تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره ق

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة ق

سورة ق‏

[1- 16]

[سورة ق (50): الآيات 1 الى 16]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ (2) أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4)

بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6) وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَ ذِكْرى‏ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَ حَبَّ الْحَصِيدِ (9)

وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ (12) وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوانُ لُوطٍ (13) وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14)

أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)

ق‏ إشارة إلى القلب المحمدي الذي هو العرش الإلهي المحيط بالكل كما أن (ص) إشارة إلى صورته على ما رمز إليه ابن عباس في قوله: (ص) جبل بمكة كان عليه عرش الرحمن حين لا ليل و لا نهار، و لكونه عرش الرحمن،

قال: «قلب المؤمن عرش اللّه»،و

قال: «لا يسعني أرضي و لا سمائي و يسعني قلب عبدي المؤمن».

قيل: (ق) جبل محيط بالعالم وراءه العنقاء لإحاطته بالكل و كونه حجاب الربّ لا يعرفه من لم يصل إلى مقام القلب و إنما يطلع عليه من طلع هذا الجبل. أقسم به و بالقرآن المجيد أي: العقل القرآني الكامل فيه الذي هو الاستعداد الأولي الجامع لتفاصيل الوجود كله، فإذا برز و صار إلى الفعل كان عقلا فرقانيا و لا يخفى مجده و شرفه بهذا المعنى، أو القرآن المجيد النازل عليه الذي هو بعينه الفرقان البارز الذي أشرنا إليه جمعهما في القسم لتناسبهما و جواب القسم محذوف كما في (ص) و غيرها من السور، و هو: إنه لحق أو إنه لمعجز مدلول عليه بقوله: بَلْ عَجِبُوا إلخ، و بقوله: أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ‏ أي: أما اهتدينا إلى إبداع الحقائق و إيجاد الأشياء الأولية كالأرواح و السموات و أمثالها، بل اعترفوا بذلك إنما هم في شبهة و التباس من خلق حادث يتجدد كل وقت، لبس عليهم الشيطان حتى قالوا: وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ[1] و نسبوا التأثير إلى الزمان و احتجبوا عن معنى قوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ‏[2]، و لو عرفوا اللّه حق معرفته و كان اعترافهم بإيجاده للخلق الأول عن علم و يقين لشاهدوا الخلق الجديد في كل آن فلم ينكروا البعث و كانوا عبادا مخلصين ليس للشيطان عليهم سلطان.

وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ تمثيل للقرب المعنوي بالصورة الحسية المشاهدة، و إنما كان أقرب مع عدم المسافة بين الجزء المتصل به و بينه، لأن اتصال الجزء بالشي‏ء يشهد بالبينونة و الإثنينية الرافعة للاتحاد الحقيقي و معيته و قربه من عبده ليس كذلك، فإن هويته و حقيقته المندرجة في هويته و تحققه ليست غيره بل إن وجوده المخصوص المعين إنما هو بعين حقيقته التي هي الوجود من حيث هو وجود و لولاه لكان عدما صرفا و لا شيئا محضا.

فحبل غاية القرب الصوري أي: الاتصال بالجزئية الذي لا اتصال أشدّ منه في الأجسام مع كونه سبب حياة الشخص، هذا أتم منه لبقائه. ثم بين أقربيته لينتفي القرب بمعنى الاتصال و المقارنة، كما

قال أمير المؤمنين عليه السلام: «هو مع كل شي‏ء»

، لا بمقارنة إذ الشي‏ء به ذلك الشي‏ء و بدونه ليس شيئا حتى يقارنه.

 

 

[17- 18]

[سورة ق (50): الآيات 17 الى 18]

إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)

إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ‏ أي: يعلم حديث نفسه الذي يوسوس به نفسه وقت تلقي المتلقيين مع كونه أقرب إليه منهما، و إنما تلقيهما للحجة عليه و إثبات الأقوال و الأعمال في الصحائف النورية للجزاء، و المتلقي القاعد عن اليمين هو القوة العاقلة العملية المنتقشة بصور الأعمال الخيرية المرتسمة بالأقوال الحسنة الصائبة، و إنما قعد عن يمينه لأن اليمين هي الجهة القوية الشريفة المباركة و هي جهة النفس التي تلي الحق، و المتلقي القاعد عن الشمال هو القوة المتخيلة التي تنتقش بصور الأعمال البشرية البهيمية و السبعية و الآراء الشيطانية الوهمية و الأقوال الخبيثة الفاسدة.

