذی تؤثره على نفسک هنا إنما هو الحق- الوجه الثانی- النون الثانیه نون الوقایه، و هو تعالى الواقی، فهو نون الوقایه، و هو ضمیر الیاء، فهذه إضافه الشی‏ء إلى نفسه، یروى أن موسى لما جاء من عند ربه کساه اللّه نورا على وجهه یعرف به صدق ما ادعاه، فما رآه أحد إلا عمی من شده نوره، فکان یتبرقع حتى لا یتأذى الناظر إلى وجهه عند رؤیته.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۱۵ الى ۱۷]

إِنَّ السَّاعَهَ آتِیَهٌ أَکادُ أُخْفِیها لِتُجْزى‏ کُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى‏ (۱۵) فَلا یَصُدَّنَّکَ عَنْها مَنْ لا یُؤْمِنُ بِها وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى‏ (۱۶) وَ ما تِلْکَ بِیَمِینِکَ یا مُوسى‏ (۱۷)

[الاشیاء لا تنقلب‏]

السؤال عن الضروریات ما یکون من العالم بذلک إلا لمعنى غامض، و هو فی هذه المسأله تعلیم موسى خلع الصور من الجوهر و إلباسه صورا غیرها، لیعلمه أن الأعیان- أعیان الصور- لا تنقلب، فإنه یؤدی إلى انقلاب الحقائق، و إنما الإدراکات تتعلق بالمدرکات، تلک المدرکات لها صحیحه لا شک فیها، فیتخیل من لا علم له بالحقائق أن الأعیان انقلبت، و ما انقلبت، فقال تعالى لموسى علیه السلام‏ «وَ ما تِلْکَ بِیَمِینِکَ یا مُوسى‏» فقال فی تحقیق کونها عصا.

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۸]

قالَ هِیَ عَصایَ أَتَوَکَّؤُا عَلَیْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى‏ غَنَمِی وَ لِیَ فِیها مَآرِبُ أُخْرى‏ (۱۸)

کل ذلک من کونها عصا، أ رأیتم أنه أعلم الحق تعالى بما لیس معلوما عند الحق؟ و هذا جواب علم ضروری عن سؤال معلوم مدرک بالضروره، فقال له.

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۹]

قالَ أَلْقِها یا مُوسى‏ (۱۹)

یعنی من یدک، مع تحققک أنها عصا.

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۲۰]

فَأَلْقاها فَإِذا هِیَ حَیَّهٌ تَسْعى‏ (۲۰)

«فَأَلْقاها» موسى من یده فی الأرض‏ «فَإِذا هِیَ» یعنی تلک العصا «حَیَّهٌ تَسْعى‏» فلما خلع اللّه على العصا- أعنی جوهرها- صوره الحیه، استلزمها حکم الحیه و هو السعی، حتى یتبین لموسى علیه السلام بسعیها أنها حیه، و لو لا خوفه منها خوف الإنسان من الحیات، لقلنا إن اللّه أوجد فی العصا الحیاه فصارت حیه من الحیاه، فسعت لحیاتها على بطنها، إذ لم یکن لها رجل تسعى بها، فصورتها لشکلها عصا صوره الحیات، فلما خاف منها للصوره على مجرى العاده فی النفوس أنها تخاف من الحیات إذا فاجأتها، لما قرن اللّه بها من الضر لبنی آدم، و ما علم موسى مراد اللّه فی ذلک و لو علمه ما خاف، فقال له الحق:

[سوره طه (۲۰): آیه ۲۱]

قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِیدُها سِیرَتَهَا الْأُولى‏ (۲۱)

[ «سَنُعِیدُها سِیرَتَهَا الْأُولى‏»]

«قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ» و هذا هو خوف الفجأه إذ کان، ثم قال له‏ «سَنُعِیدُها» الضمیر یعود على العصا «سِیرَتَهَا الْأُولى‏» أی ترجع عصا مثلما کانت، فالآیه محتمله، فإن الضمیر الذی فی قوله عزّ و جل‏ «سَنُعِیدُها سِیرَتَهَا الْأُولى‏» إذا لم تکن عصا فی حال کونها فی نظر موسى حیه، لم یجد الضمیر على من یعود، فجواهر الأشیاء متماثله و تختلف بالصور و الأعراض، و الجوهر واحد، فالاعیان لا تنقلب، فالعصا لا تکون حیه و لا الحیه عصا، و لکن الجوهر القابل صوره العصا قبل صوره الحیه، فهی صور یخلعها الحق القادر الخالق عن الجوهر إذا شاء و یخلع علیه صوره أخرى، و من هنا یعلم تجلی الحق فی القیامه فی صوره یتعوذ أهل الموقف منها و ینزهون الحق عنها،

و یستعیذون باللّه منها و هو الحق ما هو غیره، و ذلک فی أبصارهم، فإن الحق منزه عن قیام التغییر به و التبدیل، و قدّم اللّه هذا لموسى علیه السلام توطئه لما سبق فی علمه سبحانه أن السحره تظهر لعینه مثل هذا، فیکون عنده علم من ذلک حتى لا یذهل و لا یخاف إذا وقع منهم عند إلقائهم حبالهم و عصیهم و خیل إلى موسى أنها تسعى، یقول له: فلا تخف إذا رأیت ذلک منهم، یقوی جأشه- إشاره- «سَنُعِیدُها سِیرَتَهَا الْأُولى‏» بشرى لموسى علیه السلام بمقام الفناء و تصحیح اللقاء، فالعود رجوع إلى الأصل.

[سوره طه (۲۰): آیه ۲۲]

وَ اضْمُمْ یَدَکَ إِلى‏ جَناحِکَ تَخْرُجْ بَیْضاءَ مِنْ غَیْرِ سُوءٍ آیَهً أُخْرى‏ (۲۲)

[إشاره- فیه تنبیه للإنسان أنه عند خروجه من الغیب من العلل بری‏ء،]

إشاره- فیه تنبیه للإنسان أنه عند خروجه من الغیب من العلل بری‏ء، فإنه خرج من الغیب طاهرا نقیا، و ما تدنس إلا بمصاحبه الکون و الحدث، و لذلک قیل: کل مولود یولد على الفطره.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۲۳ الى ۲۵]

لِنُرِیَکَ مِنْ آیاتِنَا الْکُبْرى‏ (۲۳) اذْهَبْ إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ (۲۴) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِی صَدْرِی (۲۵)

قال موسى ذلک لربه حین بعثه لفرعون.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۲۶ الى ۳۵]

وَ یَسِّرْ لِی أَمْرِی (۲۶) وَ احْلُلْ عُقْدَهً مِنْ لِسانِی (۲۷) یَفْقَهُوا قَوْلِی (۲۸) وَ اجْعَلْ لِی وَزِیراً مِنْ أَهْلِی (۲۹) هارُونَ أَخِی (۳۰)

اشْدُدْ بِهِ أَزْرِی (۳۱) وَ أَشْرِکْهُ فِی أَمْرِی (۳۲) کَیْ نُسَبِّحَکَ کَثِیراً (۳۳) وَ نَذْکُرَکَ کَثِیراً (۳۴) إِنَّکَ کُنْتَ بِنا بَصِیراً (۳۵)

فعلم موسى علیه السلام ما قال، و علمنا نحن من هذا القول ما أشار به، لیفهم عنه صاحب عین الفهم معنى التعاون و ظهور حکم الأسباب فی المسببات، فلا یزیل حکمها إلا جاهل.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۳۶ الى ۳۹]

قالَ قَدْ أُوتِیتَ سُؤْلَکَ یا مُوسى‏ (۳۶) وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلَیْکَ مَرَّهً أُخْرى‏ (۳۷) إِذْ أَوْحَیْنا إِلى‏ أُمِّکَ ما یُوحى‏ (۳۸) أَنِ اقْذِفِیهِ فِی التَّابُوتِ فَاقْذِفِیهِ فِی الْیَمِّ فَلْیُلْقِهِ الْیَمُّ بِالسَّاحِلِ یَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِی وَ عَدُوٌّ لَهُ وَ أَلْقَیْتُ عَلَیْکَ مَحَبَّهً مِنِّی وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَیْنِی (۳۹)

 

[إشاره: إلقاء موسى فی التابوت و فی الیم‏]

أرشد الحق تعالى أم موسى علیه السلام عند الخوف أن تلقیه من یدها و تخرجه عن حفظها، فإن اللّه تعالى یتولاه بحفظه و یبقیه برحمته، و أما قوله تعالى‏ «وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَیْنِی» أی على حکم آیتی التی أوحیتها إلى أمک (أن أرضعیه، فإذا خفت علیه فألقیه فی الیم و لا تخافی و لا تحزنی، إنا رادوه إلیک و جاعلوه من المرسلین). و یؤید أن المراد ذلک کونه جعل ظرف صنعه على عینیه.- إشاره- ألقی موسى علیه السلام فی التابوت لأن الحکمه ما ظهرت إلا بوجود الناسوت، و إلقاؤه فی الیم إشاره إلى العلم، أمّا کیف یصح الیم مع العلم، لأنه لولاه ما صح عند ذوی الفهم، قال تعالى‏ (وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ کُلَّ شَیْ‏ءٍ حَیٍّ) و لذلک العلم تحیا به القلوب.

[سوره طه (۲۰): آیه ۴۰]

إِذْ تَمْشِی أُخْتُکَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّکُمْ عَلى‏ مَنْ یَکْفُلُهُ فَرَجَعْناکَ إِلى‏ أُمِّکَ کَیْ تَقَرَّ عَیْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ قَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّیْناکَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنَّاکَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِینَ فِی أَهْلِ مَدْیَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى‏ قَدَرٍ یا مُوسى‏ (۴۰)

«وَ فَتَنَّاکَ فُتُوناً» أی اختبره فی مواطن کثیره، لیتحقق فی نفسه صبره على ما ابتلاه اللّه به. «فَرَجَعْناکَ إِلى‏ أُمِّکَ کَیْ تَقَرَّ عَیْنُها وَ لا تَحْزَنَ» و لتعلم أن وعد اللّه حق.

[سوره طه (۲۰): آیه ۴۱]

وَ اصْطَنَعْتُکَ لِنَفْسِی (۴۱)

لیس لصنعه شرف أعلى من إضافتها إلى صانعها، و لهذا لم یکن لمخلوق شرف إلا بالوجه الخاص الذی له من الحق، لا من جهه سببه المخلوق مثله، و أرفع المنازل عند اللّه أن یحفظ اللّه على عبده مشاهده عبودیته دائما، سواء خلع علیه من الخلع الربانیه شیئا أو لم یخلع، فهذه أشرف منزله تعطى لعبد، و هو قوله‏ «وَ اصْطَنَعْتُکَ لِنَفْسِی» و قوله (سبحان الذی أسرى بعبده) فقرن معه تنزیهه.

[سوره طه (۲۰): آیه ۴۲]

اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوکَ بِآیاتِی وَ لا تَنِیا فِی ذِکْرِی (۴۲)

 

[سوره طه (۲۰): الآیات ۴۳ الى ۴۴]

اذْهَبا إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ (۴۳) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَیِّناً لَعَلَّهُ یَتَذَکَّرُ أَوْ یَخْشى‏ (۴۴)

«فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَیِّناً» هو عین المداراه، لأنه ما یؤمر بلین المقال إلا من قوته أعظم من قوه من أرسل إلیه و بطشه أشد، فإنه یأتی باللین ما یأتی بالقهر و الفظاظه، و لا یأتی بالقهر ما یأتی باللین، فإن القهر لا یأتی بالرحمه و الموده فی قلب المقهور، و باللین ینقضی المطلوب، و تأتی الموده فتلقیها فی قلب من استملته باللین، و صاحب اللین لا یقاوم، فإنه لا یقاوم لما یعطیه اللین من الحکم، و لما علم الحق أنه قد طبع على کل قلب مظهر للجبروت و الکبریاء، و أنه فی نفسه أذل الأذلاء، أمر موسى و هارون علیهما السلام أن یعاملا فرعون بالرحمه و اللین، لمناسبه باطنه و استنزال ظاهره من جبروته و کبریائه،

[ایمان فرعون‏]

«لَعَلَّهُ یَتَذَکَّرُ» ما نسی مما کان قد علم من امتناننا علیه، و یتذکر بما یقابله من اللین و المسکنه ما هو علیه فی باطنه، لیکون الظاهر و الباطن على السواء «أَوْ یَخْشى‏» أو یخاف مما یعرفه من أخذنا و بطشنا الشدید بمن قال مثل مقالته ممن تقدمه و حصل عنده العلم به، فهذا جدل فی اللّه لیّن مأمور به و تعطف، و لعل کلمه ترجی، و الترجی من اللّه إذا ورد واقع بلا شک، و لهذا قال العلماء:

إن کلمه عسى من اللّه واجبه؛ فعلم اللّه أنه یتذکر، و التذکر لا یکون إلا عن علم سابق منسی، فالترجی من اللّه واقع کما قالوا فی عسى، فإن لعل و عسى کلمتا ترج، و لم یقل تعالى لموسى و هارون: لعله یتذکر أو یخشى فی ذلک المجلس و لا بد؛ و لا خلّصه للاستقبال الأخراوی، فإن الکل یخشونه فی ذلک الموطن، فجاء بفعل الحال الذی یدخله الاحتمال بین حال الدنیا و بین استقبال التأخیر للدار الآخره، و ذلک لا یکون مخلصا للمستقبل إلا بالسین أو سوف، و لما کان لعل و عسى من اللّه واجبتین،

و قد ترجى من فرعون التذکّر و الخشیه، فلا بد أن یتذکر فرعون ذلک فی نفسه و أن یخشى، و الذی ترجی من فرعون وقع، لأن ترجیه تعالى واقع، فإن تلک الخمیره ما زالت معه تعمل فی باطنه- مع الترجی الإلهی الواجب وقوع المترجى- و یتقوى حکمها، إلى حین انقطاع یأسه من أتباعه، و حال الغرق بینه و بین أطماعه، فلجأ إلى ما کان مستسرا فی باطنه من الذله و الافتقار، لیتحقق عند المؤمنین وقوع الرجاء الإلهی، کما أخبر اللّه فقال (آمنت بالذی آمنت به بنوا إسرائیل و أنا من المسلمین) فأظهر حاله باطنه و ما کان فی قلبه من العلم الصحیح باللّه، فهذا یدلک‏ على قبول إیمانه، لأنه لم ینص إلا على ترجی التذکر و الخشیه، لا على الزمان، إلا أنه فی زمان الدعوه، و وقع ذلک فی زمان الدعوه فی الحیاه الدنیا، و لکن لم یظهر من ذلک شیئا على ظاهره فی المجلس، و إن کان قد حکم التذکّر و الخشیه على باطنه، فلم یبطش بموسى و لا بأخیه فی المجلس، فإنه صاحب السلطان و القهر فی ذلک الوقت، فما منعه إلا ما قام به من التذکّر و الخشیه من الحق، و کان القول باللین من جنود اللّه، قابل بها جنود باطن فرعون، فهزمهم بإذن اللّه، فتذکر و خشی لما انهزم جیشه الذی کان یتقوى به، فذل فی نفسه، فشغلته تلک الذله و المعرفه عن أن یحکم بقوه ظاهره فلم یبطش بهما فی المجلس، فإن موسى علیه السلام ما قال (إننا نخاف أن یفرط علینا أو أن یطغى) إلا لعدم التکافؤ فی القوه الظاهره، فأمرهما اللّه تعالى أن یقولا له قولا لینا- و القول یقبل اللین و الخشونه- لیقابل به غلظه فرعون، فینکسر لعدم المقاوم، إذ لم یجد قوه تصادم غلظته، فعاد أثرها علیه فأهلکته بالغرق.

