تفسیر ابن عربی سوره الأنعام

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الأنعام آیه 80-165

[سورة الأنعام (6): الآيات 80 الى 81]

وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَ قَدْ هَدانِ وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَ كَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَ لا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)

 

[المعلومات أربعة]

اعلم أن المعلومات أربعة: الحق تعالى و هو الموصوف بالوجود المطلق سبحانه، ليس معلولا لشي‏ء و لا علة بل هو موجودا بذاته، و العلم به عبارة عن العلم بوجوده، و وجوده ليس غير ذاته، مع أنه غير معلوم الذات، لكن يعلم ما ينسب إليه من الصفات أعني صفات المعاني و هي صفات الكمال، و أما العلم بحقيقة الذات فممنوع، لا تعلم بدليل و لا ببرهان عقلي، و لا يأخذها حد، فإنه سبحانه لا يشبه شيئا و لا يشبهه شي‏ء، فكيف يعرف من يشبه الأشياء من لا يشبهه شي‏ء و لا يشبه شيئا؟

و قد ورد المنع من الشرع في التفكر في ذات اللّه «و معلوم ثان» و هو الحقيقة الكلية التي هي للحق و للعالم، و لا تتصف بالوجود و لا بالعدم، و لا بالحدوث و لا بالقدم، هي في القديم إذا وصف بها قديمة، و في المحدث إذا وصف بها محدثة، لا تعلم المعلومات قديمها و حديثها حتى تعلم هذه الحقيقة، و لا توجد هذه الحقيقة حتى توجد الأشياء الموصوفة بها، فإن وجد شي‏ء عن غير عدم متقدم كوجود الحق و صفاته، قيل فيها: موجود قديم لاتصاف الحق بها و إن وجد شي‏ء عن عدم كوجود ما سوى اللّه و هو المحدث الموجود بغيره قيل فيها محدثه و هي في كل موجود بحقيقتها فإنها لا تقبل التجزي، فما فيها كل و لا بعض، و لا يتوصل إلى معرفتها مجردة عن الصورة بدليل و لا ببرهان، فمن هذه الحقيقة وجد العالم بوساطة الحق تعالى، و ليست بموجودة فيكون الحق قد أوجدنا من موجود قديم فيثبت لنا القدم، و كذلك لتعلم أيضا أن هذه الحقيقة لا تتصف بالتقدم على العالم و لا العالم بالتأخر عنها، و لكنها أصل الموجودات عموما، و هي أصل الجوهر، و فلك الحياة، و الحق المخلوق به، و غير ذلك، و هي الفلك المحيط المعقول، فإن قلت: إنها العالم صدقت، أو إنها ليست العالم صدقت، أو إنها الحق أو ليست الحق صدقت، تقبل هذا كله و تتعدد بتعدد أشخاص العالم و تتنزه بتنزيه الحق، و هذه الحقيقة الكلية هي الجامعة لحقائق العلم و القدرة و الإرادة و السمع و البصر و جميع الأشياء كلها.

«و معلوم ثالث» و هو العالم كله الأملاك و الأفلاك و ما تحويه من العوالم و الهواء و الأرض «و معلوم ثالث» و هو العالم كله الأملاك و الأفلاك و ما تحويه من العوالم و الهواء و الأرض و ما فيهما من العالم و هو الملك الأكبر. «و معلوم رابع» و هو الإنسان الخليفة الذي جعله‏ اللّه في هذا العالم المقهور تحت تسخيره، فمن علم هذه المعلومات فما بقي له معلوم أصلا يطلبه، فمنها ما لا نعلم إلا وجوده و هو الحق تعالى، و نعلم أفعاله و صفاته بضرب من الأمثلة، و منها ما لا يعلم إلا بالمثال كالعلم بالحقيقة الكلية، و منها ما يعلم بهذين الوجهين و بالماهية و الكيفية و هو العالم و الإنسان.

[سورة الأنعام (6): آية 82]

الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (82)

أتى سبحانه بلفظة «بِظُلْمٍ» نكرة فشق على الصحابة فقالوا: «و أينا لم يلبس إيمانه بظلم»؟ و هم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، ما عرفوا مقصود الحق من الآية، و الذي نظروه سائغ في الكلمة غير منكور، راجع إلى ما تعطيه الألفاظ من القوة في أصل وضعها، لا ما هو الأمر عليه في نفسه، لأن الظلم هنا ظلم خاص، مع كونه نكرة فهو نكرة عند السامع لا عند المتكلم به، لهذا فسر لهم النبي صلّى اللّه عليه و سلم فقال لهم: ليس الأمر كما ظننتم و إنما أراد اللّه بالظلم هنا ما قاله لقمان لابنه و هو يعظه: «يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» ففسر صلّى اللّه عليه و سلم الظلم في هذه الآية بالشرك خاصة و علمنا بهذا التفسير أن اللّه أراد بالإيمان هنا أنه الإيمان بتوحيد اللّه لأنّ الشرك لا يقابله إلا التوحيد، فعلم النبي صلّى اللّه عليه و سلم ما لم تعلمه الصحابة، و لهذا ترك التأويل من تركه من العلماء و لم يقل به و اعتمد على الظاهر و ترك ذلك للّه.

[سورة الأنعام (6): آية 83]

وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)

[حجج الرسل عليهم السلام ليست عن نظر فكري‏]

الحجة هي إذا كان القول يعجز السامع فهو عين الحجة، و هذا يدل على أن حجج الرسل عليهم السلام ليست عن نظر فكري، و إنما هي عن تعليم إلهي. فقوله تعالى: «وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ» أي مثل حجتنا التي نصبناها دليلا على توحيدنا، و هي قوله:

«لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فقد استدل إبراهيم الخليل عليه السلام في الأفول فأعطاه النظر أن الأفول يناقض حفظ العالم، فالإله لا يتصف بالأفول، أو الأفول حادث لطروه‏ على الآفل بعد أن لم يكن آفلا، و الإله لا يكون محلا للحوادث، و هذه الأنوار قد قبلت الأفول فليس واحد منها بإله، فذكر إبراهيم عليه السلام الحق بالعالم دلالة عليه، و لم يقل ذلك إشراكا لكن جعل الأنوار الثلاثة حبالة صائد يصيد بها ما شرد من عقول قومه فقال تعالى: «وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ» عناية منا به‏ «عَلى‏ قَوْمِهِ»

[تحقيق الحجة]

– تحقيق- من القول ما هو حجة و ما ليس بحجة، فهل الحجة على الخصم عين القول خاصة أو ما يدل عليه القول؟ أو في موطن يكون القول، و في موطن يكون ما يدل عليه القول؟ إذا كان القول يعجز السامع فهو عين الحجة «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» فإن كل ما يجري هو عن وضع إلهي و ترتيب عالم حكيم.

[سورة الأنعام (6): الآيات 84 الى 88]

وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً وَ كلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) وَ مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88)

اعلم أن الأسباب محال رفعها، و كيف يرفع العبد ما أثبته اللّه. ليس له ذلك، و لكن الجهل عمّ الناس فأعماهم و حيرهم و ما هداهم، فقد أثبت اللّه الهداية بالروح فقال تعالى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) و قال فيه: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا)

[الأسباب محال رفعها]

و هذا وضع السبب في العالم، فالوقوف عند الأسباب لا ينافي الاعتماد على اللّه، و لهذا جعل سبحانه الأسباب مسببات لأسباب غيرها، من الأدنى حتى ينته فيها إلى اللّه سبحانه، فهو السبب الأول لا عن سبب كان به، فما دام الموجود ناظرا إلى السبب الذي صدر عنه، كان أعمى‏ عن شهود اللّه الذي أوجده، فإذا أراد اللّه أن يجعله بصيرا، ترك النظر إلى السبب الذي أوجده اللّه عنده، و نظر من الوجه الخاص الذي من ربه إليه في إيجاده، جعله اللّه بصيرا.

