تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الحج
(22) سورة الحج مدنيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الحج (22): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)
إذا كان يوم العرض، و وقع الطلب بالسنة و الفرض، و ذهلت كل مرضعة عما أرضعت، و زهدت كل نفس فيما جمعت، و ألجم الناس العرق، و امتازت الفرق، و استقصيت الحقوق، و حوسب الإنسان على ما اختزنه في الصندوق، زال الريب و المين، و بان الصبح لذي عينين، و ندم من أعرض و تولى، و فاز بالتجلي السعادي كل قلب بالأسماء الحسنى تحلى، فإن الأمر جليل مهم، و خطب ملم، فزلزلة الساعة، مذهلة عن الرضاعة، مع الحب المفرط في الولد، و لا يلوي أحد على أحد، فإن عذاب اللّه شديد.
[سورة الحج (22): الآيات 3 الى 5]
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَ يَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (4) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ» من عناية اللّه بنا لما كان المطلوب من خلقنا عبادته أن قرب علينا الطريق، بأن خلقنا من الأرض التي أمرنا أن نعبده فيها، فخلقنا من تراب الأرض، أنزل موجود خلق، ليس وراءها وراء، فقرّب علينا الطريق لعبادته، فخلقنا من تراب في تراب، و هي الأرض التي جعلها اللّه ذلولا، و العبادة الذلة، فنحن الأذلاء بالأصل (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي تامة الخلقة و غير تامة الخلقة، و الغير تامة الخلقة داخل في قوله تعالى: «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ» فأعطى النقص خلقه أن يكون نقصا، و لما كان الجسد للروح كالآلة للصانع يعمل بها في صنعته، يصرف كل آلة لما هيئت له فمنها مكملة و هي المخلقة يعني التامة الخلقة، و منها غير المكملة و هي غير المخلقة،
فينقص العامل من العمل على قدر ما نقص من جودة الآلة، ذلك ليعلم أن الكمال الذاتي للّه سبحانه، و لتنظر في مرتبة جسدك و روحك و تتفكر، فتعتبر أن اللّه ما خلقك سدى، و إن طال المدى، (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) الطفل مأخوذ من الطفل و هو ما ينزل من السماء من الندى غدوة و عشية، و هو أضعف ما ينزل من السماء من الماء، فالطفل من الكبار كالرش و الوبل و السكب من أنواع نزول المطر، و لما كان بهذا الضعف كان مرحوما أبدا، (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً» و ذلك لأنه من عالم الطبيعة يتنوع و يستحيل باستحالاتها، فالمواد التي حصل له منها هذا العلم استحالت، فالتحقق العلم بها بحكم التبعية،
[ «وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً»]
«وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً» فإن الأرض فراش «فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ» فإذا نكح الجو الأرض و أنزل الماء «اهْتَزَّتْ» تحركت و دبرت الماء في رحمها آثار الأنواء الفلكية، «وَ رَبَتْ» و هو الحمل فحملت شبه حمل المرأة «وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» فأولدها توأمين، فضحكت الأرض بالأزهار، و إنما كان زوجا من أجل ما يطلبه من النكاح، إذ لا يكون إلا بين زوجين، و المخلقة من النبات هو ما سلم من الجوائح، و غير المخلقة ما نزلت به الجائحة، و اللّه على كل شيء قدير.
[سورة الحج (22): الآيات 6 الى 7]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)
إن اللّه لما خلق الإنسان خلقه مستقبلا الآخرة، و الساعة تستقبله، و لذا سميت ساعة، أي تسعى إليه.
[سورة الحج (22): آية 8]
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ (8)
«وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ» و هو ما أعطاه الدليل النظري دليل فكره «وَ لا هُدىً» يعني و لا بيان أبان له كشفه، «وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ» و هو ما وقع به التعريف مما هو الحق عليه من النعوت، لما نزلت به الآيات من المعرفة باللّه في كتبه المنزلة الموصوفة بأنها نور ليكشف بها ما نزلت به، لما كان النور يكشف به، فنفاهم عن تقليد الحق و عن التجلي و الكشف و عن النظر العقلي، و لا مرتبة في الجهل أنزل من هذه المرتبة، و لهذا جاءت من الحق في معرض الذم يذم بها من قامت به هذه الصفة.
[سورة الحج (22): الآيات 9 الى 10]
ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (9) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (10)
يقول تعالى في الحديث القدسي: «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد اللّه و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»، فما نرى من الحق إلا ما نحن عليه، فمن شاء فليعمل و من شاء لا يعمل، فإنه لا يرجع إلى الإنسان إلا ما خرج منه، فاجهد أن لا يخرج عنك إلا ما تحمد رجوعه إليك، فهذه كلمة نبوية حق كلها فإن العمل ما يعود إلا على عامله، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «لا تكونوا ممن خدعته العاجلة و غرته الأمنية و استهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال و شيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب أو صر حالب، فعلام تعرجون، و ما ذا تنتظرون، فكأنكم و اللّه بما قد أصبحتم فيه من الدنيا كأن لم يكن، و ما تصيرون إليه من الآخرة كأن لم يزل، فخذوا الأهبة لأزوف النقلة، و أعدوا الزاد لقرب الرحلة، و اعلموا أن كل امرئ على ما قدّم قادم، و على ما خلّف نادم.
[سورة الحج (22): الآيات 11 الى 18]
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَ ما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14)
مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (15) وَ كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ أَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئِينَ وَ النَّصارى وَ الْمَجُوسَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18)
[سجود كل شىء]
قال اللّه تعالى خطابا لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم صاحب الكشف حيث يرى ما لا نرى «أَ لَمْ تَرَ» رؤية مشاهدة و اعتبار، لما أشهده سجود كل شيء «أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ» فأطلق و عم ثم فصل فقال «وَ الشَّمْسُ» في غروبها «وَ الْقَمَرُ» في محاقه «وَ النُّجُومُ» في مواقعها «وَ الْجِبالُ» في إسكانها «وَ الشَّجَرُ» في إقامتها على سوقها «وَ الدَّوَابُّ» في تسخيرها، فعم الأمهات و المولدات و ما ترك شيئا من أصناف المخلوقات، و لم يبعض فإن كل شيء في العالم يسجد للّه تعالى من غير تبعيض إلا الناس، فلما وصل بالتفصيل إلى ذكر الناس قال: «وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» فبعض و لم يقل كلهم، و هم من لهم الشهود، فإنه تعالى قال: كذبني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك، و شتمني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك، و لذلك قال: «وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ»، و سبب ذلك أن وكله من حيث نفسه الناطقة بما جعل اللّه فيها من الفكر، فسجد للّه في صورة غير مشروعة،
فأخذ بذلك مع أنه ما سجد إلا للّه في المعنى «وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ» فجعل ذلك من مشيئته، و أشهد اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه و سلم سجود كل شيء فما ترك أحدا، فإنه ذكر من في السموات و من في الأرض فذكر العالم العلوي و السفلي، فإن اللّه دعا العالم كله إلى معرفته و هم قيام فإن اللّه أقامهم بين يديه حين خلقهم، فأسجدهم فعرفوه في سجودهم، فلم يرفعوا رءوسهم أبدا، فكل ما سوى اللّه ما عدا الثقلين على معرفة باللّه،و وحي من اللّه و علم بمن تجلى له، مفطور على ذلك سعيد كله، فإن تجلي الحق دائم أبدا، فيبادر العبد بالسجود في هذه الآية ليكون من الكثير الذي يسجد للّه لا من الكثير الذي حق عليه العذاب، فإذا رأى العبد أن اللّه قد وفقه للسجود و لم يحل بينه و بين السجود علم أنه من أهل العناية الذين التحقوا بمن لم يبعض سجودهم، فهذه السجدة هي سجود المعادن و النبات سجود المشيئة، و الحيوان و بعض البشر و عمار الأفلاك و الأركان سجود مشاهدة و اعتبار.
[سورة الحج (22): الآيات 19 الى 25]
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ (20) وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23)
وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (24) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (25)
الإلحاد الميل عن الحق شرعا و لذلك قال: «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ» فذكر الظلم و هو هنا الهم الذي هو الإرادة، فإنه سواء وقع منه ذلك الظلم الذي أراده أو لم يقع في الحرم المكي فإنه محاسب عليه، و أما في غير المسجد الحرام المكي فإنه غير مؤاخذ بالهم، فإن لم يفعل ما هم به كتب له حسنة إذا ترك ذلك من أجل اللّه خاصة، فإن لم يتركها من أجل اللّه لم يكتب له و لا عليه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: احتكار الطعام بمكّة إلحاد فيه، و كان ابن عباس يسكن الطائف لأجل هذه الآية احتياطا لنفسه فإن الإنسان ما في قوته أن يمنع عن قلبه الخواطر فإنه تعالى نكّر الظلم، فخاف مثل ابن عباس و غيره
[الارادة]
– بحث في الإرادة- اعلم أن اللّه تعالى إذا أراد إيجاد فعل ما بمقارنة حركة شخص ما بعث إليه رسوله المعصوم و هو الخاطر الإلهي المعلوم، و لقربه من حضرة الاصطفاء هو في غاية الخفا، فلا يشعر بنزوله في القلب إلا أهل الحضور و المراقبة في مرآة الصدق و الصفا، فينقر في القلب نقرة خفية، تنبيها لنزول نكتة غيبية، فمن حكم به فقد أصاب في كل ما يفعله، و نجح في كل ما يعمله، و ذلك هو السبب الأول، عند الشخص الذي عليه يعوّل، و هو نقر الخاطر، عند أرباب الخواطر، و هو الهاجس، عند من هو للقلب سائس، فإن رجع إليه مرة أخرى فهو الإرادة، فإن عاد ثالثة فهو الهم، فإن عاد رابعة فهو العزم، و لا يعود إلا لنفوذ أمر جزم، فإن عاد خامسة فهو النية، و هو الذي يباشر الفعل الموجود عن هذه البنية، و بين التوجه إلى الفعل و الفعل يظهر القصد، و اعلم أن النية إذا كان معناها القصد أصل في إقامة كل بنية، و ليس للحس في النية مدخل لأنها من وصف العقل المتخيل.