و إنما قعد عن الشمال لأن الشمال هي الجهة الضعيفة الخسيسة المشؤومة و هي التي تلي البدن، و لأن الفطرة الإنسانية خيّرة بالذات لكونها من عالم الأنوار مقتضية بذاتها و غريزتها الخيرات و الشرور إنما هي أمور عرضت لها من جهة البدن و آلاته و هيئاته، يستولي صاحب اليمين على صاحب الشمال، فكلما صدرت منه حسنة كتبها له في الحال و إن صدرت منه سيئة منع صاحب الشمال عن كتابتها في الحال انتظارا للتسبيح أي: التنزيه عن الغواشي البدنية و الهيئات الطبيعية بالرجوع إلى مقره الأصلي و سنخه الحقيقي و حاله الغريزي لينمحي أثر ذلك الأمر العارضي بالنور الأصلي و الاستغفار، أي: التنوّر بالأنوار الروحية و التوجه إلى الحضرة الإلهية لينمحي أثر تلك الظلمة العرضية بالنور الوارد كما

قال عليه الصلاة و السلام: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، و كتاب السيئات على يساره، و كاتب‏ الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا، و إذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب اليسار: دعه سبع ساعات لعله يسبّح أو يستغفر».

 

 

 [19- 20]

[سورة ق (50): الآيات 19 الى 20]

وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20)

وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ‏ أي: شدّته المحيرة الشاغلة للحواس المذهلة للعقل‏ بِالْحَقِ‏ بحقيقة الأمر الذي غفل عنه من أحوال الآخرة و الثواب و العقاب، أي: أحضرت السكرة التي منعت المحتضر عن الإدراكات الخارجية أحواله الباطنة و أظهرت عليه‏ ذلِكَ ما كُنْتَ‏ أيها المحتضر مِنْهُ تَحِيدُ أي: تميل إلى الأمور الظاهرة و تذهل عنها وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ للإحياء، أي: أحيى كل منهم في صورة تناسبه في الآخرة ذلِكَ‏ النفخ وقت تحقق الوعيد بشهود ما قدم من الأعمال و ما أخّر.

 

 

[21]

[سورة ق (50): آية 21]

وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ (21)

وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ‏ من علمه‏ وَ شَهِيدٌ من عمله لأن كل أحد ينجذب إلى محل نظره و ما اختاره بعلمه، و الميل الذي يسوقه إلى ذلك الشي‏ء إنما نشأ من شعوره بذلك الشي‏ء و حكمه بملائمته له سواء كان أمرا سفليا جسمانيا بعثه عليه هواه و أغراه عليه و همه و قواه، أو أمرا علويا روحانيا بعثه عليه عقله و محبته الروحانية و حرّضه عليه قلبه و فطرته الأصلية. فالعلم الغالب عليه سائقه إلى معلومه، و شاهده بالميل الغالب عليه و الحب الراسخ فيه و العمل المكتوب في صحيفته يشهد عليه بظهوره على صور أعضائه و جوارحه و ينطق عليه كتابه بالحق و جوارحه بهيئات أعضائه المتشكلة بأعماله.

 

 

[22- 23]

[سورة ق (50): الآيات 22 الى 23]

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَ قالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (23)

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا لاحتجابك بالحس و المحسوسات و ذهولك عنه لاشتغالك بالظاهر عن الباطن‏ فَكَشَفْنا عَنْكَ‏ بالموت‏ غِطاءَكَ‏ المادي الجسماني الذي احتجبت به‏ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي: إدراكك لما ذهلت عنه و لم تصدق بوجوده يقينا قوي تعاينه‏ وَ قالَ قَرِينُهُ‏ من شيطان الوهم الذي غرّه بالظواهر و حجبه عن البواطن‏ هذا ما لَدَيَ‏ مهيأ لجهنم، أي: ظهر تسخير الوهم إياه في التوجه إلى الجهة السفلية و إنه ملكه و استعبده في طلب اللذات البدنية حتى هيأه لجهنم في قعر الطبيعة.