فالأسباب كلها ظلمات على عيون المسببات، و فيها هلك من هلك من الناس، فالعارفون يثبتونها و لا يشهدونها، و يعطونها حقها و لا يعبدونها، و ما سوى العارفين يعاملونها بالعكس، يعبدونها و لا يعطونها حقها، بل يغصبونها فيما تستحقه من العبودية التي هي حقها، و يشهدونها و لا يثبتونها.

[سورة الأنعام (6): آية 89]

أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89)

فإن الملك أوسع من أن يضيق عن وجود شي‏ء، كما قال تعالى: (وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ).

[سورة الأنعام (6): آية 90]

أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى‏ لِلْعالَمِينَ (90)

– الوجه الأول- هدى الأنبياء عليهم السلام هو ما كانوا عليه من الأمور المقربة إلى اللّه، و في الدعاء المأثور سؤاله صلّى اللّه عليه و سلم هدي الأنبياء، و عيشة السعداء و بالهدى تعطى التوفيق، و هو الأخذ و المشي بهدي الأنبياء، و تعطى البيان و هو شرح ما جاء به الحق، إذ الهدى هديان: هدى تبياني و هو قوله تعالى: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ) و هذا الهدى قد يعطي السعادة و قد لا يعطيها، إلا أنه يعطي العلم، كقوله تعالى: (وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ)؛ و هدى توفيقي و هو هدى الأنبياء عليهم السلام، و هو الذي يعطي سعادة العباد (وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) و إذا كان الرسول سيد البشر يقال له‏ [ «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ»]: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» فما ظنك بالتابع- الوجه الثاني- لما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم متبعا اسم مفعول لا اسم فاعل لذلك قال له عند ذكر الأنبياء «فَبِهُداهُمُ‏ اقْتَدِهْ» لا بهم، و هداهم ليس سوى شرع اللّه، فكان الشارع لنا اللّه الذي شرع لهم، فلو أخذ عنهم لكان تابعا «فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» فيما ذكرناه، لا في فروع الأحكام، و إن ظهر في شرعنا من فروع شرع من قبلنا، فمن حيث هو شرع لنا، و قد يقع الاتفاق في بعض الأحكام، كالتوحيد و الإيمان بالآخرة و ما فيها، لا ينكر ذلك- الوجه الثالث- اعلم أن كل شرع بعث به نبي من الأنبياء فهو من شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم من اسمه الباطن، إذ كان نبيا و آدم بين الماء و الطين، فقوله تعالى له: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» و ما قال بهم، إذ كان هداهم هداك الذي سرى إليهم، فمعناه من حيث العلم إذا اهتديت بهديهم فهو اهتداؤك بهديك، لأن الأولية لك باطنا، و الآخرية لك ظاهرا، و الأولية لك في الآخرية ظاهرا و باطنا، و علمنا من ذلك أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم مساو لجميع من ذكره من الأنبياء و من لم يذكره، فإنه لكل نبي هدى كما ذكر (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً) فهو سبحانه نصب الشرائع، و أوضح المناهج، و جمع ذلك كله في محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فمن رآه فقد رأى جميع المقربين، و من اهتدى بهديه فقد اهتدى بهدي جميع النبيين. و من ذلك أن ما قرره النبي صلّى اللّه عليه و سلم لنا مما كان شرعا للأنبياء عليهم السلام فعلمناه على القطع فهو شرع لنا، و من هذه الآية علمنا أنه صلّى اللّه عليه و سلم خص بعلم الشرائع كلها، فأبان اللّه تعالى له عن شرائع المتقدمين، و أمره أن يهتدي بهداهم، و خص بشرع لم يكن لغيره.

[سورة الأنعام (6): آية 91]

وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى‏ نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)

قالت اليهود: إن اللّه فرغ من الخلق في يوم العروبة، و استراح يوم السبت و استلقى على ظهره، و وضع إحدى رجليه على الأخرى، و قال: «أنا الملك». قال اللّه تعالى في مقابلة هذا الكلام و أمثاله: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» و تزعم اليهود أن هذا مما نزل في‏ التوراة، فلا نصدقهم في ذلك و لا نكذبهم و قال تعالى ذلك في حقهم لكونهم ليسوا مثله، فما عرفوه، و من جهل أمره لا يقدر قدره، فهم ليسوا له بمثل و لا هو مثل لهم، فوصفوه بنفوسهم و بما هم عليه، و لا يتمكن لهم ذلك، لأنهم يريدون الوصف الثبوتي و لا يكون إلا بالتشبيه، و من جعل مثلا لمن لا يقبل المثل فما قدره حق قدره، أي ما أنزله المنزلة التي يستحقها، فذمهم بالجهل حيث تعرضوا لما ليس لهم به علم، فلو قالوا فيه بما أنزله إليهم لم يتعلق بهم ذم من قبل الحق، لأن الحاكي لا ينسب إليه ما حكاه، فلا يتعلق به ذم في ذلك و لا مدح، فعلم الخلق باللّه لا يدرك بقياس، و إنما يدرك بإلقاء السمع لخطاب الحق، إما بنفسه و إما بلسان المترجم عنه و هو الرسول، مع الشهود الذي لا يسعه معه غير ما سمعه من الخطاب، كما قال: (إِنَّ فِي ذلِكَ) إشارة لما تقدم‏ (لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) فأحال على النظر الفكري بتقلب الأحوال عليه‏ (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ) و ما عدا هذين الصنفين فلا طريق لهم إلى العلم بما يستحقه الحق أن يضاف إليه، و ما يستحقه الخلق أن يضاف إليهم، و قدر اللّه لا يقدر مفصلا، لأن الزيادة من العلم باللّه لا تنقطع دنيا و لا آخرة، فالأمر في ذلك غير متناه‏ «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» فيما كيّف به نفسه مما ذكره في كتابه و على لسان رسوله من صفاته، و قدر الأمر موازنته لمقداره، و هذا لا يعلم من الأمر حتى يكون له ما يعادله في ذاته، فيكون ذلك المعادل مقدارا له لأنه يزنه، و قد جعل اللّه لنفسه قدرا لكنه مجهول عند أصحاب هذا الضمير، و لا يعرف قدر الحق إلا من عرف الإنسان الكامل الذي خلقه اللّه على صورته، و هي الخلافة، ثم وصف الحق نفسه في الصورة الظاهرة باليدين و الرجلين و الأعين، و شبه ذلك مما وردت به الأخبار مما يقتضيه الدليل العقلي من تنزيه حكم الظاهر من ذلك في المحدثات عن جناب اللّه، فحق قدره إضافة ما أضافه إلى نفسه مما ينكر الدليل إضافته إليه تعالى، إذ لو انفرد دون الشرع لم يضف شيئا من ذلك إليه، فمن أضاف مثل هذا إليه، عقلا فذلك هو الذي ما قدر اللّه حق قدره، و ما قال أخطأ المضيف، و من أضافه شرعا و شهودا، و كان على بينة من ربه، فذلك الذي قدر اللّه حق قدره. فالإنسان الكامل الذي هو الخليفة قدر الحق ظاهرا و باطنا، صورة و منزلة و معنى لأنه على صورة الحق، و العالم قدر الحق وجودا، و أما في الثبوت فهو أظهر لحكم الأزل الذي هو للممكنات في ثبوتها لأن الإمكان للممكن نعت ذاتي نفسي، و ما ظفر بالأمر على ما هو عليه إلا من جمع بين التشبيه و التنزيه، فقال بالتنزيه من وجه عقلا و شرعا، و قال بالتشبيه من وجه شرعا لا عقلا، و الشهود يقضي بما جاءت به الرسل إلى أممها في اللّه، و أما في سياق الآية فقوله تعالى: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ»

[حكمة: قدرك عند اللّه موازن لقدره عندك‏]

على ما هو عليه إلا من جمع بين التشبيه و التنزيه، فقال بالتنزيه من وجه عقلا و شرعا، و قال بالتشبيه من وجه شرعا لا عقلا، و الشهود يقضي بما جاءت به الرسل إلى أممها في اللّه، و أما في سياق الآية فقوله تعالى: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ»

[حكمة: قدرك عند اللّه موازن لقدره عندك‏]

مع إقرارهم أن التوراة نزلت على موسى عليه السلام من عند اللّه، فكذبوا على اللّه، فاسودت وجوههم أي ذواتهم، فلا نور لهم يكشفون به الأشياء، بل هم عمي لا يبصرون، لذلك قال تعالى: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى‏ نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً، وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ، قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» ما أمرنا اللّه إلا أن نقول «الله» ثم أمرنا أن نتركهم في خوضهم يلعبون، فإنه لما جهل قدره، عصي نهيه و أمره- حكمة- كل من أنزلته منزلته فقد قدرته حق قدره، و ما بعد ذلك مرمى لرام، و قدرك عند اللّه موازن لقدره عندك، و أنت أعرف بنفسك مع ربك.