[سوره طه (۲۰): آیه ۴۵]

قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ یَفْرُطَ عَلَیْنا أَوْ أَنْ یَطْغى‏ (۴۵)

أرسل اللّه تعالى موسى علیه السلام و أخاه هارون إلى فرعون و هو الذی فر منه موسى خوفا، فکان خوفه علیه السلام من السبب الموضوع، فأرسله الحق إلیه تنبیها أن الخوف یکون من اللّه، إذ لا قدره مؤثره للممکن فی إیصال خیر أو شر إلى ممکن آخر، و أن ذلک کله بید اللّه، فلما أمرهما بالذهاب إلى فرعون‏ «قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ یَفْرُطَ عَلَیْنا أَوْ أَنْ یَطْغى‏» فأظهرا أن الخوف من فرعون باق معهما، و قولهما «أَنْ یَفْرُطَ عَلَیْنا» أی یتقدم علینا بالحجه بما یرجع إلیه من التوحید «أَوْ أَنْ یَطْغى‏» أی یرتفع کلامه لکونه یقصد عین الحقیقه فنتعب معه، أو یرتفع بالحجه إذ له الملک و السلطان، فقال اللّه لهما:

[سوره طه (۲۰): آیه ۴۶]

قالَ لا تَخافا إِنَّنِی مَعَکُما أَسْمَعُ وَ أَرى‏ (۴۶)

[ «قالَ لا تَخافا إِنَّنِی مَعَکُما»]

«قالَ لا تَخافا إِنَّنِی مَعَکُما» و هذه معیه اختصاص لموسى و هارون علیهما السلام، فهذه بشرى لهما حتى لا یخافا، فآمنهما اللّه مما خافا منه‏ «أَسْمَعُ وَ أَرى‏» من وجوه- الوجه الأول- أسمع دعاء کما فأجیبکما، و أرى من کونه تعالى بصیرا بأمور عباده، و هو البصرالذی یعطی الأمان، لا أنه یشهده و یراه فقط، فإنه یراه حقیقه سواء نصره أو خذله أو اعتنى به أو أهمله- الوجه الثانی- أسمع من فرعون إذا بلغتما إلیه رساله ربکما، و أرى ما یکون منکما فی حقه مما أوصیتکما به من اللین و التنزل فی الخطاب- الوجه الثالث- نبههما على أنه سمعهما و بصرهما، تذکره لهما أو إعلاما، لم یتقدمه علم به عندهما، فإنه قد صح عندنا فی الخبر أن العبد إذا أحبه ربه کان سمعه و بصره الذی یسمع به و یبصر به، و النبی أولى بهذا ممن لیس بنبی.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۴۷ الى ۴۸]

فَأْتِیاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّکَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِی إِسْرائِیلَ وَ لا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناکَ بِآیَهٍ مِنْ رَبِّکَ وَ السَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏ (۴۷) إِنَّا قَدْ أُوحِیَ إِلَیْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى‏ مَنْ کَذَّبَ وَ تَوَلَّى (۴۸)

فلم یجد فرعون على من یتکبر، لأن التکبر من المتکبر إنما یقع لمن یظهر له بصفه الکبریاء، فلما رأى ما عندهما من اللین فی الخطاب رق لهما و سرت الرحمه الإلهیه بالعنایه الربانیه فی باطنه، فعلم أن الذی أرسلا به هو الحق، لذلک لما قالا له صلى اللّه علیهما ما قالاه على الوجه الذی عهد إلیهما اللّه أن یقولاه.

[سوره طه (۲۰): آیه ۴۹]

قالَ فَمَنْ رَبُّکُما یا مُوسى‏ (۴۹)

لما سأل فرعون موسى و هارون علیهما السلام هذا السؤال، دلّ سؤاله أنه یرید أن یتنبه الحاضرون لما یقولانه مما یکون دلیلا على وجود اللّه، لیعلموا صدقهما، لأن العاقل إذا علم أنهما إذا قالا مثل قولهما ربما أن الخواطر تتنبه و یدعوهم قولهما إلى النظر فیه، لنصبهما فی قولهما مواضع الدلاله على اللّه، فإنه لا یسأل خصمه، فدل سؤاله أنه یرید هدایه من یفهم من قومه ما جاءا به، فأجابا علیه بما یستحقه الرب و هی هذه الصفه.

[سوره طه (۲۰): آیه ۵۰]

قالَ رَبُّنَا الَّذِی أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ (۵۰)

قال موسى علیه السلام ذلک مجیبا فرعون على سؤاله، فأخبر بإحاطه علم اللّه، و لم یکن ذلک لفرعون مع دعواه الربوبیه، فعلم فرعون ما قالاه و سکت، و تبین له أنه الحق، لکن حب الرئاسه منعه من الاعتراف‏ «الَّذِی أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ». اعلم أن العطاء منه واجب و منه امتنان، فإعطاء الحق العالم الوجود امتنان، و إعطاء کل موجود من العالم خلقه واجب، فإن أداء الحقوق نعت إلهی طولب به الکون، قال تعالى‏ «الَّذِی أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ» فذلک حق ذلک الشی‏ء الذی له عند اللّه من حیث ذاته، فهو حق ذاتی، و أعطى کل شی‏ء خلقه یعنی فی نفس الأمر، فخلق کل شی‏ء حقه أی کماله، و هو عین کمال ذلک الشی‏ء فما نقصه شی‏ء لأنه لا یصدر عن الکامل شی‏ء إلا على کماله اللائق به، فما فی العالم نقص أصلا، فالکمال للاشیاء وصف ذاتی و هو جماله، إذ لو نقص منه شی‏ء لنزل عن درجه کمال خلقه فکان قبیحا، فلیس فی الإمکان أجمل و لا أبدع و لا أحسن من العالم، و لو أوجد ما أوجد إلى ما لا یتناهى، لأن الحسن الإلهی و الجمال قد حازه و ظهر به، و النقص أمر عرضی، کالمرض له کمال فی ذاته، و الکمال هنا بمعنى التمام، لأن الکمال هو المطلوب لا التمام، فإن التمام فی الخلق، و الکمال فیما یستفیده التام و یفیده، قال تعالى‏ «الَّذِی أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ» فقد تم، و من ذلک النقص، فقد أعطى النقص خلقه أن یکون ناقصا، فالزیاده على النقص الذی هو عینه، لو کانت لکانت نقصا فیه و لم یعط النقص خلقه، فتمام النقص أن یکون نقصا، فالوجود کله عطاء.

لیس عند اللّه منع‏ کل ما منه عطاء
فإذا ما قیل منع‏ لم یکن إلا عطاء
فأنا ما بین شیئین غطاء و وطاء و أنا لکل ما فی الکون من خیر وعاء

و میّز اللّه کل شی‏ء فی العالم بأمر، ذلک الأمر هو الذی میزه عن غیره، و هو أحدیه کل شی‏ء، فما اجتمع اثنان فی مزاج واحد، قال أبو العتاهیه:

و فی کل شی‏ء له آیه تدل على أنه واحد

و لیست سوى أحدیه کل شی‏ء، فما اجتمع اثنان قط فیما یقع به الامتیاز، و لو وقع‏ الاشتراک فیه ما امتازت، و قد امتازت، فأعطى کل شی‏ء خلقه مما تقتضیه الحکمه الإلهیه ما یستحقه، و هو ما یقوّم ذات ذلک الشی‏ء من الفصول المقومه لذاته،

و أما ما تطلبه تلک الفصول من اللوازم و الأعراض فما أعطاه ذلک، لأن أعراض کل ذات لا تتناهى ما دام موصوفا بالبقاء فی الوجود، و ما لا یمکن فیه التناهی لا یصح أن یدخل فی الوجود، بل على التتالی و التتابع و الطالب بالسؤال المحق، هو الذی لا یطلب ما لا تستحقه ذاته من لوازمها و أعراضها، کمن لیس حقیقته أن یقبل التفکر فیطلب أن یتصف بالفکر، فما هو محق فی طلبه، فإذا طلبه الإنسان إذا کان الغالب علیه الوقوف مع المحسوسات، فطلب الاشتغال بالتفکّر فی خلق السموات و الأرض و جمیع الآیات فهو محق فی طلبه، صادق الدعوى فی نفی التفکّر عنه، لاستیلاء الغفله علیه، فطلبه هذا لا یعارض‏ «أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ» فله أن یطلب ما تستحقه ذاته من لوازمها و أعراضها، فهذا هو المحق الذی لا یعارض طلبه حقه الذی یستحقه بذاته، فینبغی لک أن تعلم کیف تسأل؟ و ما ذا تسأل فیه؟ و من أوصاف المحق أن لا یسأل إلا من بیده قضاء ذلک الحق المسئول، فلا تعارض فی هذه الآیه بین الطلب بالسؤال ما یستحقه من اللوازم و الأعراض و بین قوله تعالى‏ «أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ» من الفصول المقومه لذاته، و تدل هذه الآیه على أن کل شی‏ء فی استقامه حاصله تطلبها حکمه اللّه الساریه فی کل کون، فاستقامه النبات أن تکون حرکته منکوسه، و استقامه الحیوان أن تکون حرکته أفقیه، و إن لم یکن کذلک لم ینتفع بواحد منهما، لأن حرکه النبات إن لم تکن منکوسه حتى یشرب الماء بأصولها لم تعط منفعه، إذ لا قوه له إلا کذلک، و کذلک الحیوان لو کانت حرکته إلى العلو و قام على رجلین مثلنا، لم یعط فائده الرکوب و حمل الأثقال على ظهره، و لا حصلت به المنفعه التی تقع بالحرکه الأفقیه، فاستقامته ما خلق له، فهی الحرکه المعتبره التی تقع بها المنفعه المطلوبه، و إلا فالنبات و الحیوان لهما حرکه إلى العلو، و هو قوله تعالى‏ (وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ) فلو لا الحرکه ما نما علوا، و إنما غلبنا علیه الحرکه المنکوسه للمنفعه المطلوبه، فإن المتکلمین فی هذا الفن ما حرروا الکلام فی حقیقته، و اعوجاج القوس استقامته لما أرید له، فما فی الکون إلا الاستقامه، و هی ما أعطی کل شی‏ء من خلقه‏ «ثُمَّ هَدى‏» أی بیّن لنا بالتعریف أنه أعطى کل شی‏ء خلقه،

و أعطى الهدى أیضا الذی هو البیان خلقه، فأبان الأمر لعبیده على أکمل الوجوه عقلا و شرعا، بأن بیّن‏ الأمور على ما هی علیه بإعطاء کل شی‏ء خلقه، أی ما خلقه إلا بالحق، و هو ما یجب له، حتى لا یقول شی‏ء من الأشیاء: قد نقصنی کذا، فإن ذلک النقص الذی یتوهمه هو عرض، عرض له لجهله بنفسه و عدم إیمانه إن کان وصل إلیه قوله‏ «أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ» فإن المخلوق ما یعرف کماله و لا ما ینقصه، لأنه مخلوق لغیره لا لنفسه، فالذی خلقه إنما خلقه له لا لنفسه، فما أعطاه إلا ما یصلح أن یکون له تعالى، و العبد یرید أن یکون لنفسه لا لربه،

فلهذا یقول:أرید کذا، و ینقصنی کذا؛ فلو علم أنه مخلوق لربه، لعلم أن اللّه خلق الخلق على أکمل صوره تصلح لربه، و هذا أصل الأدب الإلهی الذی طلبه الحق من عباده، فالعالم على الحقیقه هو اللّه الذی علم ما تستحقه الأعیان فی حال عدمها، و میّز بعضها عن بعض بهذه النسبه الإحاطیه، و من تمام خلق الشی‏ء تعیین زمانه، و هو القدر، و هی الأقدار، أی مواقیت الإیجاد، فأعطى کل شی‏ء خلقه من زمانه، فیمن یتقید وجوده بالزمان، و من حاله فیمن یتقید وجوده بالحال، و من صفته فیمن یتقید وجوده بالصفه «ثُمَّ هَدى‏» لاکتساب الکمال، فمن اهتدى فقد کمل، و من وقف مع تمامه فقد حرم، فما ترک الحق لمخلوق ما یحتاج إلیه من حیث ما هو مخلوق تام، فإن قلت: ففیم إذا السؤال و الدعاء؟ قلنا:

اعلم أن ثمّ تماما و کمالا، فالتمام إعطاء کل شی‏ء خلقه، و هذا لا سؤال فیه، و لا یلزم إعطاء الکمال، و یتصور السؤال و الطلب فی حصول الکمال، فإنها مرتبه، و المرتبه إذا أوجدها الحق فی العبد أعطاها خلقها، و ما هی من تمام المعطى إیاه و لکنها من کماله، و کل إنسان و طالب محتاج إلى کمال، أی إلى المرتبه، و لکن لا یتعین، فإنه مؤهل بالذات لمراتب مختلفه، و لا بد أن یکون على مرتبه ما من المراتب،

فیقوم فی نفسه أن یسأل اللّه فی أن یعطیه غیر المرتبه لما هو علیه من الأهلیه لها، فیتصور السؤال فی الکمال، و هو مما یحتاج إلیه السائل فی نیل غرضه، فإنه من تمام خلق الغرض أن یوجد له متعلقه الذی یکون به کماله، فإن تمامه تعلقه بمتعلق ما، و قد وجد، فإن أعطاه اللّه ما سأله بالغرض فقد أعطاه ما یحتاج إلیه الغرض، و ذلک هو السخاء، فإن السخاء عطاء على قدر الحاجه، و قد یعطیه اللّه ابتداء من غیر سؤال نطق، لکن وجود الأهلیه فی المعطى إیاه سؤال بالحال،