 

 

[24- 26]

[سورة ق (50): الآيات 24 الى 26]

أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26)

أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ‏ الخطاب للسائق و الشهيد اللذين يوبقانه و يلقيانه و يهلكانه في أسفل غياهب مهواة الهيولى الجسمانية و غيابة جب الطبيعة الظلمانية في نيران الحرمان أو لمالك.

و المراد بتثنية الفاعل تكرار الفعل كأنما قال: ألق، لاستيلائه عليهم في الإبعاد و الإلقاء إلى الجهة السفلية، و يقوّي الأول أنه عدد الرذائل الموبقة التي أوجبت استحقاقهم لعذاب جهنم و وقوعهم في نيران الجحيم و بين أنها من باب العلم و العمل و الكفران و منع الخير كلاهما من إفراط القوة البهيمية الشهوانية لانهماكها في لذاتها و استعمالها نعم اللّه تعالى في غير مواضعها من المعاصي و الاحتجاب عن المنعم بها و من حقها أن تذكره و تبعث على شكره و شدّة حرصها و مكالبتها عليها لفرط ولوعها بها فتمنعها عن مستحقيها.

و ذكرهما على بناء المبالغة ليدل على رسوخ الرذيلتين فيه و غلبتهما عليه و تعمقه فيهما الموجب للسقوط عن رتبة الفطرة في قعر بئر الطبيعة، و العتود و الاعتداء كلاهما من إفراط القوة الغضبية و استيلائها لفرط الشيطنة و الخروج عن حد العدالة، و الأربعة من باب فساد العمل و الريب و الشرك كلاهما من نقصان القوة النطقية و سقوطها عن الفطرة بتفريطها في جنب اللّه و قصورها عن حدة القوة العاقلة و ذلك من باب فساد العلم.

 

 

[27- 29]

[سورة ق (50): الآيات 27 الى 29]

قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (29)

قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ‏ هذه المقاولات كلها معنوية مثلت على سبيل التخييل و التصوير لاستحكام المعنى في القلب عند ارتسام مثاله في الخيال، فادعاء الكافر الإطغاء على الشيطان و إنكار الشيطان إياه عبارة عن التنازع و التجاذب الواقع بين قوتيه الوهمية و العقلية، بل بين كل اثنتين متضادتين من قواه كالغضبية و الشهوية مثلا، و لهذا قال: لا تَخْتَصِمُوا. و لما كان الأمران في وجوده هما العقلية و الوهمية كان أصل التخاصم بينهما و كذا يقع التخاصم بين كل متحاورين متخاوضين في أمر لتوقع نفع أو لذة يتوافقان ما دام مطلوبهما حاصلا، فإذا حرما أو وقعا بسعيهما في خسران و عذاب، أو نسب كل منهما التسبب في ذلك إلى الآخر لاحتجابهما عن التوحيد و تبرئ كل منهما عن ذنبه لمحبة نفسه، و لذلك‏

قال حارثة رضي اللّه عنه للنبي صلى اللّه عليه و سلم: «و رأيت أهل النار يتعاورون»

[3]. و صوّب عليه السلام قوله و قول الشيطان:

ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ، كقوله: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ‏[4]

لأنه لو لم يكن في ضلال عن طريق التوحيد بعيد عن الفطرة الأصلية بالتوجه إلى الجهة السفلية و التغشي بالغواشي المظلمة الطبيعية لم يقبل وسوسة الشيطان و قبل إلهام الملك، فالذنب إنما يكون عليه بالاحتجاب عن نور الفطرة و اكتساب الجنسية مع الشيطان في الظلمة، و النهي عن الاختصام ليس المراد به انتهاؤهما بل عدم فائدته و الاستماع إليه كأنه قال: لا اختصام مسموع عندي.

