تفسیر ابن عربی سوره الأنعام

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الأنعام آیه1-79

[سورة المائدة (5): آية 120]

لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (120)

«لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ» هما الدار الدنيا.

(6) سورة الأنعام مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة الأنعام (6): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)

العدل هنا على وجوه منها عدولهم إلى القول بأن له أمثالا و ليس كمثله شي‏ء، فإن العدل المثل، و منها أنهم بربهم عدلوا لأنه لا حول و لا قوة إلا باللّه، و منها أن الباء في «بربهم» بمعنى اللام، فلربهم عدلوا لكون من عدلوا إليه إنما عدلوا إليه لكونه عندهم إلها، و في هذه الآية يخاطب اللّه الذين جعلوا له أمثالا، مثل المانية الذين يقولون: إن الإله الذي خلق‏ الظلمة، ما هو الإله الذي خلق النور، فعدلوا بالواحد الآخر، و كذلك الذين يقولون بخلق السموات و الأرض، إنها معلولة لعلة ليست علته الإله، أي ليست العلة الأولى، لأن العلة عندهم إنما صدر عنها أمر واحد لحقيقة أحديتها و ليس إلا العقل الأول، فهؤلاء أيضا مما قيل فيهم إنهم بربهم يعدلون، و سماهم كفارا لأنهم إما ستروا، أو منهم من ستر عقله عن التصرف فيما ينبغي له بالنظر الصحيح في إثبات الحق، و الأمر في نفسه على ما هو عليه، فاقتصر على ما بدا له، و لم يوف الأمر حقه في النظر. و إما إن علم و جحد فستر عن الغير ما هو الأمر عليه في نفسه، لمنفعة تحصل له من رئاسة أو مال، فلهذا قيل فيهم: إنهم كفروا أي ستروا.

[سورة الأنعام (6): آية 2]

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

– الوجه الأول- الأجل المقضي هو الموت الاختياري، و هو موت في حياة دنياوية، و لما كان هذا الأجل المقضي معلوم الوقت عند اللّه مسمى عنده، كان حكمه حكم الأجل المسمى، و هو الموت الاضطراري في العموم و العرف فمن قتل نفسه في الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس، رزقه اللّه حكم الشهادة، فموته معنوي في حياته الدنيا، و قتله مخالفة نفسه- الوجه الثاني-

[ «ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا»]

«ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا» و هو نهاية عمر كل حي يقبل الموت‏ «وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» و هو ميقات حياة كل من كان قبل الموت في حياته الأولى، و هو المعبر عنه بالبعث، و لذلك قال تعالى: «ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ» يعني فيه فإنّ الموت لا يمترون فيه، فإنه مشهود لهم في كل حيوان مع الأنفاس، و إنما وقعت المرية في البعث و هو الأجل المسمى المذكور.

[سورة الأنعام (6): آية 3]

وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3)

«وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ» بيده ميزان الرفع و الخفض‏ «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ» من حيث اسمه الباطن، و يعلم‏ «جَهْرَكُمْ» من حيث اسمه الظاهر، فهو معكم بكل أسمائه‏ «يَعْلَمُ‏ سِرَّكُمْ» من كونه في الأرض‏ «وَ جَهْرَكُمْ» من كونه في السماء، «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ» من كونه في السماء و هو معناكم الذي خفي عن الأبصار عينه و يعلم‏ «جَهْرَكُمْ» من كونه في الأرض و هو ظاهركم الذي ظهر للأبصار عينه من أمراض الأفعال أن يكون أداؤك لذلك الفعل الذي هو عبادة، كالصلاة مثلا، في الملأ أحسن من أدائك في السر، يقول صلّى اللّه عليه و سلم في مثل هذه الفعلة: [تلك استهانة استهان بها ربه‏] في رجل حسّن صلاته في الملأ، و أساءها في الخلوة، و هذا من أصعب الأمراض النفسية، و دواؤه‏ (أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى‏) «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ» [و اللّه أحق أن يستحى منه‏] و أمثال هذه الآيات و الأخبار. «وَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ» و لكن أكثر الناس لا يعلمون، و كذلك أكثرهم لا يؤمنون.

[سورة الأنعام (6): الآيات 4 الى 6]

وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6)

اختلفوا في القرن ما قدره من الزمان؟ و من جملة أقوالهم: إن القرن ثلاثون سنة.

[سورة الأنعام (6): الآيات 7 الى 9]

وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9)

أي لو كان الرسول للبشر ملكا لنزل في صورة رجل، حتى لا يعرفوا أنه ملك، فإن‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 65

أول ابتلاء ابتلى اللّه به خلقه بعث الرسل إليهم منهم لا من غيرهم، و إنما جعل الرسول من الجنس لاستخراج عيب النفس، و أنزل بلسان قومه لرفع اللبس، فالرسول من جنس المرسل إليه، فإن دعا أمر أن يكون من غير الجنس في الحقيقة فلا بد و أن يظهر لهم في صورة الجنس في عالم تمثيل الرقيقة، مثل تمثل الروح لمريم بشرا سويا.

خليفة القوم من أبناء جنسهم‏ لأن ذلك أنكى في نفوسهم‏
لو لم يكن منهم لصدقوه و لم‏ يقم بهم حسد لغير جنسهم‏

فتنكر الأشخاص للجنسية، و هي الفتنة الإلهية و قال تعالى: «لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا» و قالوا: «ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا» و قال تعالى: «يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ» فهم ينظرون ظاهره و ينكرونه إنكارا يؤدي إلى الموت.

[سورة الأنعام (6): الآيات 10 الى 12]

وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12)

[الرحمة ثلاث رحمات‏]

الرحمة ثلاث رحمات: الرحمة الذاتية، و منها الرحمة المخلوقة في عباده ليتراحموا بها، و الرحمة الثانية: هي الرحمة المكتوبة، و هي منفصلة عن الرحمة الذاتية، و الرحمة الثالثة:

هي الرحمة الامتنانية التي وسعت كل شي‏ء، فمن كرمه تعالى كتب على نفسه الرحمة، أي أوجب و فرض على نفسه الرحمة، لم يوجب ذلك عليه موجب، بل هو سبحانه الموجب على نفسه منة منه و فضلا علينا، فإنه لا يجب على اللّه شي‏ء بإيجاب موجب غير نفسه، فإن أوجب هو على نفسه أمرا ما، فهو الموجب و الوجوب و الموجب عليه لا غير، و مع أن الحق أوجب على نفسه، فإن الحقيقة تعطي أن العبد لا يستحق شيئا على سيده فمن منته سبحانه على عبده أن أوجب له على نفسه ليأنس العبد بما أوجبه الحق عليه من طاعته ليسارع‏ بأداء ما وجب عليه فقال تعالى: «كَتَبَ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» و من رحمة اللّه أنه قال:

«لَيَجْمَعَنَّكُمْ» فما نجتمع إلا فيما نفترق فيه و هو الإقرار بربوبيته سبحانه، و إذا جمعنا من حيث إقرارنا له بالربوبية، فهي آية بشرى و ذكر خير في حقنا بسعادة الجميع، و إن دخلنا النار، فإن الجمعية تمنع من تسرمد الانتقام، لا إلى نهاية، لكن يتسرمد العذاب، و تختلف الحالات فيه، فإذا انتهت حالة الانتقام و وجدان الآلام، أعطي من النعيم و الاستعذاب بالعذاب ما يليق بمن أقر بربوبيته، ثم أشرك ثم وحّد في غير موطن التكليف، و التكليف أمر عرض في الوسط بين الشهادتين لم يثبت، فبقي الحكم للأصلين الأول و الآخر.

[سورة الأنعام (6): آية 13]

وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)

[ «وَ لَهُ ما سَكَنَ»]

«وَ لَهُ ما سَكَنَ»– الوجه الأول- أي ما ثبت، و الاعتماد لا نشك أنه سكون إلى من يعتمد عليه لا بد من ذلك، و لا يعتمد إلا على من له ثبوت الوجود، و لا يقبل التغيير و لا الانتقال من حال الثبوت، و من علم أنه يقبل الانتقال من الثبوت لا يعتمد عليه، لأنه يخون المعتمد عليه ذلك الاعتماد لارتباطه بمن لا ثبوت له، فلا يعتمد على محدث إلا عن إعلام إلهي، فيكون اعتمادنا على من له نعت الثبوت، كاعتمادنا على الشرائع فيما يجب الإيمان به، و كالإيمان الذي ثبت بإعلام اللّه أنه معه السعادة فيعتمد عليه- الوجه الثاني- اعلم أنه لمّا لم يكن في العالم سكون البتة، و إنما هو متقلب دائما أبدا، من حال إلى حال، دنيا و آخرة، ظاهرا و باطنا، فإن قوله تعالى: «وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» أي كل شي‏ء كان و لا زال في علمه لم يخرج منه عدما و وجودا، فهو ساكن في علم اللّه ليل نهار، فدخل في ذلك السكون و الحركة- الوجه الثالث- «وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» و السكون ضد الحركة، و الحركة هي الدعوى في الأعمال، و السكون هو التبري من الحركة إذا أقيم الإنسان فيها بلا حول و لا قوة إلا باللّه، فعرّى الحق خلقه في هذه الآية عن إضافة ما ادعوه لأنفسهم، فمن فهم تنبيه الحق بأنه أخلص السكون له، علم أن الحركة فيها الدعوى، و أن السكون لا تشوبه دعوى، فإنه نفي الحركة، اختار السكون على الحركة، و هو الإقامة على الأصل بلا حول و لا قوة إلا باللّه، فالسكون أولى من الحركة، فإن العبد مأمور بالسكون تحت مجاري الأقدار، و ما يأتي اللّه إليه في الليل و النهار، و السكون مع المشاهدة،و الحركة مع الفقد، إلا الحركة المأمور بها، فالسكون باللّه مع اللّه أولى لراحة الوقت، لو لم يكن من شرف السكون إلا ورود الأسماء الإلهية عليك، و نزول الحق إليك، لأنك إن تحركت إليه حددته، و إن سكنت معه عبدته، فالحركة إليه عن الجهل به، و السكون معه عين العلم به، إذا كان الحق جليس الذاكر فإلى أين يرحل؟ «وَ هُوَ السَّمِيعُ» يسمع دعواكم في نسبة ما هو له، و قد نسبتموه إليكم‏ «الْعَلِيمُ» بأن الأمر على خلاف ما ادعيتموه.

– إشارة- «وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» ما أحسنه في الاعتبار! لأن ما تحرك فيه مشاركة الأغيار و ما ثم سكون، و لكن حركة، و في الحركة الزيادة و البركة، فللّه ما سكن في الليل و النهار، و ما ثم ساكن في الأغيار، لا في البصائر و لا في الأبصار، فللّه ما سكن، و هو له نعم السكن، و لنا ما تحرك، و به نتملك، فكما يكون مع الحركة البركة الكونية، فكذلك مع السكون البركة الإلهية، السكون ثبوت عند الحق، و الحركة خروج.

[سورة الأنعام (6): آية 14]

قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)

«فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» الفطر الشق، فقوله تعالى: «فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» هو قوله تعالى: «كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما» أي فاتق السموات و الأرض لتمييزها، ففتق السموات و الأرض بعد رتقهما ليتميزا «وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ» لا أحقر ممن يسأل أن يطعم لاقامة نشأته، و إبقاء الحياة الحيوانية عليه، و على قدر الاحتقار يكون الافتقار، و أي افتقار أعظم ممن لا يكون له ما يريد إلا بغيره لا بنفسه؟ فقوله تعالى: «وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ» تنزيه الحق عن حاجته لذلك و إشارة إلى نقصك و عجزك و افتقارك، فإن الممكن إذا وجد لا بد من حافظ يحفظ عليه وجوده، و بذلك الحافظ بقاؤه في الوجود كان ذلك الحافظ ما كان من الأكوان، فالحفظ خلق للّه، فلذلك نسب الحفظ إليه، و الحق سبحانه غير محفوظ للعبد، فإنه لا يقبل أن يكون محفوظا. فإنه الصمد الذي لا مثل له، فقال لنبيه عليه السلام، ما يقوله لمن عبد غير اللّه، ينبههم أن كل ما سوى اللّه من معبود، يطلب بذاته من يحفظ عليه بقاء وجوده، فقال له: يا محمد «قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، فاطِرِ السَّماواتِ‏ وَ الْأَرْضِ، وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ»

[فاطر السموات و الارض‏]

و قد قرئ الثاني في الشاذ بفتح الياء، فكل موجود له بقاء في وجوده، فلا بد من حافظ كياني يحفظ عليه وجوده، و ذلك الحافظ خلق اللّه، و هو غذاء هذا المحفوظ عليه الوجود، فلا تزال عينه و إن تغيرت صورته ما دام اللّه يغذيه بما به بقاؤه من لطيف و كثيف، و مما يدرك و مما لا يدرك- إشارة- قل لسمائك لا تحجب بلطافتها، و لأرضك لا تحجب بكثافتها، فإنه لا بد عند تجليه لسمائك من تخلخلها، و لأرضك من تزلزلها، فإياك أن تقع في شرك الإشراك، لعظيم آفات الاشتراك، و الزم الوحدة، فيها تحصل رفده و مجده.

[سورة الأنعام (6): الآيات 15 الى 18]

قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (17) وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)

– الوجه الأول- أي قهر عباده لما صدر منهم من النزاع، و أظهر النزاع مخالفة أمر اللّه، و أدق ما يكون من الخلاف النزاع الإلهي بإنابة العبد، فإذا زال العبد عن إنايته لم يجد القهار من يقف له فيقهره، و اعلم أن الدعاء لا يقتضي المنازعة حيث أراد ما أراد اللّه، فإن الدعاء ذلة و افتقار، و النزاع رئاسة و سلطنة و من النزاع الخفي الصبر على البلاء، إذا لم يرفع إزالته إلى اللّه، فمن حبس نفسه عند الضر النازل به عن الشكوى إلى اللّه في رفع ما نزل به، و صبر مثل هذا الصبر، فقد قاوم القهر الإلهي، فإن اللّه قاهر هذا العبد، و إن كان محمودا في الطريق و لكن الشكوى إلى اللّه أعلى منه و أتمّ و القهر الإلهي يخفى بخفاء النزاع، و يظهر بظهور النزاع، و من غفل عن ربه نازع بباطنه ما يجده من الأثر فيه مما يخالف غرضه، فيجي‏ء القهر الإلهي فيقهره، فلولا النزاع القائم بنفوس الرعية الذي لو مكنوا من إرساله لوقع منهم، ما أضيف إلى الرعية أنهم مقهورون تحت سلطان مليكهم، و من لم يخطر له شي‏ء من ذلك، و لم ينازع فما هو مقهور، و لا الملك له بقاهر، بل هو به رءوف رحيم- الوجه‏ الثاني- هو القاهر بالحجة فوق عباده‏ «وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» حيث يظهر على كل صنف بما تقوم به الحجة للّه عليهم. و اعلم أن صفة الفوقية و نسبتها إلى اللّه تعالى قد جاء بها الكتاب و السنة، كقوله تعالى: «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» و قوله تعالى: «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» و آيات كثيرة و أحاديث، و هو معدود من المتشابه، و ذلك لأن‏ «فَوْقَ» كلمة موضوعة لإفادة جهة العلو، و اللّه تعالى منزه عن الجهات، و إنما المراد منهما حيث أطلقت في حق ربنا سبحانه إفادة العلو الحقيقي، و مما يدل على عدم اختصاصه بجهة فوق قوله تعالى: «وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ» و قوله تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ» و آيات كثيرة يطول ذكرها و لو كان في جهة العلو، تعارضت هذه الآيات و اختلفت، و هو مناف لقوله تعالى: «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» و في مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه صلّى اللّه عليه و سلم قال: [أقرب ما يكون العبد من ربه و هو ساجد] فنفى تقيده بجهة فوق، و هو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، و الذي يجمع بين الآيات و الأحاديث أن تعلم أن العلو له اعتباران: اعتبار إضافي، و اعتبار حقيقي، فعلو المخلوقات بعضها على بعض إنما هو علو إضافي، لأن ما من مخلوق له جهة علو إلا و هو مستقل بالنسبة إلى مخلوق آخر هو فوقه إلّا ما يشاء اللّه، و هذا العلو الإضافي قسمان: قسم حسي و هو المفهوم بالنسبة إلى الجهات المكانية المخصوص بالجواهر المفتقرة إلى الحيز، و قسم معنوي و هو المفهوم بالنسبة إلى درجات الكمال العرفاني لأرباب القلوب أو الكمال الوهمي لأرباب النفوس، قال تعالى: «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ» و قال تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلًا» هذا كله في العلو الإضافي، و أما العلو الحقيقي، فإنما هو للّه تعالى‏ «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» و علوه هذا محقق قبل الجهات و الأماكن، مفهوم بدون النسب و الإضافات، عام في جميع تجلياته على مخلوقاته، بأسمائه و صفاته، و إنما يعرفه و يشهده أرباب البصائر و القلوب، لتجلي نور توحيده بعلو فوقيته، فإذا أردت أن تحقق أن فوقيته ليست فوقية مكان، و إنما هي الفوقية الحقيقية بقهر الربوبية للعبودية، فتفكر في أنه تعالى كان و لا شي‏ء معه، و لم يتجدد له بخلقه السموات علو، و لا بخلقه الأرض نزول، و لا بخلقه العرش استواء، و إنما عن تجلي أسمائه و صفاته نشأت أعداد مخلوقاته، غير مماسة له، و لا منتسبة إليه‏ بفوق و لا تحت، و لا شي‏ء من الجهات، قال تعالى: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى»

 

[لفظة الشيئية لا تطلق على الحق‏]

فوصفه بالأعلى حال اتصافه بالخلق فدل على أن علوه محقق قبل الخلق، و كذا قال:

«وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» الآية. و وصف نفسه آخر الآية بالعلو و التنزه بعد ذكره قبض الأرض و طيه للسماء، فدل أن علوه حقيقي لا مكاني، و تأمل قوله تعالى: «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» مع قول فرعون عن بني إسرائيل: «سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ» فهل يفهم أحد أن فرعون ادعى أنه فوق بني إسرائيل بالمكان أو بالجهة و إنما لما ادعى الربوبية بقوله: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏» كان من لازم دعواه ادعاء الفوقية اللائقة بالربوبية، و هي الفوقية الحقيقية بالقهر فلذلك قال: «وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ». و بالجملة فالأحاديث الدالة على عموم إحاطة ربنا سبحانه بجميع الجهات و عدم اختصاصه كثيرة، و القصد حصل بما ذكرنا، و لا يلزم من الإيمان القول بالجهة، فلا يلزم الشبه، الجهة ما وردت، و الفوقية الإلهية قد ثبتت.

[سورة الأنعام (6): آية 19]

قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى‏ قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ إِنَّنِي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

لفظة الشيئية لا تنطلق على الحق، قال عليه السلام «كان الله و لا شي‏ء معه» فهذا وصف ذاتي للحق سلب الشيئية عنه، و سلب معية الشيئية له تعالى و لو تسمى بالشي‏ء لسميناه الشي‏ء فإنه دليل على ذات غير مركبة لكنه لم يرد في الأسماء الإلهية يا شي‏ء، و لو كان الحق شيئا لجمعته الشيئية مع الأشياء فيقع التماثل فيها، و هو يقول: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» إذا فلا شيئية له فليس هو [شيئا]، و لا هو لا شي‏ء، فإن [لا شي‏ء] صفة المعدوم فيماثله المعدوم في أنه لا شي‏ء و هو لا يماثل فليس مثله شي‏ء و ليس مثله لا شي‏ء، و نحن لا نثبت إطلاق لفظة الشيئية على ذات الحق لأنها ما وردت و لا خوطبنا بها و الأدب أولى.

 

[سورة الأنعام (6): آية 20]

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20)

و هم الذين قال تعالى عنهم في سورة البقرة: (وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) و قوله: (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ) يقول: إن الحق أبلج لا لبس فيه لقوة الدلالة عليه، و لذلك قال: (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) أي لا شك و لا لبس فهم يسترون الحق مع معرفتهم بأنه الحق، فلا يتمكن أن يستروه عن نفوسهم، بل يسترونه عن الغير بما يوردونه من الشبه المضلة و التشكيكات الصارفة عن ظهوره، فهؤلاء جاحدون معاندون.

[سورة الأنعام (6): الآيات 21 الى 22]

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)

فإن موطن يوم الحشر يعطي عجز العالم عما كان ينسب إليه في موطن الدنيا من الاقتدار عليه.

[سورة الأنعام (6): الآيات 23 الى 27]

ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (26) وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)

يزيد العالم الشقي من أهل الدنيا حسرة إلى حسرته يوم القيامة، عند ما يرى خلعة علمه على المؤمن المقلد، و أنه قد أعطي جهله فيقول: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» لعلمهم إذا كانوا مؤمنين- و إن كانوا جاهلين- أنهم إذا انتقلوا إلى دار السعادة، خلعت عنهم ثياب الجهل، و خلع عليهم خلع العلم، فلا يبالون بما كانوا عليه من الجهل في الدنيا لحسن العاقبة. و ما علموا أنهم لو ردوا إلى الدنيا في النشأة التي كانوا عليها لعادوا إلى حكمها، فإن الفعل بالخاصية لا يتبدل، فما تكلموا بما تكلموا به من هذا التمني إلا بلسان النشأة التي هم فيها، و تخيلوا أن ذلك العلم يبقى عليهم، و ما جعل اللّه في هذه النشأة الدنيا النسيان للعلماء بالشي‏ء فيما قد علموه، و يعلمون أنهم قد كانوا علموا أمرا، فيطلبون استحضاره، فلا يجدونه بعد ما كانوا عالمين به، إلا إعلاما و تنبيها على أنه على كل شي‏ء قدير، بأن يسلب عنهم العلم بما كانوا به عالمين إذا دخلوا النار.

[سورة الأنعام (6): آية 28]

بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28)

«بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» البدا هو أن يظهر لهم ما لم يكن ظهر، و لما قدر اللّه أن يكونوا أهلا للنار، و أنه ليس لهم في علم اللّه دار يعمرونها سوى النار، قال تعالى: «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» حتى يدخلوا النار باستحقاق المخالفة، إلى أن يظهر سبق الرحمة الغضب، فيمكثون في النار مخلدين لا يخرجون منها أبدا على الحالة التي قد شاءها اللّه أن يقيمهم عليها، و مع هذا العلم الذوقي الذي حصل لهم قيل فيهم: «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» لأن اللّه يعلم أن هذه الدار الدنيا جعلها على طبيعة مخصوصة، و جعل نشأة الإنسان على مزاج يقبل النسيان و الغفلة و حب العاجلة، و يقبل ضد هذا على حسب ما يقام فيه، فعلم سبحانه أن نشأة هؤلاء الذين عينهم أنهم لو ردوا إلى الدنيا في نشأتهم التي كانوا عليها في الدنيا، لعادوا إلى نسيان ما كانوا قد علموا، و جعل على أعينهم غطاء على ما لو شهدوه، لعلموا الأمر فعملوا له، فهذا معنى‏ «لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» لأن النشأة ليست إلا تلك فلو بقي لهم هذا العلم لما عادوا، أ لا ترى النبي صلّى اللّه عليه و سلم يقول في الصحيح أنه يؤتى‏ في القيامة بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له: «هل رأيت نعيما قط؟ فيقول:لا و اللّه، و معلوم أنه رأى نعيما و لكن حجبه شاهد الحال عن ذلك النعيم فينسيه، و كذلك صاحب البؤس إذا غمس في الجنة غمسة يقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا و اللّه ما رأيت بؤسا قط، فكذلك لو ردوا لكانوا بحسب النشأة و الحال التي يردون فيها

[- تحقيق- «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا»]

– تحقيق- «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا» أعمى اللّه أبصارهم، فمن كتبه اللّه شقيا لا يسعد، و من كتبه سعيدا لا يشقى و لا يبعد.

[سورة الأنعام (6): آية 29]

وَ قالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)

لو لا حشر الأجسام في الآخرة، لقامت بنفوس الزهاد و العارفين في الآخرة حسرة الفوت، و لتعذبوا لو كان الاقتصار على الجنات المعنوية لا الحسية، فخلق اللّه في الآخرة جنة حسية، و جنة معنوية و أباح لهم في الجنة الحسية ما تشتهي أنفسهم، و رفع عنهم ألم الحاجات، فشهواتهم كالإرادة من الحق، إذا تعلقت بالمراد تكون، فما أكل أهل السعادة لدفع ألم الجوع، و لا شربوا لدفع ألم العطش، فلهم الجنة الحسية لأجسامهم الطبيعية، و هم و غير العارفين في هذه الصورة الحسية على السواء و يفوز العارفون بما يزيدون عليهم بجنات المعاني.

[سورة الأنعام (6): الآيات 30 الى 31]

وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ وُقِفُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى‏ وَ رَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى‏ ما فَرَّطْنا فِيها وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى‏ ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (31)

[- نصيحة- ما أثقل الظهر، سوى الوزر]

– نصيحة- ما أثقل الظهر، سوى الوزر، فلا تضف إلى أثقالك أثقالا، و كن لرحى ما يراد منك ثقالا، احذر من الابتداع بسبب الاتباع، و لا تفرح بالأتباع، و كن مثل‏ صاحب الصواع، فإنك لا ينفعك توبتك و لا يزول عنك حوبتك، و اقتصر على ما شرع، و اتبع و لا تبتدع، و كن مع اللّه في كل حال، تحمد العاقبة و المآل.

[سورة الأنعام (6): آية 32]

وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (32)

«و ما الحياة الدنيا إلا لهو و لعب» ما أمحن باطن الدنيا، مساكنها خراب، و ملابسها خرق، و مناكحها و مراكبها جيف، و مطاعمها و مشاربها عذرتان، و ليت لو وقف الحال هنا، و لا يبقى على الإنسان تبعات ذلك في الدار الآخرة، حين يسأل، ممن كسبت؟

و فيم أنفقت؟ يسأل عن الفتيل و القطمير، بل في مثقال ذرة، الحجة علينا في هذا بينة، لأنه لو كان خبرا كان بعض عذر، و إنما هو معاين منا لتغير هذه الأحوال مشاهدة، و الداء العضال و الطامة الكبرى و الداهية العظمى، أن النفس في أشر ما تكون فيه من هذه الأحوال، إن قضى لها به و يعطيها اللّه مرادها كما شاءت، تسلب عنه و عن هذه الدار بالموت، و ينقل إلى منزل لا يجد فيه شيئا إلا ما قدمته في دنياها بعمل صالح عملته‏ «وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ».

[إشارة- اعلم أن العلم أشرف حلّة]

[سورة الأنعام (6): الآيات 33 الى 35]

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَ لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى‏ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35)

النفق و النفقاء هو الجحر الذي له بابان. «فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ» يقول: إن طلبك الأعداء من جانب خرجت من الجانب الآخر طلبا للسلامة «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى‏» فجاء بحرف لو و هو حرف امتناع لامتناع فنكون من أهل باب واحد،و لكن وقع الأمر الإلهي في العالم بخلاف هذا، لأن مشيئة اللّه تعلقت بأن اللّه لا يجمعهم على الهدى، للعلم السابق و المشيئة الإلهية، ليكون الخلاف في الدنيا «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ» ما ثم صفة و لا عقوبة أقبح من الجهل، فإن الجهل مفتاح كل شر، و لهذا قال تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم: «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ» و لا ينتهي إلا عن معلوم محقق، فإنه إن لم يعلم الجهل فلا يدري ما نهى عنه، و خاطبه بمثل هذا الخطاب لحداثة سنه و قوة شبابه، فقابله بخطاب قوي في النهي عن ذلك، و قال تعالى لنوح عليه السلام لما لم يكن له قوة الشباب، و كان قد شاخ و حصل في العمر الذي لا يزال فيه محترما مرفوقا به في العرف و العادة: (فإني‏ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) فرفق في الخطاب حين وعظه، فإنه لا بد من الفرق بين خطاب الشباب و خطاب الشيوخ-

[إشارة- اعلم أن العلم أشرف حلّة]

إشارة- اعلم أن العلم أشرف حلّة، و أن الجهل أقبح حلية، و أن جهنم ليست بدار لشي‏ء من الخير، كما أن الجنة ليست بدار لشي‏ء من الشر، و أن الإيمان قد يقوم بقلب من لا علم له بما ينبغي لجلال اللّه، و أن العلم بجلال اللّه و ما ينبغي له قد يقوم بمن ليس عنده شي‏ء من الإيمان، فهذا العالم بعدم الإيمان استحق دار الشقاء، و الجاهل المؤمن استحق دار السعادة، و الدرجات في مقابلة الدركات، فاعلم أن اللّه تعالى يسلب العالم المستحق دار الشقاء علمه يوم القيامة كأنه ما علمه، أو لم يعلم شيئا، فيتعذب بجهله أشد منه من عذابه بحسّه، و هو أشده عليه و يخلع علمه على هذا الجاهل المؤمن الذي دخل الجنة بإيمانه، فنال المؤمن بذلك العلم الذي خلع عن هذا الذي استحق الإقامة بدار الشقاء درجة ما يطلبه ذلك العلم، فيتنعم به نفسا و جسما و في الكثيب عند الرؤية، و يعطى ذلك الكافر جهل هذا المؤمن الجاهل، فينال بذلك الجهل دركات ذلك من النار، و تلك أشد حسرة تمر عليه، فإنه يتذكر ما كان عليه من العلم و لا يعلم ذلك الآن، و يعلم أنّه سلبه، و يكشف اللّه عن بصره حتى يرى مرتبة العلم الذي كان عليه في الجنان، و يرى حلّة علمه على غيره ممن لم يتعب في تحصيله، و يطلب شيئا منه في نفسه فلا يقدر عليه، و ينظر هذا المؤمن و يطلع على سواء الجحيم فيرى شر جهله على ذلك العالم الذي ليس بمؤمن فيزيد نعيما و فرحا فتحقق قوله تعالى: «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ» و قوله تعالى: «إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ»

[إشارة: حسرة العالم الشقي يوم القيامة]

نفعنا اللّه بالعلم و جعلنا من أهله و لا يجعلنا ممن يسعى بخيره في حق غيره و يشقى آمين بعزته.

 

[سورة الأنعام (6): آية 36]

إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَ الْمَوْتى‏ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

[نكتة و سر دقيق في قوله تعالى: «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ»]

فأثنى عليهم لما سمعوا داعيه بالإجابة التي أمرهم بها سبحانه في قوله: (يا قومنا أجيبوا داعي اللّه) و كرامة عنده سبحانه و تعالى إجابته لهم إذا دعوه، لارتباط الحكمة في المناسبة، فلا يجاب إلا من يجيب، أ لا تراه سبحانه و تعالى كيف قال: (أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي) فإذا صحت لهؤلاء الإجابة لما دعاهم إليه، و هو حقيقة السماع، صحّ لهم إجابته إذا دعوه، و اللّه ذو الفضل العظيم.

و جعل تعالى علة الإجابة السماع، لا من قال إنه سمع و هو لم يسمع، كما قال تعالى ينهانا أن نكون مثل هؤلاء فقال: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ» فالسمع هنا هو عين العقل لما أدركته الأذن بسمعها من الذي جاء به المترجم عن اللّه تعالى، و هو الرسول صلّى اللّه عليه و سلم الذي لا ينطق عن الهوى، فإذا علم ما سمع، كان بحسب ما علم، فإن العلم حاكم قاهر في حكمه لا بد من ذلك، و إن لم يكن كذلك فليس بعلم، و قد دعانا اللّه لما خلقنا له من عبادته فسمعنا و لما سمعنا استجبنا، فأخبر اللّه عنا بسرعة الإجابة لما ذكرها ببنية الاستفعال، و هنا نكتة و سر دقيق، فهذه الآية تشير إلى شمول رحمة اللّه بخلقه فأخبر أنه ما استجاب إلا من سمع فوجد العذر من لم يسمع، كما وجد العذر من لم تبلغه الدعوة الإلهية، فحكمه حكم من لم يبعث اللّه إليه رسولا، و هو تعالى يقول: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» و ما هو رسول لمن أرسل إليه حتى يؤدي رسالته، فإذا سمع المرسل إليه أجاب و لا بد، كما أخبر اللّه تعالى عنه لما جاء به هذا الرسول في رسالته، فإذا رأينا من لم يجب علمنا بإخبار اللّه أنه ما سمع، فأقام اللّه له حجة يحتج بها يوم يجمع اللّه الرسل، و ما أقام اللّه العذر عن عباده إلا و في نفسه أن يرحمهم، فرحم بعض الناس بما أسمعهم فاستجابوا لربهم و أقاموا الصلاة، و من لم يستجب اعتذر اللّه عنه بأنه لم يسمع، و هذا من حكم الغيرة الإلهية على الألوهة أن يقاومها أحد من عباده بخلاف ما دعت إليه، إذ لو علم أنهم سمعوا و ما استجابوا لعظّمهم في أعين الناس، و جعلهم في مقام المقاومة له، فلا تقل فيمن لم يجب إنه سمع فتخالف اللّه فيما أخبر عنهم، و قد أخبر اللّه تعالى عنهم أن بهم صمما و أخبر عنهم أنهم قالوا: في آذاننا و قر، فطابق قولهم في آذاننا وقر قول اللّه أنهم صم، فلم يسمعوا.

 

[سورة الأنعام (6): الآيات 37 الى 38]

وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى‏ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

«وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» في كل شي‏ء، أي كما انطلق عليكم اسم الأمة، كذلك ينطلق اسم الأمة على كل دابة و طائر يطير بجناحيه، فما من شي‏ء في الوجود إلا و هو أمة من الأمم، و الأمثال هم الذين يشتركون في صفات النفس، فكلهم حيوان ناطق.

و اعلم أن الأمثال معقولة لا موجودة، فتطلق المثلية من حيث الحقيقة الجامعة المعقولة، لا الموجودة، فإن التوسع الإلهي يقتضي أن لا مثل في الأعيان الموجودة، و أن المثلية أمر معقول متوهم، فإنه لو كانت المثلية صحيحة ما امتاز شي‏ء عن شي‏ء مما يقال هو مثله، فإن الأصل الذي نرجع إليه في وجودنا و هو اللّه تعالى، ليس كمثله شي‏ء، فلا يكون ما يوجد عنه إلا على حقيقة أنه لا مثل له، فكل جوهر فرد في العالم لا يقبل المثل، فما في الوجود شي‏ء له مثل، بل كل موجود متميز عن غيره بحقيقة هو عليها في ذاته، فإن أطلقت المثلية على الأشياء أطلقت عرفا، و لم تبق المثلية الواردة في القرآن و غيره إلا في الافتقار إلى اللّه موجد أعيان الأشياء، ثم قال تعالى في هذه الأمم: «ثُمَّ إِلى‏ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» يعني كما تحشرون أنتم، قال تعالى: «وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ» فإنها أمم أمثالنا، و قال تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» فهو الجامع لكل شي‏ء، و هو القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، فبالقرآن يكشف جميع ما في الكتب المنزلة من العلوم، و فيه ما ليس فيها، فمن أوتي القرآن فقد أوتي الضياء الكامل الذي يتضمن كل علم، و به صحّ لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم جوامع الكلم، فعلوم الأنبياء و الملائكة و كل لسان علم، فإن القرآن يتضمنه و يوضحه لأهل القرآن، فمن أعطي القرآن فقد أعطي العلم الكامل و هذا يعني أنه قد حوى جميع المعارف و أحاط بما في العلم الإلهي من المواقف و إن لم تتناه، فقد أحاط علما بها، و أنها لا تتناهى، فالمريد من يجد في القرآن كل ما يريد، و هذا لا يكون إلا إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند تلاوته، فإن القرآن هو الجامع.

و اعلم أن الولي‏ لا يتعدى كشفه في العلوم الإلهية فوق ما يعطيه كتاب نبيه و وحيه، قال الجنيد في هذا المقام:علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة، و قال الآخر: كل فتح لا يشهد له الكتاب و السنة فليس بشي‏ء. فلا يفتح لولي قط إلا في الفهم في الكتاب العزيز، لهذا قال تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ»

[الولي لا يأمر أبدا بعلم فيه تشريع ناسخ لشرعه‏]

فلا يخرج علم الولي جملة واحدة عن الكتاب و السنة، فإن خرج أحد عن ذلك فليس بعلم، و لا علم ولاية معا، بل إذا حققته وجدته جهلا، و الجهل عدم، و العلم وجود محقق، فالولي لا يأمر أبدا بعلم فيه تشريع ناسخ لشرعه، و لكن قد يلهم لترتيب صورة لا عين لها في الشرع من حيث مجموعها، و لكن من حيث تفصيل كل جزء منها وجدته أمرا مشروعا، فهو تركيب أمور مشروعة، أضاف بعضها إلى بعض هذا الولي، أو أضيفت إليه بطريق الإلقاء فظهر بصورة لم تظهر في الشرع بجمعيتها. فهذا القدر له من التشريع، و ما خرج بهذا الفعل من الشرع المكلف به، فإن الشارع قد شرع له أن يشرع مثل هذا، فما شرع إلا عن أمر الشارع، فما خرج عن أمره، فمثل هذا قد يؤمر به الولي، و أما خلاف هذا فلا. فإن قلت و أين جعل اللّه للولي العالم ذلك بلسان الشرع؟ قلنا:

قال صلّى اللّه عليه و سلم: «من سنّ سنة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا». فقد سن له أن يسن، و لكن مما لا يخالف فيه شرعا مشروعا، ليحلّ به ما حرم أو يحرم به ما حلل.

[سورة الأنعام (6): الآيات 39 الى 40]

وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40)

أي إن صدقتم و لا تكتمون ما تجدونه في نفوسكم من قولي إنكم ما تدعون في الشدائد إلا اللّه، الذي ما زالت قلوبكم منطوية عليه، فهم بلا شك مصدقون لعلمهم فهل يصدقون إذا سئلوا أم لا.

 

 

[سورة الأنعام (6): آية 41]

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41)

– الوجه الأول- و تنسون ما تشركون أي تتركون الشرك. و هذه شهادة من اللّه تعالى على نفسه لنا في دار التكليف بتوحيده في المهمات، و هو قوله تعالى: «وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ» و قوله: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ»؟ فما دعا أحد من الخلق في حال شدته إلا اللّه، و لو لم يكن في علمه في حال الرخاء أن حلّ الشدائد بيد اللّه خاصة- و هذا هو التوحيد- ما أظهر ذلك الاعتقاد عند الشدائد، فلم يزل المشرك موحدا بشهادة اللّه في حال الرخاء و الشدة، غير أن المشرك في حال الرخاء لا يظهر عليه علم من أعلام التوحيد الذي هو معتقده، فإذا اضطر رجع إلى علمه بتوحيد خالقه، و لم يظهر عليه علم من أعلام الشرك، و كل ذلك في دار التكليف، و أكثر العلماء غائبون عن هذا الفضل الإلهي- الوجه الثاني- «بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ» هل تدعون الشريك لعينه؟ لا و اللّه إلا لكونه في اعتقادكم إلها، فاللّه دعوتم لا تلك الصورة، و لهذا أجيب دعاؤكم، و الصورة لا تضر و لا تنفع، انظر في قوله: «سَمُّوهُمْ» فإن سموهم بهم فهم عينهم، فلا يقولون في معبودهم حجر و لا شجر و لا كوكب، ينحته بيده ثم يعبده، فما عبده و جوهره و الصورة من عمله و إنما سموهم بالإله فما عبدوا إلا اللّه، و قد أشار إلى ذلك الآية الواردة في القرآن بقوله تعالى: «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» و هو عندنا بمعنى حكم، و عند من لا علم له بالحقائق بمعنى أمر، فأين يذهب العبد إن أتاه عذاب اللّه فإن أمره تعالى مسموع.

[سورة الأنعام (6): الآيات 42 الى 43]

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43)

«و زين لهم الشيطان أعمالهم» تنبيه على الأدب، و يضاف إلى الشيطان إذ جرى عليه لسان الذم من اللّه تعالى تنزيها لجنابه‏ «فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ» و هو قول اللّه تعالى: (لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ).

 

[سورة الأنعام (6): الآيات 44 الى 54]

فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى‏ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)

وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى‏ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)

 

[ «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»]

«كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» اعلم أن من حقيقته أن يكون مقيدا، لا يصح أن يكون مطلقا بوجه من الوجوه ما دامت عينه، فإن التقييد صفة نفسية له، و من كان حقيقته أن يكون مطلقا فلا يقبل التقييد جملة واحدة، فإنه صفته النفسية أن يكون مطلقا، لكن ليس في قوة المقيد أن يقبل الإطلاق لأن صفته العجز، و أن يستصحبه الحفظ الإلهي لبقاء عينه، فالافتقار يلزمه. و للمطلق أن يقيد نفسه إن شاء، و أن لا يقيدها إن شاء، فإن ذلك من صفة كونه مطلقا إطلاق مشيئة، و من هنا أوجب الحق على نفسه، و دخل تحت العهد لعبده فقال في الوجوب: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» فلا توجب على اللّه إلا ما أوجبه على نفسه، و على الحقيقة إنما وجب ذلك على النسبة لا على نفسه، فإنه يتعالى أن يجب عليه من أجل حدّ الواجب الشرعي، و النسب هي الأسماء الإلهية فإن لكل اسم دلالتين:

دلالة على المسمّى به، و دلالة على حقيقته التي بها يتميز عن اسم آخر. فلا إله إلا هو، و لا فاعل سواه، فيوجب من كونه كذا، و يجب عليه من كونه كذا، فالرحمة الواجبة أوجبها تعالى للعالم على نفسه، و صارت حقا عليه و لكن لا كل العالم بل لعالم مخصوص، و هو المنعوت في قوله: «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ» فهم قوم خواصّ نعتهم بعمل خاص فقيدها بالجهالة، فإن لم يجهل لم يدخل في هذا التقييد، و بقيت الرحمة مطلقة من عين المنة لا الوجوب فهؤلاء يأخذونها من طريق الوجوب لقيام الأسباب التي جعلها الحق موجبة لها بهم، و ما عدا هؤلاء فينتظرونها من باب المنة، و قال في آية أخرى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ» و ما عدا هؤلاء المنعوتين فإن اللّه يرحمهم برحمة الامتنان، فلا وجوب على اللّه مطلقا، فمهما رأيت الوجوب فاعلم أن التقييد يصحبه، و ما كتب اللّه على نفسه ما كتبه إلا لمن قام بحق النيابة عنه فيما استنابه و ليس إلا المتقين، و ما عدا هؤلاء فهم أهل المنن، فنالوا أغراضهم على الاستيفاء، ثم إن اللّه امتن عليهم بعد ذلك بالمغفرة و الرحمة التي عم حكمها، و هنا أوجب الحق الرحمة على نفسه لمن تاب و أصلح من العاملين السوء بجهالة.

 

[سورة الأنعام (6): الآيات 55 الى 57]

وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57)

و هو خير الفاصلين بأحكام حكمته فتزول المغالبة و المنازعة.

[سورة الأنعام (6): الآيات 58 الى 59]

قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59)

[ «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ»]

«وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» كل معدوم العين ظاهر الحكم و الأثر، فهو على الحقيقة المعبر عنه بالغيب، فإنه من غاب في عينه فهو الغيب، و الطبيعة غائبة العين في الوجود فليس لها عين فيه، و عن الثبوت و ليس لها عين فيه، فهي عالم الغيب المحقق، و هي معلومة، كما أن المحال معلوم، غير أن الطبيعة و إن كانت مثل المحال في رفع الثبوت عنها و الوجود فلها أثر و يظهر عنها صور، و المحال ليس كذلك، و مفاتيح هذا الغيب هي الأسماء الإلهية التي لا يعلمها إلا اللّه العالم بكل شي‏ء، و الأسماء نسب غيبية إذ الغيب لا يكون مفتاحه إلا غيبا.

و هذه الأسماء تعقل منها حقائق مختلفة معلومة الاختلاف كثيرة، و لا تضاف إلا إلى الحق فإنه مسماها و لا يتكثر بها، فلو كانت أمورا وجودية قائمة به لتكثر بها، فعلمها سبحانه من حيث كونه عالما بكل معلوم، و علمناها نحن باختلاف الآثار منها فينا، فسميناه كذا من أثر ما وجد فينا، فتكثرت الآثار فينا، فكثرت الأسماء و الحق مسماها فنسبت إليه‏ و لم يتكثر في نفسه بها، فعلمنا أنها غائبة العين.

و لم و لم يتكثر في نفسه بها، فعلمنا أنها غائبة العين. و لما فتح اللّه بها عالم الأجسام الطبيعية باجتماعها بعد ما كانت متفرقة في الغيب، معلومة الافتراق في العلم، إذ لو كانت مجتمعة لذاتها لكان وجود عالم الأجسام أزلا لنفسه لا للّه، و ما ثم موجود- ليس هو اللّه- إلا عن اللّه. و ما ثم واجب الوجود لذاته إلا اللّه، و ما سواه فموجود به لا لذاته، و بالمشيئة ظهر أثر الطبيعة و هي غيب فالمشيئة مفتاح ذلك الغيب، و المشيئة نسبة إلهية لا عين لها فالمفتاح غيب، فالغيب هو النور الساطع العام الذي به ظهر الوجود كله، و ما له في عينه ظهور، فهو الخزانة العامة التي خازنها منها، و قد تكون مفاتح الغيب هي استعدادات القوابل، و هي غير مكتسبة بل منحة إلهية، فلهذا لا يعلمها إلا اللّه و لا تعلم إلا بإعلام اللّه، و عالم الغيب قد يظهر على غيبه من يرتضيه من رسله، و هو غيب الوجود أي ما هو في الوجود، و مغيب عن بعض الأبصار و البصائر، و هذا الغيب هنا ما ليس بموجود، فمفتاح ذلك الغيب لا يعلمه إلا اللّه، فلا يعلم ما هو مفتاح غيب خاص في مفرد مفرد من الغيوب، فإذا حصل الاستعداد من اللّه تعالى حصل المفتاح و بقي الفتح حتى يقع التعليم، فإنه هو الفتاح العليم فانفرد سبحانه بعلم مفاتح هذا الغيب، و نفى العلم عن كل ما سواه بها، فالممكنات كلها و أعني بكلها ميزها عن المحال و الواجب، لا أن أعيانها يحصرها الكل، ذلك محال هي في ظلمة الغيب، فلا يعرف لها حالة وجود، و لكل ممكن منها مفتاح، لا يعلمه إلا اللّه، فلا موجد إلا هو، خالق كل شي‏ء و موجده، و ما من ممكن يظهره اللّه إلا و له ظل ممدود في الغيب، لا يمكن خروجه. فظاهر الإنسان ما امتد من الإنسان فظهر، و باطنه ما لم يفارق الغيب فلا يعلم باطن الإنسان أبدا. «وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها» و هي ما تسقط إلا من خشية اللّه كما قال (و إن منها لما يهبط من خشية اللّه) «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ»

[الطبيعة]

أمهات الطبيعة أربعة: الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، و قد جعل اللّه اثنين منها أصلا في وجود الاثنين الآخرين، فانفعلت اليبوسة عن الحرارة، و الرطوبة عن البرودة، فالرطوبة و اليبوسة موجودتان عن سببين هما الحرارة و البرودة، و لهذا ذكر اللّه في قوله تعالى: «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ» لأن المسبب يلزم من كونه مسببا وجود السبب، أو منفعلا وجود الفاعل كيف شئت فقل، و لا يلزم من وجود السبب وجود المسبب فإن المنفعل يطلب الفاعل بذاته، فإنه منفعل لذاته و لو لم يكن منفعلا لذاته ما قبل الانفعال و الأثر و كان مؤثرا فيه، بخلاف الفاعل فإنه يفعل بالاختيار إن شاء فعل فيسمى فاعلا، و إن شاء ترك، و ليس ذلك للمنفعل.

و لهذه الحقيقة ذكر تعالى‏ «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ» فذكر المنفعل و لم يذكر و لا حار و لا بارد لما كانت الرطوبة و اليبوسة عند العلماء بالطبيعة تطلب الحرارة و البرودة اللتين هما منفعلتان عنهما، كما تطلب الصنعة الصانع، لذلك ذكرهما دون الأصل، و إن كان الكل في‏ «كِتابٍ مُبِينٍ» فهذه الآية من فصاحة القرآن و إعجازه حيث علم أن الذي أتى به- و هو محمد صلّى اللّه عليه و سلم- لم يكن ممن اشتغل بالعلوم الطبيعية فيعرف هذا القدر، فعلم قطعا أن ذلك ليس من جهته، و أنه تنزيل من حكيم حميد، و أن القائل بهذا عالم، و هو اللّه تعالى. فعلم النبي صلّى اللّه عليه و سلم كل شي‏ء بتعليم اللّه إياه و إعلامه، لا بفكره و نظره و بحثه.

[سورة الأنعام (6): الآيات 60 الى 61]

وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى‏ أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61)

«وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» لما صدر منهم من النزاع، فمن أراد أن يزول عنه حكم القهر فليصحب اللّه بلا غرض و لا تشوف، بل ينظر كل ما وقع في العالم و في نفسه يجعله كالمراد له، فيلتذ به و يتلقاه بالقبول و البشر و الرضى، فلا يزال من هذه حاله مقيما في النعيم الدائم، لا يتصف بالذلة، و لا بأنه مقهور، فتدركه الآلام لذلك، و عزيز صاحب هذا المقام، و ما رأيت له ذائقا، لأنه يجهل الطريق إليه فإن الإنسان لا يخلو نفسا واحدا عن طلب يقوم به لأمر ما. «وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» و هو التوكيل أعني هذا الإرسال في حق قوم و حفظا و عصمة في حق آخرين، فدخل تحت قوله تعالى: «وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» فنكر، فدخل حفظة الوجود و حفظة الأفعال، ففي حفظ الوجود اجتماع الموحدين و المشركين في الحفظ الإلهي، و ذلك من باب الاعتناء بالخلق و إن جهلوا.

 

[سورة الأنعام (6): الآيات 62 الى 68]

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66)

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)

كل ما في العالم آياته تعالى، فإنها دلائل عليه، و يدخل في ذلك الخوض في القرآن و هو المراء و الجدل فيه بأنه محدث أو قديم، أو هل هذا المكتوب في المصاحف، و المتلو المتلفظ به، عين كلام اللّه، أو ما هو عين كلام اللّه؟ فالكلام في مثل هذا، و الخوض فيه، هو الخوض في آيات اللّه. و قد سماه اللّه حديثا و ليس إلا القرآن‏ «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» فلو أراد غير القرآن لقال فيها بضمير الآية أو الآيات فليس للذكورية هنا دخول إلا إذا أراد آيات القرآن، و القرآن خبر اللّه، و الخبر عين الحديث، و قد وصانا تعالى و حذرنا في آية أخرى بقوله: «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» إذا أقمتم معهم و هم بهذه المثابة و إن لم نخض معهم.

[سورة الأنعام (6): الآيات 69 الى 70]

وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ لكِنْ ذِكْرى‏ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)

ذمّ اللّه قوما اتخذوا دينهم لهوا و لعبا، و هم في هذا الزمان أصحاب السماع، أهل الدف و المزمار، نعوذ باللّه من الخذلان:

ما الدين بالدف و المزمار و اللعب‏ لكنما الدين بالقرآن و الأدب‏

[سورة الأنعام (6): آية 71]

قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَ لا يَضُرُّنا وَ نُرَدُّ عَلى‏ أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى‏ وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71)

إن هدى اللّه هو الهدى، أي بيان اللّه هو البيان، و ما للّه لسان بيان فينا إلا ما جاءت به الرسل من عند اللّه فبيان اللّه هو البيان، لا ما بينه العقل ببرهانه في زعمه، و ليس البيان إلا ما لا يتطرق إليه الاحتمال. فمن حكم عقله و نظره و برهانه على شرعه فما نصح نفسه، و ما أعظم ما تكون حسرته يوم القيامة إذا انكشف الغطاء.

[سورة الأنعام (6): الآيات 72 الى 73]

وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ اتَّقُوهُ وَ هُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

«وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ» و قال تعالى: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ»

[- بحث في الحق المخلوق به- هو العقل الأول و هو القلم‏]

– بحث في الحق المخلوق به- هو العقل الأول و هو القلم الأعلى، فأول ما أوجد اللّه من العالم العقول المدبرة جوهرا بسيطا ليس بمادة و لا في مادة، عالم بذاته في ذاته، علمه ذاته لا صفة له مقامه الفقر و الذلة و الاحتياج إلى باريه و موجده و مبدعه، له نسب و إضافات و وجوه كثيرة، لا يتكثّر في ذاته بتعددها. فياض بوجهين من الفيض: فيض ذاتي، و فيض إرادي. فما هو بالذات مطلقا لا يتصف بالمنع في ذلك، و ما هو بالإرادة فإنه يوصف فيه بالمنع و العطاء و له افتقار ذاتي لموجده سبحانه الذي استفاد منه وجوده، و سماه الحق سبحانه و تعالى في القرآن: حقا، و قلما، و روحا، و في السنة:

عقلا و غير ذلك من الأسماء. و هو أول عالم التدوين و التسطير، و هو الخازن الحفيظ العليم الأمين على اللطائف الإنسانية التي من أجلها وجد، و لها قصد، فهو العقل من حيث العلم باللّه، و هو القلم من حيث التدوين و التسطير، و هو الروح من حيث التصرف، و هو العرش من حيث الاستواء، و هو الإمام المبين من حيث الإحصاء، و لا يزال هذا العقل مترددا بين الإقبال و الإدبار، يقبل على باريه، مستفيدا فيتجلى له، فيكشف في ذاته من بعض ما هو عليه، فيعلم من باريه قدر ما علم من نفسه، فعلمه بذاته لا يتناهى و طريقة علمه به التجليات، و طريقة علمه بربه علمه به، و يقبل على من دونه مفيدا هكذا أبد الآباد في المزيد فهو الفقير الغني، العزيز الذليل، العبد السيد، و لا يزال الحق يلهمه طلب التجليات لتحصيل المعارف، و اختلفت الاعتبارات فاختلفت الأسماء. فنقول في العقل الأول عقلا لمعنى يخالف المعنى الذي لأجله نسميه قلما، يخالف المعنى الذي لأجله نسميه روحا، يخالف المعنى الذي لأجله نسميه قلبا، فهذه ألقاب كثيرة اختلفت على شي‏ء واحد لظهوره في مراتب متعددة، قابل بذاته كل مرتبة صالح لها.- وجه آخر- راجع النحل آية 3 «وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَ لَهُ الْمُلْكُ» الملك هو الذي يقضي فيه مالكه و مليكه بما شاء، و لا يمتنع عنه جبرا فيسمى كرها، أو اختيارا فيسمى طوعا «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [أوتيت جوامع الكلام‏] و قال تعالى: (وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ) و قال:(و صدقت بكلمات ربها و كتابه) و يقال: قطع الأمير يد السارق و ضرب الأمير اللص، فمن ألقي عن أمره شي‏ء فهو ألقاه فكأن الملقي محمد عليه السلام، ألقى عن اللّه كلمات العالم بأسره من غير استثناء شي‏ء منه البتة، فمنه ما ألقاه بنفسه كأرواح الملائكة و أكثر العالم العلوي، و منه أيضا ما ألقاه عن أمره فيحدث الشي‏ء عن وسائط فرجع الكل في ذلك إلى من أوتي جوامع الكلم، فنفخ الحقيقة الإسرافيلية من المحمدية المضافة إلى الحق نفخها كما قال تعالى: «وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» قرئ ننفخ بالنون و قرئ بالياء و ضمها و فتح الفاء و النافخ إنما هو إسرافيل و القبول من الصور و سر الحق بينهما هو المعنى بين النافخ و القابل، كالرابط من الحرف بين الكلمتين، و ذلك هو سر الفعل الأقدس الأنزه الذي لا يطلع عليه النافخ و لا القابل، و الصور قرن من نور لأنه نفّر ظلام الأجسام بالأجساد و زال عنها بسرعة التقليب في الصور البقاء على الأمر المعتاد، و الصور هنا جمع صورة بالصاد، و هو الحضرة البرزخية التي ننتقل إليها بعد الموت، و نشهد نفسنا فيها، و سميت بالصور و الناقور، فينفخ في الصور و ينقر في الناقور و هو هو بعينه و اختلفت عليه الأسماء لاختلاف الأحوال و الصفات. «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ»

[العالم مظهر الحق على الكمال‏]

«وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ» و قال تعالى: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ»

[- بحث في الحق المخلوق به- هو العقل الأول و هو القلم‏]

– بحث في الحق المخلوق به- هو العقل الأول و هو القلم الأعلى، فأول ما أوجد اللّه من العالم العقول المدبرة جوهرا بسيطا ليس بمادة و لا في مادة، عالم بذاته في ذاته، علمه ذاته لا صفة له مقامه الفقر و الذلة و الاحتياج إلى باريه و موجده و مبدعه، له نسب و إضافات و وجوه كثيرة، لا يتكثّر في ذاته بتعددها.

فياض بوجهين من الفيض: فيض ذاتي، و فيض إرادي. فما هو بالذات مطلقا لا يتصف بالمنع في ذلك، و ما هو بالإرادة فإنه يوصف فيه بالمنع و العطاء و له افتقار ذاتي لموجده سبحانه الذي استفاد منه وجوده، و سماه الحق سبحانه و تعالى في القرآن: حقا، و قلما، و روحا، و في السنة:

عقلا و غير ذلك من الأسماء. و هو أول عالم التدوين و التسطير، و هو الخازن الحفيظ العليم الأمين على اللطائف الإنسانية التي من أجلها وجد، و لها قصد، فهو العقل من حيث العلم باللّه، و هو القلم من حيث التدوين و التسطير، و هو الروح من حيث التصرف، و هو العرش من حيث الاستواء، و هو الإمام المبين من حيث الإحصاء، و لا يزال هذا العقل مترددا بين الإقبال و الإدبار، يقبل على باريه، مستفيدا فيتجلى له، فيكشف في ذاته من بعض ما هو عليه، فيعلم من باريه قدر ما علم من نفسه، فعلمه بذاته لا يتناهى و طريقة علمه به التجليات، و طريقة علمه بربه علمه به، و يقبل على من دونه مفيدا هكذا أبد الآباد في المزيد فهو الفقير الغني، العزيز الذليل، العبد السيد، و لا يزال الحق يلهمه طلب التجليات لتحصيل المعارف، و اختلفت الاعتبارات فاختلفت الأسماء. فنقول في العقل الأول عقلا لمعنى يخالف المعنى الذي لأجله نسميه قلما، يخالف المعنى الذي لأجله نسميه روحا، يخالف المعنى الذي لأجله نسميه قلبا، فهذه ألقاب كثيرة اختلفت على شي‏ء واحد لظهوره في مراتب متعددة، قابل بذاته كل مرتبة صالح لها.- وجه آخر- راجع النحل آية 3 «وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَ لَهُ الْمُلْكُ» الملك هو الذي يقضي فيه مالكه و مليكه بما شاء، و لا يمتنع عنه جبرا فيسمى كرها، أو اختيارا فيسمى طوعا «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [أوتيت جوامع الكلام‏] و قال تعالى: (وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ) و قال:(و صدقت بكلمات ربها و كتابه) و يقال: قطع الأمير يد السارق و ضرب الأمير اللص، فمن ألقي عن أمره شي‏ء فهو ألقاه فكأن الملقي محمد عليه السلام، ألقى عن اللّه كلمات العالم بأسره من غير استثناء شي‏ء منه البتة، فمنه ما ألقاه بنفسه كأرواح الملائكة و أكثر العالم العلوي، و منه أيضا ما ألقاه عن أمره فيحدث الشي‏ء عن وسائط فرجع الكل في ذلك إلى من أوتي جوامع الكلم، فنفخ الحقيقة الإسرافيلية من المحمدية المضافة إلى الحق نفخها كما قال تعالى: «وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» قرئ ننفخ بالنون و قرئ بالياء و ضمها و فتح الفاء و النافخ إنما هو إسرافيل و القبول من الصور و سر الحق بينهما هو المعنى بين النافخ و القابل، كالرابط من الحرف بين الكلمتين، و ذلك هو سر الفعل الأقدس الأنزه الذي لا يطلع عليه النافخ و لا القابل، و الصور قرن من نور لأنه نفّر ظلام الأجسام بالأجساد و زال عنها بسرعة التقليب في الصور البقاء على الأمر المعتاد، و الصور هنا جمع صورة بالصاد، و هو الحضرة البرزخية التي ننتقل إليها بعد الموت، و نشهد نفسنا فيها، و سميت بالصور و الناقور، فينفخ في الصور و ينقر في الناقور و هو هو بعينه و اختلفت عليه الأسماء لاختلاف الأحوال و الصفات. «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ»

[العالم مظهر الحق على الكمال‏]

اعلم أن الغيب ظرف لعالم الشهادة، و عالم الشهادة كل موجود سوى اللّه تعالى، مما وجد و لم يوجد أو وجد ثم ردّ إلى الغيب، كالصور و الأعراض و هو مشهود للّه تعالى، و لهذا قلنا: إنه عالم الشهادة. و لم يزل الحق يخرج العالم من الغيب شيئا بعد شي‏ء إلى ما لا يتناهى عددا من أشخاص الأجناس و الأنواع، و منها ما يرده إلى غيبه و منها ما لا يرده أبدا، فالذي لا يرده أبدا إلى الغيب كل ذات قائمة بنفسها و ليس إلا الجواهر خاصة، و كل ما عدا الجواهر من الأجسام و الأعراض الكونية و اللونية ترد إلى الغيب، و يبرز أمثالها و اللّه يخرجها من الغيب إلى شهادتها أنفسها.

فهو عالم الغيب و الشهادة و الأشياء في الغيب لا كمية لها، إذ الكمية تقتضي الحصر و هي غير متناهية، فإذا ظهرت أعين الجواهر تبعتها النسب بكم و كيف و أين، فليس في الوجود المحدث إلا الجوهر و النسب التي تتبعه، فكان الغيب بما فيه كأنه يحوي على صورة مطابقة لعالمه إذ كان علمه بنفسه علمه بالعالم، فبرز العالم على صورة العالم من كونه عالما به، فالعالم مظهر الحق على الكمال فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم، إذ ليس أكمل من الحق تعالى، فلو كان في الإمكان أكمل من هذا العالم لكان ثم من هو أكمل من موجده، و ما ثم إلا اللّه، فليس‏ في الإمكان إلا مثل ما ظهر لا أكمل منه، و من ذلك نعلم أن الغيب غيبان: غيب لا يوجد منه شي‏ء فيكون شهادة و لا ينتقل إليه بعد الشهادة، و ما هو محال فيكون عدما محضا، و لا هو واجب الوجود فيكون وجودا محضا، و لا هو ممكن يستوي طرفاه بين الوجود و العدم، و ما هو غير معلوم، بل هو معقول معلوم، فلا يعرف له حد.