کما تقول: إن کل إنسان مستعد لقبول استعداد ما یکون به نبیا و رسولا و خلیفه و ولیا و مؤمنا، لکنه سوقه و عدو و کافر، و هذه کلها مراتب یکون فیها کمال العبد و نقصه، قال صلّى اللّه علیه و سلم: [کمل من الرجال کثیرون،و لم یکمل من النساء إلا مریم بنت عمران و آسیه امرأه فرعون‏] کل إنسان ما عدا هؤلاء مستعد بإنسانیته لقبول ما یکون له به هذا الکمال، فبالأهلیه هو محتاج إلیه، و للحرمان وجد السؤال، فالکامل من علم ما یستحقه العالم منه، فوفاه حقه،

فأعطى کل ذی حق حقه، کما أن اللّه أعطى کل شی‏ء خلقه، من اسمه الحکیم، فإن الذی انفرد به الحق إنما هو الخلق، و الذی انفرد به العالم الکامل إنما هو الحق، فیعلم ما یستحقه کل موجود فیعطیه حقه، و هو المسمى بالإنصاف، فمن أعطیته حقه فقد أنصفته، فإن تغالیت فما کملت و أنت ناقص، فإن الزیاده فی الحد نقص فی المحدود، فلا یتعدى الکامل بالشی‏ء رتبته، فإن اللّه لما أعطى کل شی‏ء خلقه أمر عبده أن یعطی کل شی‏ء حقه، و هو قولنا فیما تقدم:

إن أداء الحقوق نعت إلهی طولب به الکون، فإذا أقامه الحق تعالى فی فعل من أفعاله المأمور بها أو المحجور علیه فیها، نظر ما لها من الحق قبله، فوفّى ذلک الفعل حقه، فإذا کان من الأمور المأمور بفعلها أعطاها حقها فی نشأتها حتى تقوم سویه الخلق معدله النش‏ء، فلم یتوجه لذلک الفعل حق على فاعله، فلله الخلق و للعبد الحق فالحق أعطى کل شی‏ء خلقه، و الخلق أعطى کل شی‏ء حقه، و إن کان من الأمور المنهی عنها فحقها على هذا العبد أنه لا یوجدها و لا یظهر لها عینا أصلا، فإن لم یفعل فما وفّاها حقها، و توجهت علیه المطالبه لها، فلم یعط کل شی‏ء حقه فکان محجوجا- مسئله- من هذه الآیه، یعرف ما تخبط فیه الناس من تفضیل الفقر على الغنى و الغنى على الفقر، و الخوض فی هذه المسأله من الفضول الذی فی العالم و الجهل القائم به، فإن الحالات تختلف و المنازل تختلف، و کل حاله کمالها فی وجود عینها، فإن اللّه یقول‏ «أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ» فما ترکت هذه الآیه لأحد طریقا إلى الخوض فی الفضول لمن فهمها و تحقق بها، غیر أن الفضول أیضا من خلق اللّه، فقد أعطى اللّه الفضول خلقه، ثم هدى أی بین أن من قام به الفضول فهو المعبر عنه بالمشتغل بما لا یعنیه و جهله بالأمر الذی یعنیه، و الفقر فی عینه کامل الخلق لا قدم له فی الغنى، و الغنى فی حاله کامل الخلق لا قدم له فی الفقر، و لو تداخلت الأمور لکان الفقر عین الغنى و الغنى عین الفقر، إذ کان کل واحد منهما من مقومات صاحبه، و الضد لا یکون عین الضد، و إن اجتمعا فی أمر ما، فلا یجتمع الغنى و الفقر أبدا، فلیس للفقر منزله عند اللّه فی وجوده، و لیس للغنى منزله عند العبد فی وجوده، فکما لا یقال: اللّه أفضل من الخلق أو الخلق‏

 

[مسئله تفضیل الفقر على الغنى و بالعکس‏]

کذلک، لا یقال: الغنى أفضل من الفقر أو الفقر أفضل من الغنى، فالفقر صفه الخلق، و الغنى صفه الحق، و المفاضله لا تصح إلا فیمن یجمعهما جنس واحد، و لا جامع بین الحق و الخلق، فلا مفاضله بین الغنى و الفقر، قال اللّه تعالى فی الغنى‏ (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ الْعالَمِینَ) و قال فی الفقر (یا أَیُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِیُّ الْحَمِیدُ) فمن قال بعد علمه بهذا الغنى أفضل من الفقر، أم الفقر أفضل، کان کمن قال: من أفضل اللّه أم الخلق؟

و کفى بهذا جهلا من قائله، و أما الذی بأیدی الناس الذی یسمونه غنى، فکیف یکون غنى و أنت فقیر إلیه غیر مستغن فی غناک عن غناک؟ فغناک عین فقرک، و هذا على الحقیقه لا یسمى غنى، فکیف تقع المفاضله ما بین ما له وجود حقیقی و هو الفقر، و بین ما لیس له وجود حقیقی و هو غناک؟ و إذا سمی الإنسان غنیا فهو وصف عرضی، و الفقر له ذاتی، فطلب المفاضله جهل بین الوصف الحقیقی و الإضافی العرضی- رقیقه- اعلم أن العقل من جمله الأشیاء،

و قد أعطاه اللّه خلقه، و لهذا ینزهه العقل و یرفع المناسبه من جمیع الوجوه، و یجی‏ء الحق فیصدقه فی ذلک ب (لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْ‏ءٌ) یقول لنا: صدق العقل فإنه أعطى ما فی قوّته، لا یعلم غیر ذلک فإنی أعطیت کل شی‏ء خلقه، و تمم الحق الآیه بقوله‏ «ثُمَّ هَدى‏» أی بیّن، فبین سبحانه أمرا لم یعطه العقل و لا قوه من القوى، فذکر لنفسه أحکاما هو علیها، لا یقبلها العقل إلا إیمانا أو بتأویل یردها تحت إحاطته، لا بد من ذلک، و طریقه السلامه لمن لم یکن على بصیره من اللّه، أن لا یتأول، و یسلّم ذلک إلى اللّه على علمه فیه، هذه طریقه النجاه. ثم نعود إلى قول موسى علیه السلام‏ «رَبُّنَا الَّذِی أَعْطى‏ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏» هذا من القول اللین، فإنه دخل تحته کل شی‏ء ادعاه فرعون، فأعطاه اللّه خلقه، فکأن فی کلامهما جواب فرعون لهما، إذ کان ما جاء به فرعون خلق اللّه، ثم زادهما فی السؤال لیزید فی الدلاله.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۵۱ الى ۵۲]

قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى‏ (۵۱) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّی فِی کِتابٍ لا یَضِلُّ رَبِّی وَ لا یَنْسى‏ (۵۲)

«وَ لا یَنْسى‏» مثل ما نسیت أنت حتى ذکرناک فتذکرت، فلو کنت إلها ما نسیت،لأن اللّه تعالى قال‏ «لَعَلَّهُ یَتَذَکَّرُ» ثم زادا فی الدلاله بما قالا بعد ذلک إلى تمام الآیه، فما زال ذلک العلم مضمرا فی نفس فرعون، لم یعطه حب الرئاسه أن یکذّب نفسه عند قومه فیما استخفهم به حتى أطاعوه، فکانوا قوما فاسقین، فما شرکه اللّه معهم فی ضمیر (إنهم) فلما رأى البأس قال: آمنت، فتلفظ باعتقاده الذی ما زال معه، فقال له اللّه تعالى (آلآن) قلت ذلک، فأثبت اللّه بقوله (آلآن) أنه آمن عن علم محقق و اللّه أعلم، و إن کان الأمر فیه احتمال، و حقت الکلمه من اللّه و جرت سنته فی عباده، أن الإیمان فی ذلک الوقت لا یدفع عن المؤمن العذاب الذی أنزله بهم فی ذلک الوقت، إلا قوم یونس، کما لا ینفع السارق توبته عند الحاکم فیرفع عنه حد القطع، و لا الزانی مع توبته عند الحاکم، مع علمنا بأنه تاب بقبول التوبه عند اللّه، و حدیث ماعز فی ذلک صحیح أنه تاب توبه لو قسمت على أهل المدینه لوسعتهم، و مع هذا لم تدفع عنه الحدّ، بل أمر صلّى اللّه علیه و سلم برجمه، و کذلک کل من آمن عند رؤیه البأس من الکفار أن الإیمان لا یرفع نزول البأس بهم، مع قبول اللّه إیمانهم فی الدار الآخره، فیلقونه و لا ذنب لهم، فربما لو عاشوا بعد ذلک اکتسبوا أوزارا، أما قول موسى علیه السلام‏ «عِلْمُها عِنْدَ رَبِّی فِی کِتابٍ» فما کتبها فی اللوح المحفوظ إلا لیعلم من لیس من شأنه أن لا یعلم إلا بإعلام، لا لیتذکر ما أوجبه على نفسه مما تستقبل أوقاته فی المدد الطائله، فإنه سبحانه‏ «لا یَضِلُّ رَبِّی» الذی جئتک من عنده لأدعوک إلى عبادته‏ «وَ لا یَنْسى‏» یعنی ما أوجبه على نفسه من ذلک، ثم زادا فی الدلاله.

[سوره طه (۲۰): آیه ۵۳]

الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَکَ لَکُمْ فِیها سُبُلاً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (۵۳)

خلق اللّه تعالى الإنسان من تراب الأرض و جعلها محلا للخلافه، فهی دار ملکه و موضع نائبه الظاهر بأحکام أسمائه، فمنها خلقنا و فیها أسکننا أحیاء و أمواتا.

[سوره طه (۲۰): آیه ۵۴]

کُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَکُمْ إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِأُولِی النُّهى‏ (۵۴)

«کُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَکُمْ» أعلم أنه ما من نبات إلا و هو دواء و داء، أی فیه منفعه و مضره بحسب قبول الأمزجه البدنیه و ما هی علیه من الاستعداد، فیکون المضر لبعض الأمزجه عین ما هو نافع لمزاج غیرها، لذلک قال‏ «إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِأُولِی النُّهى‏» و هم أولو نهى بما زجرهم به فی خطابه، و هم الذین یوافقون الحق فیما أمر به و نهى.

[سوره طه (۲۰): آیه ۵۵]

مِنْها خَلَقْناکُمْ وَ فِیها نُعِیدُکُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُکُمْ تارَهً أُخْرى‏ (۵۵)

[ «مِنْها خَلَقْناکُمْ»]

«مِنْها» أی هذه الأرض‏ «خَلَقْناکُمْ» فالأرض أم للإنسان فالغالب علینا عنصر التراب، و إن کنا على جمیع الطبائع کلها «وَ فِیها نُعِیدُکُمْ» فرددناه إلى أمه کی تقر عینها، لذلک تضغطه عند ما یدفن فیها مثل عناق الأم و ضمها ولدها إذا قدم علیها من سفر، فهو ضم محبه «وَ مِنْها نُخْرِجُکُمْ تارَهً أُخْرى‏» یعنی یوم البعث- الوجه الثانی- «مِنْها خَلَقْناکُمْ» أی هذه الأرض‏ «وَ فِیها نُعِیدُکُمْ» یعنی فی النشأه الأخرى أیضا کما خلقنا فیها «وَ مِنْها نُخْرِجُکُمْ تارَهً أُخْرى‏» یخرجنا إخراجا لمشاهدته، کما أنشأنا منها و أخرجنا لعبادته، فخلق أرواحنا فی أرض أبداننا فی الدنیا لعبادته،

و أسکننا أرض أبداننا فی الآخره لمشاهدته إن کنا سعداء، کما آمنا به فی النشأه الأولى لما اعتنى اللّه بنا، و الحال مثل الحال سواء فی تقسیم الخلق فی ذلک، و کذلک یکونون غدا، و الموت بین النشأتین حاله برزخیه تعمر الأرواح فیها أجسادا برزخیه خیالیه، مثل ما أعمرتها فی النوم، و هی أجساد متولده عن هذه الأجسام الترابیه، فإن الخیال قوه من قواها، فما برحت أرواحنا منها أو مما کان منها، و من مات فقد قامت قیامته، و هی القیامه الجزئیه و هو قوله‏ «وَ فِیها نُعِیدُکُمْ» فإن مده البرزخ هی للنشأه الآخره بمنزله حمل المرأه للجنین فی بطنها، ینشئه اللّه نشأ بعد نش‏ء،

فتختلف علیه أطوار النش‏ء إلى أن یولد یوم القیامه، فلهذا قیل فی المیت إنه إذا مات قامت قیامته، أی ابتدأ فیه ظهور نشأه الأخرى فی البرزخ إلى یوم البعث من البرزخ، کما یبعث من البطن إلى الأرض بالولاده، فتدبیر نشأه بدنه فی الأرض زمان کونه فی البرزخ لیسویه و یعدله على غیر مثال سبق مما ینبغی للدار الآخره، فیعبد اللّه فیها، أعنی فی أرض نشأته الأخراویه عباده ذاتیه لا عباده تکلیف، فالعاقل إذا شاهد التراب تذکر ما خلق منه، و ذکرته الأرض بنشأته و بإهانته و ذلته، فإن الأرض جعلها اللّه ذلولا مبالغه فی الذله، و لا أذل مما یطأه الأذلاء، و نحن نطأها و جمیع الخلائق و نحن عبید أذلاء.

