تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الشعراء
سورة الشعراء
[1- 9]
[سورة الشعراء (26): الآيات 1 الى 9]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4)
وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
(ط) إشارة إلى الطاهر و (س) إلى السلام و (م) إلى المحيط بالأشياء بالعلم. و الْكِتابِ الْمُبِينِ الذي هذه الأسماء و الصفات آياته هو الموجود المحمدي الكامل ذو البيان و الحكمة، كماقال أمير المؤمنين عليه السلام: و فيك الكتاب المبين الذي* بأحرفه يظهر المضمر
فيكون معناه على ما ذكر في (طه): إنه عليه السلام لما رأى عدم اهتدائهم بنوره و قبولهم لدعوته استشعر أنه من جهته لا من جهتهم، فزاد في الرياضة و المجاهدة و الفناء في المشاهدة، فأوحى إليه بأن هذه الصفات التي هي الطهارة من لوث البقية المانع من التأثير في النفوس و سلامة الاستعداد عن النقص في الأمثل، و الكمال الشامل لجميع المراتب بالعلم هي صفات كتاب ذاتك، المبين لكل كمال و مرتبة باتصافها بجميع الصفات الإلهية و اشتمالها على معاني جميع أسمائه، فلا تبخع نفسك، أي: لا تهلكها على آثارهم بشدّة الرياضة لعدم إيمانهم و امتناعه، فإنه من جهتهم إما لوجود المانع بشدّة الحجاب و أما لعدم الاستعداد، فمعنى لعل في لعلك باخع: الإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تهلكها بالرياضة لعدم إيمانهم و فواته إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ من العالم العلوي بتأييدنا لك قهرا فتخضع أعناقهم له، منقادين، مسلمين، مستسلمين ظاهرا، و إن لم يدخل الإيمان في قلوبهم كما كان يوم الفتح أي: امتنع إيمانهم لأنه أمر قلبي سيظهر إسلامهم بالقهر و الإلجاء و الاضطرار.
[10- 22]
[سورة الشعراء (26): الآيات 10 الى 22]
وَ إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ (11) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13) وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)
قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (17) قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19)
قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22)
وَ إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى القلب المهذب بالحكمة العملية، المدرب بالعلوم العقلية، المشوّق بذكر الأنوار القدسية و الكمالات الإنسية، و وصف المفارقات و المجردات إلى الحضرة الإلهية الغالب على القوّة الشهوانية بالسعي في طلب الأرزاق الروحانية من المعارف اليقينية و المعاني الحقيقية بعد قتل جبار الشهوة الذي كان يجبر لفرعون النفس الأمّارة و فراره من استيلائها إلى مدين مدينة العلم من الأفق الروحاني و وصوله إلى خدمة شعيب الروح في مقام السرّ الذي هو محل المكالمة و المناجاة بالسير العقلي بطريق الحكمة، و اكتساب الأخلاق بالتعديل قبل السلوك في اللّه بطريق التوحيد و الرياضة بالترك و التجريد مع بقاء النفس المتقوية بالعلم و المعرفة، المتزينة بالفضيلة و المتبجحة بزينتها و كمالها، الطاغية بظهورها على أشرف أحوالها، المنازعة ربّها صفة العظمة و الكبرياء، المعجبة بالبهجة و البهاء لاحتجابها بأنانيتها و انتحالها كمال الحق برؤيته لها، فكانت شرّ الناس كما قال عليه الصلاة و السلام: «شرّ الناس من قامت القيامة عليه و هو حيّ»، و لو ماتت ثم قامت القيامة عليها لكانت خير الناس.
أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ من القوى النفسانية الفرعونية العانية لفرعون النفس الأمّارة، المتخذة لها ربّا، الواضعة كمال الحق موضع كمالها و هو أفحش الظلم أَ لا يَتَّقُونَ قهري و بأسي بتدميرهم و إفنائهم أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ في دعوتي إلى التوحيد و لم يطيعوني في الرياضة و الترك و التجريد وَ يَضِيقُ صَدْرِي لعدم اقتداري على قهرهم و علمي بامتناعهم عن قبول الأوامر الشرعية و الأسرار الوحيية و ما يكون خارجا عن طور الفكر و العقل لتدربهم بذلك و تفرعنهم باستبدادهم وَ لا يَنْطَلِقُ لِسانِي معهم في هذه المعاني لكونها على خلاف ما تعوّدوا به و نشؤا عليه من الحكم العملية الداعية إلى مراعاة التعديل في الأخلاق دون الفناء بالإطلاق فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ العقل ليؤدّبهم بالمعقول و يسوسهم بما يسهل قبولهم له من رعاية مصلحة الدارين و اختيار سعادة المنزلين فتلين عريكتهم و تضعف شكيمتهم بمداراته و رفقه و موافقته لهم بعلمه و حلمه وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ بقتلي جبار الشهوة فَأَخافُ إن دعوتهم إلى التوحيد و أمرتهم بالتجريد و ترك الحظوظ و الاقتصار على الحقوق أَنْ يَقْتُلُونِ بالاستيلاء و الغلبة، و هذا صورة حال من احتجبت نفسه بالحكمة و لم يتألف بعد طريق الوحدة مع قوّة استعداده و عدم وقوفه مع ما نال من كمال، فقلما تقبل نفسه خلاف ما يعتقد و تنقاد في متابعة الشريعة و تقلد إلا من تداركه سبق العناية و ساعده التوفيق بالجذبة و كَلَّا ردع له عن الخوف بالتشجيع و التأييد فَاذْهَبا أمر باستصحاب العقل للمناسبة و الجنسية و تقرير التوحيد بطريق البرهان القامع للتفرعن و الطغيان و إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ وعد بالكلاءة و الحفظ و تقوية اليقين، فإن من كان الحق معه لا يغلبه أحد أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ القوى الروحانية المستضعفة، المستخدمة في تحصيل اللذات الجسمانية.
و تربيته إياه وليدا و لبثه فيهم سنين صورة حال الطفولية و الصبوية إلى أوان التجرّد و طلب الكمال الذي أشدّه ببلوغ الأربعين، فإنّ القلب في هذا الزمان في تربية النفس و الولاية لها لحكمة عادية الآلة. و الفعلة هي الحركة المذمومة عند النفس من الاستيلاء على الشهوة و الكفر الذي نسبه إليه هو إضاعة حق التربية وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي: لست من الكافرين لكون الصلاح في ذلك بل من الذين لا يهتدون إلى طريق الوحدة.
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي: حكمة متعالية عن طريق البرهان وراء طور الكسب و العقل وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ إليكم بها. و أما تعبيد بني إسرائيل القوى التي هي قومي فليس بمنّة تمنها عليّ، بل عدوان و طغيان إذ لو لم تعبدهم لما ألقتني أمي الطبيعة البدنية في يمّ الهيولى في تابوت الجسد، و لقام بتربيتي أهلي و قومي من القوى الروحانية.
[23- 69]
[سورة الشعراء (26): الآيات 23 الى 69]
قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32)
وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (35) قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَ قِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (41) قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ وَ قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47)
رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ (48) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52)
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (53) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَ إِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55) وَ إِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (57)
وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ (58) كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَ أَنْجَيْنا مُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67)
وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69)
قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ قيل في القصة: إن فرعون كان منطقيا مباحثا سأل بما هو عن حقيقته تعالى، فلما أجابه موسى عليه السلام بقوله: رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا و بيّن أنّ حقيقته لا تعرف بالحدّ لبساطتها، غير معلومة للعقل لشدّة نوريتها و لطافتها، بأن عرّفها بالصفة الإضافية و الخاصة اللازمة، و عرّض به في تجهيله و نفي الإيقان عنه بقوله:
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي: لو كنتم من أهل الإيقان لعلمتم أن لا طريق للعقل إلى معرفته إلا الاستدلال على وجوده بأفعاله الخاصة به، و أما حقيقته فلا يعرفها إلا هو وحده و ما سألتم عنه بما مما لا يصل إليه نظر العقل. استخفه و نبّه قومه على خفة عقله و كون جوابه غير مطابق للسؤال تعجبا منه لقومه و تسفيها له، فلما ثنى قوله بمثل ما خفة عقله و كون جوابه غير مطابق للسؤال تعجبا منه لقومه و تسفيها له، فلما ثنى قوله بمثل ما قال أولا من إيراد خاصة أخرى جننه، فثلث بقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي: إن جننت فأين عقلكم حتى يعرف طوره و لم يتجاوز حدّه.