[سورة الأنعام (6): الآيات 92 الى 93]

وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)

«وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً»

[من الافتراء على اللّه أن ينسب الإنسان ما سنّه إلى اللّه تعالى 99]

بالكذب على اللّه، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:

[من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار] و يدخل في هذه الآية من يجري إلى الافتراء على اللّه، و ينسب الذي سنّه إلى اللّه تعالى، و يتأول أنه لا فاعل إلا اللّه، و أنه تعالى المنطق عباده، فإذا كان مع الناس يريهم أن ما سنه و لو كان حسنا أن ذلك جاءه من عند اللّه،كما يجي‏ء لأولياء اللّه، فإذا أخطر له الملك هذه الآية يقول: ما أنا مخاطب بها، و إنما خوطب بها أهل الدعوى الذين ينسبون الفعل إلى أنفسهم، فإنه قال: افترى، فنسب الافتراء إلى هذا القائل، و أنا أقول إن الأفعال كلها للّه تعالى لا إليّ، فهو الذي قال على لساني، ثم إنه قال: «أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ» فأضاف القول إليه، و كذلك قوله: «إلي» و من أنا حتى أقول إليّ، إذ اللّه هو المتكلم و هو السميع، ثم قال: «سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» و ما أقول أنا ذلك، بل الإنزال كله من اللّه، فإذا تفقه في نفسه في هذا كله افترى على اللّه كذبا، و زيّن له سوء عمله فرآه حسنا.

[سورة الأنعام (6): آية 94]

وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى‏ كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَ ما نَرى‏ مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

«لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ» بالرفع يعني الوصل فالبين في اللسان من الأضداد.

[سورة الأنعام (6): آية 95]

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى‏ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)

«إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى‏» بما يظهر منهما، فيعلم من ذلك اختزان البذرة و النواة و الحبة ما يظهر منها إذا بذرت في الأرض، و كيف تدل على خروج العالم من الغيب إلى الشهادة، لأن البذرة لا تعطي ما اختزن الحق فيها إلا بعد دفنها في الأرض، فتنفلق عما اختزنته من ساق و أوراق و بذور أمثالها، من النواة نوى، و من الحبة حبوب، و من البذرة بذور، فتظهر عينها في كثير مما خرج عنها. فتعلم من هذا ما الحبة التي خرج منها العالم! ففلق الحب عن أمثاله، فلم يظهر سوى أشكاله.

 

[سورة الأنعام (6): آية 96]

فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

«فالِقُ الْإِصْباحِ» إن كان الحق فما فلقه إلا بشمسه، و إن كان الشمس فالحق على عزته في قدسه، و من قدسه أن يكون فالقا، كما كان لأرضه و سماواته فاتقا، فانفلاق الصباح من فالق الإصباح في الليل، ليكون لليل على النور ولادة، فتقع المناسبة بين نور الصباح و بين روح الإنسان، فلذلك يأنس به و يستفيد منه‏ «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» فيجري حكم اللّه في الخلق بما قدره العزيز العليم.

[سورة الأنعام (6): آية 97]

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)

– من باب الإشارة لا التفسير- لما كان القرب إلى اللّه بالسلوك و السفر إليه، لذلك كان من صفته النور لنهتدي به في الطريق، فقال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ»

[إشارة: و هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها]

و هو السلوك الظاهر بالأعمال البدنية «وَ الْبَحْرِ» و هو السلوك الباطن المعنوي بالأعمال النفسية، و الشرع هو النور الذي يهتدى به في ظلمات بر الأسباب و بحرها، فمن عمل كذا فجزاؤه كذا.

[سورة الأنعام (6): الآيات 98 الى 99]

وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَ جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى‏ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

أعطى الرزاق النبات رزقه المعين و هو ما به غذاؤه و حياته، فأعطاه الماء له و لكل حي في العالم، و جعله رزقا له، ثم جعل النبات رزقا لغيره من الحيوان، فهو و الحيوان رزق و مرزوق، فالكل رزق و مرزوق.

[سورة الأنعام (6): الآيات 100 الى 101]

وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (101)

الابتداع إظهار أمر على غير مثال، هذا أصله، و لهذا قال الحق تعالى عن نفسه‏ «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» أي موجدها على غير مثال سبق، فالأول في كل صورة مبدع و الثاني ليس بمبدع، فإنه على مثاله، و لكنه مخلوق، فهو بالخلق الأول بديع، و بالخلق الثاني المماثل للخلق الأول خالق.

[سورة الأنعام (6): آية 102]

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ (102)

[توحيد الرب بالاسم الخالق، و هو توحيد الهوية]

هذا توحيد الرب بالاسم الخالق، و هو توحيد الهوية، و هذا توحيد الوجود لا توحيد التقدير، فإنه أمر بالعبادة، و لا يأمر بالعبادة إلا من هو موصوف بالوجود، و جعل الوجود للرب، فجعل ذلك الاسم بين اللّه و بين التهليل، و جعله مضافا إلينا إضافة خاصة إلى الرب، فهي إضافة خصوص، لنوحده في سيادته و مجده في وجوب وجوده، فلا يقبل العدم كما يقبله الممكن، فإنه الثابت وجوده لنفسه، و يوحد أيضا في ملكه بإقرارنا بالرق له، و لنوحده توحيد المنعم لما أنعم به علينا، من تغذيته إيانا في ظلم الأرحام و في الحياة الدنيا، و نوحده أيضا فيما أوجده من المصالح التي بها قوامنا، من إقامة النواميس و وضع الموازين و مبايعة الأئمة القائمين بالدين، و هذه الفصول كلها أعطاها الاسم الرب، فوحدناه و نفينا ربوبية من سواه، قال يوسف عليه السلام لصاحبي السجن: (أ أرباب متفرقون خير أم اللّه الواحد القهار) و في توحيد الربوبية هنا عمّ إضافة جميعنا إليه، فقال: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» كل موجود سوى اللّه تعالى مركّب، و هو الموجب لاستصحاب الافتقار له، فإنه وصف ذاتي، و الذي نسمعه من البسائط إنما هي أمور معقولة لا وجود لها في أعيانها، و قال تعالى: «خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَاعْبُدُوهُ» لنعلم أن الوجود مقسم بين عابد و معبود، فالعابد كل ما سوى اللّه تعالى، و هو العالم المعبر عنه و المسمى عبدا، و المعبود هو المسمى اللّه، فكل ما سوى اللّه عبد للّه، ما خلق و يخلق.