 

[سوره طه (۲۰): الآیات ۵۶ الى ۶۶]

وَ لَقَدْ أَرَیْناهُ آیاتِنا کُلَّها فَکَذَّبَ وَ أَبى‏ (۵۶) قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِکَ یا مُوسى‏ (۵۷) فَلَنَأْتِیَنَّکَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَیْنَنا وَ بَیْنَکَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لا أَنْتَ مَکاناً سُوىً (۵۸) قالَ مَوْعِدُکُمْ یَوْمُ الزِّینَهِ وَ أَنْ یُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (۵۹) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ کَیْدَهُ ثُمَّ أَتى‏ (۶۰)

قالَ لَهُمْ مُوسى‏ وَیْلَکُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ کَذِباً فَیُسْحِتَکُمْ بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى‏ (۶۱) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَیْنَهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوى‏ (۶۲) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ یُرِیدانِ أَنْ یُخْرِجاکُمْ مِنْ أَرْضِکُمْ بِسِحْرِهِما وَ یَذْهَبا بِطَرِیقَتِکُمُ الْمُثْلى‏ (۶۳) فَأَجْمِعُوا کَیْدَکُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَ قَدْ أَفْلَحَ الْیَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى‏ (۶۴) قالُوا یا مُوسى‏ إِمَّا أَنْ تُلْقِیَ وَ إِمَّا أَنْ نَکُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى‏ (۶۵)

قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِیُّهُمْ یُخَیَّلُ إِلَیْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى‏ (۶۶)

[فعل الساحر]

اعلم أن من خرق العوائد قسما منها یرجع إلى ما یدرکه البصر أو بعض القوى، على حسب ما یظهر لتلک القوه مما ارتبطت فی العاده بإدراکه، و هو فی نفسه على غیر ما أدرکته تلک القوه، و هذا القسم داخل تحت قدره البشر، و منه ما یرجع إلى خواص أسماء، إذا تلفظ بتلک الأسماء ظهرت تلک الصور فی عین الرائی أو فی سمعه خیالا، و ما ثمّ فی نفس الأمر أعنی فی المحسوس شی‏ء من صوره مرئیه و لا مسموعه، و هو فعل الساحر، و هو على علم أنه ما شی‏ء مما وقع فی الأعین و الأسماع، و للأسماء سلطان على خیال الحاضرین، فتخطف أبصار الناظرین، فیرى صورا فی خیاله کما یرى النائم فی نومه، و ما ثم فی الخارج شی‏ء مما یدرکه، لذا قال تعالى‏ «یُخَیَّلُ إِلَیْهِ» یعنی إلى موسى، فإن موطن الخیال یعطی فی أعین الناظرین حیاه الجمادات و حرکتها، و هی فی نفسها لیست بتلک الحیاه التی تدرکها الأبصار، کحبال سحره موسى علیه السلام و عصیهم، یخیل إلى موسى‏ «مِنْ سِحْرِهِمْ» الذی سحروا به أعین الناس و علمهم بما فعلوه، و السحر مأخوذ من السحر، و هو اختلاط الضوء و الظلمه، فالسحر له وجه إلى الظلمه و لیس ظلاما خالصا، و له وجه إلى الضوء و لیس ضوءا خالصا، کذلک السحر له وجه إلى الحق و هو ما ظهر إلى بصر الناظر أنه حق، و له وجه إلى الباطل لأنه لیس الأمر فی نفسه على ما أدرکه البصر، فلهذا سمته العرب سحرا، و سمی العامل به ساحرا، لا العالم به‏ «أَنَّها تَسْعى‏» و لیست بساعیه فی نفس الأمر،

أقاموا ذلک فی حضره الخیال المنفصل أمام الجمیع، فرأوا العصی و الحبال فی صوره الحیات، و کذلک أدرکها موسى مخیله و لا یعرف أنها مخیله، بل ظن أنها مثل عصاه فی الحکم، فهی ساعیه فی نظر موسى و نظر الحاضرین، إلا السحره فإنهم یرونها حبالا، و الغریب لو ورد لرآها کما یراها السحره، فکان فعل السحره عن حکم أسماء کانت عندهم، لها فی عیون الناظرین خاصیه النظر إلى ما یرید الساحر إظهاره، فله بتلک الأسماء قلب النظر لا قلب المنظور فیه، و هذا بخلاف عصا موسى علیه السلام حین ألقاها عن الأمر الإلهی، فانقلب المنظور فیه فتبعه النظر، فتلک حبال نشأت بین الخیال و بین أعین الناظرین أنها تسعى، و هی أجسام فی عینها لا حکم لها فی السعی، فظهرت فی عین موسى بصوره الجسم الذی له سعی، و الأمر فی نفسه لیس کذلک، و امتلأ الوادی من حبالهم و عصیهم، و رآها موسى فیما خیّل له حیات تسعى، فلهذا خاف موسى علیه السلام.

[سوره طه (۲۰): آیه ۶۷]

فَأَوْجَسَ فِی نَفْسِهِ خِیفَهً مُوسى‏ (۶۷)

[ «فَأَوْجَسَ فِی نَفْسِهِ خِیفَهً مُوسى‏» الآیه]

لم یکن نسبه الخوف إلى موسى علیه السلام فی هذا الوقت نسبه الخوف الأول، فإن الخوف الأول لما ألقى موسى عصاه فکانت حیه تسعى، خاف منها على نفسه على مجرى العاده، فولى مدبرا و لم یعقب، حتى أخبره اللّه تعالى، و کان خوفه الثانی الذی ظهر منه للسحره عند ما ألقت السحره الحبال و العصی فصارت حیات فی أبصار الحاضرین، کان هذا الخوف الآخر على الحاضرین من الأمه، لئلا تظهر علیه السحره بالحجه فیلتبس الأمر على الناس، فلا یفرقون بین الخیال و الحقیقه، أو ما بین ما هو من عند اللّه و بین ما لیس من عند اللّه، فاختلف تعلق الخوفین، فإنه علیه السلام على بینه من ربه، قوی الجأش بما تقدم له فی الإلقاء الأول (خذها و لا تخف سنعیدها سیرتها الأولى) أی ترجع عصا کما کانت فی عینک، فلما خاف موسى علیه السلام على الأمه قال اللّه له:

[سوره طه (۲۰): آیه ۶۸]

قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّکَ أَنْتَ الْأَعْلى‏ (۶۸)

لما ادعى فرعون الفوقیه اللائقه بالربوبیه، و هی الفوقیه الحقیقیه فی قوله‏ (أَنَا رَبُّکُمُ الْأَعْلى‏) کذبه اللّه تعالى بقوله تعالى لموسى صلّى اللّه علیه و سلم‏ «لا تَخَفْ إِنَّکَ أَنْتَ الْأَعْلى‏» لما ظهر للسحره خوف موسى مما رآه، و ما علموا متعلق هذا الخوف أی شی‏ء هو؟ علموا أنه لیس عند موسى من علم السحر شی‏ء فإن الساحر لا یخاف مما یفعله، لعلمه أنه لا حقیقه له من خارج، و أنه لیس کما یظهر لأعین الناظرین، فأمر اللّه موسى أن یلقی عصاه و أخبر أنها تلقف ما صنعوا، فقال تعالى:

[سوره طه (۲۰): آیه ۶۹]

وَ أَلْقِ ما فِی یَمِینِکَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا کَیْدُ ساحِرٍ وَ لا یُفْلِحُ السَّاحِرُ حَیْثُ أَتى‏ (۶۹)

[أَلْقِ ما فِی یَمِینِکَ‏]

فلما ألقى موسى عصاه فکانت حیه، تلقفت تلک الحیه جمیع ما کان فی الوادی من الحبال و العصی، أی تلقفت صور الحیات منها المتخیله فی عیون الحاضرین، فأبصرت السحره و الناس حبال السحره و عصیهم التی ألقوها حبالا و عصیا کما هی، و أخذ اللّه بأبصارهم عن ذلک، فهذا کان تلقفها، لا أنها انعدمت الحبال و العصی، إذ لو انعدمت لدخل علیهم التلبیس فی عصا موسى، و کانت الشبهه تدخل علیهم، فإن اللّه یقول‏ «تَلْقَفْ ما صَنَعُوا» و ما صنعوا الحبال و لا العصی، و إنما صنعوا فی أعین الناس صور الحیات، و هی التی تلقفت عصا موسى، و ما قال تعالى: تلقف حبالهم و عصیهم‏ «إِنَّما صَنَعُوا کَیْدُ ساحِرٍ» أی فعلوا ما یقارب الحق، فإن الکید من کاد، و کاد من أفعال المقاربه، أی فعلوا ما یقارب الحق فی الصوره الظاهره للبصر «وَ لا یُفْلِحُ السَّاحِرُ حَیْثُ أَتى‏» فکانت الآیه عند السحره خوف موسى و أخذ صور الحیات من الحبال و العصی، فکان ظهور حجته على حجتهم أن بقیت حبالهم و عصیهم فی صور حبال و عصی، فلما رأى الناس الحبال حبالا، علموا أنها مکیده طبیعیه یعضدها قوه کیدیه روحانیه، و أما العامه فنسبوا ما جاء به موسى إلى أنه من قبیل ما جاءت به السحره، إلا أنه أقوى منهم و أعلم بالسحر بالتلقف الذی ظهر من حیه عصا موسى، فقالوا: هذا سحر عظیم، و لم تکن آیه موسى عند السحره إلا خوفه و أخذ صور الحیات من الحبال و العصی خاصه، فمثل هذا خارج عن قوه النفس، فتخیل السحره أن موسى خاف من الحیات، و کان موسى فی نفس الأمر غیر خائف من الحیات لما تقدم له فی ذلک من اللّه فی الفعل الأول حین قال له‏ (خُذْها وَ لا تَخَفْ) فنهاه عن الخوف منها، و أعلمه أن ذلک آیه له، فکان خوفه الثانی على الناس لئلا یلتبس علیهم الدلیل و الشبهه، و السحره تظن أنه خاف من الحیات،

فلبّس اللّه علیهم خوفه کما لبّسوا على الناس، لأن السحره لو علمت أن خوف موسى من الغلبه بالحجه لما سارعت إلى الإیمان، ثم أنه کان لحیه موسى التلقف و لم یکن لحیاتهم تلقف و لا أثر، لأنها حبال و عصی فی نفس الأمر، فلما علمت السحره قدر ما جاء به موسى من قوه الحجه، و أنه خارج عما جاءوا به، و تحققت شفوف ما جاء به على ما جاءوا به، و رأوا عصاه حیه حقیقه، علموا عند ذلک أنه أمر غیب من اللّه الذی یدعوهم إلى الإیمان به، و ما عنده من علم السحر خبر، لما علمت من خوف موسى أنه لو کان ذلک منه و کان ساحرا ما خاف، لأنه یعلم ما یجری، فآیه موسى عند السحره خوفه، و آیته عند الناس تلقف عصاه، و علم السحره أن أعظم الآیات فی هذا الموطن تلقف هذه الصور من أعین الناظرین،

و إبقاء صوره حیه عصا موسى فی أعینهم، و الحال عندهم واحده، فعلموا صدق موسى فیما یدعوهم إلیه، و أن هذا الذی أتى به خارج عن الصور و الحیل المعلومه عند السحره، فهو أمر إلهی لیس لموسى علیه السلام فیه تعمل، فصدّقوا برسالته على بصیره و آمنت السحره- إشاره لا تفسیر- «وَ أَلْقِ ما فِی یَمِینِکَ» من ألقى إراده نفسه فی بحر إراده مولاه و میدانها، تولاها بلطف حکمته، و أجرى علیه سابق عنایته، فأحیاها حیاه السعاده و التملیک، فامتحق کل زور و باطل، و خنس من دلاه بغرور، و ردّت إلیه بعد ما ألقاها، و حصل لها الشرف الکامل على أبناء جنسها، فتلک النفس المطمئنه الراضیه المرضیه، الداخله فی عباد الاختصاص، و فی الفرادیس العلیه جوار الرحمن.

[سوره طه (۲۰): آیه ۷۰]

فَأُلْقِیَ السَّحَرَهُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى‏ (۷۰)

لما علمت السحره أن الذی جاء به موسى من عند اللّه آمنوا بما جاء به موسى عن آخرهم، و خروا سجدا عند هذه الآیه قیل: کانوا ثمانین ألف ساحر، آمنوا و اختاروا عذاب فرعون على عذاب اللّه، و آثروا الآخره على الدنیا، و علموا من علمهم بذلک أن اللّه على کل شی‏ء قدیر، و قالت السحره «آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى‏» قالت ذلک لرفع اللبس من أذهان السامعین (راجع سوره الشعراء آیه ۴۷) و لهذا توعدهم فرعون بقوله:

[سوره طه (۲۰): الآیات ۷۱ الى ۷۲]

قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَکُمْ إِنَّهُ لَکَبِیرُکُمُ الَّذِی عَلَّمَکُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَیْدِیَکُمْ وَ أَرْجُلَکُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّکُمْ فِی جُذُوعِ النَّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنَّ أَیُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَ أَبْقى‏ (۷۱) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَکَ عَلى‏ ما جاءَنا مِنَ الْبَیِّناتِ وَ الَّذِی فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِی هذِهِ الْحَیاهَ الدُّنْیا (۷۲)

«فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» فالدوله لک.

[سوره طه (۲۰): آیه ۷۳]

إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِیَغْفِرَ لَنا خَطایانا وَ ما أَکْرَهْتَنا عَلَیْهِ مِنَ السِّحْرِ وَ اللَّهُ خَیْرٌ وَ أَبْقى‏ (۷۳)

[ «وَ اللَّهُ خَیْرٌ وَ أَبْقى‏»]

«وَ اللَّهُ خَیْرٌ وَ أَبْقى‏» و إلى هذا مال العارف، أما الزاهد فی الدنیا فمیله إلى (و ما عند اللّه خیر و أبقى) فالزاهد صید الحق من الدنیا، و العارف صید الحق من الآخره، فاللّه خیر و أبقى ممن هو عنده، و ما عند اللّه إلا العالم، فاللّه خیر و أبقى، لأن بقاء العالم إذا وصف بالوجود بإبقائه، و الحق لو لا بقاء عینه ما کان للممکن حکم فیما یظهر، فإن بقاء الحق بنفسه و بقاء العالم بإبقاء الحق تعالى.

[سوره طه (۲۰): آیه ۷۴]

إِنَّهُ مَنْ یَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا یَمُوتُ فِیها وَ لا یَحْیى‏ (۷۴)

إن الحقائق تعطی أن المآل إلى الرحمه فی الدار الآخره، فیرحم اللّه معنى و حسا، فثمّ‏ من تکون الرحمه به عین العافیه لا غیر و ارتفاع الآلام، و هذا مخصوص بأهل النار الذین هم أهلها، فهم لا یموتون فیها، لما حصل لهم فیها من العافیه بزوال الآلام، فاستعذبوا ذلک، فهم أصحاب عذاب لا أصحاب ألم، و لا یحیون أی ما لهم نعیم کنعیم أهل الجنان الذی هو أمر زائد على کونهم عافاهم اللّه من دار الشقاء.

[المحروم کل المحروم‏]

[سوره طه (۲۰): آیه ۷۵]

وَ مَنْ یَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِکَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى‏ (۷۵)

[المحروم کل المحروم‏]

فی الجنه یذهب اللّه عن المؤمن الحسره التی کان یجدها فی الدنیا لما یفوته هنا و فی القیامه، و لکن یعلم من هو أعلى منه، قدر ما فاته من العلم و العمل الصالح، و یرزق القناعه بحاله و ما هو فیه و الرضا، فلا أدنى همه ممن یعلم أن هناک مثل هذا و لا یرغب فی تحصیل العالی من الدرجات، هذا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم قد سأل أمته أن یسألوا اللّه له فی الوسیله طلبا للأعلى لعلو همته، و إن علم المحروم فی الجنه ما فاته فلا یکترث له لعدم ذوقه، و کل من تعلقت همته فی الدنیا بطلب الأعلى و لم یحصل ذلک ذوقا فی الدنیا و لا کشف له فیه، فإنه یوم القیامه یناله و لا بد، و یکون فیه کالذائق له هنا لا فرق، و ما بین الشخصین إلا ما عجّل له هنا من ذلک، فالمحروم کل المحروم من لا یعلق همته هنا بتحصیل المعالی من الأمور، و لکن لا بد مع التمنی من بذل المجهود، و أما إن تمنى مع الکسل و التثبط فما هو ذلک الذی أشرنا إلیه.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۷۶ الى ۷۷]

جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِینَ فِیها وَ ذلِکَ جَزاءُ مَنْ تَزَکَّى (۷۶) وَ لَقَدْ أَوْحَیْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنْ أَسْرِ بِعِبادِی فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِیقاً فِی الْبَحْرِ یَبَساً لا تَخافُ دَرَکاً وَ لا تَخْشى‏ (۷۷)

فلما رال البحر بعضه عن بعض و افترق فظهر الأرض و سکن البحر، غرّ ذلک فرعون قال تعالى:

[سوره طه (۲۰): آیه ۷۸]

فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِیَهُمْ مِنَ الْیَمِّ ما غَشِیَهُمْ (۷۸)

فانطبق البحر علیهم فأهلکهم بما أنجى به بنی إسرائیل.