و هذه المقالة إشارة إلى أن النفس المحجوبة بمعقولها لا تهتدي إلى معرفة الحق و حكمة الرسالة و الشرع، و لا تذعن للمتابعة و لا تنقاد للمطاوعة بل تظهر بالأنائية و طلب العلوم و الربوبية و التغلب على الرسالة الإلهية و هو معنى قوله: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ.
و الشيء المبين الذي يمنعه عن الاستيلاء و يردعه عن الغلبة و الاستعلاء هو النور البارق القدسي، و البرهان النّير العرشي الذي ائتلف به القلب في الأفق الروحي المعجز للنفس و القوى الدالة على صدقه في الدعوى المفيد لقوّتيه العاقلتين النظرية و العلمية للهيئة النورية و القوة القهرية حتى صارت الأولى قوة قدسية متأيدة بالحكمة البالغة يعتمد عليها في قمع العدوّ عند المجادلة و دفع الخصم عند المغالطة. و الثانية قوّة ملكية متأيدة بالقدرة الكاملة يعجز بها من غالبه في القوة و عارضه بالقدرة، فإذا ألقى عصا القوة القدسية بالذكر القلبي صار ثعبانا ظاهر الثعبانية في الغلبة القوية، و إذا نزع يد الملكية من جيب الصدر حيّر الناظر بالإشراق و النورية.
و لما تحيرت النفس الفرعونية و قواها و عجزت و خافت أن يخرجها من أرض البدن و يدفع شرّ فسادها و رئاستها فيها، و يمنع تسلطها و استيلاءها بعث الدواعي الشيطانية، استنهضوا البواعث النفسانية إلى مدائن محال القوى الوهمية و التخيلية، و أحضروا سحرتها لإلقاء الوساوس و الهواجس بآلات المغالطات و التشكيكات و جمعوها لوقت الحضور و جمعية جميع القوى النفسانية و البدنية و الروحانية في توجه السرّ إلى حضرة القدس، فألقوا حبال التخييلات و الوهميات و عصيّ الهواجس و الوساوس لتوهم الغلبة بعزّة فرعون النفس الأمّارة و قوّته، و رجاء التعظيم و المنزلة و التقريب في صدر الرياسة و السلطنة فتلقفها ثعبان القوة القدسية بقوة التوحيد و ابتلع مأفوكاتها بنور التحقيق، فانقادت سحرة الوهم و الخيال و التخيل إذ فقدت آلاتها و آمنت بنور اليقين في متابعة موسى القلب و هارون العقل بربّهما، فبقيت مقطوعة الأرجل و الأيدي عن السعي في أرض البدن بأنواع الحيل و الكيد و المكر و طلب المعاش و تحصيل اللذات و الشهوات و التصرّف في أملاك القوى البدنية بالرياسة و السلطنة من جهة مخالفة النفس و موافقة القلب مصلوبة على جذوع النفس النباتية، ممنوعة عن حركاتها بالرياضة و القهر و السياسة، منقلبة إلى ربّهم في متابعة القلب و مشايعة السرّ عند التوجه إلى الحق، مغفورة خطاياهم من التزويرات و المفتريات بنور القدس.
و أوحى إلى موسى القلب إسراء القوى الروحانية في ليل هدوء الحواس و سكون القوى النفسانية إلى الحضرة الوحدانية و العبور من بحر المادة الهيولانية. فلما أتبعهم فرعون النفس في التلوينات حاشرا جنوده من مدائن طبائع الأعضاء، حاذرا من ذهاب رئاسته و ملكه، ممتلئا من غيظ تسلّط القلب و اتباعه و استيلائه على مملكته و أعوانه، فكادوا أن يظفروا بهم، ضرب موسى القلب بأمر الحق عند تقابلهما و تعارضهما بعصا القوة القدسية البحر الهيولاني فانفلق إلى الحقوق و الحظوظ و نجا موسى و قومه بطريق التجريد و أخرج أعداءهم بالمنع عن الحظوظ و الإجبار على الحقوق من جنات اللذات النفسانية و عيون أذواقها و أهوائها و كنوز مدّخراتها و أسبابها و مقام الركون إلى مشتهياتها إلى أن خرج موسى و أهله من البحر بالمفارقة و غرق فرعون النفس و قومه أجمعون.