و قد ثبت و صح تقديم الوعيد حيث أمكن انتفاعكم به لسلامة الآلات و بقاء الاستعداد، فلم تنتفعوا به و لم ترفعوا لذلك رأسا حتى ترسخت الهيئات المظلمة في نفوسكم و رانت على قلوبكم و تحقق الحجاب و حق القول بالعذاب، ف ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ‏ حينئذ لوجوب العذاب حال وقوعه‏ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ‏ حيث و هبت الاستعداد و أنبأت على الكمال المناسب له و هديتكم إلى طريق اكتسابه، بل أنتم الظلامون أنفسكم باكتساب ما ينافيه و إضاعة الاستعداد بوضع النور في الظلمة و استبدل ما يفنى بما يبقى.

 

 

[30]

[سورة ق (50): آية 30]

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ‏ أي: يوم يتكثر أهل النار حتى تستبعد الزيادة عليهم و لا تنتقص سعتها بهم و لا يسكن كلبها. و

في الحديث: «لا تزال جهنم يلقى فيها و تقول: هل من مزيد؟! حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه، فتقول: قط قط بعزتك و كرمك»

، أي: لا يزال الخلق يميلون إلى الطبيعة بالشهوة و الحرص و الطبيعة باقية على حالها، جاذبة لما يناسبها، قابلة لصورها الملاءمة لها، ملقية لما قبلت إلى أسفل الدركات إلى ما لا يتناهى حتى يصل إليها أثر نور الكمال الوارد على القلب فتتنور به و تنتهي عن فعلها. و عبر عن تشعشع النور الإلهي من القلب على النفس بقدم ربّ العزة القوي على قهرها و منعها عن فعلها و إجبارها على موافقة القلب، فتقول: قطني، قطني.

 

 

[31- 33]

[سورة ق (50): الآيات 31 الى 33]

وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33)

وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ أي: جنة الصفات للذين اتقوا صفات النفس بدليل قوله: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ‏ لأن الخشية تختص بتجلي العظمة و لقوله: غَيْرَ بَعِيدٍ أي: مكانا غير بعيد لكون جنة الصفات أقرب من جنة الذات في الرتبة دون الظهور، إذ الذات أقرب في الظهور لأن في عالم الأنوار كل ما كان أبعد في العلوّ و المرتبة من الشي‏ء كان أقرب إليه في الظهور لشدة نوريته و لقوله: هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ‏ أي: رجّاع إلى اللّه بفناء الصفات‏ حَفِيظٍ أي: محافظ على صفاء فطرته و نوره الأصلي كي لا يتكدّر بظلمة النفس من اتصف‏ بالخشية و صارت الخشية مقامه عند تجلي الحق في صفة الرحمة الرحمانية إذ هي أعظم صفاته لدلالتها على إفاضة جميع الخيرات و الكمالات الظاهرة على الكل و هي جلائل النعم و عظائمها بِالْغَيْبِ‏ أي: في حالة كونه غائبا عن شهود الذات، إذ المحتجب بتجلي الصفات غائب عن جمال الذات‏ وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ‏ إلى اللّه عن ذنوب صفات النفس في معارج صفات الحق دون الساكن في مقام الخشية الذي لا يقصد التوقي.

 

 

[34- 35]

[سورة ق (50): الآيات 34 الى 35]

ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ (35)

ادْخُلُوها بسلامة عن عيوب صفات النفس آمنين عن تلوينها لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها من نعم التجليات الصفاتية و أنوارها بحسب الإرادة وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ من نور تجلي الذات الذي لا يخطر على قلوبهم.

 

 

[36- 37]

[سورة ق (50): الآيات 36 الى 37]

وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ (37)

وَ كَمْ أَهْلَكْنا قبل هؤلاء المتقين بالإفناء و الإحراق بسبحات تجلي الذات‏ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً أي: أولياء أقوى منهم في صفات نفوسهم لأن الاستعداد كلما كان أقوى كانت صفات النفس في البداية أقوى‏ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أي: مفاوز الصفات و مقاماتها هَلْ مِنْ مَحِيصٍ‏ عن الفناء بالاحتجاب ببعضها و التواري بها عند إشراق أنوار سبحات الوجه الباقي، و كيف المحيص و لا تبقى صفة هناك فضلا عن تواريه بها إِنَّ فِي ذلِكَ‏ المعنى المذكور لتذكيرا لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ‏ كامل بالغ في الترقي إلى حد كماله‏ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ‏ في مقام النفس إلى القلب لفهم المعاني و المكاشفات للترقي، و هو حاضر بقلبه، متوجه إليه، مفيض لنوره، مترقّ إلى مقامه.