[سوره طه (۲۰): آیه ۷۹]

وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى‏ (۷۹)

[نسبه الأفعال إلى المخلوقین فیها إشکال‏]

لما کان نسبه الأفعال إلى المخلوقین فیها إشکال، قال تعالى‏ «وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ» فنسب الإضلال لفرعون، و ما نسبه إلى قومه فإنه عندهم ذو فعل، و نفس الأمر کذلک، و قوله‏ «وَ ما هَدى‏» أی ما بیّن لهم طریق الحق، فإنه موضع لبس لکونه ذا أفعال، فلو کان المعبود جمادا ما وقع اللبس، و مع ذلک لا یعذر قوم فرعون، فإن خاصیه الفعل فی المخلوق لا تکون ساریه فی کل شی‏ء حتى تضاف إلیه الأفعال کما تضاف إلى اللّه، و بهذا القدر من الجهل أخذ عبده المخلوقین ذوی الأفعال کفرعون و غیره، و هذه الآیه و التی قبلها تکذیب من الحق لفرعون فی دعواه القهر لبنی اسرائیل، لما قال (سنقتل أبناءهم و نستحی نساءهم و إنا فوقهم قاهرون).

[سوره طه (۲۰): الآیات ۸۰ الى ۸۱]

یا بَنِی إِسْرائِیلَ قَدْ أَنْجَیْناکُمْ مِنْ عَدُوِّکُمْ وَ واعَدْناکُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَیْمَنَ وَ نَزَّلْنا عَلَیْکُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏ (۸۰) کُلُوا مِنْ طَیِّباتِ ما رَزَقْناکُمْ وَ لا تَطْغَوْا فِیهِ فَیَحِلَّ عَلَیْکُمْ غَضَبِی وَ مَنْ یَحْلِلْ عَلَیْهِ غَضَبِی فَقَدْ هَوى‏ (۸۱)

«وَ لا تَطْغَوْا فِیهِ فَیَحِلَّ عَلَیْکُمْ غَضَبِی» فأضاف الغضب إلیه، و إذا نزل بهم کانوا محلا له، فهم محل الغضب و هو النازل بهم، فإن الغضب هنا هو عین الألم، و جهنم إنما هی مکان لهم، و هم النازلون فیها «وَ مَنْ یَحْلِلْ عَلَیْهِ غَضَبِی فَقَدْ هَوى‏» فالغضب الإلهی جعله یهوی، فإذا هوى و هو السقوط- و هو حکم الغضب لا غیر- فیسقط فی الرحمه فتسعه و تتلقاه، فلا یسقط إلا إلیها، و بالرحمه التی فی الغضب سقط، فهی التی جعلت الغضب یهوی به لتستلمه الرحمه الخالصه، و لهذا کان المآل إلى الرحمه و حکمها و إن لم یخرجوا من النار، فلهم فیها نعیم، و اللّه على کل شی‏ء قدیر، و هو القائل (و رحمتی وسعت کل شی‏ء) و الغضب من الأشیاء التی وسعته الرحمه، فما ثمّ غضب خالص غیر مشوب برحمه، و الرحمه لا یشوبها غضب.

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۸۲]

وَ إِنِّی لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ (۸۲)

إذا صح التوحید فهو المطلوب من کل موجود، فکیف إذا انضاف إلى ذلک أداء العبادات المشروعه فی الحرکات الخارجه و الداخله؟

[سوره طه (۲۰): آیه ۸۳]

وَ ما أَعْجَلَکَ عَنْ قَوْمِکَ یا مُوسى‏ (۸۳)

لما قال اللّه عزّ و جل لموسى علیه السلام‏ «وَ ما أَعْجَلَکَ عَنْ قَوْمِکَ یا مُوسى‏» أضرب موسى علیه السلام عن الجواب، و جوابه أن یقول: أعجلنی کذا و کذا و یبین، ف:

[سوره طه (۲۰): آیه ۸۴]

قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى‏ أَثَرِی وَ عَجِلْتُ إِلَیْکَ رَبِّ لِتَرْضى‏ (۸۴)

«قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى‏ أَثَرِی» یشیر إلى حکم الأتباع، ثم ذکر عجلته فقال‏ «وَ عَجِلْتُ إِلَیْکَ رَبِّ لِتَرْضى‏» أی سارعت إلى إجابه دعائک حین دعوتنی، و قومی على أثری، فعجل موسى علیه السلام للأمر لیکون من المسارعین إلى الخیرات، و إلا لو عجل من غیر أمر لکانت عجلته إلى هواه، و هو علیه السلام کان من العارفین المحققین، و إنما عجل للأمر الإلهی.فقال عزّ و جل:

[سوره طه (۲۰): آیه ۸۵]

قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَکَ مِنْ بَعْدِکَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِیُّ (۸۵)

[ «فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَکَ مِنْ بَعْدِکَ»]

«فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَکَ مِنْ بَعْدِکَ» أی اختبرناهم‏ «وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِیُّ» بالعجل الذی قال لهم فی شأنه‏ (هذا إِلهُکُمْ وَ إِلهُ مُوسى‏) و سبب ذلک أنه لما مشى مع موسى علیه السلام، کشف اللّه عن بصره حتى أبصر الملک الذی هو على صوره الثور من حمله العرش، فتخیل أنه إله موسى الذی یکلمه، فأخرج لهم العجل، و علم أن قلوبهم تابعه لأموالهم، فصاغ لهم العجل بمرأى منهم من حلیهم، فسارعوا إلى عبادته حین دعاهم إلى ذلک- إشاره- فتن قوم موسى من بعده، ضیافه من السید لعبده، فإن ابتلاءه بذلک ضیافته، و لا یبتلى مثل الأنبیاء إلا فی ربه، و لا بد للقادم من کرامه، فکانت کرامته ما أصابه من الغیره فی حق اللّه حین رجع إلى قومه، فوجدهم قد عبدوا غیره، فکانت منزلته على قدر غیرته،فتلک ضیافته سبحانه لعبده.

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۸۶]

فَرَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ یا قَوْمِ أَ لَمْ یَعِدْکُمْ رَبُّکُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَیْکُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ یَحِلَّ عَلَیْکُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّکُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِی (۸۶)

«فَرَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ غَضْبانَ» على قومه‏ «أَسِفاً» علیهم لما فعلوه من اتخاذهم العجل إلها، فقال ما ذکر اللّه عنه.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۸۷ الى ۸۸]

قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَکَ بِمَلْکِنا وَ لکِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِینَهِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَکَذلِکَ أَلْقَى السَّامِرِیُّ (۸۷) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُکُمْ وَ إِلهُ مُوسى‏ فَنَسِیَ (۸۸)

[حیاه القلوب‏]

و إنما کان عجلا لأن السامری لما مشى مع موسى علیه السلام فی السبعین الذین مشوا معه، کشف اللّه عنه غطاء بصره، فما وقعت عینه إلا على الملک الذی على صوره الثور، و هو من حمله العرش، لأنهم أربعه: واحد على صوره أسد، و آخر على صوره نسر، و آخر على صوره ثور، و رابع على صوره إنسان؛ فلما أبصر السامری العجل تخیل أنه إله موسى الذی یکلمه، فصور لهم العجل و صاغه من حلیهم لیتبع قلوبهم أموالهم، لعلمه أن المال حبه منوط بالقلب، و علم أن حب المال یحجبهم أن ینظروا فیه، هل یضر أو ینفع؟ أو یرد علیهم قولا إذا سألوه؟

و کان قد عرف جبریل حین جاءه، و أنه لا یمر بشی‏ء إلا حیی بمروره، فقبض قبضته من أثر فرس جبریل، و رمى بها فی العجل فحیی العجل و خار لأنه عجل، و الخوار صوت البقر- إشاره- «فقبض قبضه من أثر الرسول» ظهر من قبضه الأثر فی العجل خوار، تنبیه على أن الحیاه فی سلوک الآثار، أی أن حیاه القلوب فی اتباع الشرائع، و ذلک أنه إذا اتبعها رزقه اللّه علما یحیا به قلبه. «فَقالُوا» قال لهم‏ «هذا إِلهُکُمْ وَ إِلهُ مُوسى‏ فَنَسِیَ» أی و نسی السامری إذا سأله عابدوه أنه لا یرجع إلیهم قولا و لا یملک لهم ضرا و لا نفعا، فقال تعالى:

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۸۹]

أَ فَلا یَرَوْنَ أَلاَّ یَرْجِعُ إِلَیْهِمْ قَوْلاً وَ لا یَمْلِکُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً (۸۹)

أی إذا سئل لا ینطق، و اللّه یکون متصفا بالقول‏ «وَ لا یَمْلِکُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً» أی لا ینتفعون به، و من لا یدفع الضر عن نفسه کیف یدفع الضر عن غیره؟

[سوره طه (۲۰): آیه ۹۰]

وَ لَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ یا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّکُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِی وَ أَطِیعُوا أَمْرِی (۹۰)

«إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ» أی اختبرتم به لتقوم الحجه للّه علیکم إذا سئلتم‏ «وَ إِنَّ رَبَّکُمُ الرَّحْمنُ» و من رحمته بکم أن أمهلکم و رزقکم مع کونکم اتخذتم إلها تعبدونه غیره سبحانه، ثم قال لهم‏ «فَاتَّبِعُونِی» لما علم أن فی اتباعهم إیاه الخیر «وَ أَطِیعُوا أَمْرِی» لکون موسى علیه السلام أقامه فیهم نائبا عنه.

[سوره طه (۲۰): آیه ۹۱]

قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَیْهِ عاکِفِینَ حَتَّى یَرْجِعَ إِلَیْنا مُوسى‏ (۹۱)

«قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَیْهِ» یریدون عباده العجل‏ «عاکِفِینَ» أی ملازمین‏ «حَتَّى یَرْجِعَ إِلَیْنا مُوسى‏» الذی بعث إلینا و أمرنا بالإیمان به، فحجبهم هذا النظر أن ینظروا فیما أمرهم به هارون علیه السلام، فلما رجع موسى إلى قومه وجدهم قد فعلوا ما فعلوا، فألقى الألواح من یده، و:-

[سوره طه (۲۰): الآیات ۹۲ الى ۹۳]

قالَ یا هارُونُ ما مَنَعَکَ إِذْ رَأَیْتَهُمْ ضَلُّوا (۹۲) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَیْتَ أَمْرِی (۹۳)

و أخذ برأس أخیه یجره إلیه عقوبه له بتأنیه فی قومه، فناداه هارون علیه السلام بأمه فإنها محل الشفقه و الحنان.

[سوره طه (۲۰): آیه ۹۴]

قالَ یَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْیَتِی وَ لا بِرَأْسِی إِنِّی خَشِیتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَیْنَ بَنِی إِسْرائِیلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِی (۹۴)

لما ظهر موسى علیه السلام على أخیه هارون علیه السلام بصفه القهر، بأن أخذ برأسه یجره إلیه، ناداه بأشفق الأبوین فقال‏ «یَا بْنَ أُمَّ» فناداه بالرحم و هی الأم، إذ کانت الرحمه للأم دون الأب أوفر فی الحکم، و لو لم یلق موسى الألواح ما أخذ برأس أخیه، فإن فی نسختها الهدى و الرحمه تذکره لموسى، فکان یرحم أخاه بالرحمه، و تتبین مسألته مع قومه بالهدى‏ «إِنِّی خَشِیتُ» لما وقع ما وقع من قومک أن تلومنی على ذلک و تقول‏ «فَرَّقْتَ بَیْنَ بَنِی إِسْرائِیلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ» أی تلزم‏ «قَوْلِی» الذی أوصیتک به، فتجعلنی سببا فی تفریقهم، فإن عباده العجل فرقت بینهم، فکان منهم من عبده اتباعا للسامری و تقلیدا له، و منهم من توقف عن عبادته حتى یرجع موسى إلیهم فیسألونه فی ذلک، فخشی هارون أن ینسب ذلک الفرقان بینهم إلیه، و لما سکت عن موسى الغضب قبل عذر أخیه و أخذ الألواح، فما وقعت عیناه مما کتب فیها إلا على الهدى و الرحمه، فقال (رب اغفر لی و لأخی و أدخلنا فی رحمتک و أنت أرحم الراحمین). و أما الذین عبدوا العجل فما أعطوا النظر الفکری حقه للاحتمال الداخل فی القصه، فما عذرهم الحق و لا وفّى عابدوه النظر فی ذلک، ثم ردّ موسى وجهه إلى السامری.

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۹۵]

قالَ فَما خَطْبُکَ یا سامِرِیُّ (۹۵)

أی ما حدیثک یا سامری.

[سوره طه (۲۰): آیه ۹۶]

قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ یَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَهً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَ کَذلِکَ سَوَّلَتْ لِی نَفْسِی (۹۶)

[ «فَقَبَضْتُ قَبْضَهً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ»]

«قالَ» له السامری‏ «بَصُرْتُ بِما لَمْ یَبْصُرُوا بِهِ» و هو ما رآه من صوره الثور الذی هو أحد حمله العرش، فظن أنه إله موسى الذی یکلمه، فلذلک صنعت لهم العجل، و علمت أن جبریل ما یمر بموضع إلا حیی به لأنه روح، «فَقَبَضْتُ» لذلک‏ «قَبْضَهً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ» جبریل، لعلمه بتلک القبضه، «فَنَبَذْتُها» فی العجل فخار «وَ کَذلِکَ سَوَّلَتْ لِی نَفْسِی» فما فعله السامری إلا عن تأویل، فضل و أضل.