[سورة الأنعام (6): آية 103]

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)

[ «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»]

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» الضمير يعود على الوجه، و وجه الشي‏ء ذاته و حقيقته، التي قال فيها الحق: [لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره‏]، و لكن البصر يدركه من حيث التجلي الصوري في الأسماء من قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ) و قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الحديث الصحيح: [ترون ربكم‏] «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» لأنه نور، و النور لا يدرك إلا بالنور، فلا يدرك النور إلا به‏ «وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» لأنه نور «وَ هُوَ اللَّطِيفُ» لأنه يلطف و يخفى في عين ظهوره فلا يعرف و لا يشهد كما يعرف نفسه، و يشهدها، «الْخَبِيرُ» علم ذوق، «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» يعني في الدنيا مع ثبوت الرؤيا في الآخرة، «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» و لم يخص دارا من دار، بل أرسلها آية مطلقة، و مسئلة معينة، فلا يدركه سواه، قيل للنبي صلّى اللّه عليه و سلم: أ رأيت ربك؟ فقال: نور أنّى أراه، فلا يزال حجاب العزة مسدلا، لا يرفع أبدا، جلّ أن تحكم عليه الأبصار عند مشاهدتها إياه، لأنها في الحيرة و العجز، فرؤيتها لا رؤيتها، كما قال الصديق: العجز عن درك الإدراك إدراك. و المعنى الآخر أنه ما رآه مني إلا هويته، فإنه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: و اجعلني نورا، و ظلمتي لا تدركه.

«لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» فإن البصر جاء ليدرك به لا أنه يدرك، و لذا جاء في قوله‏ «لا تُدْرِكُهُ» بضمير الغائب، و الغيب غير مدرك بالبصر و الشهود، و هو الباطن تعالى، فإنه لو أدرك لم يكن غيبا و لا بطن، و لكن‏ «يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» فإنه لا يلزم الغيبة من الطرفين، ما يلزم من هو غائب عنك أن تكون غائبا عنه، قد يكون ذلك و قد لا يكون، و أنت ظاهر و لا بد، «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» فكثّر و جمع، فإنها أبصار الكون، و الحقيقة المنفية في هذه‏ الآية أن الأبصار هنا معان يدرك بها المبصرات، ما هي تدرك المبصرات، «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» فإن البصر جاء ليدرك به لا أنه يدرك، و لذا جاء في قوله‏ «لا تُدْرِكُهُ» بضمير الغائب، و الغيب غير مدرك بالبصر و الشهود، و هو الباطن تعالى، فإنه لو أدرك لم يكن غيبا و لا بطن، و لكن‏ «يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» فإنه لا يلزم الغيبة من الطرفين، ما يلزم من هو غائب عنك أن تكون غائبا عنه، قد يكون ذلك و قد لا يكون، و أنت ظاهر و لا بد، «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» فكثّر و جمع، فإنها أبصار الكون، و الحقيقة المنفية في هذه‏ الآية أن الأبصار هنا معان يدرك بها المبصرات، ما هي تدرك المبصرات، و لم يقل: لا يدركه البصر، فإنه إذا كان عين الحق عين بصرك، فيصح أن يقال مثل هذا يدركه البصر، فينسب الإدراك إليه مع صحة كونه بصرا للعبد، «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» على وجهين:

الوجه الواحد، أنه نفى أن تدركه الأبصار على طريق التنبيه على الحقائق، و إنما يدركه المبصرون بالأبصار لا الأبصار.- الوجه الثاني- لا تدركه الأبصار المقيدة بالجارحة، فإذا لم تتقيد أدركته، كأن يكون الحق بصره، «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» يعني في كل عين من أعين الوجوه للقرب المفرط، فإنه أقرب إلينا من حبل الوريد، و من أعين القلوب فإن القلوب ما ترى إلا بالبصر، و أعين الوجوه لا ترى إلا بالبصر، فالبصر حيث كان، به يقع الاشتراك، فيسمى البصر في العقل عين البصيرة، و يسمى في الظاهر بصر العين، و العين في الظاهر محل للبصر، و البصيرة في الباطن محل للعين الذي هو بصر في عين الوجه، فاختلف الاسم عليه و ما اختلف هو في نفسه، فكما لا تدركه العيون بأبصارها، كذلك لا تدركه البصائر بأعينها، فإن الحق تعالى احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار، لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إن اللّه احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار و إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم‏] فكما لا تدركه الأبصار لا تدركه البصائر و هي العقول، لا تدركه بأفكارها، فتعجز عن الوصول إلى مطلوبها و الظفر به، مع أنه سبحانه لم ينف عن إدراكه قوة من القوى التي خلقها إلا البصر، فمنع ذلك شرعا، و ما قال: لا يدركه السمع و لا العقل و لا غيرهما من القوى الموصوف بها الإنسان، كما لم يقل أيضا: إن غير البصر يدركه، بل ترك الأمر مبهما، فمن زعم أنه يدركه عقلا و لا يدركه بصرا، فمتلاعب لا علم له بالعقل و لا بالبصر، و لا بالحقائق على ما هي عليه في أنفسها، كالمعتزلي فإن هذه رتبته، فللأبصار إدراك و للبصائر إدراك، و كلاهما محدث، فإن صح أن يدرك بالعقل و هو محدث، صح أو جاز أن يدرك بالبصر، لأنه لا فضل لمحدث على محدث في الحدوث، و إن اختلفت الاستعدادات فجائز على كل قابل للاستعدادات أن يقبل استعداد الذي قيل فيه: إنه أدرك الحق بنظره الفكري، فإما أن ينفوا ذلك جملة واحدة، و إما أن يجوزه جملة واحدة، و إما أن يقفوا في الحكم فلا يحكمون فيه بإحالة و لا جواز، حتى يأتيهم تعريف الحق نصا لا يشكون فيه، أو يشهدونه في نفوسهم، قال عزّ و جل لموسى عليه السلام: (لن تراني)و كل مرئي لا يرى الرائي- إذا رآه- منه إلا قدر منزلته و رتبته فما رآه، و ما رأى إلا نفسه، و لو لا ذلك ما تفاضلت الرؤية في الرائين، إذ لو كان هو المرئي ما اختلفوا، لكن لما كان هو مجلى رؤيتهم أنفسهم، لذلك وصفوه بأن يتجلى، و أنه يرى، و لكن شغل الرائي برؤية نفسه في مجلى الحق حجبه عن رؤية الحق، فإن اللّه لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، قال صلّى اللّه عليه و سلم في حديث الدجال و دعواه أنه إله: إن أحدنا لا يرى ربه حتى يموت، لأن الغطاء لا ينكشف عن البصر إلا بالموت، و البصر من العبد هوية الحق، فعينك غطاء على بصر الحق، فبصر الحق أدرك الحق و رآه لا أنت، فإن اللّه لا تدركه الأبصار، و هو يدرك الأبصار، ففي مدلول هذه الآية أنه يدرك تعالى نفسه بنفسه، لأنه إذا كان بهويته بصر العبد، و لا يقع الإدراك البصري إلا بالبصر، و هو عين البصر المضاف إلى العبد، و قال: إنه يدرك الأبصار، و هو عين الأبصار، فقد أدرك نفسه، لذلك قال: «وَ هُوَ اللَّطِيفُ» و لا ألطف من هوية تكون عين بصر العبد، و بصر العبد لا يدرك اللّه، و ليس في القوة أن يفصل بين البصرين، «اللَّطِيفُ» من حيث أنه لا تدركه الأبصار، و «اللَّطِيفُ» المعنى من حيث أنه يدرك الأبصار، أي دركه للأبصار دركه لنفسه، و هذا غاية اللطف و الرقة، فما لطفه و لا أخفاه إلا شدة ظهوره، فإنه البصر لكل عين تبصر، فمن نظر بعين الإيمان رأى قوة نفوذه في الكثيف، حتى سرى إلى اللطيف «الخبير» فيحصل له المعرفة بالأمر على ما هو عليه»، «اللطيف» إذ كانت اللطافة مما ينبو الحس عن إدراكها، فتعقل و لا تشهد، فتسمى في وصفه الذي تنزه أن يدرك فيه باللطيف، أي تلطف عن إدراك المحدثات، و مع هذا فإنه يعلم و يعقل أن ثمّ أمرا يستند إليه، فأتى بالاسم‏ «الْخَبِيرُ» على وزن فعيل، و فعيل يرد بمعنى المفعول، كقتيل بمعنى مقتول، و جريح بمعنى مجروح، و هو المراد هنا و الأوجه، و قد يرد بمعنى الفاعل كعليم بمعنى عالم، و قد يكون أيضا هو المراد هنا، و لكنه يبعد، فإن دلالة مساق الآية لا تعطي ذلك، فإن مساقها في إدراك الأبصار لا إدراك البصائر فإن اللّه قد ندبنا إلى التوصل بالعلم به فقال: (فاعلم أنه لا إله إلا اللّه) و لا يعلم حتى ينظر في الأدلة، فيؤدينا النظر فيها إلى العلم به على قدر ما تعطينا القوة في ذلك، فلهذا رجحنا خبير هنا بمعنى المفعول، أي أن اللّه يعلم و يعقل، و لا تدركه الأبصار.