 

 

[38]

[سورة ق (50): آية 38]

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38)

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏ أي: ست جهات إن فسرنا السموات و الأرض على الظاهر و إن أوّلنا السموات بالأرواح و الأرض بالجسم، فهي صور الممكنات الستّ من الجبروت و الملكوت و الملك التي هي مجموع الجواهر و الإضافيات و الكميات و الكيفيات التي هي مجموع الأعراض، فهذه الستة تحصر المخلوقات بأسرها، و الستة الآلاف المذكورة التي هي مدة دور الخفاء على ما ذكر في (الأعراف).

 

 

[39- 40]

[سورة ق (50): الآيات 39 الى 40]

فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ أَدْبارَ السُّجُودِ (40)

فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ‏ بالنظر إليهم بالفناء و عدم تأثير أقوالهم بالانسلاخ عن الأفعال و حبس النفس عن الظهور بأفعالها إن لم تحبسها عن الظهور بصفاتها وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ‏ بالتجريد عن صفات النفس حامدا لربّك بالاتصاف بصفاته و إبراز كمالاته المكتوبة فيك في مقام القلب‏ قَبْلَ طُلُوعِ‏ شمس الروح و مقام المشاهدة وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ‏ غروبها بالفناء في أحدية الذات‏ وَ مِنَ اللَّيْلِ‏ أي: في بعض أوقات ظلمة التلوين فنزّهه عن صفات المخلوقين بالتجرّد عن الصفة الظاهرة بالتلوين‏ وَ أَدْبارَ السُّجُودِ و في أعقاب كل فناء، فإن عقيب فناء الأفعال يجب الاحتراز عن تلوين النفس و عقيب الفناء عن الصفات يجب التنزّه عن تلوين القلب، و عقيب فناء الذات يجب التقدّس عن ظهور الأنانية.

 

 

[41- 43]

[سورة ق (50): الآيات 41 الى 43]

وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43)

وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ اللّه بنفسه من أقرب الأماكن إليك كما نادى موسى من شجرة نفسه، يوم يسمع أهل القيامة الكبرى صيحة القهر و الإفناء بالحق من الحق‏ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ‏ من وجوداتهم‏ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ‏ أي: شأننا الإحياء و الإماتة نحيي أولا بالنفس ثم نميت عنها ثم نحيي بالقلب ثم نميت عنه ثم نحيي بالروح ثم نميت عنه بالفناء وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ بالبقاء بعد الفناء بل في كل فناء إذ لا غير يصيرون إليه.

 

 

[44- 45]

[سورة ق (50): الآيات 44 الى 45]

يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45)

يَوْمَ تَشَقَّقُ‏ أرض البدن‏ عَنْهُمْ سِراعاً إلى ما يجانسهم من الخلق‏ ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ نحشرهم مع من يتولّونه بالمحبة بانجذابهم إليه دفعة بلا كلفة من أحد نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ‏ لإحاطة علمنا بهم و تقدمه عليهم و على أقوالهم‏ وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ تجبرهم على خلاف ما اقتضى استعدادهم و حالهم التي هم عليها، إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ[5] فاصبر بشهود ذلك مني و احبس النفس عن الظهور بالتلوين و ذكر بالقرآن بما نزل عليك من العقل الجامع بجميع المراتب‏ مَنْ‏ يتأثر بالتذكير ف يَخافُ وَعِيدِ لكونه قابلا للوعظ مجانسا لك في الاستعداد قريبا مني دون المردودين الذين لا يتأثرون به و اللّه تعالى أعلم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 284


[1] ( 1) سورة الجاثية، الآية: 24.

[2] ( 2) سورة الرحمن، الآية: 29.

[3] ( 1) قوله: يتعاورون، هكذا في النسخ، و ليحرر الحديث. اه.

[4] ( 2) سورة ق، الآية: 22.

[5] ( 1) سورة الغاشية، الآية: 21.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=