من ذلک تعلم أن حیاه الأرواح ذاتیه، و لهذا یکون کل ذی روح حیا بروحه، قال ابن عباس: ما وطئ جبریل علیه السلام قط موضعا من الأرض‏ إلا حیی ذلک الموضع؛ و ما یطؤه الروح یعطی الحیاه فی أی صوره مرکبه، فلما أبصر السامری جبریل علیه السلام حین جاء لموسى علیه السلام و عرفه، و علم أن روحه عین ذاته، و أن حیاته حیاه ذاتیه، فلا یطأ موضعا إلا حیی ذلک الموضع بمباشره تلک الصوره الممثله إیاه، و علم أن وطأته یحیا بها ما وطئه من الأشیاء، فقبض قبضه من أثر الرسول، بالصاد أو الضاد، أی بمل‏ء أو بأطراف أصابعه، فلما صاغ العجل و صوره، نبذ فیه تلک القبضه فحیی ذلک العجل و خار، إذ صوت البقر إنما هو خوار، و کان ذلک من إلقاء الشیطان فی نفس السامری، لأن الشیطان یعلم منزله الأرواح، فوجد السامری فی نفسه هذه القوه، و ما علم أنها من إلقاء إبلیس، فقال‏ «وَ کَذلِکَ سَوَّلَتْ لِی نَفْسِی» و فعل ذلک إبلیس من حرصه على إضلاله بما یعتقده من الشریک للّه تعالى.

[سوره طه (۲۰): آیه ۹۷]

قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَکَ فِی الْحَیاهِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَ إِنَّ لَکَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَ انْظُرْ إِلى‏ إِلهِکَ الَّذِی ظَلْتَ عَلَیْهِ عاکِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِی الْیَمِّ نَسْفاً (۹۷)

و إذا حرقه و نسفه لم ینتفع به، فإنه لو أبقاه دخلت علیهم الشبهه بما یوجد فی الحیوان من الضرر و النفع، فحرقه ثم نسف رماد تلک الصوره فی الیم نسفا.

[سوره طه (۲۰): آیه ۹۸]

إِنَّما إِلهُکُمُ اللَّهُ الَّذِی لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ کُلَّ شَیْ‏ءٍ عِلْماً (۹۸)

[توحید السعه]

هذا التوحید هو الثامن عشر فی القرآن، و هو توحید السعه من توحید الهویه، و هو توحید تنزیه، لئلا یتخیل فی سعته الظرفیه للعالم، فقال إن سعته علمه بکل شی‏ء لا أنه ظرف لشی‏ء، و سبب هذا التوحید لما جاء فی قصه السامری قوله عن العجل لما نبذ فیه ما قبضه من أثر الرسول، فکان العجل ظرفا لما نبذ فیه، فلما خار العجل قال السامری (هذا إلهکم و إله موسى) فقال موسى‏ «إِنَّما إِلهُکُمُ اللَّهُ الَّذِی لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» لا ترکیب فیه، وسع کل شی‏ء علما «أی هو عالم بکل شی‏ء» أکذب السامری فی قوله، و نصب لهم الدلاله على کذب السامری مع کون العجل خار.

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۹۹]

کَذلِکَ نَقُصُّ عَلَیْکَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ آتَیْناکَ مِنْ لَدُنَّا ذِکْراً (۹۹)

کون القرآن ذکر فلما فیه من آیات الاعتبارات و قصص الأمم فی إهلاکهم بکفرهم.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۱۰۰ الى ۱۰۱]

مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ یَحْمِلُ یَوْمَ الْقِیامَهِ وِزْراً (۱۰۰) خالِدِینَ فِیهِ وَ ساءَ لَهُمْ یَوْمَ الْقِیامَهِ حِمْلاً (۱۰۱)

الضمیر فی خالدین فیه یعود على الوزر لا على العذاب، و هذا فی موطن من مواطن الآخره، إذا أقیموا فی حمل الأثقال التی هی الأوزار یحملونها، و هو زمان مخصوص، فیقول‏

[ «خالِدِینَ فِیهِ» أی فی حمل الوزر فی الموضع الذی یحملونه‏]

تعالى‏ «خالِدِینَ فِیهِ» أی فی حمل الوزر فی الموضع الذی یحملونه، من خروجهم من قبورهم إلى أن یصلوا به إلى النار فیدخلونها، فهم خالدون فیه فی تلک المده، لا یفتر عنهم و لا یأخذه من على ظهورهم غیرهم، فأعاد الحق الضمیر على الوزر و جعله لیوم القیامه هذا الحمل، و یوم القیامه مدته من خروج الناس من قبورهم إلى أن ینزلوا منازلهم من الجنه و النار، و ینقضی ذلک الیوم فینقضی بانقضائه جمیع ما کان فیه، و مما کان فیه الخلود فی حمل الأوزار، و لذلک فإن هذه الآیه ما هی بنص فی خلود العذاب، فإنه ما ورد فی العذاب شی‏ء یدل على الخلود فیه کما ورد فی الخلود فی النار، قال‏ (خالِدِینَ فِیها)* یعنی فی النار، و لم یقل:فیه؛ فیرید العذاب، و لما أعاد الضمیر فی خالدین فیها على الدار لم یلزم العذاب.

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۰۲]

یَوْمَ یُنْفَخُ فِی الصُّورِ وَ نَحْشُرُ الْمُجْرِمِینَ یَوْمَئِذٍ زُرْقاً (۱۰۲)

الصور جمع صوره، و هو الحضره البرزخیه التی ننتقل إلیها بعد الموت و نشهد نفوسنا فیها، و لما سئل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم عن الصور: ما هو؟ قال صلّى اللّه علیه و سلم [هو قرن من نور ألقمه إسرافیل‏] فأخبر أن شکله شکل القرن، فوصف بالسعه و الضیق، فهو فی غایه السعه، لا شی‏ء من الأکوان أوسع منه، و ضیقه من أنه لا یجرد المعانی عن المواد أصلا، فلا یقبلها إلا فی صوره.

و اعلم أن اللّه سبحانه إذا قبض الأرواح من هذه الأجسام الطبیعیه حیث کانت و العنصریه، أودعها صورا جسدیه فی مجموع هذا القرن النوری، فجمیع ما یدرکه الإنسان‏ بعد الموت فی البرزخ من الأمور إنما یدرکه بعین الصوره التی هو فیها فی القرن و بنورها، و هو إدراک حقیقی، و من الصور هنالک ما هی مقیده عن التصرف، و منها ما هی مطلقه کأرواح الأنبیاء کلهم و أرواح الشهداء، و منها ما یکون لها نظر إلى عالم الدنیا فی هذه الدار، و کل إنسان فی البرزخ مرهون بکسبه، محبوس فی صور أعماله إلى أن یبعث یوم القیامه من تلک الصوره فی النشأه الآخره.

[سوره طه (۲۰): الآیات ۱۰۳ الى ۱۰۷]

یَتَخافَتُونَ بَیْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (۱۰۳) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما یَقُولُونَ إِذْ یَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِیقَهً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ یَوْماً (۱۰۴) وَ یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ یَنْسِفُها رَبِّی نَسْفاً (۱۰۵) فَیَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (۱۰۶) لا تَرى‏ فِیها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً (۱۰۷)

و هذه صفه أرض الآخره، و هو قوله صلّى اللّه علیه و سلم [إن اللّه یمد الأرض مدّ الأدیم‏] و هو بسط قبضه و فرش نتوئه، فتبسط الأرض فلا ترى فیها عوجا و لا أمتا، فیأخذ البصر جمیع من فی الموقف بلا حجاب من ارتفاع و انخفاض، لیرى الخلق بعضهم بعضا، فیشهدوا حکم اللّه بالفصل و القضاء فی عباده.

 

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۰۸]

یَوْمَئِذٍ یَتَّبِعُونَ الدَّاعِیَ لا عِوَجَ لَهُ وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (۱۰۸)

«وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ» هذا مع الاسم الرحمن، فکیف یکون الحال مع الجبار؟

خشوع حیاء لا خشوع مهانه و هیبه إجلال و قبض تأدب‏

حکم اقتضاه الموطن، بإشاره عین و خفی صوت، من علو الهیبه الإلهیه یوم العرض، فقد ألجم الناس العرق و عظم الخطب و جل الأمر و کان البهت‏ «فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً» أی صوتا خفیا، خشوعا للّه تعالى و خضوعا، فإن الهمس إسماع من قصدته بالإسماع خاصه.

 

[سوره طه (۲۰): الآیات ۱۰۹ الى ۱۱۰]

یَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَهُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِیَ لَهُ قَوْلاً (۱۰۹) یَعْلَمُ ما بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا یُحِیطُونَ بِهِ عِلْماً (۱۱۰)

[فهو سبحانه لا یحیط به علم‏]

فهو سبحانه لا یحیط به علم، تقدّس و تعالى عن أن یحیط به علم الممکن أو تکون ذاته تعطی الإحاطه فهو المحیط و لا یحیط به شی‏ء، إذ لو أحاط به شی‏ء لحصره ذلک الشی‏ء، فإن القوى الحسیه و الخیالیه تطلبه بذواتها لترى موجدها، و العقول تطلبه بذواتها و أدلتها من نفی و إثبات و وجوب و جواز و إحاله لتعلم موجدها، فخاطب الحواس و الخیال بتجریده الذی دلت علیه أدله العقول‏ (لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْ‏ءٌ) و الحواس تسمع، فحارت الحواس و الخیال و قالت: ما بأیدینا منه شی‏ء، و خاطب العقول بتشبیهه الذی دلت علیه الحواس و الخیال‏ (وَ هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ) و العقول تسمع، فحارت العقول و قالت: ما بأیدینا منه شی‏ء، فعلا عن إدراک العقول و الحواس و الخیال، و انفرد سبحانه بالحیره فی الکمال، فلم یعلمه سواه و لا شاهده غیره، فلم یحیطوا به علما و لا رأوا له عینا، فآثار تشهد، و جناب یقصد، و رتبه تحمد، و إله منزه و مشبه یعبد، لأنه المجهول الذی لا یعرف،

و لا یقال هو النکره التی لا تتعرّف، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم [اعبد اللّه کأنک تراه‏] فأمر المکلف بالاستحضار، فإنه یعلم أن لا یستحضر إلا من یقبل الحضور، فاستحضار العبد ربه فی العباده عین حضور المعبود له، فإن لم یعلمه إلا فی الحد و المقدار حدّه و قدّره، و إن علمه منزها عن ذلک لم یحده و لم یقدره مع استحضاره کأنه یراه، و إنما لم یحدّه و لم یقدّره العارف به لأنه یراه جمیع الصور، فمهما حده بصوره عارضته صوره أخرى، فانخرم علیه الحد، فلم ینحصر له الأمر لعدم إحاطته بالصور الکائنه و غیر الکائنه له، فلم یحط به علما کما قال‏ «وَ لا یُحِیطُونَ بِهِ عِلْماً» فإذا عرفوا أنهم لا یحیطون به علما خضعوا فقال تعالى:-

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۱۱]

وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَیِّ الْقَیُّومِ وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (۱۱۱)

الوجوه منا المراد بها حقائقنا، إذ وجه کل شی‏ء ذاته، و کل ما خلق اللّه من العالم فإنما خلقه اللّه على کماله فی نفسه، فذلک الکمال وجهه، فالوجوه هنا أعیان الذوات و حقائق‏ الموجودات، إذ وجه کل شی‏ء حقیقته و ذاته، فعنت الوجوه أی خضعوا و ذلوا، و طلبوا الزیاده من العلم فیما لا علم لهم به منه، و هو العلم باللّه عن طریق التجلی و الذوق، و لذلک قال: عنت أی ذلت، فلما تجلى اسمه «الحی» حییت الموجودات «و القیوم» فقامت به الأرض و السموات و من فیهن من عوالم البقاء و الاستحالات، فعنت لحیاته الوجوه و سجدت لقیومیته الجباه، و أقنعت لعظمته الرءوس و تحرکت بذکره الشفاه‏ «وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً».

[سوره طه (۲۰): الآیات ۱۱۲ الى ۱۱۴]

وَ مَنْ یَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا یَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً (۱۱۲) وَ کَذلِکَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِیًّا وَ صَرَّفْنا فِیهِ مِنَ الْوَعِیدِ لَعَلَّهُمْ یَتَّقُونَ أَوْ یُحْدِثُ لَهُمْ ذِکْراً (۱۱۳) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِکُ الْحَقُّ وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ یُقْضى‏ إِلَیْکَ وَحْیُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً (۱۱۴)

[الوحی وحیان‏]

الوحی و حیان: وحی قرآن و وحی فرقان؛ و وحی القرآن هو الأول فإن القرآن حصل عند رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم مجملا غیر مفصل الآیات و السور، فلما أوحى اللّه إلى محمد صلّى اللّه علیه و سلم کان یعجل بالقرآن حین کان ینزل علیه جبریل علیه السلام بالفرقان، قبل أن یقضى إلیه وحیه، لیعلم بالحال أن اللّه تولى تعلیمه من الوجه الخاص الذی لا یشعر به الملک، و جعل اللّه الملک النازل بالوحی صوره حجابیه، فقیل له‏ «وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ» الذی عندک فتلقیه مجملا فلا یفهم عنک‏ «مِنْ قَبْلِ أَنْ یُقْضى‏ إِلَیْکَ وَحْیُهُ» فرقانا مفصلا، فأمر صلّى اللّه علیه و سلم بالتأنی عند الوحی أدبا مع المعلم الذی أتاه به من قبل ربه، فهو صلّى اللّه علیه و سلم مصغ تابع للملک هنا، و قد قال تعالى له فیما أوحى إلیه‏ (لا تُحَرِّکْ بِهِ لِسانَکَ لِتَعْجَلَ بِهِ) کذلک أدبا مع أستاذه جبریل‏

[ «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً»]

«وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً» بتفصیل ما أجملته فیّ من المعانی، فما أشرف العلم، فهو الصفه الشریفه التی أخبر اللّه تعالى نبیه محمدا صلّى اللّه علیه و سلم و سلم بالزیاده منها، و لم یقل ذلک فی غیره من الصفات، فإن فیه الشرف التام، و لیس فی الصفات أعم منه تعلقا، لتعلقه بالواجبات و الجائزات و المستحیلات، و غیره من الصفات لیس کذلک، و حدّ العلم‏ و حقیقته المطلقه معرفه الشی‏ء على ما هو علیه، و المفیده العمل به، و هو الذی یعطیک السعاده الأبدیه، و لا تخالف فیه، فهو نور من أنوار اللّه تعالى یقذفه فی قلب من أراد من عباده، و هو معنى قائم بنفس العبد یطلعه على حقائق الأشیاء، و هو للبصیره کنور الشمس للبصر، بل أتم و أشرف، و کل من ادعى علما من غیر عمل فدعواه کاذبه إن تعلق به خطاب عمل، و لهذا لم یأمر اللّه نبیه صلّى اللّه علیه و سلم أن یطلب من اللّه تعالى الزیاده من شی‏ء إلا من العلم، فإنه أشرف الصفات و أنزه السمات، فالعلم سبب النجاه و إن شقی فی الطریق، فالمآل إلى النجاه، فلو علم المشرک ما یستحقه الحق من نعوت الجلال لعلم أنه لا یستحق أن یشرک به، و لو علم المشرک أن الذی جعله شریکا لا یستحق أن یوصف بالشرکه للّه فی ألوهته لما أشرک، فما أخذ إلا بالجهل من الطرفین.

