تفسیر ابن عربی سوره النصر

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النصر

(110) سورة النصر مدنيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

هذه السورة تقوم مقام أو تعدل ثلث القرآن، قال تعالى آمرا لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم عند انقضاء رسالته و ما شرع له أن يشرع من الثناء عليه، فإنه لما أكمل اللّه سبحانه الدين نعى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نفسه في هذه الآية التي أنزلها عليه، و أمره بقوله:

 

[سورة النصر (110): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ (1) وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (3)

هذا أمر، أي اشغل نفسك بتنزيه ربك و الثناء عليه بما هو أهله، فقال صلّى اللّه عليه و سلّم: [لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك‏] هذا هو التسبيح بحمده، فإذا قام فضول بالإنسان و استنبط له ثناء لم يجى‏ء بذلك اللفظ خطاب إلهي فما سبحه بحمده، بل بما استنبطه من عنده، فينقص عن درجة ما ينبغي، فقل ما قاله عن نفسه و لا تزد في الرقم و إن كان حسنا، فإذا عملت به كنت من أهل الحق، قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم‏ «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ»

[ «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً» الآية]

فاقتطعه بهذا الأمر من العالم لمّا كمّل ما أريد منه من تبليغ الرسالة، و قال له تعالى‏ «وَ اسْتَغْفِرْهُ» من أيام التبليغ، فطلب بالاستغفار أن يستره عن خلقه في حجاب صونه، لينفرد به دون خلقه دائما، فإنه كان في زمان التبليغ و الإرشاد و شغله بأداء الرسالة، فإن له وقتا لا يسعه فيه غير ربه، و سائر أوقاته فيما أمر به من النظر في أمور الخلق، فرده إلى ذلك الوقت الواحد الذي كان يختلسه من أوقات شغله بالخلق، و إن كان عن أمر الحق‏ «إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً» أي يرجع الحق إليك الرجوع الخاص الذي يربو على مقام التبليغ، و هو المحادثة برفع الوسائط، رجوعا مستصحبا لا يكون للخلق عندك فيه دخول بوجه من الوجوه، و لما تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم هذه السورة، بكى أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وحده دون من كان في ذلك المجلس، و علم أن اللّه تعالى نعى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نفسه، و هو كان أعلم الناس به، و أخذ الحاضرون يتعجبون من بكائه و لا يعرفون سبب ذلك:

إذا رأيت وفود اللّه قد وصلوا يأتون دين الإله الحق أفواجا
فاستغفر اللّه و اطلب عفوه كرما و كن فقيرا إلى الرحمن محتاجا
معاشر الناس إن اللّه أنبتكم‏ من أرضه نطفا في النش‏ء أمشاجا
و ثم أولجكم لما أماتكمو فيها لأمر أراد الحق إيلاجا
و قد علمت بأن اللّه يخرجكم‏ بعد الممات من الأجداث إخراجا
من بعد إنزاله من أجل نشأتكم‏ ماء كمثل منيّ الناس ثجاجا
و صير الناس أقساما منوعة ثلاثة في كتاب اللّه أزواجا
لو أن ما عندنا من علم صانعنا يكون في رهج الأسواق ماراجا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 551

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=