[سورة الحج (22): آية 26]
وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)
| يا كعبة طاف بها المرسلون | من بعد ما طاف بها المكرمون | |
| ثم أتى من بعدهم عالم | طافوا بها من بين عال و دون | |
| أنزلها مثلا إلى عرشه | و نحن حافون لها مكرمون | |
| فإن يقل أعظم حاف به | إني أنا خير فهل تسمعون | |
| و اللّه ما جاء بنص و لا | أتى لنا إلا بما لا يبين | |
| هل ذاك إلا النور حفت به | أنوارهم و نحن ماء مهين | |
| فانجذب الشيء إلى مثله | و كلنا عبد لديه مكين | |
| هلا رأوا ما لم يروا أنهم | طافوا بما طفنا و ليسوا بطين | |
| لو جرد الألطف منا استوى | على الذي حفوا به طائفين | |
| قدّسهمو أن يجهلوا حق من | قد سخر اللّه له العالمين | |
لما نسب اللّه تعالى البيت إليه بالإضافة في قوله: «وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ» جعله نظيرا و مثالا لعرشه، و جعل الطائفين به من البشر كالملائكة الحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، أي بالثناء على ربهم تبارك و تعالى.
| قلت عند الطواف كيف أطوف | و هو عن درك سرنا مكفوف | |
| جلمد غير عاقل حركاتي | قيل أنت المحير المتلوف | |
| انظر إلى البيت نوره يتلالا | لقلوب تطهرت مكشوف | |
| نظرته باللّه دون حجاب | فبدا سره العلي المنيف | |
| و تجلى لها من أفق جلالي | قمر الصدق ما اعتراه خسوف | |
| لو رأيت الولي حين يراه | قلت فيه مدله ملهوف | |
| يلثم السر في سواد يميني | أي سر لو أنه معروف | |
| جهلت ذاته فقيل كثيف | عند قوم و عند قوم لطيف | |
| قال لي حين قلت لم جهلوه | إنما يعرف الشريف الشريف | |
| عرفوه فلازموه زمانا | فتولاهم الرحيم الرءوف | |
| و استقاموا فما يرى قط فيهم | عن طواف بذاته تحريف | |
| قم فبشر عني مجاور بيتي | بأمان ما عنده تخويف | |
| إن أمتهم فرحتهم بلقائي | أو يعيشوا فالثوب منهم نظيف | |
و لنا أيضا:
| أرى البيت يزهو بالمطيفين حوله | و ما الزهو إلا من حكيم له صنع | |
| و هذا جماد لا يحس و لا يرى | و ليس له عقل و ليس له سمع | |
| فقال شخيص هذه طاعة لنا | قد أثبتها طول الحياة لنا الشرع | |
| فقلت له هذا بلاغك فاستمع | مقالة من أبدى له الحكمة الوضع | |
| رأيت جمادا لا حياة بذاته | و ليس له ضر و ليس له نفع | |
| و لكن لعين القلب فيه مناظر | إذا لم يكن بالعين ضعف و لا صدع | |
| يراه عزيزا إن تجلى بذاته | فليس لمخلوق على حمله وسع | |
| فكنت أبا حفص و كنت عليّنا | فمني العطاء الجزل و القبض و المنع | |
– إشارة لا تفسير- لما جعل اللّه قلب عبده بيتا كريما و حرما عظيما، ذكر أنه وسعه حين لم يسعه سماء و لا أرض، علمنا قطعا أن قلب المؤمن أشرف من هذا البيت، و جعل الخواطر تمر عليه كالطائفين و لما كان في الطائفين من يعرف حرمة البيت فيعامله في الطواف به بما يستحقه من التعظيم و الجلال
– إشارة لا تفسير- لما جعل اللّه قلب عبده بيتا كريما و حرما عظيما، ذكر أنه وسعه حين لم يسعه سماء و لا أرض، علمنا قطعا أن قلب المؤمن أشرف من هذا البيت، و جعل الخواطر تمر عليه كالطائفين و لما كان في الطائفين من يعرف حرمة البيت فيعامله في الطواف به بما يستحقه من التعظيم و الجلال، و من الطائفين من لا يعرف ذلك فيطوفون به بقلوب غافلة لاهية و ألسنة بغير ذكر اللّه ناطقة، بل ربّما يطوفون بفضول من القول و زور، كذلك الخواطر التي تمر على قلب المؤمن منها مذموم و منها محمود، و كما كتب اللّه طواف كل طائف للطائف بالبيت على أي حالة كان، و عفا عنه فيما كان منه،
كذلك الخواطر المذمومة عفا اللّه عنها، ما لم يظهر على ظاهر الجوارح إلى الحس، فقلب العبد المؤمن أعظم علما و أكثر إحاطة من كل مخلوق، فإنه محل لجميع الصفات، و ارتفاعه بالمكانة عند اللّه لما أودع اللّه فيه من المعرفة به، و لما كان للبيت أربعة أركان، فللقلب خواطر أربعة، خاطر إلهي و هو ركن الحجر، و خاطر ملكي و هو الركن اليمني، و خاطر نفسي و هو الركن الشامي، و هذه الثلاثة الأركان هي الأركان الحقيقية للبيت من حيث أنه مكعب الشكل، و على هذا الشكل قلوب الأنبياء مثلثة الشكل، ليس للخاطر الشيطاني فيها محل، و لما أراد اللّه ما أراد من إظهار الركن الرابع جعله للخاطر الشيطاني، و هو الركن العراقي، و إنما جعلنا الخاطر الشيطاني للركن العراقي، لأن الشارع شرع أن يقال عنده: أعوذ باللّه من الشقاق و النفاق و سوء الأخلاق، و بالذكر المشروع عند كل ركن تعرف مراتب الأركان، و على هذا الشكل المربع قلوب المؤمنين، و ما عدا الرسل و الأنبياء المعصومين، ليميز اللّه رسله و أنبياءه من سائر المؤمنين بالعصمة التي أعطاهم و ألبسهم إياها، فليس لنبي إلا ثلاثة خواطر، إلهي و ملكي و نفسي، و كما أن اللّه تعالى أودع في الكعبة كنزا كذلك جعل اللّه في قلب العارف كنز العلم باللّه، فشهد للّه بما شهد به الحق لنفسه من أنه لا إله إلا اللّه، و نفى هذه المرتبة عن كل ما سواه، فقال تعالى:
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ) فجعلها كنزا في قلوب العلماء باللّه، فاللّه بيته قلب عبده المؤمن، و البيت بيت اسمه تعالى، و العرش مستوى الرحمن، فبين القلب و العرش في المنزلة ما بين الاسم اللّه و الاسم الرحمن، فإن مشهد الألوهية أعم، لإقرار الجميع، فما أنكر أحد اللّه، و أنكر الرحمن، فإنهم قالوا: [و ما الرحمن؟] و لما كان الحج لبيت اللّه الحرام تكرار القصد في زمان مخصوص، كذلك القلب تقصده الأسماء الإلهية في حال مخصوص، إذ كل اسم له حال خاص يطلبه، فمهما ظهر ذلك الحال من العبد طلب الاسم الذي يخصه،
فيقصده ذلك الاسم، فلهذا تحج الأسماء الإلهية بيت القلب، و قد تحج إليه من حيث أن القلب وسع الحق، و الأسماء تطلب مسماها، فلا بد لها أن تقصد مسماها، فتقصد البيت الذي ذكر أنه وسعه السعة التي يعلمها سبحانه، و العمرة التي هي الزيارة بمنزلة الزور الذي يخص كل إنسان، فعلى قدر اعتماره تكون زيارته لربه. فالطائفون بالكعبة كالحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، فيلزم الطائف التسبيح في طوافه و التحميد و التهليل و قول: [لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم].
| جسم يطوف و قلب ليس بالطائف | ذات تصدّ و ذات ما لها صارف | |
| يدعى و إن كان هذا الحال حليته | هذا الإمام الهمام الهمهم العارف | |
| هيهات هيهات ما اسم الزور يعجبني | قلبي له من خفايا مكره خائف | |
و لما كان الحج تكرار القصد سمي تكرار الخواطر حجا.