و لما کانت العلوم الشریفه العالیه التی إذا اتصف بها الإنسان زکت نفسه و عظمت مرتبته أعلاها العلم باللّه، لهذا أمر الحق تعالى نبیه أن یقول‏ «رَبِّ زِدْنِی عِلْماً» فهذا العلم الذی أمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم بطلب المزید منه، هو العلم باللّه عن طریق التجلی و الذوق، فإنه أشرف الطرق إلى تحصیل العلوم، لا علم التکلیف، فإن النقص منه هو مطلوب الأنبیاء علیهم السلام، فقوله تعالى‏ «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً» یرید من العلم به، من حیث ما له تعالى من الوجوه فی کل مخلوق و مبدع، و هو علم الحقیقه، فإنه لما کان الخلق على الدوام دنیا و آخره فالمعرفه تحدث على الدوام دنیا و آخره، و لذا أمر بطلب الزیاده من العلم، أ تراه أمره صلّى اللّه علیه و سلم بطلب الزیاده من العلم بالأکوان؟

لا و اللّه، ما أمر إلا بالزیاده من العلم باللّه، بالنظر فیما یحدثه من الکون، فیعطیه ذلک الکون عن أیّه نسبه إلهیه ظهر، و لهذا نبّه صلّى اللّه علیه و سلم القلوب فی دعائه [اللهم إنی أسألک بکل اسم سمیت به نفسک، أو علمته أحدا من خلقک، أو استأثرت به فی علم غیبک‏] و الأسماء نسب إلهیه و الغیب لا نهایه له، فلا بد من الخلق على الدوام، فکأنما یقول صلّى اللّه علیه و سلم: ارفع عنی اللّبس الذی یحول بینی و بین العلم بالخلق الجدید، فیفوتنی خیر کثیر حصل فی الوجود لا أعلمه، لذا أمر اللّه نبیه صلّى اللّه علیه و سلم أن یدعوه بأن یزیده بطلبه علما به فی کل ما یعطیه، و هو وجه الحق فی کل شی‏ء، فما طلب الزیاده من علم الشریعه، بل کان یقول [اترکونی ما ترکتکم‏] فالشرف کله إنما هو فی العلم، و العالم به بحسب ذلک العلم، فإن أعطى عملا فی جانب الحق عمل به، و إن أعطاه عملا فی جانب الخلق عمل به، فهو یمشی فی بیضاء نقیه سمحاء،لا یرى فیه عوجا و لا أمتا، و ما طلب الزیاده من العلم إلا من الرب، و لهذا جاء مضافا لاحتیاج العالم إلیه أکثر من غیره من الأسماء، لأنه اسم لجمیع المصالح، و هو من الأسماء الثلاث الأمهات، و هی: اللّه و الرحمن و الرب، فقال‏ «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً» أی زدنی من کلامک ما أزید به علما بک، یرقى به عنده منزله لم تکن له، فالمراد بهذه الزیاده من العلم المتعلق بالإله لیزید معرفه بتوحید الکثره، فتزید رغبته فی تحمیده، فیزاد فضلا على تحمیده دون انتهاء و لا انقطاع، فطلب منه الزیاده و قد حصل من العلوم و الأسرار ما لم یبلغه أحد، و مما یؤید ما ذکرناه من أنه أمر بالزیاده من علم التوحید لا من غیره، أنه کان صلّى اللّه علیه و سلم إذا أکل طعاما قال [اللهم بارک لنا فیه و أطعمنا خیرا منه‏] و إذا شرب لبنا قال [اللهم بارک لنا فیه و زدنا منه‏] لأنه أمر بطلب الزیاده، فکان یتذکر عند ما یرى اللبن اللبن الذی شربه لیله الإسراء، فقال له جبریل: أصبت الفطره أصاب اللّه بک أمتک، و الفطره علم التوحید الذی فطر اللّه الخلق علیها حین أشهدهم حین قبضهم من ظهورهم و قال لهم: أ لست بربکم؟

قالوا: بلى، فشاهدوا الربوبیه قبل کل شی‏ء، و لهذا تأول صلّى اللّه علیه و سلم اللبن لما شربه فی النوم و ناول فضله عمر، قیل: ما أولته یا رسول اللّه؟ قال: العلم، فلو لا حقیقه مناسبه بین العلم و اللبن جامعه ما ظهر بصورته فی عالم الخیال، عرف ذلک من عرفه و جهله من جهله، و اعلم أن اللّه تعالى أمر نبیه أن یقول‏ «رَبِّ زِدْنِی عِلْماً» و ما أمره إلى وقت معین و لا حد محدود، بل أطلق، فطلب الزیاده و العطاء دنیا و آخره، فقد أمر صلّى اللّه علیه و سلم بطلب الزیاده مع کونه قد حصل علم الأولین و الآخرین و أوتی جوامع الکلم، فإنه لا یعظم على اللّه شی‏ء طلب منه، فإن المطلوب منه لا یتناهى فلیس له طرف نقف عنده، فوسع فی طلب المزید، یقول النبی صلّى اللّه علیه و سلم فی شأن یوم القیامه [فأحمده‏] یعنی إذا طلب الشفاعه [بمحامد یعلمنیها اللّه لا أعلمها الآن‏] فاللّه لا یزال خلاقا إلى غیر نهایه فینا، فالعلوم إلى غیر نهایه، و لا شی‏ء أشرف من العلم، و لم یأمر بطلب زیاده فی غیره من الصفات، لأنه الصفه العامه التی لها الإحاطه بکل صفه و موصوف فطلب المزید من العلم عباده مأمور بها.

فالعلم أشرف نعت ناله بشر و صاحب العلم محفوظ علیه مصون‏
إن قام قام به أو راح راح به‏ و الحال و المال فی حکم الزوال یکون‏

و لما کانت أعلى الطرق إلى العلم باللّه علم التجلیات، أردف سبحانه هذه الآیه بقوله‏ «وَ عَنَتِ‏ الوجوه للحی القیوم» أی ذلت فأراد علوم التجلی، و التجلی أشرف الطرق إلى تحصیل العلوم، و هی علوم الأذواق، و کل تجل إلهی لا بد أن یصحبه زیاده فی العلم، فزاد هنا من العلم العلم بشرف التأنی عند الوحی، فقوله تعالى‏ «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً» بما یکون من اللّه إلیه برفع الوسائط، و ما أسمعنا اللّه ذلک إلا تنبیها لنقول ذلک و نطلبه من اللّه، و لو کان خصوصا بالنبی لم یسمعنا، أو کان یذکر أنه خاص به کما قال فی نکاح الهبه، فإذا سأل الإنسان مزید العلم فلیسأل کما أمر اللّه تعالى نبیه أن یسأل إذ قال له‏ «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً» فنکر و لم یعین، فعمّ، فأی علم نزل علیه دخل تحت هذا السؤال، فإن النزول عن سؤال أعظم لذه من النزول عن غیر سؤال، فإن فی ذلک إدراک البغیه و ذله الافتقار، و إعطاء الربوبیه حقها و العبوده حقها، و فی العلم المنزل عن السؤال من علو المنزله ما لا یقدّر قدر ذلک إلا اللّه- تحقیق- إذا قلت: ما لا بد منه هو یأتیک من غیر طلب، لأنه من المحال الإقامه على أمر واحد زمانین، فلا یحتاج إلى طلب الزائد،

قلنا: قال تعالى لنبیه صلّى اللّه علیه و سلم‏ «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً» ینبهه و إیانا على أن ثمّ أمرا آخر زائدا على ما هو الحاصل فی الوقت، لنتهمم لقدومه، و لیظهر من العبد الافتقار إلى اللّه بالدعاء فی طلب الزیاده، و الزائد غیر معیّن عندک، فإذا عینه الدعاء و الحق یجیب، فقد تعیّن عندک ما تدعو فیه، و هو الذی أمر اللّه به نبیه صلّى اللّه علیه و سلم أن یزیده بطلبه علما به فی کل ما یعطیه.

و العلم أشرف ما یؤتیه من منح‏ و الکشف أعظم منهاج و أوضحه‏
فإن سألت إله الحق فی طلب‏ فسله کشفا فإن اللّه یمنحه‏
و أدمن القرع إن الباب أغلقه‏ دعوى الکیان وجود اللّه یفتحه‏

۲۰/ ۱۱۵ خلق اللّه تعالى آدم بیدیه و ما حفظه من المعصیه و لا من النسیان، و ما توجهت الیدان إلا على طینته و طبیعته، و ما جاءته الوسوسه إلا من جهه طبیعته، لأن الشیطان وسوس إلیه و هو مخلوق من جزء ما خلق منه آدم، فما نسی و لا قبل الوسوسه إلا من طبیعته، فإن هذه النشأه من حکم الطبیعه فیها الجحد و النسیان، فکانت حرکه آدم فی جحده حرکه طبیعیه، و فی نسیانه أثر طبیعی، فلو تناسى لکان الأمر من حرکه الطبیعه، کالجحد من‏ حیث أنه جحد هو أثر طبیعی، و من حیث ما هو جحد بکذا هو حکم طبیعی لا أثر، فهذا الفرق بین حکم الطبیعه و بین أثرها، و النسیان من أثرها و التناسی من حکمها، و الغفله من أثرها و التغافل من حکمها، و قلیل من العلماء باللّه من یفرق بین حکم الطبیعه و أثرها، فاجتمع فی آدم حکم الطبیعه بالجحد، لأنه الأول الجامع فی ظهره للجاحدین من أبنائه، لأن آدم إنسان کامل، و کذا النسیان الواقع منه هو من أثر الطبیعه و حکم الأبناء، فإنه حامل فی ظهره للناسین من أبنائه، فحکموا علیه بالنسیان، و سرى الجحد و النسیان فی بنی آدم من جحد آدم و نسیانه جبرا لقلب آدم، قال تعالى‏ «وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِیَ» و الذی نسی آدم إنما هو قوله تعالى‏ (هذا عَدُوٌّ لَکَ وَ لِزَوْجِکَ) فنسی ما أخبره اللّه به من عداوته، فقبل نصیحته، فنسیان آدم علیه السلام إنما کان أخبره اللّه تعالى به من عداوه إبلیس، و ما تخیل آدم علیه السلام أن أحدا یقسم باللّه کاذبا، فلما أقسم باللّه إنه ناصح لهما فیما ذکره لهما، تناولا من الشجره المنهی عنها،

و فی هذا تنبیه فی أن الاجتهاد لا یسوغ مع وجود النص فی المسأله، و ربما وقعت المعصیه بتأویل منه، و لو نسی النهی ما عوقب أصلا، و إنما نسی ما ذکرناه، و فی عداوه إبلیس لحواء بشرى لها بالسعاده لأنها لو کانت من حزب الشیطان ما کان عدوا لها «وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» و هو عمل الباطن، فبرأ الحق باطن آدم من المعصیه، و کان عند اللّه وجیها مجتبى، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم [نسی آدم فنسیت ذریته، و جحد آدم فجحدت ذریته‏] و هذا حدیث بشرى من النبی صلّى اللّه علیه و سلم، فإن آدم رحمه اللّه فرحمت ذریته، حیثما کانوا جعل لهم رحمه تخصهم، بأی دار أنزلهم اللّه تعالى.

۲۰/ ۱۱۹- ۱۱۶ الترتیب فی الظاهر على خلاف ذلک، و لکن الحکمه فی ذلک أن الحراره سبب الظمأ، فقرنه بالضحى، و الجوع تعریه باطن الحیوان، فذلک قرنه بتعریه ظاهر الأبدان.

۲۰/ ۱۲۰ فصدقه و هو الکذوب، فتلطّف إبلیس فی الإغواء تلطف المستدرج فی الاستدراج، و الماکر فی المکر، و الخادع فی الخداع، فکان لآدم بعد المؤاخذه ما أعطته خاصیه تلک الشجره لمن أکل من ثمرها من الخلد و الملک الذی لا یبلى.

۲۰/ ۱۲۱ اعلم أن الأمر الإلهی لا یخالف الإراده، فإنها داخله فی حدّه و حقیقته، و إنما وقع الالتباس من تسمیتهم صیغه الأمر أمرا و لیست بأمر، و الصیغه مراده بلا شک، فأوامر الحق إذا وردت على ألسنه المبلغین فهی صیغ الأوامر لا الأوامر فتعصى، و قد یأمر الآمر بما لا یرید وقوع المأمور به، فما عصى أحد قط أمر اللّه، و هو قوله إذا أراد شیئا أن یقول له: کن فیکون؛ و بهذا علمنا أن النهی الذی خوطب به آدم عن قرب الشجره إنما کان بصیغه لغه الملک الذی أوحى إلیه به، و لما علم إبلیس أن آدم محفوظ من اللّه، و رأى اللّه قد نهاه عن قرب الشجره لا قرب الثمره، جاء بصوره الأکل لا بصوره القرب، فإنه علم أنه لا یفعل لنهی ربه إیاه عن قرب الشجره، فأتاه بثمرها فأکل آدم و زوجته حواء، و صدّقا إبلیس و هو الکذوب فی قوله (هل أدلک على شجره الخلد و ملک لا یبلى) و لما کان آدم قد نهی و لم یؤمر أمر إیجاب، و کان حاملا للمخالف من ولده فی ظهره و الطائع، فأوقع المخالفه عن حرکه المخالف، فلما رماه من صلبه، ما بلغنا أن آدم علیه السلام عصى ربه بعد ذلک أبدا، و أفرد بالمعصیه دون أهله فی قوله‏ «وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ»– الوجه الأول- و النهی وقع علیهما و الفعل وقع عنهما، لأنها بعض من کلّه، فهی جزء منه، فکأنها ما ثمّ إلا هو، فأهدرت فی اللفظ و لم تذکر، و ذکر آدم‏ «فَغَوى‏» و من غوى هوى، أ لا تراه هبط، و فی یدیه سقط، فاستدرک الغلط حین هبط، فتلقى من ربه ما تلقاه من الکلمات فتاب، ففاز بحسن المآب، لأنه ما قصد انتهاک الحرمه، و لا الخروج من النور إلى الظلمه- الوجه الثانی- «وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ» لما نهاه عن قرب الشجره فأکل من ثمرتها، فأضاف المعصیه إلى ظاهر آدم، لأن المعصیه بالظاهر وقعت و هو القرب من الشجره و الأکل، بعد أن برأ باطنه منها، و ما حفظ اللّه تعالى آدم من المعصیه مما حمله فی طینته من عصاه بنیه، فآدم علیه السلام مع خلقه بالیدین عصى بنفسه و لم یحفظ «فَغَوى‏» أی فخاف، و هو قد أکل بالتأویل و ظن أنه مصیب غیر منتهک للحرمه فی نفس الأمر، و کان متعلق النهی القرب لا الأکل. فیقوى التأویل و غوى هنا بمعنى خاف، قال الشاعر: و من یغو لا یعدم على الغی لائما؛ و لما کان آدم هو الأب الأعظم فی الجسمیه، و المقرب عند اللّه و أول هذه النشأه الترابیه، ظهرت فیه المقامات کلها حتى المخالفه، إذ کان جامعا للقبضتین: قبضه الوفاق و قبضه الخلاف، فما تحرک من آدم لمخالفه النهی إلا النسمه المجبوله على المخالفه، فکانت مخالفته نهی اللّه من تحرک تلک النسمه التی کان یحملها فی ظهره لما عصى، ثم خاف، قال اللّه تعالى فی حقه.