و من وجه آخر «الْخَبِيرُ» يشير إلى علم ذلك ذوقا، فهو العليم خبرة أنه بصر العبد في بصر العبد، و كذا هو الأمر في نفسه، و إن كان حيا، فقد استوى الميت و الحي في كون الحق تعالى بصرهما، و ما عندهما شي‏ء، فإن اللّه لا يحلّ في شي‏ء و لا يحل فيه شي‏ء، إذ ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، و يشير إلى هذه الآية قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الإحسان: [فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏] فيتجلى اللّه تعالى للعارفين على قلوبهم، و هو المرئي في الدنيا بالقلوب و الأبصار، و مع أنه سبحانه منبئ عن عجز العباد عن درك كنهه، فقال: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» لطيف بعباده بتجليه لهم على قدر طاقتهم، خبير بضعفهم عن حمل تجليه الأقدس على ما تعطيه الألوهة، إذ لا طاقة للمحدث على حمل جمال القديم.

[سورة الأنعام (6): الآيات 104 الى 106]

قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَ كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَ لِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)

[التوحيد الإيماني‏]

هذا خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم خص به باعتباره الداعي، لمجيئه بالتوحيد الإيماني لا التوحيد العقلي، و هو توحيد الأنبياء و الرسل، لأنها ما وحدت عن نظر، و إنما وحدت عن ضرورة علم وجدته في نفسها لم تقدر على دفعه، فترك المشركين و آلهتهم و انفرد بغار حراء يتحنث فيه من غير معلم إلا ما يجده في نفسه حتى فجأه الحق، و هو قوله: «اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» أي أنه لا يقبل الشريك‏ «وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» فأعرض عنهم حتى يستحكم الإيمان، و أقمه بنفس الرحمن فأجعل له أنصارا، و آمرك بقتال المشركين لا الإعراض عنهم، و هذا هو التوحيد الثامن في القرآن، و هو من توحيد الاسم الرب، و قد عمم بإضافة جميعنا إليه في التوحيد السابع فقال: (ذلكم اللّه ربكم لا إله إلا هو) و هنا خصص به الداعي، و هو توحيد الاتباع، و هو من توحيد الهوية، فهو توحيد تقليد في علم، لأنه نصب الأسباب و أزال عنها حكم الأرباب لما قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى) فأمر صلّى اللّه عليه و سلم أن يعرض عن الشرك لا عن السبب، فإنه قال في مصالح الدنيا:(و لكم في القصاص حياة) فعلل و لام العلة في القرآن كثير، فكأنه توحيد في مجلس محاكمة، فيدخل فيه توحيد القسط لإقامة الوزن في الحكم بين الخصماء، بيّن ذلك قوله: «وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» و خص به الداعي لمجيئه بالتوحيد الإيماني.

[سورة الأنعام (6): الآيات 107 الى 112]

وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ ما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى‏ وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)

وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (112)

«وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ» الشيطان الحسي على قسمين:إنسي و جني، و شياطين الإنس لهم سلطان على ظاهر الإنسان و باطنه، و شياطين الجن هم نواب شياطين الإنس في بواطن الناس، و شياطين الجن هم الذين يدخلون الآراء على شياطين الإنس و يدبرون دولتهم، فيفصّلون لهم ما يظهرون فيها من الأحكام، و لذلك قال تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ) «يُوحى‏ بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً» هو قدحهم في أهل الإيمان من حيث إيمانهم، و تزيين ما هم عليه من الباطل، و مداخل الشيطان إلى نفوس العالم كثيرة، و هو يستدرج كل طائفة من حيث ما هو الغالب عليها، فإنه عالم بمواقع المكر و الاستدراج، و قد أعطاك اللّه في العامة ميزان الشريعة، و ميّز لك بين فرائضه و مندوباته و مباحه و محظوره و مكروهه، و نص على ذلك في كتابه و على لسان رسوله، فإذا خطر لك خاطر من محظور أو مكروه فتعلم أنه من الشيطان بلا شك، فوحي الشيطان هو ما يزينه من الأعمال و إن كان لها وجه إلى الحق، فالمعدن خبيث، يروى أن إبليس جاء إلى عيسى عليه السلام فقال له: قل لا إله إلا اللّه، فهذه كلمة حق من معدن خبيث، فقال له عيسى عليه السلام: يا ملعون أقولها لا لقولك و أمرك.

«وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ» اعلم أن المهانة حقيقة العالم التي هو عليها، لأنه بالذات ممكن فقير، فهو ممنوع من نيل جميع أغراضه و إرادته منعا ذاتيا، و لا يحجبنك وقوع بعض مراداته، و نيل بعض أغراضه، عما قلناه في حقه، فإن ذلك ما وقع له إلا بإرادة الحق لا بإرادته، فذلك المراد و إرادة العبد معا إنما هما واقعان بإرادة الحق، فهو ممتنع بالذات أن يكون شي‏ء في الوجود موجودا عن إرادة العبد، و لو كان لإرادة العبد نفوذ في أمر خاص لعم نفوذها في كل شي‏ء، لو كان ذلك المراد وقع لعين إرادة الممكن، فتعين أن ذلك الواقع وقع بإرادة اللّه عزّ و جل، فالعالم ممنوع لذاته كما هو ممكن مهان لذاته، و إنما كان مهانا لذاته لأن العبودية له ذاتية، و هي الذلة، و كل ذليل مهان، و كل مهان محتقر، و كل محتقر مغلوب‏ «فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ» فجعلهم أهل افتراء على اللّه.

[سورة الأنعام (6): آية 113]

وَ لِتَصْغى‏ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)

فالسامع إذا كان سريع الانفعال لما يسمع فيجب عليه عقلا أن لا يصغي لقائل شر.

[سورة الأنعام (6): الآيات 114 الى 117]

أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)

 

[تعريف العلم‏]

فإن العلم إنما يتعلق بالمعلوم على ما هو المعلوم عليه، لذلك كانت وظيفة الرسل و الورثة من العلماء إنما هي التبليغ بالبيان و الإفصاح لا غير ذلك.

[سورة الأنعام (6): الآيات 118 الى 119]

فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَ ما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)

[تغير الأحوال يغير الأحكام‏]

اعلم أن تغير الأحوال يغير الأحكام، فالشخص الواحد الذي لم يكن حاله الاضطرار، أكل الميتة عليه حرام، فإذا اضطر ذلك الشخص عينه فأكل الميتة له حلال، فاختلف الحكم لاختلاف الحال، و العين واحدة. و من هذه الآية علمنا أن الحكم بالمنع و غيره مبناه على حال المكلّف، فإن المنع في حق من منع منه لا في عين الممنوع، فإن ذلك الممنوع بعينه قد أبيح لغيره، لكون ذلك الغير على صفة ليست فيمن منع منه، أباحته تلك الصفة بإباحة الشارع، فلهذا قلنا: لا في عين الممنوع، فإنه ما حرم شي‏ء لعينه جملة واحدة، و في مواضع على اسم الممنوع، فإن تغير الاسم لتغير قام بالمحرم تغير الحكم على المكلف في تناوله، إما بجهة الإباحة أو الوجوب، و كذلك إن تغير حال المكلف الذي خوطب بالمنع من ذلك الشي‏ء و اجتنابه لأجل تلك الحال، فإنه يرتفع عنه هذا الحكم و لا بد، و إن كان الأمر على هذا الحد، فما ثمّ عين محرمة لعينها، و علق الذم بفعل المكلف لا بالعين التي حجر عليه تناولها، فقال: «وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» فإن المضطر لا تحجير عليه، و قوله: «إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» هو الرزق الذي به بقاء الحياة، و ما به حياتك لا يصح فيه تحجير.