و هو الغيب الذي انفرد الحق به سبحانه حيث قال: «عالِمُ الْغَيْبِ» و ما قرنه بالشهادة، و الغيب الآخر الغيب الذي قرنه بالشهادة و هو الذي يوجد منه الكائنات، و الغيب الذي ينتقل إليه بعض الكائنات بعد اتصافها بالشهادة، لذلك قال متمما: «وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» فإن الحق ما هو فعله مع الأغراض التي أوجدها في عباده، و إنما هو مع ما تطلبه الحكمة، و الذي اقتضته الحكمة هو الواقع في العالم، فعين ظهوره هو عين الحكمة، فإن فعل اللّه لا يعلل بالحكمة، بل هو عين الحكمة.

[سورة الأنعام (6): آية 74]

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74)

لأنهم أوقعوا أنفسهم في الحيرة لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم، و علموا أنه لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنهم من اللّه شيئا، فهي شهادة من اللّه بقصور نظرهم و عقولهم.

[سورة الأنعام (6): آية 75]

وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

اعلم أن عالم الملكوت هو المحرك لعالم الشهادة، و هو تحت قهره و تسخيره، حكمة من اللّه تعالى لا لنفسه استحق ذلك، فعالم الشهادة لا تصدر منه حركة و لا سكون، و لا أكل و لا شرب، و لا كلام و لا صمت، إلا عن عالم الغيب. و ذلك أن الحيوان لا يتحرك إلا عن قصد و إرادة و هما من عمل القلب، و هو من عالم الغيب، و الحركة و ما شاكلها من عالم الشهادة، و عالم الشهادة ما أدركناه بالحس عادة، و عالم الغيب ما أدركناه بالخبر الشرعي، أو النظر الفكري فيما لا يظهر للحس عادة فنقول: إن عالم الغيب يدرك بعين‏ البصيرة، كما أن عالم الشهادة يدرك بعين البصر، و كما أن البصر لا يدرك عالم الشهادة ما لم يرتفع عنه حجاب الظلم أو ما أشبه من الموانع، فإذا ارتفعت الموانع و انبسطت الأنوار على المحسوسات أدرك البصر المبصرات، فإدراكها مقرون بنور البصر و نور السراج و أشباهها من الأنوار، كذلك عين البصيرة حجابها الريون، و الشهوات، و ملاحظة الأغيار،

[حجاب عين البصيرة]

إلى مثل هذه من الحجب، فتحول بينها و بين إدراك الملكوت أعني عالم الغيب، فإذا عمد الإنسان إلى مرآة قلبه و جلاها بأنواع الرياضات و المجاهدات حتى زال عنها كل حجاب، و اجتمع نورها مع النور الذي ينبسط على عالم الغيب، و هو النور الذي يتراءى به أهل الملكوت، و هو بمنزلة الشمس في المحسوس، اجتمع عند ذلك نور عين البصيرة، مع نور التمييز، فكشف المغيبات على ما هي عليه، غير أن بينهما لطيفة معنى، و ذلك أن الحس يحجبه الجدار، و البعد المفرط، و القرب المفرط، و الأجسام الكثيفة الحائلة بينه و بين من يريد إدراكه، و هذا لقصوره عادة، و قد تنخرق لنبي أو ولي كقول النبي صلّى اللّه عليه و سلم: إني أراكم من وراء ظهري، و في الأولياء ابتداء المكاشفات لهم في أول سلوكهم، فإن المريد أول ما يكشف له عن المحسوسات فيرى رجلا مقبلا أو على حالة ما و بينهما البعد المفرط و الأجسام الكثيفة، بحيث أن يراه بمكة أو يرى الكعبة و هو بأقصى المغرب، و هذا كثير عند المريدين في أول أحوالهم، و أما عالم البصيرة فلا إذ عالم الغيب ليس بينه و بين عين البصيرة مسافة و لا بعد و لا قرب مفرط، و حجابه إنما هو الران و القفل و الكن و قد ارتفعت بالمجاهدات، فلاحت أعلام الغيوب، لكن ثم أمر تدركه و هو إن انجلت عين البصيرة كما ذكرناه فإن ثم حجابا آخر إلهيا، و هو أن النور الذي ينبسط من حضرة الجود على المغيبات في الحضرات الوجودية ليس يعمها إلا على قدر ما يريد اللّه تعالى أن يكشف لك منها، مع أنك في غاية الصفاء و الجلاء، و ذلك هو مقام الوحي دليلنا على ذلك قوله تعالى: «قل‏ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ» مع غاية الصفاء النبوي، فكيف بالولي الذي ما فتح له من الطريق خرت إبرة؟ فهذا هو قدر ما يكشف له من عالم الغيب، فيرى تأثيره في عالم الشهادة فيتكلم به على ذلك الحد، فيقول: يكون كذا و لا يكون كذا و عاقبة أمر ما إلى كذا على قدر الكشف.

و هذا الحجاب الإلهي لا يمكن رفعه عقلا و لو بلغ المرء أعلى الغايات، بدليل أن هذا الحجاب إنما هو العلم الأزلي المتعلق بمعلومات غيرمتناهية، و كل ما حصره الوجود فهو متناه، و لا تكشف عين البصيرة إلا ما دخل في الوجود بوجه ما من أوجه مراتب الوجود، و مهما ظهر ممن حصل في هذا المقام شي‏ء من ذلك على ظاهره في حق شخص ما، فتلك الفراسة، و هي أعلى درجات المكاشفة، لذلك قال تعالى: «وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» و ذلك عين اليقين لأنه عن رؤية و شهود.

[سورة الأنعام (6): آية 76]

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)

فإن الإله لا يكون من الآفلين و إبراهيم الخليل يحب اللّه بلا شك، فاللّه ليس بآفل، فإن تجليه دائم، و تدليه لازم، لذلك لم يجب الخليل الآفل، لأنه رآه يطلب السفل، و همته في العلو لطلب الدنو.

[سورة الأنعام (6): الآيات 77 الى 78]

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)

كانت هذه الثلاثة أنوار حجة إبراهيم على قومه آتاه اللّه إياها عناية منه به و لم يقلها إشراكا، لكن جعلها حبالة صائد يصيد بها ما شرد من عقول قومه، فلم يكن قوله في الأنوار الثلاثة عن اعتقاد بل عن تعريف لإقامة الحجة على القوم، أ لا ترى إلى ما قال الحق في ذلك.

و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه.- إشارة- غمّض عن الكوكب و القمر، و إذا رأيت الشمس فلا تقل هذا أكبر، أي لا تطلب اللّه تعالى بالدليل، بل سله يعرفك بنفسك، قال صلّى اللّه عليه و سلم: (من عرف نفسه عرف ربه)

[- إشارة- الكوكب و القمر و الشمس أنوارها إشارة إلى الروح و العقل و النفس‏]

– إشارة- الكوكب و القمر و الشمس أنوارها إشارة إلى الروح و العقل و النفس، و أثبت لهم الربوبية لما لحظ لهم القهر على النشأة الترابية.

[سورة الأنعام (6): آية 79]

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

 

قال: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» لما رأى بعضهم يفضل على بعض و فطر السموات و الأرض هو قوله ففتقناهما، فصل السموات بعضها عن بعض، و هو بحر واسع ما يسعه كتاب، ففتقهما بعد رتقهما ليتميزا، فيظهر المؤثر و المؤثر فيه لوجود التكوين. «حَنِيفاً» الحنف: الميل أي مائلا إلى جناب الحق‏ «وَ ما أَنَا» في هذا الميل‏ «مِنَ الْمُشْرِكِينَ» فنفى عن نفسه الشرك.

[التوجه في الصلاة]

– التوجه في الصلاة- جاء في الحديث بعد التكبير «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏، إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ»

[إشارة: من دعاء التوجه في الصلاة]

و الأكمل في التوجه أن يعقب التوجه بقوله: «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي و أنا عبدك، ظلمت نفسي، و اعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، و اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، و اصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك و سعديك، و الخير كله بيديك و الشر ليس إليك، أنا بك و إليك، تباركت و تعاليت، أستغفرك و أتوب إليك»- إشارة- أيها الحباب المتقاطر، و السحاب الماطر، هذا قد تجلى لكليتك الإله الفاطر، فقل لسمائك لا تحجب بلطافتها، و لأرضك لا تحجب بكثافتها، فإنه لا بد عند تجليه لسمائك من تخلخلها، و لأرضك من تزلزلها، فإياك أن تقع في أشراك الإشراك، لعظيم آفات الاشتراك، و الزم الوحدة فيها تحصل رفده و مجده، و كن وجها مستديرا، و لا تجعله عبوسا قمطريرا، و لا تحجب بالجهة الكعبية، عن الجهة القلبية، و ألحق الحياة بقدمها، و الموت بعدمه في قدمها، و الصلاة بحضرة ربك، و اجعل النسك قربان قربك، و أقر بالأمر للآمر، و اعترف بالإسلام حذرا من الحسام الباتر، و ارغب في الانصراف إلى الفضائل و عن الرزائل، و اسند الأمور إليه، فإن مفاتيحها في يديه، و استسلم للحكم، تكن من أهل العلم، و تدرّع بثوب الاستغفار، فإنه يحول بينك و بين النار.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 93

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=