۲۰/ ۱۲۲ «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ» فهو مجتبى، فآدم علیه السلام لو لا خطیئته ما ظهرت سیادته فی الدنیا، فهی التی أورثته الاجتباء، فما خرج من الجنه بخطیئته إلا لتظهر سیادته، فکان هبوطه هبوط خلافه لا هبوط بعد «فَتابَ عَلَیْهِ» فکان اللّه هو التائب لا آدم، و الذی صدر من آدم ما اقتضته خاصیه الکلمات التی تلقاها، و ما فیها ذکر توبته، و إنما هو مجرد اعتراف و هو قوله‏ (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَکُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِینَ) فأنتج لهما هذا الاعتراف قوله تعالى‏ «فَتابَ عَلَیْهِ» أی رجع علیه بالرحمه، فرجع علیه بستره، فحال بینه ذلک الستر الإلهی و بین العقوبه التی تقتضیها المخالفه، و جعل ذلک من عنایه الاجتباء، أی لما اجتباه أعطاه الکلمات، و رجع علیه بالصفه التی کان یعامله بها ابتداء من التقریب، و الاعتناء الذی جعله خلیفه عنه فی خلقه، و کمل به و فیه وجود العالم‏ «وَ هَدى‏»- الوجه‏

فمن یلق خیرا یحمد الناس أمره‏ و من یغو لا یعدم على الغیّ لائما

و غوى عند الجوهری بمعنى خاب (تاج العروس، و لسان العرب) و لا یوجد فی المعاجم غوى بمعنى خاف إلا أن تکون لغه لم تصل إلینا أو تصحیفا لخاب، و خاف ألیق بمکانه آدم علیه السلام.

الأول- أی بیّن له قدر ما فعل و قدر ما یستحقه من الجزاء، و قدر ما أنعم علیه من الاجتباء، و بیّن له أنه رجع علیه بالرحمه فعمّته- الوجه الثانی- «وَ هَدى‏» به من هدى، و مع التوبه قال له: اهبط، هبوط ولایه و استخلاف لا هبوط طرد، فهو هبوط مکان لا هبوط رتبه، و لهذا یضعف القول بتسرمد العذاب، فإن النار مع کونها دار ألم فإن حکم العذاب زائد على کونها دارا، فإنا نعلم أن خزنتها فی نعیم دائم، ما هم فیها بمعذبین مع کونهم ما هم منها بمخرجین، لأنهم لها خلقوا، و هی دائمه و الساکن فیها دائم لکونه مخلوقا لها، فلما شملت الرحمه آدم بجملته، و کان حاملا لکل بنیه بالقوه، عمت الرحمه الجمیع، إذ لا تحجیر، و لا کان یستحق أن یسمى آدم مرحوما و فیه من لا یقبل الرحمه، و الحق یقول‏ «فَتابَ عَلَیْهِ» أی رجع علیه بالرحمه «وَ هَدى‏» أی بیّن له أنه رجع علیه بها فعمته، و لهذا یرجى لأهل الشقاء أن لا یتسرمد علیهم العذاب، قال تعالى‏ «وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَیْهِ وَ هَدى‏» و ما ترکه سدى، فأغاظ اللّه به الأعداء، و أفرح به الملائکه الأوداء، فتلقى من ربه الکلمات، و کانت له من أعظم الهبات، فتحقق بحقائق المحبه، و رجع إلى ما کان علیه من المنزله و القربه، و هذا حکم سار فی الذریه، أعطته هذه البنیه، فما ثمّ إلا من همّ و لمّ، و إن کان الموجود الأتم، فاعلم إن کنت تعلم، فاجتبی آدم علیه السلام قبل أن یتاب علیه، لأن سابقه قدمه سبقت إلیه.

۲۰/ ۱۲۵- ۱۲۳ قلنا إن السمع و البصر قسمان: عادی و حقیقی، فالعادی سمع القلب بالأذن و إبصاره بالعین، و هو عام فی المؤمن و الکافر، و الحقیقی بصر العین بالقلب و سمع الأذن به، و قد نفاه اللّه تعالى عن الکافر فی غیر ما آیه، و بهذا یفهم قوله تعالى‏ «وَ نَحْشُرُهُ یَوْمَ الْقِیامَهِ أَعْمى‏، قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِی أَعْمى‏ وَ قَدْ کُنْتُ بَصِیراً» مع العلم بأن اللّه تعالى یعیدهم بأبصارهم‏ العادیه کحالهم فی الدنیا، تحقیقا لقوله تعالى‏ (کَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِیدُهُ) و لکن الحکم فی تلک الدار للأبصار الحقیقیه المستفاده من نور صفاته، بواسطه استجابه القلب لآیاته، و توجهه لنورها إلى عالم الغیب، و قلب الکافر فی الدنیا کان خالیا من نور التوحید، فکان بصره لا یرجع إلى قلبه، لأنه لا مدد له إلا من حسه، و هو أعمى عن نور آیات التوحید، لا جرم أنه یحشر یوم القیامه أعمى کما کان فی الدنیا، لا یرتد إلیهم طرفهم و أفئدتهم هواء، فکذلک إذا قال‏ «لِمَ حَشَرْتَنِی أَعْمى‏ وَ قَدْ کُنْتُ بَصِیراً».

العادیه کحالهم فی الدنیا، تحقیقا لقوله تعالى‏ (کَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِیدُهُ) و لکن الحکم فی تلک الدار للأبصار الحقیقیه المستفاده من نور صفاته، بواسطه استجابه القلب لآیاته، و توجهه لنورها إلى عالم الغیب، و قلب الکافر فی الدنیا کان خالیا من نور التوحید، فکان بصره لا یرجع إلى قلبه، لأنه لا مدد له إلا من حسه، و هو أعمى عن نور آیات التوحید، لا جرم أنه یحشر یوم القیامه أعمى کما کان فی الدنیا، لا یرتد إلیهم طرفهم و أفئدتهم هواء، فکذلک إذا قال‏ «لِمَ حَشَرْتَنِی أَعْمى‏ وَ قَدْ کُنْتُ بَصِیراً».

۲۰/ ۱۲۶ أی لا بصر فی هذه الدار إلا من نور صفاتی المستفاده من الاستجابه لآیاتی، و من لم یجعل اللّه له نورا فما له من نور و لذلک قال تعالى:

۲۰/ ۱۳۰- ۱۲۷ الصباح و المساء أطراف النهار، فالمساء ابتداء اللیل، و الصباح انتهاء اللیل، و النهار ما بین الانتهاء و الابتداء، و اللیل ما بین الابتداء و الانتهاء، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم [من سبّح اللّه مائه بالغداه و مائه بالعشی کان کمن حج مائه حجه] یعنی مقبوله [و من حمد اللّه مائه بالغداه و مائه بالعشی کان کمن حمل على مائه فرس فی سبیل اللّه، أو قال غزا مائه غزوه، و من هلل اللّه مائه بالغداه و مائه بالعشی کان کمن أعتق مائه رقبه من ولد إسماعیل، و من کبر اللّه مائه بالغداه و مائه بالعشی لم یأت فی ذلک الیوم أحد أکثر مما أتى إلّا من قال مثل‏ ما قال أو زاد على ما قال‏] أخرجه الترمذی و قال حدیث حسن غریب، و هو قوله عزّ و جل‏ «وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّکَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِها» فأمرنا بالتسبیح آناء اللیل و أطراف النهار، و ما تعرض لذکر النهار فی هذا الحکم لأنه قال‏ (إِنَّ لَکَ فِی النَّهارِ سَبْحاً طَوِیلًا) أی فراغا، فالنهار لک و اللیل و أطراف النهار له، فإذا کنت له فی اللیل و أطراف النهار کان لک هو فی النهار، فعطایا اللیل و أطراف النهار جزاء التسبیح، و عطایا النهار جزاء الاشتغال و الفراغ إلى الحق فی آناء اللیل و أطراف النهار.

۲۰/ ۱۳۱ «وَ لا تَمُدَّنَّ عَیْنَیْکَ» لیس هذا قوله تعالى‏ (قُلْ لِلْمُؤْمِنِینَ یَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) فإن الغض له حکم آخر، لأنه نقص مما تمتد العین إلیه، و النقص هنا أن لا یمد إلى أمر خاص، أی إلى مرئی خاص، فعلم ذلک رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم فزاد علما إلى علمه، «إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَهَ الْحَیاهِ الدُّنْیا» و قد جعل اللّه النساء زهره حیث کن، فإذا کن فی الدنیا کن زهره الحیاه الدنیا، فوقع النعیم بهن حیث کن، و أحکام الأماکن تختلف، فهن و إن خلقن للنعیم فی الدنیا فهن فتنه «لِنَفْتِنَهُمْ فِیهِ» یستخرج الحق بهن ما خفی عنا فینا مما هو به عالم و لا نعلمه من نفوسنا، فیقوم به الحجه لنا و علینا، و ما فتنهم الحق إلا بما سماه زهره لهم، لما کانت الزهره دلیله على الثمره و متنزها للبصر و معطیه الرائحه الطیبه، فإذا لم یدرک صاحب هذه الزهره رائحتها و لا شهدها زهره و إنما شهدها امرأه و لا علم دلالتها التی سیقت له على الخصوص و زوجت به، و تنعم بها و نال منها ما نال بحیوانیته لا بروحه و عقله، فلا فرق بینه و بین سائر الحیوان، بل الحیوان خیر منه، لأن کل حیوان مشاهد لفصله المقوم له، و هذا الشخص ما وقف مع فصله المقوّم له:

کل شخص زوجه من نفسه‏ و لهذا زوجه من جنسه‏
فهو کل و هی جزء فلذا کثرت أزواجه من نفسه‏

«وَ رِزْقُ رَبِّکَ» ما أعطاک مما أنت علیه فی وقتک، و ما لم یعطک و هو لا بد لک فلا بد من‏ وصوله إلیک، و ما أبطأ به إلا الوقت الزمانی الذی هو له، و ما لیس لک فلا یصل إلیک، فتتعب نفسک حیث طمعت فی غیر مطمع، و ما أعنی بقولنا إنه لک إلا ما تناله على الحد الإلهی الذی أباحه لک، و إن نلته على غیر ذلک الحد فما نلت ما هو لک من جانب الحق، إنما نلت ما هو لک من جانب الطبع، و لیس المراد فی الدنیا إلا ما تناله من جانب الحق، فالحق للدنیا و الطبع للآخره، و الطبع له الإباحه و الحق له التحجیر، فانظر إلى عطایا ربک فإنها أکثر ما تکون ابتلاء، و لا تعرف ذلک إلا بالمیزان، و ذلک أن کل عطاء یصل إلیک فهو رزق ربک، و لکن على المیزان المشروع فهو «خَیْرٌ وَ أَبْقى‏» و الذی هو خیر و أبقى هو الحال الذی هو علیه فی ذلک الوقت الذی رزقه، فإنه تعالى لا یتّهم فی إعطائه الأصلح لعبده، فما أعطاه إلا ما هو خیر فی حقه و أسعد عند اللّه و إن قل، فإنه ربما لو أعطاه ما یتمناه العبد طغى و حال بینه و بین سعادته، فإن الدنیا دار فتنه.

۲۰/ ۱۳۲ «وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها» یرید الصلاه، قال تعالى‏ (وَ اسْتَعِینُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاهِ) یعنی بالصبر على الصلاه.

۲۰/ ۱۳۴- ۱۳۳ أذل الأذلاء من کان له عزّ و جل، لأن ذل الذلیل على قدر من ذلّ تحت عزّه، و لا عز أعظم من عز الحق، فلا ذل أذل ممن هو للّه، و من ذل للّه لا یذل لغیر اللّه أصلا، و أما الخزی فلا یخزى إذا کان للّه، فإن الخزی لا یکون من اللّه لمن هو له، و إنما یکون لمن هو لغیر اللّه فی شهوده، و لذلک قالت خدیجه و ورقه بن نوفل لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم [کلا و اللّه لا یخزیک اللّه أبدا] لما ذکر له ابتداء نزول الناموس علیه، فالذل صفه شریفه إذا کانت الذله للّه، و الخزی صفه ذمیمه بکل وجه، فالخزی الذی یقوم بالعبد إنما هو ما جناه على نفسه بجهله و تعدیه رسوم سیده و حدوده، فجمیع مذام الأخلاق و سفسافها صفات مخزیه عند اللّه و فی العرف، فمن کان للّه لم یذل و لا یخزى أبدا.

[سوره طه (۲۰): آیه ۱۳۵]

قُلْ کُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِیِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏ (۱۳۵)

[التربص‏]

یقول الحقّ: و عزّتی و جلالی، و ما أخفیته من سنّی علمی لأعذّبنّ عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمین، من کذّب رسلی و کذّب اختصاصی لهم من سائر العباد، و کذّب بصفاتی و ادّعى أنه لیس لی صفه، و أوجب علیّ و أدخلنی تحت الحصر، و کذّب کلامی و تأوّله من غیر علم به، و کذّب بلقائی، و قال: إنّی لم أخلقه، و إنی غیر قادر على بعثه کما بدأته، و کذّب بحشری و نشری، و حوض نبیّ و میزانی، و صراطی و رؤیتی، و ناری و جنّتی، و زعم أنّها أمثله و عبارات، المراد بها أمور فوق ما ظهر، و عزّتی و جلالی لتردون و تعلمون من أصحاب الصراط السوی و من اهتدى، و لأنتقمنّ فی دار الخزی و العذاب منهم، على ما أخبرت فی کتبی، کذّبونی و صدّقوا أهواءهم، و نفوسهم سوّلت لهم الأباطیل، و شیاطینهم لعبت بهم (إنّکم و ما تعبدون حصب جهنم أنتم لها و رادون) قف عند حدّی، و انظر فی کتابی، فهو النور الجلی، و فیه السرّ الخفی، صراطی ممدود على ناری، فالویل کل الویل لمن کذّبنی، کلّ حزب بما لدیهم فرحون، و کلّ له شرب معلوم، و سیردون فیعلمون، کأنّهم ما سمعوا (یوم یکشف عن ساق و یدعون إلى السجود).

رحمه من الرحمن فى تفسیر و اشارات القرآن، ج‏۳، ص: ۱۲۱

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *