تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الحج

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الحج

سورة الحج‏

[1- 4]

[سورة الحج (22): الآيات 1 الى 4]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَ يَهْدِيهِ إِلى‏ عَذابِ السَّعِيرِ (4)

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ‏ احذروا عقابه بالتجرّد عن الغواشي الهيولانية و الصفات النفسانية إِنَ‏ اضطراب أرض البدن في القيامة الصغرى للمنقسمين فيها شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ أي: غاذية مرضعة للأعضاء عن إرضاعها وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ‏ من القوى الحافظة لمدركاتها كالخيال و الوهم و الذاكرة و العاقلة حَمْلَها من المدركات لسكرها و ذهولها و حيرتها و بهتها، أو كل قوة حاملة للأعضاء حملها و تحريكها و استقلالها بالضعف، أو كل عضو حامل لما فيه من القوة حملها بالتخلي عنها، أو كل ما يمكن فيها من الكمالات بالقوة حملها بفسادها و إسقاطها، أو كل نفس حاملة لما فيها من الهيئات و الصفات من الفضائل و الرذائل بإظهارها و إبرازها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ من سكرات الموت، ذاهلين، مغشيّا عليهم‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ في الحقيقة من الشراب، و لكن من شدّة العذاب.

 

 

 

[5- 17]

[سورة الحج (22): الآيات 5 الى 17]

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى‏ وَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (6) وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ (8) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (9)

ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَ ما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى‏ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14)

مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (15) وَ كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ أَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئِينَ وَ النَّصارى‏ وَ الْمَجُوسَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ (17)

وَ تَرَى‏ أرض النفس‏ هامِدَةً ميتة بالجهل لا نبات فيها من الفضائل و الكمالات.

فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا ماء العلم من سماء الروح‏ اهْتَزَّتْ‏ بالحياة الحقيقية وَ رَبَتْ‏ بالترقي في المقامات و المراتب‏ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِ‏ صنف‏ بَهِيجٍ‏ من الكمالات و الفضائل المزينة لها ذلِكَ‏ سبب‏ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ‏ الثابت الباقي و ما سواه هو المغيّر الفاني‏ وَ أَنَّهُ يُحْيِ‏ موتى الجهل بفيض العلم في القيامة الوسطى كما يحيي موتى الطبع في القيامة الصغرى‏ وَ أَنَّ السَّاعَةَ بالمعنيين‏ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي: قبر البدن من موتى الجهل في الساعة الوسطى بالقيام في موضع القلب و العود إلى الفطرة و حياة العلم كما يبعث موتى الطبع في النشأة الثانية و القيامة الصغرى‏ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏ أي: استدلال‏ وَ لا هُدىً‏ و لا كشف و وجدان‏ وَ لا كِتابٍ‏ و لا وحي و فرقان‏ يَدْعُوا مما سوى اللّه‏ ما لا يَضُرُّهُ وَ ما لا يَنْفَعُهُ‏ كائنا ما كان فإن الاحتجاب الغيري‏ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ عن الحق و إنما كان ضرّه أقرب من نفعه لأن دعوته و الوقوف معه يحجبه عن الحق.

 

 

 

[18- 20]

[سورة الحج (22): الآيات 18 الى 20]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18) هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ (20)

يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏ من الملكوت السماوية و الأرضية و غيرهم مما عدّ و مما لم يعد من الأشياء بالانقياد و الطاعة و الامتثال لما أراد اللّه منها من الأفعال و الخواص و أجرى عليها شبه تسخيرها لأمره و امتناع عصيانها لمراده و انقهارها تحت قدرته بالسجود الذي هو غاية الخضوع، و لما لم يمكن لشي‏ء منها إلا للإنسان التابع للشيطان في ظاهر أمره دون باطنه خصّ عموم كثير من الناس الذين حقّ عليهم العذاب و حكم بشقاوتهم في الأزل و هم الذين غلبت عليهم الشيطنة و لزمتهم الزلّة و الشقوة وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ‏ بأن يجعل‏ أهله قهره و سخطه و محل عقابه و غضبه‏ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ.

قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ جعلت لهم ملابس من نار غضب اللّه و قهره، و هي هيئات و أجرام مطابقة لصفات نفوسهم المنكوسة، معذبة لها غاية التعذيب‏ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ‏ حميم الهوى، و حب الدنيا الغالب عليهم، أو حميم الجهل المركّب و الاعتقاد الفاسد المستعلي على جبهتهم العلوية التي تلي الروح في صورة القهر الإلهي مع الحرمان عن المراد المحبوب المعتقد فيه‏ يُصْهَرُ بِهِ‏ أي: يذاب به و يضمحل‏ ما فِي‏ بطون استعداداتهم من المعاني القوية و ما في ظاهرهم من الصفات الإنسانية و الهيئات البشرية، فتتبدل معانيهم و صورهم، و كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها.

 

 

 

[21- 24]

[سورة الحج (22): الآيات 21 الى 24]

وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23) وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى‏ صِراطِ الْحَمِيدِ (24)

وَ لَهُمْ مَقامِعُ‏ أي: سياط مِنْ حَدِيدٍ الأثيرات الملكوتية بأيدي زبانية الأجرام السماوية المؤثرة في النفوس المادية، تقمعهم بها و تدورهم من جناب القدس إلى مهاوي الرجس‏ كُلَّما أَرادُوا بدواعي الفطرة الإنسانية و تقاضي الاستعداد الأوّليّ‏ أَنْ يَخْرُجُوا من تلك النيران إلى فضاء مراتب الإنسان‏ مِنْ غَمٍ‏ تلك الهيئات السود المظلمة و كرب تلك الدركات الموجبة، ضربوا بتلك المقامع المؤلمة و أعيدوا إلى أسافل الوهدات المهلكة وَ قيل لهم: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ‏.

جَنَّاتٍ‏ القلوب‏ تَجْرِي مِنْ‏ تحتهم أنهار العلوم‏ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ الأخلاق و الفضائل المصوغة مِنْ ذَهَبٍ‏ العلوم العقلية و الحكمة العملية وَ لُؤْلُؤاً المعارف القلبية، و الحقائق الكثيفة وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ شعاع أنوار الصفات الإلهية و التجليات اللطيفة، و هداهم‏ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ‏ ذكر الصفات في مقام القلب‏ وَ هُدُوا إِلى‏ صِراطِ ذي الصفات، أي:توحيد الذات الحميدة باتصافها بتلك الصفات، و تلك بعينها صراط الذات و سلّم الوصول إليها بالفناء.

 

 

 

[25]

[سورة الحج (22): آية 25]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (25)

كَفَرُوا حجبوا بالغواشي الطبيعية وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ الذي هو صدر فناء كعبة القلب‏ الَّذِي جَعَلْناهُ‏ لناس القوى الإنسانية مطلقا سَواءً المقيم فيه من‏ القوى العقلية الروحانية و بادي القوى النفسانية لإمكان وصولها إليه و طوافها فيه عند ترقي القلب إلى مقام السرّ.

وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ‏ من الواصلين إليه مرادا بِإِلْحادٍ ميل إلى الطبيعة و الهوى‏ بِظُلْمٍ‏ وضع شي‏ء من العلوم و العبادات القلبية مكان النفسية كاستعمالها للأغراض الدنيوية و إظهارها لتحصيل اللّذات البدنية من طلب السمعة و المال و الجاه أو بالعكس، كمباشرة الشهوات الحسيّة و اللذات النفسية بتوهم كونها مصالح الدارين أو تغير عن وجهها كالرياء و النفاق، أو ملحدا ظالما مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏ في جحيم الطبيعة.

 

 

 

[26]

[سورة الحج (22): آية 26]

وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)

وَ إِذْ بَوَّأْنا أي: جعلنا لِإِبْراهِيمَ‏ الروح مكان بيت القلب و هو المصدر مباءة يرجع إليها في الأعمال و الأخلاق. و قيل: أعلم اللّه إبراهيم مكانه بعد ما رفع إلى السماء أيام الطوفان بريح أرسلها، فكشف ما حولها، فبناه على أسّه القديم، أي: هداه إلى مكانه بعد رفعه إلى السماء. و أيام طوفان الجهل و أمواج غلبات الطبع برياح نفحات الرحمة فكشفت ما حوله من الهيئات النفسانية و الألواث الطبيعية و الغبارات الهيولانية فبناه على أسّه القديم من الفطرة الإنسانية أَنْ لا تُشْرِكْ‏ أي: جعلناه مرجعا في بناء البيت بأحجار الأعمال و طين الحكم و جصّ الأخلاق، و قلنا: لا تشرك، أي: أمرناه بالتوحيد ثم بتطهير بيت القلب عن الألواث المذكورة لِلطَّائِفِينَ‏ من القوى النفسانية التي تطوف حوله للتنوّر و اكتساب الفضائل الخلقية وَ الْقائِمِينَ‏ من القوى الروحانية التي تقوم عليه بإلقاء المعارف و المعاني الحكمية وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ من القوى البدنية التي تستفيد منه صور العبادات و الآداب الشرعية و العقلية، أو لهداية الطالبين من المستبصرين المتعلمين، و المجاهدين السالكين، و المتعبدين الخاضعين.

 

 

 

[27- 28]

[سورة الحج (22): الآيات 27 الى 28]

وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28)

وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ‏ بالدعوة إلى مقام القلب و زيارته‏ يَأْتُوكَ رِجالًا مجرّدين عن صفات النفوس‏ وَ عَلى‏ كُلِ‏ نفس ضامرة بطول الرياضة و المجاهدة يَأْتِينَ مِنْ كُلِ‏ طريق بعيد العمق في قعر الطبيعة لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ‏ من الفوائد العلمية و العملية المستفادة من مقام القلب‏ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ‏ بالاتّصاف بصفاته‏ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ‏ من أنوار التجليات و المكاشفات‏ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ أنعام النفوس المذبوحة تقرّبا إلى اللّه تعالى بحراب‏ المخالفات و سكاكين المجاهدات‏ فَكُلُوا استفيدوا من لحوم أخلاقها و ملكاتها المعينة المقوّية في السلوك‏ وَ أَطْعِمُوا أي: أفيدوا الْبائِسَ‏ الطالب القوي النفس، الذي أصابه شدّة من غلبة صفاتها و استيلاء هيئاتها للتهذيب و التأديب، و الفقير الضعيف النفس، القديم العلم، الذي أضعفه عدم التعليم و التربية المحتاج إليها.

 

 

 

[29]

[سورة الحج (22): آية 29]

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)

ثُمَّ لْيَقْضُوا وسخ الفضول و فضلات ألواث الهيئات كقصّ شارب الحرص، و قلم أظفار الغضب و الحقد. و في الجملة: بقايا تلوينات النفس‏ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏ بالقيام بإبراز ما قبلوه في العهد الأول من المعاني و الكمالات المودعة فيهم إلى الفعل، فقضاء التفث التزكية و إزالة الموانع و الإيفاء بالنذور و التحلية و تحصيل المعارف‏ وَ لْيَطَّوَّفُوا بالانخراط في سلك الملكوت الأعلى حول عرش اللّه المجيد البيت القديم.

 

 

 

[30]

[سورة الحج (22): آية 30]

ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)

ذلِكَ‏ أي: الأمر ذلك‏ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ‏ و هي ما لا يحل هتكه و تطهيره و القربان بالنفس و جميع ما ذكر من المناسك كالتحلي بالفضائل، و اجتناب الرذائل، و التعرّض للأنوار في التجليات، و الاتصاف بالصفات، و الترقي في المقامات‏ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ‏ في حضرة ربّه و مقعد قربه‏ وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ‏ أنعام النفوس السليمة بالانتفاع بأخلاقها و أعمالها في الطريقة و التمتع بالحقوق دون الحظوظ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏ في صورة المائدة من الرذائل المشتبهة بالفضائل و هي التي صدرت من النفس لا على وجهها و لا على ما ينبغي من أمرها بالرذائل المحضة، فإنها محرّمة في سبيل اللّه على السالكين‏ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ‏ أوثان الشهوات المتعبدة، و الأهواء المتبعة، كقوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ‏[1]. وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ من العلوم المزخرفة و الشبهات المموهة من التخيلات و الموهومات، المستعملة في الجدل و الخلاف و المغالطة.

 

 

 

[31- 32]

[سورة الحج (22): الآيات 31 الى 32]

حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (31) ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)

حُنَفاءَ لِلَّهِ‏ مائلين عن الطرق الفاسدة، و العلوم الباطلة، معرضين عن كل ما يغيره من‏ الكمالات و الأعمال، و لو لنفس الكمال و التزين به فإنه حجاب‏ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏ بالنظر إلى ما سواه و الالتفات في طريقه إلى ما عداه. وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ‏ بالوقوف مع شي‏ء و الميل إليه‏ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ‏ سماء الروح‏ فَتَخْطَفُهُ‏ طير الدواعي النفسانية و الأهواء الشيطانية فتمزقه قطعا جذاذا أَوْ تَهْوِي بِهِ‏ ريح هوى النفس في‏ مَكانٍ‏ بعيد من الحق و مهلكة عمياء متلفة وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ‏ من النفوس المستعدّة المسوقة نسائق التوفيق في سبيل اللّه ليهدي بها لوجه اللّه، فإنّ تعظيمها بتحصيل كمالها من أفعال ذي القلوب المتّقية المجرّدة عن الصفات النفسانية و الهيئات الظلمانية.

 

 

 

[33]

[سورة الحج (22): آية 33]

لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)

لَكُمْ فِيها مَنافِعُ‏ من الأعمال و الأخلاق و الكمالات العلمية و العملية إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏ هو الفناء في اللّه بالحقيقة ثُمَّ مَحِلُّها حدّ سوقها و موضع وجوب نحرها بالوصول إلى حرم الصدر عند كعبة القلب إلى مقام السرّ، و ترقي النفس إلى مقامه، فانية عن حياتها و صفاتها.

 

 

 

[34]

[سورة الحج (22): آية 34]

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ من القوى‏ جَعَلْنا عبادة مخصوصة بها لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ‏ بالاتصاف بصفاته التي هي مظاهرها في التوجه إلى التوحيد عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ‏ الكمال بواسطة بَهِيمَةِ النفس التي هي من جملة الْأَنْعامِ‏ أي: النفوس السليمة فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فوحدوه بالتوجه نحوه من غير التفات إلى غيره، و خصّصوه بالانقياد و الطاعة و لا تنقادوا إلا له‏ وَ بَشِّرِ المنكسرين المتذللين القابلين لفيضه.

 

 

 

[35]

[سورة الحج (22): آية 35]

الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ الصَّابِرِينَ عَلى‏ ما أَصابَهُمْ وَ الْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (35)

الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ‏ بالحضور وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ‏ انفعلت لقبول فيضه‏ وَ الصَّابِرِينَ‏ الثابتين‏ عَلى‏ ما أَصابَهُمْ‏ من المخالفات و المجاهدات‏ وَ الْمُقِيمِي‏ صلاة المشاهدة وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ‏ من الفضائل و الكمالات‏ يُنْفِقُونَ‏ بالفناء في اللّه و الإفاضة على المستعدين.

 

 

 

[36]

[سورة الحج (22): آية 36]

وَ الْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

وَ الْبُدْنَ‏ أي: النفوس الشريفة العظيمة القدر جَعَلْناها من الهدايا المعلمة للّه‏ لَكُمْ‏ فِيها خَيْرٌ سعادة و كمال‏ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها بالاتّصاف بصفاته و إفناء صفاتكم فيه، و ذلك هو النحر في سبيل اللّه‏ صَوافَ‏ قائمات بما فرض اللّه عليها، مقيدات بقيود الشريعة، و آداب الطريقة، واقفات عن حركاتها و اضطراباتها فَإِذا سقطت عن هواها الذي هو حياتها و قوّتها التي بها تستقل و تضطرب بقتلها في اللّه‏ فَكُلُوا استفيدوا من فضائلها و أفيدوا المستعدّين و الطالبين المتعرّضين للطلب من المريدين‏ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ‏ بالرياضة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ نعمة الاستعداد و التوفيق باستعمالها في سبيل اللّه.

 

 

 

[37]

[سورة الحج (22): آية 37]

لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

لَنْ يَنالَ اللَّهَ‏ لحوم فضائلها و كمالاتها و لا إفناؤها بإزالة أهوائها التي هي دماؤها وَ لكِنْ يَنالُهُ‏ التجرّد مِنْكُمْ‏ عنها و عن صفاتها. فإن سبب الوصول هو التجرّد و الفناء في اللّه، لا حصول الفضائل مكان الرذائل. مثل ذلك التسخير بالرياضة سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ‏ بالفناء فيه عنها و عن كل شي‏ء على النحو الذي هداكم إليه بالتجريد و التفريد و السلوك في الطريقة إلى الحقيقة. وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ‏ الشاهدين في العبودية عن البقاء و الفناء حال الاستقامة و التمكين.

 

 

 

[38]

[سورة الحج (22): آية 38]

إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ‏ ظلمة القوى النفسانية بالتوفيق‏ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا من القوى الروحانية إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ‏ من القوى التي لم تؤدّ أمانة اللّه من كمالها المودع فيها بالطاعة فيها و خانت القلب بالغدر و عدم الوفاء بالعهد كَفُورٍ باستعمال نعمة اللّه في معصيته.

 

 

 

[39- 40]

[سورة الحج (22): الآيات 39 الى 40]

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ‏ الوهم و الخيال و غيرهما من القوى الروحانية المجاهدين مع القوى النفسانية بسبب‏ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا باستيلاء صفات النفس و استعلائها الَّذِينَ‏ أي:

المظلومين الذين‏ أُخْرِجُوا من مقارّهم و مناصبهم باستخدامها و استعبادها في طلب الشهوات و اللذّات البدنية بِغَيْرِ حَقٍ‏ لهم عليهم موجب لذلك إلا للتوحيد الموجب للتعظيم و التمكين و التوجه إلى الحق و الإعراض عن الباطل.

وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ‏ ناس القوى النفسانية بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ‏ كدفع الشهوانية بالغضبية و بالعكس، أو ناس القوى مطلقا كدفع النفسانية بالروحانية و دفع الوهمية بالعقلية و النفسانية بعضها ببعض كما ذكر لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ‏ رهبان السرّ و خلواتهم‏ وَ بِيَعٌ‏ نصارى القلب و محال تجلياتهم‏ وَ صَلَواتٌ‏ يهود الصدور و متعبداتهم‏ وَ مَساجِدُ مؤمني الروح و مقامات مشاهداتهم و فنائهم في اللّه‏ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ‏ الأعظم بالتخلق بأخلاقه و الاتّصاف بصفاته و التحقق بأسراره و الفناء في ذاته‏ وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ‏ يقهر بنوره من بارزه بوجوده و ظهوره‏ عَزِيزٌ يغلب من ماثله باستعلائه و جبروته.

 

 

 

[41- 51]

[سورة الحج (22): الآيات 41 الى 52]

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عادٌ وَ ثَمُودُ (42) وَ قَوْمُ إِبْراهِيمَ وَ قَوْمُ لُوطٍ (43) وَ أَصْحابُ مَدْيَنَ وَ كُذِّبَ مُوسى‏ فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ (45)

أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَ هِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (50)

وَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ‏ بالاستقامة بالوجود الحقاني‏ أَقامُوا صلاة المراقبة و المشاهدة وَ آتَوُا زكاة العلوم الحقيقية و المعارف اليقينية من نصاب المكاشفة مستحقيها من الطلبة وَ أَمَرُوا القوى النفسانية و النفوس الناقصة بِالْمَعْرُوفِ‏ من الأعمال الشرعية و الأخلاق المرضية في مقام المشاهدة، و نهوهم‏ عَنِ الْمُنْكَرِ من الشهوات البدنية و اللذات الحسيّة و الرذائل المردية و المعاملة وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ بالرجوع إليه.

الفرق بين النبيّ و الرسول، أن النبيّ هو الواصل بالفناء في مقام الولاية، الراجع بالوجود الموهوب إلى مقام الاستقامة متحققا بالحق، عارفا به، متنبئا عنه و عن ذاته و صفاته و أفعاله و أحكامه بأمره، مبعوثا للدّعوة إليه على شريعة المرسل الذي تقدّمه غير مشرّع لشريعة و لا واضع لحكم و ملّة، مظهرا للمعجزات، منذرا أو مبشّرا للناس كأنبياء بني إسرائيل إذ كلهم كانوا داعين إلى دين موسى عليه السلام غير واضعين لملّة و شريعة، و من كان ذا كتاب كداود عليه السلام كان كتابه حاويا للمعارف و الحقائق و المواعظ و النصائح دون الأحكام و الشرائع.

 و لهذاقال عليه السلام: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»، و هم الأولياء العارفون، المتمكنون. و الرسول هو الذي يكون له مع ذلك كله وضع شريعة و تقنين، فالنبيّ متوسط بين الوليّ و الرسول.

 

 

 

[52- 53]

[سورة الحج (22): آية 53]

لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53)

إِذا تَمَنَّى‏ ظهرت نفسه بالتمني في مقام التلوين‏ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي‏ وعاء أُمْنِيَّتِهِ‏ ما يناسبها لأن ظهور النفس يحدث ظلمة و سوادا في القلب يحتجب بها الشيطان و يتخذها محل وسوسته و قالب إلقائه بالتناسب‏ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ‏ بإشراق نور الروح على القلب بالتأييد القدسيّ و إزالة ظلمة ظهور النفس و قمعها ليظهر فساد ما يلقيه و يتميز منه الإلقاء الملكي فيضمحل و يستقرّ الملكي‏ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ‏ بالتمكين‏ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ‏ يعلم الإلقاءات الشيطانية و طريق نسخها من بين وحيه‏ حَكِيمٌ‏ يحكم آياته بحكمته، و من مقتضيات حكمته أنه يجعل الإلقاء الشيطاني فتنة للشاكين المنافقين المحجوبين القاسية قلوبهم عن قبول الحق و ابتلاء لهم لازدياد شكّهم و حجابهم به، فإنهم بمناسبة نفوسهم الظلمانية و قلوبهم المسودّة القاسية لا يقبلون إلا ما يلقي الشيطان، كما قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى‏ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى‏ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)[2]. و إنهم لفي خلاف بعيد عن الحق فكيف يقبلونه.

 

 

 

[54]

[سورة الحج (22): آية 54]

وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)

وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏ من أهل اليقين و المحققين: أن تمكّن الشيطان من الإلقاء هو الحكمة و الحق من ربّك على قضية العدل و المناسبة فَيُؤْمِنُوا بِهِ‏ بأن يروا الكل من اللّه فتطمئن‏ لَهُ قُلُوبُهُمْ‏ بنور السكينة و الاستقامة الموجبة لتمييز الإلقاء الشيطاني من الرحمة وَ إِنَّ اللَّهَ‏ لهاديهم إلى طريق الحق و الاستقامة فلا تزلّ أقدامهم بقبول ما يلقي الشيطان، و لا تقبل قلوبهم إلا ما يلقي الرحمن لصفائها و شدّة نوريتها و ضيائها.

 

 

 

[55]

[سورة الحج (22): آية 55]

وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)

وَ لا يَزالُ‏ المحجوبون‏ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى‏ تقوم عليهم القيامة الصغرى‏ أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ‏ وقت هائل لا يعلم كنهه و لا يمكن وصفه من الشدّة أو وقت لا مثل له في الشدّة أو لا خير فيه.

 

 

 

[56- 57]

[سورة الحج (22): الآيات 56 الى 57]

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57)

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ إذ وقع العذاب و قامت القيامة لِلَّهِ‏ لا يمنعهم منه أحد إذ لا قوة و لا قدرة و لا حكم لغيره يفصل‏ بَيْنَهُمْ‏ فالموقنون العاملون بالاستقامة و العدالة فِي جَنَّاتِ‏ الصفات يتنعمون و المحجوبون عن الذات و المكذبون بالصفات بنسبتها إلى الغير في عذاب مهين من صفات النفوس و الهيئات لاحتجابهم عن عزّة اللّه و كبريائه و صيرورتهم في ذلّ قهره.

 

 

 

[58- 73]

[سورة الحج (22): الآيات 58 الى 73]

وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) وَ هُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَ ادْعُ إِلى‏ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى‏ هُدىً مُسْتَقِيمٍ (67)

وَ إِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (72)

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ (73)

وَ الَّذِينَ هاجَرُوا عن مواطن النفوس و مقارها السفلية فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا بسيف‏ الرياضة و الشوق‏ أَوْ ماتُوا بالإرادة و الذوق‏ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ‏ من علوم المكاشفات و فوائد التجليات‏ رِزْقاً حَسَناً و ليدخلنهم مقام الرضا وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ‏ بدرجات استعداداتهم و استحقاقاتهم و ما يجب أن يفيض عليهم من كمالاتهم‏ حَلِيمٌ‏ لا يعاجلهم بالعقوبة في فرطاتهم في التلوينات و تفريطاتهم في المجاهدات فيمنعهم مما تقتضيه أحوالهم ليمكنهم قبولهم ذلك. من راعى طريق العدالة في المكافأة بالعقوبة ثم مال إلى الانظلام لا إلى الظلم، لوجب في حكمة اللّه تأييده بالأمداد الملكوتية و نصرته بالأنوار الجبروتية، فإن الاحتياط في باب العدالة هو الميل إلى الانظلام لا إلى الظلم.

قال النبي عليه السلام: «كن عبد اللّه المظلوم و لا تكن عبد اللّه الظالم».

 إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ يأمر بالعفو و ترك المعاقبة غَفُورٌ يغفر لمن لا يقدر على العفو ذلِكَ‏ الغفران عند ظهور النفس في المعاقبة أو التأييد و النصر عند رعاية العدالة فيها مع الانظلام في الكرّة الثانية بسبب‏ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ‏ ليل ظلمة النفس في نور نهار القلب بحركتها و استيلائها عليه، فينبعث إلى المعاقبة وَ يُولِجُ‏ نور نهار القلب في ظلمة النفس فيعفو، و كل بتقديره و تصريف قدرته‏ وَ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ‏ لنيّاتهم‏ بَصِيرٌ بأعمالهم، يعاملهم على حسب أحوالهم.

 

 

 

[74- 76]

[سورة الحج (22): الآيات 74 الى 76]

ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76)

ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ أي: ما عرفوه حق معرفته إذ نسبوا التأثير إلى غيره، و أثبتوا وجودا لغيره، إذ كل عارف به لا يعرف منه إلا ما وجد في نفسه من صفاته و لو عرفوه حق معرفته لكانوا فانين فيه، شاهدين لذاته و صفاته، عالمين أنّ ما عداه ممكن موجود بوجوده، قادر بقدرته لا بنفسه، فكيف له وجود و تأثير إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ‏ يقهر ما عداه بقوّة قهره فيفنيه فلا وجود و لا قوّة له‏ عَزِيزٌ يغلب كل شي‏ء فلا قدرة له.

 

 

 

[77]

[سورة الحج (22): آية 77]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان اليقيني‏ ارْكَعُوا بفناء الصفات‏ وَ اسْجُدُوا بفناء الذات‏ وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ‏ في مقام الاستقامة بالوجود الموهوب، فإنّ من بقي منه بقية لم يمكنه أن يعبد اللّه حقّ عبادته إذ العبادة إنما تكون بقدر المعرفة وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ بالتكميل و الإرشاد لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ بالنجاة من وجود البقية و التلوين‏ وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏ أي: بالغوا في المعبودية حتى لا تكون بأنفسكم و أنائيتكم و هو المبالغة في التحذير عن وجود التلوين لأن من نبض منه عرق الأنانية لم يجاهد في اللّه حقّ جهاده، إذ حق الجهاد فيه هو الفناء بالكلية بحيث لا عين له و لا أثر، و ذلك هو الاجتهاد في ذاته.

 

 

 

[78]

[سورة الحج (22): آية 78]

وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى‏ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ (78)

هُوَ اجْتَباكُمْ‏ بالوجود الحقاني لا غيره، فلا تلتفتوا إلى غيره بظهور أنائيتكم‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي‏ دينه‏ مِنْ حَرَجٍ‏ من كلفة و مشقة في العبادة فإنه ما دامت النفس باقية أو يجد العابد من القلب و الروح بقية و لم يستقر بنور التوحيد و لم يستحكم مقام التفريد لم يكن في العبادة روح تام و ذوق عام، و لا يخلو من حرج و ضيق و كلفة و مشقة، و أما إذا تمكن في الاستقامة، و تصفى في المحبة التامة وجد السعة و الروح.

مِلَّةَ أي: أعني و أخصّ ملّة أَبِيكُمْ‏ الحقيقي‏ إِبْراهِيمَ‏ التي هي التوحيد المحض. و معنى أبوّته: كونه مقدّما في التوحيد، مفيضا على كل موحد، فكلهم من أولاده‏ هُوَ أي: إبراهيم، أو اللّه تعالى‏ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ‏ الذين أسلموا ذواتهم إلى اللّه بالفناء فيه و جعلكم علماء في الإسلام أولا و آخرا و هو معنى قوله: مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ‏ بالتوحيد، رقيبا يحفظكم في مقامه بالتأييد حتى لا تظهر منكم بقية وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏ بتكميلهم، مطلعين على مقاماتهم و مراتبهم، تفيضون عليهم أنوار التوحيد إن قبلوا فَأَقِيمُوا صلاة الشهود الذاتي فإنكم على خطر لشرف مقامكم و عزّ مرامكم‏ وَ آتُوا الزَّكاةَ بإفاضة الفيض على المستعدّين و تربية الطالبين المستبصرين فإنه شكر حالكم و عبادة مقامكم‏ وَ اعْتَصِمُوا في ذلك الإرشاد بِاللَّهِ‏ بأن لا تروه من أنفسكم و تكونوا به متخلقين بأخلاقه‏ هُوَ مَوْلاكُمْ‏ في مقام الاستقامة بالحقيقة و ناصركم في الإرشاد بدوام الإمداد فَنِعْمَ الْمَوْلى‏ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ و هو الموفق.


[1] ( 1) سورة الجاثية، الآية: 23.

[2] ( 1) سورة الشعراء، الآيات: 221- 222.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=