 

[سورة الأنعام (6): الآيات 120 الى 121]

وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)

المجادل الذي هو ولي الشيطان يظن أن ذلك من نفسه و من نظره و علمه، و هو من وحي الشيطان إليه‏

[- إشارة- أهل السماع و الوجد بالأشعار التي أهلت لغير اللّه، هم أبعد الخلق عن الحق‏]

– إشارة- أهل السماع و الوجد بالأشعار التي أهلت لغير اللّه، هم أبعد الخلق عن الحق، فإنهم أكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه، و لما كان الوجد يستدعي التنزل جاء في الآية «وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى‏ أَوْلِيائِهِمْ» في مقابلة الوحي الحق فتفطن، فلا ينبغي أن ينشد في حق اللّه شعرا قصد به قائله في أول وضعه غير اللّه، نسيبا كان أو مديحا، فإنه بمنزلة من يتوضأ بالنجاسة قربة إلى اللّه، فإن القول في المحدث حدث بلا شك، و قد نبه اللّه في كتابه على هذه المنزلة بقوله: (وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) و قوله: «وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ» و قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) و الشعر في غير اللّه مما أهل لغير اللّه به، فإن للنية أثرا في الأشياء، و اللّه يقول: (وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) و الإخلاص النية، و هذا الشاعر ما نوى في شعره إلا التغزل في محبوبه، و المديح فيمن ليس له بأهل لما شهد به فيه، و كل ما كان قربة إلى اللّه شرعا فهو مما ذكر اسم اللّه عليه و أهل به للّه، و إن كان بلفظ التغزل و ذكر الأماكن و البساتين و الجوار، و كان القصد بهذا كله ما يناسبها من الاعتبار في المعارف الإلهية و العلوم الربانية فلا بأس، و إن أنكر ذلك المنكر فإن لنا أصلا نرجع إليه فيه، و هو أن اللّه تعالى يتجلى يوم القيامة لعباده في صورة ينكر فيها، حتى يتعوذ منها، فيقولون: نعوذ باللّه منك لست بربنا، و هو يقول: أنا ربكم و هو هو تعالى.

[سورة الأنعام (6): آية 122]

أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122)

هذا ضرب مثل في الكفر و الإيمان، و العلم و الجهل، فالجهل موت و العلم حياة لذلك قال تعالى: «أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً» أراد بالموت الجهل‏ «فَأَحْيَيْناهُ» بالعلم و هي الحياة العلمية التي تحيى بها القلوب فحياة العلم يقابلها موت الجهل، و بالنور يقع حصوله كما بالظلمة يكون الجهل‏ «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ» و هي الضلال‏ «لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها» أي لا يهتدي أبدا. و اعلم أن الموت عبارة عن مفارقة الروح الجسد الذي كانت به حياته الحسية، و هو طارئ عليها بعد ما كانا موصوفين بالاجتماع الذي هو علة الحياة، فكذلك موت النفس بعدم العلم، فان قلت إن العلم بالله طارئ الذي هو حياة النفوس، و الجهل ثابت لها قبل وجود العلم، فكيف يوصف الجاهل بالموت و ما تقدمه علم؟ قلنا إن العلم باللّه سبق إلى نفس كل إنسان في الأخذ الميثاقي حين أشهدهم على أنفسهم، فلما عمرت الأنفس الأجسام الطبيعية في الدنيا فارقها العلم بتوحيد اللّه، فبقيت النفوس ميتة بالجهل بتوحيد اللّه، ثم بعد ذلك أحيا اللّه بعض النفوس بالعلم بتوحيد اللّه، و أحياها كلها، بالعلم بوجود اللّه، إذ كان من ضرورة العقل العلم بوجود اللّه، فلهذا سميناه ميتا، فقال تعالى: «أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً» يعني بما كان اللّه قد قبض منه روح العلم باللّه، فقال تعالى في معرض الامتنان: «فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» فرد إليه علمه فحيى به، كما ترد الأرواح إلى أجسامها في الدار الآخرة يوم البعث‏ «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها» يريد مقابلة النور الذي يمشي به في الناس، و ما هو عين الحياة، فالحياة الإقرار بالوجود، أي بوجود اللّه لا بتوحيده، ما تعرض للتوحيد في الإشهاد، و لهذا أردف اللّه في الآية حين قال: «فَأَحْيَيْناهُ» فلم يكتف حتى قال: «وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» يريد العلم بتوحيد اللّه لا غيره، فإنه العلم الذي يقع به الشرف له و السعادة، و ما عدا هذا لا يقوم مقامه في هذه المنزلة، و نور العلم ينفر ظلمة الجهل. و قد يكون قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً» به يشهد، و هو نور الإيمان، و الكشف الذي أوحى اللّه به إليه، أو امتن به عليه، فليس مثله‏ «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ» و إن كان حيا- وجه آخر- «وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» هو قوله تعالى: (وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) و يعني بالنور المجعول هنا الشرع الموحى به‏ (وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) و لا حكم إلا للنور المجعول و هو الظاهر، و هذا حكم نور الشرع على نور العقل من قوله تعالى: (نُورٌ عَلى‏ نُورٍ) شعر:

فليس له سوى التسليم فيه‏ و ليس له سوى ما يصطفيه‏
فإن أوّلته لم تحظ منه‏ بعلم في القيامة ترتضيه‏

فتحشر في ظلمة جهلك، ما لك نور تمشي به، و لا يسعى بين يديك. فترى أين تضع قدمك، و إذا بلغ العبد مقام المحبة الإلهية كما قال: إذا أحب عبدا كان سمعه الذي يسمع به، إلى أن قال و رجله التي يسعى بها، فهو يمشي بهذا النور في الناس من حيث كون اللّه تسمى بالاسم النور (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ) فهو نور ذاتي من قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [و اجعلني كلي نورا] فهو يمشي في الناس بربه و هم لا يشعرون، ثم لنعلم أن الأنوار و إن اجتمعت في الإضاءة و التنفير، فإن لها درجات في الفضيلة، كما أن لها أعيانا محسوسة، كنور الشمس و القمر و النجوم و السراج و النار و البرق، و كل نور محسوس أو منور، و أعيانا معقولة، كنور العلم و نور الكشف، و هذه أنوار البصائر و الأبصار، و هذه الأنوار المحسوسة و المعقولة، على طبقات يفضل بعضها بعضا، فنقول عالم و أعلم، و مدرك و أدرك، كما تقول في المحسوس نير و أنور، أين نور الشمس من نور السراج؟.

 

[سورة الأنعام (6): آية 123]

وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَ ما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (123)

«وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ» أي عين ما اعتقدوه أنه مكرهم هو مكري بهم‏ «وَ ما يَشْعُرُونَ» فكان مكر اللّه بهؤلاء هو عين مكرهم الذي اتصفوا به و هم لا يشعرون.

[سورة الأنعام (6): آية 124]

وَ إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى‏ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124)

[قراءة: رسل اللّه اللّه- الوقف على الجلالة الثانية]

– قراءة- إذا قرأت رسل اللّه اللّه، فإن انقطع نفسك على الجلالة الثانية كان، و إلا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 113

فاقصد ذلك، ثم ابتدئ‏ «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» قال تعالى في الذين يبايعون الرسول إنما يبايعون اللّه، فأنزله منزلته، ف «اللَّهُ أَعْلَمُ» موجه، له وجه بالخبرية إلى‏ «رُسُلُ اللَّهِ»، و له وجه بالابتداء إلى‏ «أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ»، و كلا الوجهين حقيقة فيه.

[سورة الأنعام (6): آية 125]

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125)

«وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» كأنما يخرج عن طبعه، و الشي‏ء لا يخرج عن حقيقته.