22/ 27 روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه لما بنى البيت أمره ربه تعالى أن يصعد عليه و أن يؤذن في الناس بالحج، فقال يا رب و ما عسى يبلغ صوتي فأوحى إليه عليك النداء و علي البلاغ، فنادى إبراهيم عليه السلام يا أيها الناس إن للّه بيتا فحجوه، قال فأسمع اللّه ذلك النداء عباده، فمنهم من أجاب و منهم من لم يجب، و كانت إجابتهم مثل قولهم بلى حين أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم، فمنهم من سارع إلى إجابة الحق و هم الذين يسارعون في الخيرات، و القائلون بأن الحج على الفور للمستطيع، و منهم من تلكأ في الإجابة فلم يسرع إلا بعد حين، و هو الذي يقول الحج مع الاستطاعة على التراخي، ثم إن الذين أجابوه منهم من كرر الإجابة و منهم من لم يكرر، فمن لم يكرر لم يحج إلا واحدة، و من كرر حج على قدر ما كرر و له أجر فريضة في كل حجة، «يَأْتُوكَ رِجالًا» يريد على أرجلهم لا يركبون «وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ».
22/ 28 «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ» قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من أتى هذا البيت فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه. «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ» سميت البهائم بهائم لإبهام أمرهم علينا «فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ».
22/ 28 «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ» قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من أتى هذا البيت فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه. «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ» سميت البهائم بهائم لإبهام أمرهم علينا «فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ».
22/ 29 «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» أي ليلقوا الوسخ، و إزالة الشعث من الحاج لحفظ القوى مما ينالها من الضرر لسد المسام و انعكاس الأبخرة، المؤذية لها المؤثرة فيها و ما في معناها، لأن الطهارة و النظافة مقصودة للشارع لأنه القدوس، «وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ» التطوع قد يكون واجبا بإيجاب اللّه إذا أوجبه العبد على نفسه كالنذر، فإن اللّه أوجبه بإيجاب العبد- نصيحة- لا تزد في العهود و يكفيك ما جبرت عليه، و لهذا كره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم النذر و أوجب الوفاء به، لأنه من فضول الإنسان «وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» الطواف ثلاثة، طواف القدوم و طواف الإفاضة و يقال له طواف الزيارة و طواف الوداع، و قد أجمع العلماء على أن الواجب من هذه الأطواف الثلاثة هو طواف الإفاضة، فإن المعرّف إذا قدم مكة بعد الرمي أجزأه طواف الإفاضة عن طواف القدوم و صح حجه و إن المودع إذا طاف في زعمه طواف الوداع و لم يكن طاف طواف الإفاضة كان ذلك الطواف طواف إفاضة أجزأ عن طواف الوداع، لأنه طواف بالبيت معمول به في وقت طواف الوجوب الذي هو الإفاضة، فقبله اللّه طواف إفاضة و أجزأ عن طواف الوداع، و المتمتع إن لم يكن قارنا فعليه طوافان، و إن كان قارنا فطواف واحد، و المكي عليه طواف واحد، و ليست الطهارة شرطا في صحة الطواف، فإنه يجوز الطواف بغير وضوء للرجل و المرأة، إلا أن تكون حائضا فإنها لا تطوف، و إن طافت لا يجزئها و هي عاصية لورود النص في ذلك، و ما ورد شرع بالطهارة للطواف إلا ما ورد في الحائض خاصة، و ما كل عبادة يشترط فيها هذه الطهارة الظاهرة، و يجوز الطواف في الأوقات كلها و بعد صلاة الصبح و العصر، إلا أني أكره الدخول في الصلاة حال الطلوع و حال الغروب إلا أن يكون قد أحرم بها قبل حال الطلوع و الغروب، و صفة الطواف أن يجعل البيت على يساره و يبتدئ فيقبل الحجر الأسود إن قدر عليه، ثم يسجد عليه أو يشير إليه إن لم يتمكن له الوصول إليه، و يتأخّر عنه قليلا بحيث أن يدخله في الطواف بالمرور عليه، ثم يمشي إلى أن ينتهي إليه يفعل ذلك سبع مرات، يقبل الحجر في كل مرة و يمس الركن اليماني الذي قبل ركن الحجر بيده و لا يقبله، فإن كان في طواف القدوم فيرمل ثلاثة أشواط و يمشي أربعة أشواط، و لكن في أشواط رمله يمشي قليلا بين الركنين اليمانين و يقول:
«رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ» إلى أن تفرغ الأشواط السبعة، كل ذلك بقلب حاضر مع اللّه و يتخيل أنه في تلك العبادة كالحافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، فيلزم التسبيح في طوافه و التحميد و التهليل و قول لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، جاء في الخبر أن جبريل طاف بآدم حين أنزله اللّه بالكعبة، فسأله آدم ما كنتم تقولون في طوافكم بهذا البيت، فقال جبريل عليه السلام كنا نقول في طوافنا بهذا البيت سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، فقال آدم لجبريل عليهما السلام و أزيدكم أنا [و لا حول و لا قوة إلا باللّه] فبقيت سنة في الذكر في الطواف لبنيه و لكل طائف به إلى يوم القيامة، فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن هذه الكلمة أعطيها آدم من كنز من تحت العرش.
و اعلم أن اللّه لما نسب العرش إلى نفسه و جعله محل الاستواء الرحماني جعل الملائكة حافين به من حول العرش بمنزلة الحرس حرس الملك و الملازمين بابه لتنفيذ أوامره، و جعل اللّه الكعبة بيته، و نصب الطائفين به على ذلك الأسلوب، و تميز البيت على العرش و على الضراح و سائر البيوت الأربعة عشر بأمر، ما نقل إلينا أنه في العرش و لا في غير هذا من البيوت، و هو الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض لنبايعه في كل شوط مبايعة رضوان و بشرى بقبول ما كان منا في كل شوط مما هو لنا أو علينا، فما لنا فقبول و ما علينا فغفران، فإذا انتهينا إلى اليمين الذي هو الحجر استشعرنا من اللّه سبحانه بالقبول فبايعناه و قبلنا يمينه المضافة إليه قبلة قبول و فرح و استبشار، هكذا في كل شوط، فإن كثر الازدحام أشرنا إليه إعلاما بأنا نريد تقبيله، و إعلاما بعجزنا عن الوصول إليه و لا نقف ننتظر النوبة حتى تصل إلينا فنقبله، لأنه لو أراد ذلك منا ما شرع لنا الإشارة إليه إذا لم نقدر عليه فعلمنا أنه يريد منا اتصال المشي في السبعة الأشواط من غير أن يتخللها وقوف إلا قدر التقبيل في مرورنا إذا وجدنا السبيل إليه، و كل طواف قدوم فيه رمل هكذا السنة لمن أراد أن يتبعها، و أجمع العلماء على أن الركوع بعد الطواف من سنن الطواف،
و هو أن يركع ركعتين، و الأولى أن يصلي عند انقضاء كل أسبوع (أي سبعة أشواط) فإن جمع أسابيع فلا ينصرف إلا عن وتر، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم ما انصرف من الطواف إلا عن وتر فإنه انصرف عن سبعة أشواط أو عن طواف واحد، فإن زاد فينصرف عن ثلاثة أسابيع و هي واحد و عشرون شوطا و لا ينصرف عن أسبوعين، فإنه شفع، و بالأشواط الأربعة عشر شوطا و هي شفع فجاء بخلاف السنة في طوافه من كل وجه، و الأولى أن لا يؤخر الركعتين عن أسبوعهما، و ليصلهما عند انقضاء الأسبوع- إشارة- طواف القدوم يقابل طواف الوداع، فهو كالاسم الأول و الآخر، و طواف الإفاضة بينهما برزخ، فلطواف الزيارة وجه إلى طواف الوداع و وجه إلى طواف القدوم، كالعقل إذا أقبل على اللّه بالاستفادة، و طواف الوداع إذا أراد الخروج إلى النفس بالإفادة، و البرزخ أبدا أقوى في الحكم لجمعه بين الطرفين، فيتصور في أي صورة شاء، و يقوم في حكم أي طرف أراد، و يجزئ عنهما، فله الاقتدار التام، و الرمل إسراع في نفس الخير إلى الخير فهو خير في خير.