[70- 209]
[سورة الشعراء (26): الآيات 70 الى 209]
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74)
قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ (79)
وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)
وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91) وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ (94)
وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَ ما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99)
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (108) وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (110) قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قالَ وَ ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَ ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)
إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119)
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ (124)
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (126) وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127) أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)
وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (131) وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ (133) وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (134)
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139)
وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (144)
وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145) أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (147) وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (148) وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (150) وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ (152) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154)
قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (163) وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164)
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165) وَ تَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169)
فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174)
وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (179)
وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184)
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَ ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189)
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204)
أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَ ما كُنَّا ظالِمِينَ (209)
ما تَعْبُدُونَ كل من عكف على شيء يهواه و يحبّه و يتولاه فهو عابد له، محجوب به عن ربّه، موقوف معه عن كماله، و ذلك عدوّ الموحد، إذ الغير لا يوجد عنده إلا في التوهم.
فالباعث على عبادته الشيطان و الغالب على عابده الظلم و العدوان، و لا يضرّ غير الحق في شهوده و لا ينفع و لا يبصر بنفسه و لا يسمع لأنه يشهد الحق قائما على كل نفس بما تفعل و أيدي الأفعال كلها في حضرة أسمائه منه تصدر، كما قال عليه السلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ إلى آخره، فهو الخالق و الهادي و المطعم و الساقي و الممرض و الشافي و المميت و المحيي، و يقرّر هذا المعنى قوله: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَمِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93)[1] إلى قوله: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)[2].
و لما كان هذا المقام مقام الفناء و ذنبه لا يكون إلا بوجود البقية، خاف ذنب حاله، و رجا غفرانه منه بنور ذاته فقال: وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ أي: القيامة الكبرى و لا يجازيني من ظهور البقية بالحرمان، ثم سأل الاستقامة في التحقق به في مقام البقاء بقوله:رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ أي: حكمة و حكما بالحق لأكون من الذين جعلتهم سببا لصلاح العالم و كمال الخلق و اجعلني محبوبا لك فيحبني بحبك خلقك أبدا فيحصل لي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ إذ لا بد لمن يحب شيئا من كثرة ذكره بالخير ذكر اللازم مكان الملزوم إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي: إلا حال من أتى اللّه و سلامة القلب بأمرين: براءته عن نقص الاستعداد في الفطرة، و نزاهته عن حجب صفات النفس في النشأة.
يمكن أن يؤوّل كل نبيّ مذكور فيها بالروح أو القلب و تكذيب قومه المرسلين بامتناع القوى النفسانية عن قبول التأدّب بآداب الروحانيين و التخلق بأخلاق الكاملين. و قول النبي صلى اللّه عليه و سلم:
أَ لا تَتَّقُونَ معناه: تجتنبون الرذائل إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أؤدي إليكم ما تلقفت من الحق من الحكم و المعاني اليقينية غير مخلوطة بالوهميات و التخيلات فَاتَّقُوا اللَّهَ في التجريد و التزكية وَ أَطِيعُونِ في التنوّر و التحلية وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ مما عندكم من اللذات و المدركات الجزئية فإني غنيّ عنها إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ بإلقاء المعاني و الحكم الكلية و إشراق الأنوار اللذيذة القدسية.
[210- 212]
[سورة الشعراء (26): الآيات 210 الى 212]
وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)
وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ لأن تنزّلهم لا يكون إلا عند استعداد قبول النفوس لنزولها بالمناسبة في الخبث و الكيد و المكر و الغدر و الخيانة و سائر الرذائل، فإنّ مدركات الشياطين من قبيل الوهميات و الخياليات، فمن تجرّد عن صفات النفس و ترقى عن أفق الوهم إلى جناب القدس، و تنوّرت نفسه بالأنوار الروحية و مصابيح الشهب السبوحية، و أشرق عقله بالاتصال بالعقل الفعال، و تلقى المعارف و الحقائق في العالم الأعلى ما ينبغي و لا يمكن للشياطين أن يتنزّلوا عليه و لا أن يتلفقوا المعارف و الحقائق و المعاني الكلية و الشرائع، فإنهم معزولون عن جناب سماء الروح و استماع كلام الملكوت الأعلى، مرجومون بشهب الأنوار القدسية و البراهين العقلية، لأن طور الوهم لا يترقى عن أفق القلب و مقام الصدر و لا يتجاوز إلى السرّ، فكيف إلى حدّ من هو بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى[3]؟.
[213]
[سورة الشعراء (26): آية 213]
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي: لا تلتفت إلى وجود الغير بظهور النفس و لا تحتجب في الدعوة بالكثرة عن الوحدة فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ بإلقاء الشياطين و إن امتنع تنزّلهم بالموافقة و المراقبة كقوله: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ[4]، فإنه لا يأمن في الإنذار و النزول إلى مبالغ عقول المنذرين و نفوسهم إلقاءهم و إن أمن تنزّلهم و مصاحبتهم و إغواءهم عند التلقي.
[214]
[سورة الشعراء (26): آية 214]
وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)
وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ من الذين يقارب استعدادهم استعدادك و يناسب حالهم بحسب الفطرة حالك، إذ القبول لا يكون إلا بجنسية ما في النفس و قرب في الروح.
[215- 217]
[سورة الشعراء (26): الآيات 215 الى 217]
وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)
وَ اخْفِضْ جَناحَكَ بالنزول إلى مرتبة من اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لتخاطبه بلسانه ليفهم، و ترقيه عن مقامه فيصعد، و إلا لم يمكنهم متابعتك فَإِنْ عَصَوْكَ لاستحكام الرين و تكاثف الحجاب فتبرأ عن حولهم و قوّتهم و حولك و قوّتك بالتوكل و الفناء في أفعاله تعالى فإنهم و إياك لا يقتدرون على ما لم يشأ اللّه و لا يكون إلا ما يريد و شاهد في توكلك و فنائك عن أفعالك مصادر أفعاله من العزّة التي يقهر بها من يشاء من العصاة فيحجبهم و يمنعهم من الإيمان و الرحمة التي يرحم بها و يفيض النور على من يشاء من أهل الهداية فإنه يحجب المحجوبين بقهره و جلاله و يهدي المهتدين بلطفه و جماله، و ليس لك من الأمر شيء إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ[5].
[218- 220]
[سورة الشعراء (26): الآيات 218 الى 220]
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)
الَّذِي يَراكَ و يحضرك و يحفظك حِينَ تَقُومُ في النشأة في القيامة الصغرى و الفطرة في الوسطى بالوحدة حين الاستقامة في الكبرى وَ تَقَلُّبَكَ انقلابك و انتقالك في أطوار الفانين في أفعاله تعالى و صفاته و ذاته بالنفس و القلب و الروح في زمرتهم و قبل النشأة الأولى في أصلاب آبائك الأنبياء الفانين في اللّه عنها. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما تقوله الْعَلِيمُ لما تعلمه فيعلم أنه ليس من كلام الشياطين و إلقائهم.
[221- 227]
[سورة الشعراء (26): الآيات 221 الى 227]
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225)
وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ إلى آخره، تقريره لقوله تعالى: وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ (211)[6] لأن الإفك و الإثم من لوازم النفوس الكدرة الخبيثة المظلمة السفلية المستمدة من الشياطين بالمناسبة، المستدعية لإلقائهم و تنزّلهم بحسب الجنسية و من جملتهم الشعراء الذين يركبون المخيلات و المزخرفات من القياسات الشعرية و الأكاذيب الباطلة سواء كانت موزونة أم لا، فيتبعهم الغاوون الضالون في ذلك و يأخذون منهم التزويرات و المفتريات دون الذين ينظمون المعارف و الحقائق و الآداب و المواعظ و الأخلاق و الفضائل و ما ينفع الناس و يفيد و يهيج أشواقهم في الطلب و يزيد، و اللّه أعلم.
[1] ( 1) سورة الشعراء، الآيات: 92- 93.
[2] ( 2) سورة الشعراء، الآيات: 100- 101.
[3] ( 1) سورة النجم، الآيات: 7- 8.
[4] ( 1) سورة الحج، الآية: 52.
[5] ( 2) سورة القصص، الآية: 56.
[6] ( 1) سورة الشعراء، الآية: 211.