[سورة الأنعام (6): آية 126]

وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126)

«وَ هذا» إشارة إلى ما تقدم ذكره‏ «صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً» و ما ذكر إلا إرادته للشرح و الضيق، فلا بد منهما في العالم، لأنه ما يكون إلا ما يريد، و أضاف الصراط إلى الاسم الرب لاستدعائه المربوب، و جعله مستقيما، فمن خرج عنه فقد انحرف و خرج عن الاستقامة، و صراط الرب لا يكون إلا مع التكليف، فإذا ارتفع التكليف لم يبق لهذا الصراط عين وجودية.

[سورة الأنعام (6): آية 127]

لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127)

«لَهُمْ دارُ السَّلامِ» هي دار لا يمسهم فيها نصب، فهم فيها سالمون.

[سورة الأنعام (6): الآيات 128 الى 130]

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَ قالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَ بَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى‏ أَنْفُسِنا وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ شَهِدُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130)

خلق اللّه الجان شقيا و سعيدا، و كذلك الإنس، و خلق اللّه الملك سعيدا، لا حظ له في الشقاء، فسمي شقي الإنس و الجان كافرا، و سمي السعيد من الجن و الإنس مؤمنا، و أخسر الأخسرين شاهد يشهد على نفسه، فهم الذين أشقوا أنفسهم بشهادتهم.

[سورة الأنعام (6): الآيات 131 الى 133]

ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها غافِلُونَ (131) وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)

– رقيقة- قال تعالى: «إِنْ يَشَأْ» فهل يشاء أم لا؟ هذا لا يكون، فمشيئة الحق أحدية التعلق، و هي نسبة تابعة للعلم، و العلم نسبة تابعة للمعلوم، و المعلوم أنت و أحوالك، فليس للعلم أثر في المعلوم، بل للمعلوم أثر في العلم، فيعطيه ما هو عليه في عينه، و إنما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون، و ما أعطاه النظر العقلي، ما ورد الخطاب على ما يعطيه الكشف، و لذلك كثر المؤمنون، و قل العارفون أصحاب الكشف.

[سورة الأنعام (6): الآيات 134 الى 145]

إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَ ما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى‏ شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (136) وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (137) وَ قالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَ أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَ أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138)

وَ قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى‏ أَزْواجِنا وَ إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143)

وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)

 

 

[كل محرم نجس‏]

اتفق العلماء على تحريم الدم المسفوح من الحيوان المذكى، و اختلفوا في غير المسفوح منه، و السفح الذي يشترط إنما هو الدم السائل من التزكية في الحيوان الحلال الأكل، إذ الدم السائل من الحي فهو حرام بلا خلاف، قليله و كثيره، و كذلك ما سال من دم الحيوان المحرم الأكل و إن ذكي فقليله و كثيره حرام بغير خلاف، و أما اختلافهم في دم الحوت فمن حرمه فبعموم اللفظ، و من أحله فليس له دليل، إلا أنه رأى أن الدم تابع في الحرمة و الحل لميتة الحيوان، فمن كان ميتته حرام قدمه حرام، و من كان ميتته حلالا فدمه حلال فالتحريم ينسحب على كل دم مسفوح من أي حيوان كان، و يحرم أكله، و أما كونه نجاسة، فلا أحكم بنجاسة المحرمات إلا أن ينص الشارع على نجاستها على الإطلاق، أو يقف على القدر الذي نص على نجاسته، و ليس النصّ بالاجتناب نصا في كل حال، فيفتقر إلى قرينة و لا بد، فما كل محرم نجس، و إن اجتنبناه فما اجتنبناه لنجاسته، فإن كونه نجس حكم شرعي، و قد يكون غير مستقذر عقلا و لا مستخبث.

[سورة الأنعام (6): الآيات 146 الى 149]

وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149)

 

[العلم تابع للمعلوم في الحادث و القديم‏]

اعلم أن للّه الحجة البالغة، لأنه لا يجري عليك من الأقدار إلا ما كنت عليه، فإنه يقول كذا علمتك، و ما علمتك إلا منك، و لكن أكثر الناس لا يعلمون، فإن العلم تابع للمعلوم، فإن قال المعلوم شيئا كان للّه الحجة البالغة عليه بأن يقول: ما علمت هذا منك إلا بكونك عليه- في حال عدمه- و ما أبرزتك في الوجود إلا على قدر ما أعطيتني من ذاتك بقبولك، فيعرف العبد أنه الحق فتندحض حجة الخلق، فيأخذ الناس ذلك إيمانا، و أما أرباب الشهود فيأخذونه عيانا، فيعلمون موقعها و من أين جاء بها الحق، فإن من المحال أن يتعلق العلم إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه، و لذلك وصف الحق نفسه بأن له الحجة البالغة لو نوزع، فلو احتج أحد على اللّه بأن يقول له: علمك سبق فيّ بأن أكون على كذا، فلم تؤاخذني؟ يقول له الحق: هل علمتك إلا بما أنت عليه؟

فلو كنت غير ذلك لعلمتك على ما تكون عليه، فارجع إلى نفسك و أنصف في كلامك، فإذا رجع العبد على نفسه و نظر في الأمر كما ذكرنا علم أنه محجوج و أن الحجة للّه تعالى عليه، أ ما سمعته تعالى يقول: (و ما ظلمهم الله) (و ما ظلمناهم) و قال: (وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)* كما قال: (وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) يعني أنفسهم، فإنهم ما ظهروا لنا حتى علمناهم و هم معدومون إلا بما ظهروا به في الوجود من الأحوال، فالعلم تابع للمعلوم، ما هو المعلوم تابع للعلم فافهمه. و من وجه آخر: ما حكم اللّه في العباد إلا بهم، و هو قوله: (جَزاءً وِفاقاً) (و جزاء بما كنتم تعملون) (و جزاء بما كنتم تكسبون) فأعمالهم عذبتهم و أعمالهم نعمتهم فما حكم فيهم غيرهم، فللّه الحجة البالغة و لا حجة لأحد على اللّه فمدح اللّه نفسه‏ بأن له الحجة البالغة و ليس إلا العلم فإنه أعلى ما يطلب و أفضل ما يكتسب و أعظم ما به يفتخر، و أسد آلة تعد و تدخر «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» و لو حرف امتناع لامتناع، فما شاء إلا ما هو الأمر عليه، و لكن عين الممكن قابل للشي‏ء و نقيضه في حكم دليل العقل، و أي الحكمين المعقولين وقع، ذلك هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته، و معنى لهداكم أي ليبين لكم، و ما كل ممكن في العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه، فمنهم العالم و الجاهل، فما هداهم أجمعين و لا يشاء.

[سورة الأنعام (6): آية 150]

قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)

«بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» أي يجعلون له مشابها و مماثلا.

[سورة الأنعام (6): الآيات 151 الى 152]

قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ وَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)

اليتيم من لا أب له بالحياة، و هو غير بالغ أي لم يبلغ الحلم بالسن أو الإنبات أو رؤية الماء، و قد أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بالتجارة في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة، فإن الزكاة واجبة في مال اليتيم، يخرجها وليه. «وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا» اعلم أن العدل هو الميل، يقال عدل عن الطريق إذا مال عنه، و عدل إليه إذا مال إليه، و سمي الميل إلى الحق عدلا كما سمي الميل عن الحق جورا.

 

[سورة الأنعام (6): آية 153]

وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)

قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً»

[الشريعة هي المحجة البيضاء، محجة السعداء]

و هي أحكام الطريقة، و لهذا خط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم خطا، و خط عن جنبتي ذلك الخط خطوطا، فكان ذلك الخط شرعه و منهاجه الذي بعث به، و قيل له قل لأمتك تسلك عليه، و لا تعدل عنه، و كانت تلك الخطوط شرائع الأنبياء التي تقدمته، و النواميس الحكمية الموضوعة، ثم وضع يده على الخط و تلا: «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً» فأضافه إليه، و لم يقل صراط اللّه، و وصفه بالاستقامة، و ما تعرض لنعت تلك الخطوط بل سكت عنها، فهو شرع خاص، ثم قال:

«فَاتَّبِعُوهُ» الضمير يعود على صراطه‏ «وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» يعني شرائع من تقدمه و مناهجهم، فإنه أشار إلى تلك الخطوط التي خطها على يمين الخط و يساره من حيث ما هي شرائع لهم، إلا إن وجد حكم منها في شرعي فاتبعوه من حيث ما هو شرع لنا لا من حيث ما كان شرعا لهم‏ «فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» يعني تلك الشرائع عن سبيله التي لكم فيها السعادة، و هي الطريق الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و إلا فالسبل كلها إليه، لأن اللّه منته كل سبيل، فإليه يرجع الأمر كله، و لكن ما كل من رجع إليه سعد، فسبيل السعادة هي المشروعة، و لذلك لم يقل عن سبيل اللّه، لأن الكل سبيل اللّه، إذ كان اللّه غايتها.

«ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ» فجعل هذا التعريف وصية ليعمل بها «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»* أي تتخذون تلك السبيل وقاية، تحول بينكم و بين المشي على غيره من السبل، فهذا يدلك أن الشريعة هي المحجة البيضاء، محجة السعداء، و طريق السعادة، من مشى عليها نجا، و من تركها هلك، فإن السبل المشروعة، الحكم فيها مجموعة، فمن احترمها و أقامها أعطته ما فيها، و أتحفته بمعانيها، فكان علّامة الزمان، مجهولا في الأكوان، معلوما للواحد الرحمن، على أن الرسل لما طرقت السبل و سهلت حزنها، و ذللت صعبها، و أزالت غمها و حزنها، أخبرت أن دين اللّه في‏ يسر، فلا تجعلوه في عسر، فما كلف اللّه نفسا إلا ما آتاها، و ما شرع لها إلا ما واتاها، فإنه العالم بالمصالح و المنافع، و الدواء الناجع، فمن استعمل ما شرع، اندفع عنه الضر و انتفع، فذهب اللّه بالشرائع كل مذهب، لمن عرف كيف يذهب. فما من قالة إلا و للشرع فيها مقالة، إما بتقرير أو إزالة، فما فرط في الكتاب من شي‏ء حين أنزله، و لا كتم رسول ما به الحق عزّ و جل أرسله.

[سورة الأنعام (6): آية 154]

ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)

«وَ هُدىً» أي بيانا و رحمة بما يحصل لهم من العلم من ذلك البيان.

[سورة الأنعام (6): الآيات 155 الى 158]

وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى‏ طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَ إِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى‏ مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَ صَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)

«يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً»– الوجه الأول- ذلك عند مفارقة الروح لهذه النشأة، لأن زمان التكليف ذهب و انقضى في حقها، و لهذا ينقطع عمل الإنسان بالموت- الوجه الثاني- هو عند خروج الشمس من مغربها فيسد باب التوبة و يغلق، فلا ينفع نفسا إيمانها و لا ما تكتسبه من خير بذلك الإيمان، فغلق باب التوبة بخروج الشمس من مغربها رحمة بالمؤمن فلا يرتد مؤمن بعد ذلك، فإنه ليس له باب يخرج منه، و وبال بالكافر لعدم قبول توبته و لا ينفعه عمل مع كونه في الدنيا، فإنه لا بد لهذه الشمس أن تطلع من مغربها و لها بهتة، و لهذا تطلع من المغرب بغتة، مع كونها ما سكنت عن حركتها، و لكن حيل بينها و بين بركتها، فلم ينفع بطلوعها إيمان و لا عمل، و لحق أهل الاجتهاد بأهل الكسل.

 

[سورة الأنعام (6): الآيات 159 الى 160]

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلاَّ مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)

إذا أدخل الحق صورة العمل الصالح الميزان و وزنه بصورة الجزاء، رجحت عليه صورة الجزاء أضعافا مضاعفة، و خرجت عن الحد و المقدار، منة من اللّه و فضلا، و هو قوله:

(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) و قال: (و يضاعف الله لمن يشاء و الله واسع عليم) و إذا اتفق أن يدخل الحق صورة العمل المنهي عنه في الميزان بالجزاء، فإنه لا يزيد عليها في المقدار وزن ذرة أصلا إذا أقام الوزن عليه بالجزاء، و كان عذابه في النار جزاء على قدر عمله، لا يزيد و لا ينقص، لا في العمل و لا في مقدار الزمان، و هو قوله تعالى: «وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ».

[سورة الأنعام (6): الآيات 161 الى 162]

قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162)

«قُلْ إِنَّ صَلاتِي» الصلاة المعهودة «وَ نُسُكِي» هنا معناه عبادتي، أي: إن صلاتي و عبادتي، يقول ذلتي‏ «وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي» أي و حالة حياتي و حالة مماتي‏ «لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» أي للّه إيجاد ذلك كله، أي ظهور ذلك فيّ من أجل اللّه، لا من أجل ما يعود عليّ في ذلك من الخير، فإن اللّه يقول: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فالعالم من عبد اللّه للّه، و غير العالم يعبده لما يرجوه من اللّه، من حظوظ نفسه في تلك العبادة، لذلك قال: «لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» أي سيد العالمين و مالكهم و مصلحهم.

[سورة الأنعام (6): آية 163]

لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

أي لا إله في هذا الموضع مقصود بالعبادة إلا اللّه، الذي خلقني من أجلها، أي لا أشرك فيها نفسي، بما يخطر له من الثواب الذي وعده اللّه لمن هذه صفته‏ «وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ» يعود على الجملة كلها و على كل جزء جزء منها «وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» أي من المنقادين لأوامره في قوله: «وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ» حيث ورد في الحديث [و أنا من المسلمين‏].

[سورة الأنعام (6): آية 164]

قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)

«وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏» قال تعالى: (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) و قال: (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ).

[سورة الأنعام (6): آية 165]

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)

«وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ»

[رتبة الخلافة متوارثة، و الخليفة واحد أبدا]

هي رتبة الخلافة التي كانت لآدم عليه السلام، فالخلفاء نواب الحق في عباده، و قوله تعالى: «خَلائِفَ» بالجمع، و الخليفة واحد أبدا، فإن سر الخلافة واحد، و هو متوارث تتوارثه هذه الأشباح، فإن ظهرت في شخص ما، ما دام ذلك الشخص متصفا به، من المحال شرعا أن يوجد لذلك القبيل في ذلك الزمان بعينه في شخص آخر، و إن ادعاه أحد فهو باطل، و دعواه مردودة، و هو دجال ذلك الزمان،فإذا فقد ذلك الشخص انتقل ذلك السر إلى شخص آخر، فانتقل معه اسم الخليفة، فلهذا قيل خلائف الأرض، أي يخلف بعضنا بعضا فيها، في مرتبة الخلافة، فإن آدم كانت خلافته في الأرض، و هكذا هو كل خليفة فيها، مع وجود التفاضل بين الخلفاء فيها، و ذلك لاختلاف الأزمان و اختلاف الأحوال، فيعطي هذا الحال و الزمان من الأمر ما لا يعطيه الزمان و الحال الذي كان قبله و الذي يكون بعده، و لهذا اختلفت آيات الأنبياء باختلاف الأعصار، فآية كل خليفة و رسول من نسبة ما هو الظاهر و الغالب على ذلك الزمان و أحوال علمائه، أي شي‏ء كان، من طب أو سحر أو فصاحة، و ما شاكل هذا و هو قوله: «وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ»

[وزن الأعمال يوم القيامة بالعامل‏]

ففضل بعضهم على بعض بالمراتب و الزيادات التي لها شرف في العرف و العقل، ثم يقول للخلفاء «لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» و هاتان الصفتان لا تكونان إلا لمن بيده الحكم و الأمر و النهي، فهذا النسق يقوي أنه أراد خلافة السلطنة و الملك، و من حقيقة قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» قال صلّى اللّه عليه و سلم: [أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك‏].

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 123

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=