22/ 30 العالم حرم الحق، و الكون حرمه الذي أسكن فيه هؤلاء الحرم، و أعظم الحرم ما له فيه أثر الطبع النكاحي لأنه محلّ التكوين، فمن عظم حرمة اللّه فإنما عظم اللّه، و من عظم اللّه كان خيرا له، و هو ما يجازيه به من التعظيم، و اعلم أن كل شعائر اللّه في دار التكليف قد حد لها للمكلف في جميع حركاته الظاهرة و الباطنة حدودا عمت جميع ما يتصرف فيه روحا و حسا بالحكم، و جعلها حرمات له عند هذا المكلف، فقال: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ» و تعظيمها أن يبقيها حرمات كما خلقها اللّه في الحكم، (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) فمن يسقط حرمات اللّه في دار التكليف فلا يرفع بها رأسا و لا يجد لها تعظيما يفقد خيرها إذ لم يعظمها عند ربه و نحن في دار التكليف، فما فاتنا في هذه الدار من ذلك فاتنا خيره في الدار الآخرة- وجه آخر- «وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ» يعني خيرا له ممن يعظم شعائر اللّه إذا جعلنا خير بمعنى أفعل من، ليميز بين تعظيم الشعائر و تعظيم حرمات اللّه، فإن حرمة اللّه ذاتية فهو يقتضي التعظيم لذاته، بخلاف الأسباب المعظمة، فإن الناظر في الدليل ما هو الدليل له مطلوب لذاته، فينتقل عنه و يفارقه إلى مدلوله،
فلهذا العالم دليل على اللّه لأنا نعبر منه إليه تعالى، و لا ينبغي أن نتخذ الحق دليلا على العالم فكنا نجوز منه إلى العالم و هذا لا يصح قال تعالى: «أَ فَلا يَنْظُرُونَ» إلى كذا، و عدّد المخلوقات لتتخذ أدلة عليه لا ليوقف معها، فهذا الفرق بين حرمات اللّه و شعائر اللّه- وجه آخر- العامل في ظرف «عند ربه» أي من يعظم حرمات اللّه عند ربه أي في المواطن التي يكون العبد فيها عند ربه كالصلاة مثلا، فإن المصلي يناجي ربه فهو عند ربه، فإذا عظم حرمة اللّه في هذا الموطن كان خيرا له، و المؤمن إذا نام على طهارة فروحه عند ربه، فيعظم هناك حرمة اللّه فيكون الخير الذي له في مثل هذا الموطن المبشرة التي تحصل له في نومه أو يراها له غيره، و المواطن التي يكون العبد فيها عند ربه كثيرة فيعظم فيها حرمات اللّه فليبحث العبد عن المواطن التي يكون فيها عند ربه فيعظم حرمة اللّه في تلك المواطن، و تعظيمها أن يتلبس بها حتى تعظم «وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» لأنه مال بصاحبه عن الحق الذي هو الأمر عليه و زال عن العدل.
22/ 31 «حُنَفاءَ لِلَّهِ» فيكون العبد من المخلصين و يكون الدين مستخلصا من الشيطان، أو من الباعث عليه من خوف و رغبة و جنة و نار، فيميل العبد به عن الشريك و لهذا قال فيه:
«حُنَفاءَ لِلَّهِ» أي مائلين إلى جانب الحق- الذي شرعه و أخذه على المكلفين- من جانب الباطل «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ» و هو مثل قوة حكم النفس «فِي مَكانٍ سَحِيقٍ».
[سورة الحج (22): آية 32]
ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)
[شعائر اللّه أعلامه]
شعائر اللّه أعلامه، و أعلامه الدلائل الموصلة إليه، و كل شعيرة منها دليل على اللّه من حيث أمر ما خاص أراده اللّه و أبانه لأهل الفهم من عباده، فيتفاضلون في ذلك على قدر فهمهم، و الشعائر ما دق و خفي من الدلائل، و أخفاها و أدقها في الدلالة الآيات المعتادة، فهي المشهودة المفقودة، و المعلومة المجهولة، فإذا رأيت ما يقال فيه إنه من شعائر اللّه و تجهل أنت صورته من الشعائر، و لا تعلم ما تدل عليه هذه الشعيرة فاعلم أن تلك الشعيرة ما خاطبك الحق بها و لا وضعها لك، و إنما وضعها لمن يفهمها عنه، و لك أنت شعيرة أيضا غيرها، و هي كل ما تعرف أنها دلالة لك عليه، فقف عندها و قل رب زدني علما، فيقوى فهمك فيما أنزله و يعلمك ما لم تكن تعلم، فليس في العالم عين إلا و هو من شعائر اللّه من حيث ما وضعه الحق دليلا عليه، و لما كان الشرف للموجودات إنما هو من حيث دلالتها على اللّه وجب تعظيمها، فوصف من يعظم شعائر اللّه بقوله: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها» أي الشعائر عينها، و هي الأعلام و الدلالات و الأسباب التي وضعها اللّه تعالى في العالم شعائر و أعلاما لما يريد تكوينه و خلقه من الأشياء، لما سبق في علمه أن يربط الوجود بعضه ببعضه، و دل الدليل على توقف وجود بعضه على بعضه، فالتعظيم لها ضرب من العلم به تعالى، «مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» فمن عظمها فهو تقي في جميع تقلباته، فإن القلوب من التقليب، لأنه لما كان الدليل يشرف بشرف المدلول، و العالم دليل على وجود اللّه، فالعالم شريف كله، فلا يحتقر شيء منه و لا يستهان، فإن اللّه ما حقره لما علق القدرة بإيجاده، فما ثم تافه و لا حقير، فإن الكل شعائر اللّه، فإن احتقار شيء من العالم لا يصدر من تقي يتقي اللّه.
– الوجه الثاني- «فَإِنَّها» يعني العظمة، و العظمة راجعة لحال المعظم بكسر الظاء اسم فاعل، لذلك فهي حالة القلب فقال: «مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» أي فإن عظمتها من تقوى القلوب، فإن كل شيء من العالم إذا نظرته بتعظيم اللّه لا بعظمته فهو عظيم و هو الأدب، فإنه لا ينبغي أن ينسب إلى العظيم إلا ما يستعظم، فإنه تعظم عظمته في نفس من نظره بهذا النظر، و ما قال سبحانه إن ذلك من تقوى النفوس، و لا من تقوى الأرواح، و لكن قال من تقوى القلوب، لأن الإنسان يتقلب في الحالات مع الأنفاس، و من يتق اللّه في كل تقلب يتقلب فيه فهو غاية ما طلب اللّه من الإنسان، و لا يناله إلا الأقوياء الكمل من الخلق، لأن الشعور بهذا التقليب عزيز، و لهذا قال شعائر اللّه أي هي تشعر بما تدل عليه، و ما تكون شعائر إلا في حق من يشعر بها، و من لا يشعر بها و هم أكثر الخلق فلا يعظمها، فإذا لا يعظمها إلا من قصد اللّه في جميع توجهاته و تصرفاته كلها، و لهذا ما ذكرها اللّه إلا في الحج الذي هو تكرار القصد، و لما كان القصد لا يخلو عنه إنسان كان ذكر الشعائر في آية الحج و ذكر المناسك، و هي متعددة أي في كل قصد، ثم إن كل شعائر اللّه في دار التكليف قد حد لها للمكلف في جميع حركاته الظاهرة و الباطنة حدودا عمت جميع ما يتصرف فيه روحا و حسا بالحكم، و جعلها حرمات له عند هذا المكلّف، فقال: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ» و تعظيمها أي يبقيها حرمات كما خلقها اللّه في الحكم، و هذا لا يكون إلا من تقوى القلوب، فكل شيء في العالم أوجده اللّه لا بد أن يكون مستندا في وجوده إلى حقيقة إلهية، فمن حقره و استهان به فإنما حقر خالقه و استهان به، لأن كل ما في الوجود حكمة أوجدها اللّه، لأنه صنعة حكيم، فلا يظهر إلا ما ينبغي لما ينبغي كما ينبغي، فمن عمي عن حكمة الأشياء فقد جهل ذلك الشيء، و من جهل كون ذلك الأمر حكمة فقد جهل الحكيم الواضع له، و لا شيء أقبح من الجهل، و لا تكون التقوى من جاهل، و الشعائر و إن كانت عظيمة في نفسها بما تدل عليه و عظيمة من حيث إن اللّه أمر بتعظيمها، فموجدها و خالقها الآمر بتعظيمها أكبر منها و أعظم، و ما يقوم بحق التعظيم إلا من عظمه باستمرار الصحبة، لا من عظمه عند ما فجأه، ذلك تعظيم الجاهل، فمن عاين الخلق الجديد لم يزل معظما للشعائر الإلهية.
[سورة الحج (22): آية 33]
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)
«لَكُمْ فِيها» يعني البدن «مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» اعلم أن البدن جعلها اللّه من شعائره، و لهذا تشعر ليعلم أنها من شعائر اللّه، و ما وهب للّه لا رجعة فيه، أ لا تراها إذا ماتت قبل وصولها إلى البيت كيف ينحرها صاحبها و يخلي بينها و بين الناس و لا يأكل منها شيئا، و ما عظم اللّه شعائره سدى، لأنه ما عظم إلا من يقبل التعظيم، و أما العظيم فلا يعظم، فاللّه عظيم و العالم كله لإمكانه حقير، إلا أنه يقبل التعظيم، و لم يكن له طريق في التعظيم إلا أن يكون من شعائر اللّه عليه- إشارة- البيت العتيق عند أهل الإشارات هو بيت الإيمان، و ليس إلا قلب المؤمن الذي وسع عظمة اللّه و جلاله، و الشعائر هي الدلائل الموصلة إليه تعالى و إلى معرفته.
[سورة الحج (22): آية 34]
وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)
«وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» فنؤمن به من حيث ما جاء به الخبر لا من حيث الدليل، فذلك التصديق هو الإيمان، و المخبتون هم الذين تولاهم اللّه بالإخبات و هو الطمأنينة، و الخبت المطمئن من الأرض، فالذين اطمأنوا باللّه من عباده و سكنت قلوبهم لما اطمأنوا إليه سبحانه فيه و ذلوا لعزته أولئك هم المخبتون الذين أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و سلم في كتابه أن يبشرهم فقال له:
«وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ»، فإن قيل و من المخبتون قل.
[سورة الحج (22): آية 35]
الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ الصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَ الْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (35)
[صفات المخبتين]
فهذه صفات المخبتين أي كانوا ساكنين فحركهم ذكر اللّه بحسب ما وقع به الذكر، و صبروا أي حبسوا نفوسهم على ما أصابهم من ذلك و لم يمنعهم ذلك الوجل و لا غلبة الحال عن إقامة الصلاة إذا حضر وقتها على أتم نشأتها لما أعطاهم اللّه من القوة على ذلك، ثم مع ما هم فيه من الصبر على ما نابهم من الشدة فسألهم سائل- و هم بتلك المثابة في رزق علمي أو حسي من سد جوعة أو ستر عورة- أعطوه مما سألهم منه، فلم يشغلهم شأن عن شأن، فهذا نعت المخبتين الذي نعتهم اللّه به، و هم ساكنون تحت مجاري الأقدار عليهم راضون بذلك، من خبت النار إذا سكن لهيبها.
[سورة الحج (22): آية 36]
وَ الْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)
[البدن]
النعم كلها من شعائر اللّه، فإن كل شعيرة منها دليل على اللّه من حيث أمر خاص أراده اللّه و أبانه لأهل الفهم من عباده، و البدن هي الإبل و جعلها من شعائر اللّه عند كل حليم أواه، و لم يكن المقصود منها إلا أنتم، بقوله: «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ» فكلوا منها و أطعموا القانع و المعتر» يعني من البدن التي جعلها سبحانه من شعائر اللّه، و القانع السائل و السّؤال من اللّه لا من غيره، يقال قنع قنوعا إذا سأل و هو الذي رفع سؤاله إلى اللّه، و من سأل غير اللّه فليس بقانع و يخاف عليه من الحرمان و الخسران- اعتبار من إشعار البدن-
اعلم أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قد ذكر في الإبل أنها شياطين و جعل ذلك علة في منع الصلاة في معاطنها، و الشيطنة صفة بعد من رحمة اللّه لا من اللّه، لأن الكل في قبضة اللّه و بعين اللّه، و الإشعار الإعلام و لا أبعد من شياطين الإنس و الجن، و الهدية بعيدة من المهدى إليه لأنها في ملك المهدي فهي موصوفة بالبعد، و ما يتقرب المتقرب إلى اللّه من أهل الدعاء إلى اللّه بأولى من رد من شرد عن باب اللّه و بعد إلى اللّه ليناله رحمة اللّه، فإن الرسل ما بعثت بالتوحيد إلا للمشركين و هم أبعد الخلق من اللّه ليردوهم إلى اللّه و يسوقوهم إلى محل القرب و حضرة الرحمة، فلهذا أهدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم البدن مع ذكره فيها أنها شياطين، ليثبت عند العالمين به أن مقامه صلّى اللّه عليه و سلم رد البعداء من اللّه إلى حال التقريب، ثم إنه أشعرها في سنامها الأيمن، و سنامها أرفع ما فيها، فهو الكبرياء الذي كانوا عليه في نفوسهم، فكان إعلاما من النبي صلّى اللّه عليه و سلم لنا بأنه من هذه الصفة أتي عليهم، لنجتنبها، فإن الدار الآخرة إنما جعلها اللّه للذين لا يريدون علوا في الأرض، و السنام علو،
و وقع الإشعار في صفحة السنام الأيمن، فإن اليمين محل الاقتدار و القوة، و الصفحة من الصفح، إشعار من أن اللّه يصفح عمن هذه صفته إذا طلب القرب من اللّه و زال عن كبريائه الذي أوجب له البعد، لأنه أبى و استكبر، و جعل صلّى اللّه عليه و سلم الدلالة على إزالة الكبرياء في شيطنة البدن جعل النعال في رقابها، إذ لا يصفع بالنعال إلا أهل الهون و الذلة، و من كان بهذه المثابة فما بقي فيه كبرياء يشهد، و علق النعال في قلائد من عهن و هو الصوف ليتذكر بذلك ما أراد اللّه بقوله: (وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ)* فإذا كانت هذه صفته كان قربانا من التقريب إلى اللّه،فحصلت له القربة بعد ما كان موصوفا بالبعد إذ كان شيطانا، فإذا كانت الشياطين قد أصابتهم الرحمة فما ظنك بأهل الإسلام- نحر البدن- خرج أبو داود أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم و أصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها.
[سورة الحج (22): آية 37]
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)
و لذلك قال تعالى في الآية السابقة «وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» من حيث أن الإنفاق له وجهان وجه إلى الحق و وجه إلى الخلق «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها» بل عادت منفعتها علينا من أكل لحومها و الأجر الجزيل في نحرها و الصدقة بلحومها «وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ» فنالنا منها لحومها و نال الحق منها التقوى منا فيها، فالحق تناله التقوى أعني تقوى القلوب، فإنها شعائر اللّه، و من تقوانا تعظيمها، و هو ضرب من العلم باللّه من تقوى القلوب،
و اعلم أن المراد بإثبات النيل هنا و عدم النيل في جانب الحق أن اللّه سبحانه ما يناله شيء من أعمال الخلق، مما كلفهم العمل فيه نيل افتقار إليه و تزين به ليحصل له بذلك حالة لم يكن عليها، و لكن يناله التقوى و هو أن تتخذوه وقاية مما أمركم أن تتقوه به على درجات التقوى و منازله، فمعنى يناله التقوى أنه يتناولها منك ليلبسك إياها بيده تشريفا لك حيث خلع عليك بغير واسطة، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إنما هي أعمالكم ترد عليكم، فيكسوكم الحق من أعمالكم حللا على قدر ما حسّنتموها و اعتنيتم بأصولها، فمن لابس حريرا، و من لابس مشاقة كتان و قطن و ما بينهما، فسواء كانت الخلعة من رفيع الثياب أو دنيئها فذلك راجع إليك، فإنه ما ينال منك إلا ما أعطيته، و إن جمع ذلك التقوى، فإنه لا يأخذ شيئا سبحانه من غير المتقي، فلهذا وصف نفسه بأن التقوى تناله من العباد، و التقوى من المتقين من خلقه، «وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» الذين أشهدهم كبرياءه.
[سورة الحج (22): الآيات 38 الى 40]
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)
[ «وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ»]
«وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» فالحمد للّه واضع الملل و شارع النحل، تارة بالوحي و تارة بالإلهام، فوقتا خلف حجاب الإشراق و وقتا خلف حجاب الظلام، فأضل و هدى، و أنجى و أردى، و أقام أعلام الضلالة و الهدى، ففصل بها بين الأولياء و الأعداء، فجعل الهدى لحزب السعادة سلما، و نصب الضلالة لحزب الشقاوة علما، و أوقع بينهما الفتن و الحرب، في عالم الشهادة و الغيب، و ثبتت في صدورهم الشحناء، و بدت بينهم العداوة و البغضاء، فسفكت الدماء، و اتبعت الأهواء، فالسعيد منا من ناضل عن شرعه المؤيد بالآيات، و قاتل عن وضعه المقرر بالمعجزات، و الشقي من احتمى بحمى الضلالات، و دافع عنها بمجرد الحمايات، و أعمى نفسه عن ملاحظة الصواب، فيما وقع به الخطاب، فبادروا إلى نصرة الدين المكي، و قاتلوا بما ثبت في نفوسكم من اليقين اليمني، و قد خاب من طلب أثرا بعد عين، و رجع بعد معرفته بعلو مرتبة الصدق إلى المين، جعلنا اللّه و إياكم ممن ذب عن شرعه المعصوم، و ناضل عن دينه المعلوم.
[سورة الحج (22): آية 41]
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)
و هو الحمد فإن عواقب الثناء كله يرجع إلى اللّه لا إلى غيره.
[سورة الحج (22): الآيات 42 الى 43]
وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ ثَمُودُ (42) وَ قَوْمُ إِبْراهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ (43)
[سورة الحج (22): الآيات 44 الى 46]
وَ أَصْحابُ مَدْيَنَ وَ كُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
[عماء البصر و القلب]
«أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها» ما جعلها عقلا إلا ليعقل عنه العبد بها ما يخاطبه بها، فاعلم أيدك اللّه أن العلم تحصيل القلب أمرا ما على حد ما هو عليه ذلك في نفسه، معدوما كان ذلك الأمر أو موجودا، فالعلم هو الصفة التي توجب التحصيل من القلب، و العالم هو القلب و المعلوم هو ذلك الأمر المحصل، فالقلب مرآة مصقولة كلها وجه لا تصدأ أبدا، فإن أطلق يوما عليها أنها صدئت كما قال عليه السلام إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد- الحديث- و فيه أن جلاءها ذكر اللّه و تلاوة القرآن، فليس المراد بهذا الصدأ أنه طخاء طلع على وجه القلب، و لكنه لما تعلق و اشتغل بعلم الأسباب عن العلم باللّه كان تعلقه بغير اللّه صدأ على وجه القلب لأنه المانع من تجلي الحق إلى هذا القلب، لأن الحضرة الإلهية متجلية على الدوام لا يتصور في حقها حجاب عنا، فلما لم يقبلها هذا القلب من جهة الخطاب الشرعي المحمود لأنه قبل غيرها، عبر عن قبول ذلك الغير بالصدإ و الكن و القفل و العمى و الران و غير ذلك، فالقلوب أبدا لم تزل مفطورة على الجلاء مصقولة صافية، فكل قلب تجلت فيه الحضرة الإلهية فذلك قلب المشاهد المكمل العالم، و من لم تتجل له من كونها من الحضرة الإلهية فذلك هو القلب الغافل عن اللّه تعالى المطرود من قرب اللّه تعالى- تحقيق-
اعلم أن اللّه تعالى ابتلى الإنسان ببلاء ما ابتلى به أحدا من خلقه، إما لأن يسعده أو يشقيه، على حسب ما يوفقه إلى استعماله، فكان البلاء الذي ابتلاه به أن خلق فيه قوة تسمى الفكر، و جعل هذه القوة خادمة لقوة أخرى تسمى العقل، و جبر العقل مع سيادته على الفكر أن يأخذ منه ما يعطيه، و لم يجعل للفكر مجالا إلا في القوة الخيالية و جعل سبحانه القوة الخيالية محلا جامعا لما تعطيه القوة الحساسة، و جعل له قوة يقال لها المصورة، فلا يحصل في القوة الخيالية إلا ما أعطاه الحس، أو أعطته القوة المصورة من المحسوسات، و ذلك لأن العقل خلق ساذجا ليس عنده من العلوم النظرية شيء،
و قيل للفكر ميز بين الحق و الباطل الذي في هذه القوة الخيالية، فينظر بحسب ما يقع له، فقد يحصل في شبهة، و قد يحصل في دليل عن غير علم منه بذلك، و لكن في زعمه أنه عالم بصور الشبه من الأدلة، و أنه قد حصل على علم، و لم ينظر إلى قصور المواد التي استند إليها في اقتناء العلوم فيقبلها العقل منه و يحكم بها، فيكون جهله أكثر من علمه بما لا يتقارب، ثم إن اللّه كلّف هذا العقل معرفته سبحانه ليرجع إليه فيها لا إلى غيره، ففهم العقل نقيض ما أراد به الحق، فاستند إلى الفكر و جعله إماما يقتدى به، و غفل عن الحق في مراده بالتفكر، أنه خاطبه أن يتفكر فيرى أن علمه باللّه لا سبيل إليه إلا بتعريف اللّه، فيكشف له عن الأمر على ما هو عليه، فلم يفهم كل عقل هذا الفهم، إلا عقول خاصة اللّه من أنبيائه، و أوليائه، فالذي ينبغي للعاقل أن يدين اللّه به في نفسه أن يعلم أن اللّه على كل شيء قدير، نافذ الاقتدار، واسع العطاء، ليس لإيجاده تكرار، بل أمثال تحدث في جوهر أوجده، و شاء بقاءه، و لو شاء أفناه مع الأنفاس «أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ» فإنها أدركت بلا شك،
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: لو لا تزييد في حديثكم و تمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى و لسمعتم ما أسمع «وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» و هي أعين البصائر، تعمى عن النظر في مقدمات الأدلة و ترتيبها «وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» فبين مكان القلوب، و هذا يؤيد ما ذهبنا إليه، من أن مركز الروح و هو الخليفة المستخلف على الجسم إنما هو القلب، فليست الإشارة للقلب النباتي فإن الأنعام يشاركوننا في ذلك، لكن للسر المودع فيه و هو الخليفة، و القلب النباتي قصره،
قال صلّى اللّه عليه و سلم: إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد و إذا فسدت فسد سائر الجسد ألا و هي القلب، فالقلب النباتي لا فائدة له إلا من حيث هو مكان لهذا السر المطلوب، المتوجه عليه الخطاب، و المجيب إذا ورد السؤال، و الباقي إذا فني الجسم و القلب النباتي، فنقول كذلك إذا صلح الإمام صلحت الرعية و إذا فسد فسدت، بذا جرت العادة و ارتبطت الحكمة الإلهية، فالقلب ما دام في الصدور فهو أعمى لأن الصدر حجاب عليه، فإذا أراد اللّه أن يجعله بصيرا خرج عن صدره فرأى، فالأسباب صدور الموجودات، و الموجودات كالقلوب، فما دام الموجود ناظرا إلى السبب الذي صدر عنه كان أعمى عن شهود اللّه الذي أوجده، فإذا أراد اللّه أن يجعله بصيرا ترك النظر إلى السبب الذي أوجده اللّه عنده،
و نظر من الوجه الخاص الذي من ربه إليه في إيجاده جعله اللّه بصيرا، فالأسباب كلها ظلمات على عيون المسببات، و فيها هلك من هلك من الناس، فالعارفون يثبتونها و لا يشهدونها، و يعطونها حقها و لا يعبدونها، و ما سوى العارفين يعاملونها بالعكس، يعبدونها و لا يعطونها حقها، بل يغصبونها فيما تستحقه من العبودية التي هي حقها و يشهدونها و لا يثبتونها، و العالم لم يزل في المعنى تحت تأثير الأسباب، فإن الأسباب محال رفعها، و كيف يرفع العبد ما أثبته اللّه ليس له ذلك، و لكن الجهل عم الناس فأعماهم و حيرهم و ما هداهم، و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، بالروح الموحى من أمر اللّه، فيهدي به من يشاء من عباده، فقد أثبت الهداية بالروح، و هذا وضع السبب في العالم، فالوقوف عند الأسباب لا ينافي الاعتماد على اللّه،
و لهذا جعل سبحانه الأسباب مسببات لأسباب غيرها من الأدنى حتى ينته فيها إلى اللّه سبحانه، فهو السبب الأول لا عن سبب كان به، فالقلب في الصدور هو الرجوع لا واحد الصدور، فإنا عن الحق صدرنا من كوننا عنده في الخزائن، كما أعلمنا فعلمنا، فهو صدور لم يتقدّمه ورود، فالحق المعتقد في القلب هو إشارة إلى القلب، فاقلب تجد ما ثبت في المعتقد، فقوله تعالى: «وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» على الوجهين الواحد من الوجهين للحصر و هي الصدور المعلومة و الثاني للرجوع إلى الحق، و من وجه آخر تعمى القلوب التي في الصدور عن الحق و الأخذ به، فلو كانت غير معرضة عن الحق مقبلة عليه لأبصرت الحق فأقرت له بالربوبية في كل شيء، فلما صدرت عن الحق بكونها و لم تشهده في عينها عميت في صدورها عمن أوجدها، فإن عمى القلوب أشد من عمى الأبصار، فإن عمى القلوب يحول بينك و بين الحق، و عمى البصر الذي لم يرقط صاحبه ليس يحول إلا بينك و بين الألوان خاصة، ليس له إلا ذلك، و هذا العمى من الحجب التي احتجب بها الخلق عن اللّه، و كذلك الصمم و القفل و الكن.
[سورة الحج (22): آية 47]
وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)
يعني من أيامنا هذه المعلومة المعروفة و هو هذا اليوم الصغير الذي من شروق الشمس إلى شروق الشمس، فبهذا الليل و النهار الموجودين في المعمور من الأرض بهما تعد أيام الأفلاك و أيام الرب، و نحن نعلم قطعا أن الأماكن التي يكون فيها النهار ستة أشهر و الليل كذلك أن ذلك يوم واحد في حق ذلك الموضع، فيوم ذلك الموضع ثلاثمائة و ستون يوما مما نعده.
[سورة الحج (22): الآيات 48 الى 52]
وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَ هِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)
الأنبياء لهم العصمة من الشيطان ظاهرا و باطنا و هم محفوظون من اللّه في جميع حركاتهم، و ذلك لأنهم قد نصبهم اللّه للناس و لهم المناجاة الإلهية، فالأنبياء المرسلون معصومون من المباح أن يفعلوه من أجل نفوسهم، لأنهم يشرعون بأفعالهم و أقوالهم، فإذا فعلوا مباحا يأتونه للتشريع ليقتدى بهم و يعرفون الأتباع الحكم الإلهي فيه، فهو واجب عليهم ليبينوا للناس ما أنزل إليهم، و الأنبياء معصومون أن يلقي الشيطان إليهم، و كذلك الأنبياء يعطى لكل نبي أجر الأمة التي بعث إليهم سواء آمنوا به أو كفروا، فإن نية كل نبي يود لو أنهم آمنوا، فيتساوى الأنبياء في أجر التمني، و يتميز كل واحد عن صاحبه في الموقف بالأتباع، فالنبي يأتي و معه السواد الأعظم، و أقل و أقل حتى يأتي نبي و معه الرجلان و الرجل، و يأتي النبي و ليس معه أحد و الكل في أجر التبليغ سواء، و في الأمنية «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» فإن الحق لم يأت بالمعجزة إلا لمن يعلم أن في قوّته قبولها بما ركب اللّه فيه من ذلك، و لذلك اختلفت الدلالات من كل نبي و في حق كل طائفة، و لو جاءهم بآية ليس في وسعهم أن يقبلوها لجهلهم ما آخذهم اللّه بإعراضهم و لا بتوليهم عنها، فإن اللّه عليم حكيم عادل.
[سورة الحج (22): الآيات 53 الى 54]
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53) وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)
وصف الحق نفسه بأنه الهادي، و الهادي هو الذي يكون أمام القوم ليريهم الطريق، و هو قوله: «إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» فتقدم تعالى الأشياء ليهديها إلى ما فيه سعادتها، و تأخر عنها بقوله: «مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ»، ليحفظها ممن يغتالها و هو العدم، فإن العدم يطلبها كما يطلبها الوجود، و هي في محل قابل للحكمين ليس في قوتها الامتناع إلا بلطف اللطيف.
[سورة الحج (22): آية 55]
وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)
العقيم ما يوجب أن لا يولد منه، فلا تكون له ولادة على مثله، و سمى اليوم عقيما لأنه لا يوم بعده أصلا، و هو من يوم الأسبوع يوم السبت، و هو يوم الأبد، فنهاره نور لأهل الجنة دائم لا يزال أبدا، و ليله ظلمة على أهل النار لا يزال أبدا.
[سورة الحج (22): الآيات 56 الى 60]
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57) وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)
«لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ» و لو بعد حين «إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ» كل عاص ما اجترأ على اللّه إلا بما أشهده من نعوته تعالى، من العفو و التجاوز و الصفح و المغفرة و عموم الرحمة و لا سيما العفو.
[سورة الحج (22): آية 61]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61)
[ايلاج الليل و النهار]
اعلم أن الأيام في الدنيا كل يوم هو ابن اليوم قبله، و هما توأمان ليلة و نهار، فالليلة أنثى و النهار ذكر، فيتناكحان فيلدان النهار و الليل اللذين يأتيان بعدهما، و يذهب الأبوان فإنهما لا يجتمعان أبدا، و في غشيان الليل النهار و إيلاج بعضهما في بعض يكون ولادة ما يتكون في كل واحد منهما من الأمور و الكوائن التي هي من شئون الحق، فيكون الليل ذكرا و النهار أنثى لما يتولّد في النهار من الحوادث، و يكون النهار ذكرا و الليل أنثى لما يتولد في الليل من الحوادث، فهذا التوالج لإيجاد ما سبق في علمه أن يظهر فيه من الأحكام و الأعيان في العالم العنصري، فنحن أولاد الليل و النهار، فما حدث في النهار فالنهار أمه و الليل أبوه، و ما ولد في الليل فالليل أمه و النهار أبوه، و لا يزال الحال في الدنيا ما دام الليل و النهار يغشى أحدهما الآخر.
[سورة الحج (22): آية 62]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)
«هُوَ الْعَلِيُّ» لذاته لا بالإضافة، لأن الكل تحت ذل الحصر و التقييد و العجز، لينفرد جلال اللّه بالكمال على الإطلاق فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية و النسب العدمية، بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، و ليس ذلك إلا لمسمى اللّه خاصة، و ليس علوه بالمكان و لا المكانة، فإن علو المكانة يختص بولاة الأمر كالسلطان و الحكام و الوزراء و القضاة و كل ذي منصب، سواء كان فيه أهلية ذلك المنصب أو لم يكن، و العلو بالصفات ليس كذلك.
[سورة الحج (22): الآيات 63 الى 65]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65)
لرحمته بمن في الأرض من الناس مع كفرهم بنعمه، فلا تهوي السماء ساقطة واهية حتى يزول الناس منها، لذلك تمم «إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» فيمسك اللّه صورة السماء على السماء لأجل الإنسان الموحد الذي لا يمكن أن ينفي فذكره اللّه للّه، لأنه ليس في خاطره إلا اللّه، فما عنده أمر آخر يدعي عنده ألوهية فينفيه بلا إله إلا اللّه، فليس إلا اللّه الواحد الأحد، و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول اللّه اللّه، فهذا هجير هذا الإمام الذي يقبض آخرا و تقوم الساعة فتنشق السماء، فهذا و أمثاله كان العمد لأن اللّه ما أمسكها إلا من أجله أن تقع على الأرض.
[سورة الحج (22): الآيات 66 الى 74]
وَ هُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَ ادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (67) وَ إِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)
وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (72) يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ (73) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)
[المعرفة تتعلق بأمرين من كل معروف]
المعرفة تتعلق بأمرين من كل معروف، الأمر الواحد الحق و الآخر الحقيقة، فالحق من مدارك العقول من جهة الدليل، و الحقيقة من مدارك الكشف و المشاهدة، و ليس ثم مدرك ثالث البتة، فلهذا قال حارثة أنا مؤمن حقا، فأتى بالمدرك الأول فكان عنده مؤيدا بالمدرك الثاني، و لكن سكت فقال له النبي عليه السلام فما حقيقة إيمانك، يرى إن كان عنده المدرك الثاني، فأجابه بالاستشراف و الاطلاع و الكشف، فقال له النبي عليه السلام عرفت فالزم، فلا تصح المعرفة للشيء على الكمال إلا بهاتين الحقيقتين الحق و الحقيقة، فإذا أخبر اللّه تعالى بأنا عاجزون عن إدراك حق قدره، فكيف لنا بحقيقة قدره، و ليس القدر هنا إلا المعرفة بما يقتضيه مقام الألوهية من التعظيم، و نحن قد عجزنا عنه فأحرى أن نعجز عن معرفة ذاته جلت و تعالت علوا كبيرا، فلما عاين المحققون هذا الإجلال و قطعوا أنهم لا يقدرون قدره مع ما تقرر عندهم من التعظيم، و قدر ما هم بالتقصير،
فعرفوا أنه ليس في وسع المحدثات أن تقدر قدر القديم، لأن ذلك موقوف على ضرب من المناسبة الحقيقية، و لا مناسبة في مفاوز الحيرة لهذا الجلال، و ما قدروا اللّه حق قدره فيما كيّف به نفسه مما ذكره في كتابه و على لسان رسوله من صفاته، فالحق ذكر عن نفسه أن العبد يتحرك بحركة يضحك بها ربه، و يتعجب منها ربه و تبشبش له من أجلها ربه، و يفرح بها ربه و يرضى بها ربه و يسخط بها ربه، و هذا حكم أثبته الحق و نفاه دليل العقل، فعرفنا أن العقل قاصر عما ينبغي للّه عزّ و جل، و أنه لو ألزم نفسه الإنصاف للزم حكم الإيمان و التلقي، و جعل النظر و الاستدلال في الموضع الذي جعله اللّه، و لا يعدل به عن طريقه الذي جعله اللّه له، و هو الطريق الموصل إلى كونه إلها واحدا لا شريك له في ألوهيته، و لا يتعرض لها لما هو عليه في نفسه، فالحق قد أخبر عن نفسه أنه يجيب عبده إذا سأله، و يرضى عنه إذا أرضاه، و يفرح بتوبة عبده إذا تاب، فانظر يا عقل لمن تنازع، فالحق أعلم بنفسه، فهو الذي نعت نفسه بهذا كله،
و نعلم حقيقة هذا كله بحده و ماهيته، و لكن نجهل النسبة إلى اللّه في ذلك لجهلنا بذاته و قد منعنا و حذرنا و حجر علينا التفكر في ذاته، و أنت يا عقل بنظرك تريد أن تعلم حقيقة ذات خالقك، لا تسبح في غير ميدانك، و لا تتعد في نظرك معرفة المرتبة، لا تتعرض للذات جملة واحدة، و من أراد الدخول على اللّه فليترك عقله و يقدّم بين يديه شرعه، فإن اللّه لا يقبل التقييد، و العقل تقييد، بل له التجلي في كل صورة كما له أن يركبك في أي صورة شاء، فله سبحانه التحول في الصور، و ما قدروا اللّه حق قدره، و ما ثم حجاب و لا ستر، فما أخفاه إلا ظهوره، و لو وقفت النفوس مع ما ظهر لعرفت الأمر على ما هو عليه، لكن طلبت أمرا غاب عنها فكان طلبها عين حجابها، فما قدرت ما ظهر حق قدره لشغلها بما تخيلت أنه بطن عنها.
[سورة الحج (22): آية 75]
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75)
«اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا» الملائكة خاصة هي الرسل منهم، و هم المسلمون ملائكة، و كل روح لا يعطى رسالة فهو روح لا يقال فيه ملك إلا مجازا، و الرسالة في الملائكة دنيا و آخرة، لأنهم سفراء الحق لبعضهم و صنفهم و لمن سواهم من البشر في الدنيا و الآخرة، «وَ مِنَ النَّاسِ»* و الرسالة في البشر لا تكون إلا في الدنيا، و ينقطع حكمها في الآخرة، و كذلك تنقطع في الآخرة بعد دخول الجنة و النار نبوة التشريع، و الرسالة لا يقبلها الرسول إلا بواسطة روح قدسي أمين ينزل بالرسالة على قلبه، و أحيانا يتمثل له الملك رجلا، و كل وحي لا يكون بهذه الصفة لا يسمى رسالة بشرية،
و إنما يسمى وحيا أو إلهاما أو نفثا أو إلقاء أو وجودا، و لا تكون الرسالة إلا كما ذكرنا، و لا يكون هذا الوصف إلا للرسول البشري، و ما عدا هذا من ضروب الوحي فإنه يكون لغير النبي و الرسول، و الفرق بين النبي و الرسول أن النبي إذا ألقى إليه الروح ما ذكرناه اقتصر بذلك الحكم على نفسه خاصة، و يحرم أن يتبع غيره، فهذا هو النبي فإذا قيل له بلغ ما أنزل إليك إما لطائفة مخصوصة كسائر الأنبياء، و إما عامة للناس و لم يكن ذلك إلا لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، لم يكن لغيره قبله، فسمي بهذا الوجه رسولا، و الذي جاء به رسالة، و ما اختص به من الحكم في نفسه و حرم على غيره من ذلك الحكم هو نبي مع كونه رسولا، و أعني بالنبوة هنا نبوة التشريع، فالرسالة و النبوة التي انقطعت هي تنزّل الحكم الإلهي على قلب البشر بواسطة الروح.
[سورة الحج (22): الآيات 76 الى 77]
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)
هذه سجدة خلاف مختلف فيها، و هي سجدة الفلاح و الإيمان عن خضوع و ذلة و افتقار، فكان فعل الخير بمبادرته للسجود عند ما سمع هذه الآية تتلى سببا لإيمانه، إذ كان اللّه قد أيه بالمؤمنين في هذه الآية و أمرهم بالركوع و السجود له، فالتحق بالملائكة من كونهم يفعلون ما يؤمرون، فسجد العبد فأفلح بالفوز و النجاة «وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ».
| لا تندمن على خير تجود به | و إن أغاظك من تعطيه و اقترفا | |
| فاللّه يرزق من يعطيه نعمته | سواء أنكرها كفرا أو اعترفا | |
«لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» الفلاح هو البقاء و الفوز و النجاة.
[سورة الحج (22): آية 78]
وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ (78)
«وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ» الهاء من جهاده تعود على اللّه، أي يتصفون بالجهاد، أي في حال جهاده صفة الحق، أي لا يرون مجاهدا إلا اللّه، و ذلك لأن الجهاد وقع فيه، و لا يعلم أحد كيف الجهاد في اللّه إلا اللّه، فإذا ردوا ذلك إلى اللّه و هو قوله: «حَقَّ جِهادِهِ» فنسب الجهاد إليه بإضافة الضمير، فكان المجاهد لا هم، أي لا يرون لأنفسهم عملا و إن كانوا محل ظهور الآثار. قال اللّه لموسى عليه السلام يا موسى اشكرني حق الشكر، قال يا رب و من يقدر على ذلك، قال إذا رأيت النعمة مني فقد شكرتني حق الشكر-
أخرجه ابن ماجة في سننه- قال تعالى: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ» فكل عمل أضفته إلى اللّه عن ذوق و مشاهدة، لا عن اعتقاد و حال بل عن مقام و علم صحيح فقد أعطيت ذلك العمل حقه حيث رأيته ممن هو له «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» تأمل هذه الآية فإن لها وجهين كبيرين قريبين خلاف ما لها من الوجوه، أي خففت عنكم في الحكم، و ما أنزلت عليكم ما يحرجكم، و ينظر إلى هذا قوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» و قوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» و قوله عليه السلام: [بعثت بالحنيفية السمحاء] و قوله عليه السلام: [إن الدين يسر] فلا يكون الحق يراعي اليسر في الدين و رفع الحرج و يفتي المفتي بخلاف ذلك، فإن النفوس أبت أن تقف عند الأحكام المنصوص عليها، فأثبتت لها عللا و جعلتها مقصودة للشارع و طردتها، و ألحقت المسكوت عنه في الحكم بالمنطوق به بعلة جامعة اقتضاها نظر الجاعل المجتهد، و لو لم يفعل لبقي المسكوت عنه على أصله من الإباحة و العافية، فكثرت الأحكام بالتعليل و طرد العلة و القياس و الرأي و الاستحسان، و ما كان ربك نسيا، و لكن بحمد اللّه جعل اللّه في ذلك رحمة أخرى لنا، لو لا أن الفقهاء حجرت هذه الرحمة على العامة، بإلزامهم إياها مذهب شخص معين لم يعينه اللّه و لا رسوله، و لا دل عليه ظاهر كتاب و لا سنة صحيحة و لا ضعيفة، و منعوه أن يطلب رخصة في نازلته في مذهب عالم آخر اقتضاه اجتهاده، و شددوا في ذلك و قالوا هذا يفضي إلى التلاعب بالدين، و تخيلوا أن ذلك دين، و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: [إن اللّه تصدق عليكم فاقبلوا صدقته] فالرخص مما تصدق اللّه بها على عباده،
و قد أجمعنا على تقرير حكم المجتهد و على تقليد العامي له في ذلك الحكم لأنه عنده عن دليل شرعي، سواء كان صاحب قياس أو غير قائل به، فتلك الرخصة التي رآها الشافعي في مذهبه على ما اقتضاه دليله، و قد قررها الشرع فيمنع المفتي من المالكية المالكي المذهب أن يأخذ برخصة الشافعي التي تعبده بها الشارع- و إنما أضفناها إلى الشارع لأن الشرع قررها- بمنعه مما يقتضيه الدليل في الأخذ به بأمر لا يقتضيه الدليل الذي لا أصل له، و هو ربط الرجل نفسه بمذهب خاص لا يعدل عنه إلى غيره، و يحجر عليه ما لم يحجر الشرع عليه، و هذا من أعظم الطوام و أشق الكلف على عباد اللّه، فالذي وسع الشرع بتقرير حكم المجتهدين في هذه الأمة ضيقه عوام الفقهاء، و أما الأئمة مثل أبي حنيفة و مالك و أحمد بن حنبل و الشافعي فحاشاهم من هذا،ما فعله واحد منهم قط، و لا نقل عنهم أنهم قالوا لأحد اقتصر علينا، و لا قلدني فيما أفتيك به، بل المنقول عنهم خلاف هذا رضي اللّه عنهم، و الوجه الآخر في قوله تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» رفع الحديث من النفس عند توجه الحكم بما لا يوافق الغرض و تمجه النفس، فكأنه خاطب المؤمنين و من وجد الحرج ليس بمؤمن، و هذا صعب جدا، فإذا قال تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» فللإنسان إذا توجه عليه حكم بفتيا عالم من العلماء تصعب عليه أن يبحث عند العلماء المجتهدين، هل له في تلك النازلة حكم من الشرع أهون من ذلك، فإن وجده عمل به و ارتفع الحرج، و إن وجد الإجماع في تلك النازلة على ذلك الحكم الذي صعب عليه، قبله إن كان مؤمنا طيب النفس، و عادت حزونته سهولة، و دفعه له قبولا لما حكم عليه به اللّه، فيصح بذلك عنده إيمانه، و هي علامة له على ثبوت الإيمان عنده، و لما كان هذا المقام شامخا عسيرا على النفوس نيله، أقسم بنفسه جل و تعالى عليه، و لما لم يكن المحكوم عليهم يسمعون ذلك من اللّه و إنما حكم عليهم بذلك رسول اللّه الثابت صدقه، النائب عن اللّه و خليفته في الأرض، لذلك أضاف الاسم إليه عناية به و شرفا له صلّى اللّه عليه و سلم،
فقال: «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ»، فإبراهيم عليه السلام هو أبونا في الإسلام و هو الذي سمانا مسلمين «وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ» فنشهد نحن على الأمم بما أوحى اللّه تعالى به إلينا من قصص أنبيائه مع أممهم، فالشهادة بالخبر الصادق كالشهادة بالعيان الذي لا ريب فيه، مثل شهادة خزيمة، بل الشهادة بالوحي أتم من الشهادة بالعين، لأن خزيمة لو شهد شهادة عين لم تقم شهادته مقام اثنين، «فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ» الاعتصام باللّه هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الاستعاذة «و أعوذ بك منك» فإنه لا يقاومه شيء من خلقه، فلا يستعاذ به إلا منه «هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ».
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 185