تفسیر ابن عربی سوره الحجرات

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الحجرات

(49) سورة الحجرات مدنيّة

[سورة الحجرات (49): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2)

[الأدب عند السماع و المناظرة بحديث رسول اللّه ص:]

فإذا كنا نهينا و تحبط أعمالنا برفع أصواتنا على صوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إذا تكلم، و هو المبلغ عن اللّه، فغض أصواتنا عند ما نسمع تلاوة القرآن آكد، و اللّه يقول: (وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) و أهل الورع إذا اتفقت بينهم مناظرة في مسئلة دينية، فيذكر أحد الخصمين حديثا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، خفض الخصم صوته عند سرد الحديث، هذا هو الأدب عندهم إذا كانوا أهل حضور مع اللّه و طلبوا العلم لوجه اللّه،

فأما علماء زماننا اليوم فما عندهم خير و لا حياء، لا من اللّه و لا من رسول اللّه، إذا سمعوا الآية أو الحديث النبوي من الخصم لم يحسنوا الإصغاء إليه، و لا أنصتوا، و داخلوا الخصم في تلاوته أو حديثه، و ذلك لجهلهم و قلة ورعهم، عصمنا اللّه من أفعالهم، فإن الرحمة كلها في التسليم و التلقي من النبوة و الوقوف عند الكتاب و السنة، و لقد عمي الناس عن قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: [عند نبي لا ينبغي تنازع‏] و حضور حديثه صلّى اللّه عليه و سلّم كحضوره، لا ينبغي أن يكون عند إيراده تنازع، و لا يرفع السامع صوته عند سرد الحديث النبوي، فإن اللّه يقول:

«لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» و لا فرق بين صوت النبي أو حكاية قوله، فما لنا إلا التهيؤ لقبول ما يرد به المحدّث من كلام النبوة من غير جدال، سواء كان ذلك الحديث جوابا عن سؤال أو ابتداء كلام، فالوقوف عند كلامه في المسألة أو النازلة واجب، فمتى قيل: قال اللّه، أو قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ينبغي أن يقبل و يتأدب السامع و لا يرفع صوته على صوت المحدّث، إذا قال ما قال اللّه، أو سرد الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فإن اللّه توعّد على رفع الصوت بحبط العمل من حيث لا يشعر الإنسان، فإنه يتخيل في رده و خصامه أنه يذبّ عن دين اللّه، و هذا من مكر اللّه الذي قال فيه: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) فالعاقل المؤمن الناصح نفسه إذا سمع من يقول: قال اللّه تعالى أو قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فلينصت و يصغ و يتأدب و يتفهم ما قال اللّه أو ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، يقول اللّه:

(وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فأوقع الترجي مع هذه الصفة و ما قطع بالرحمة، فكيف حال من خاصم و رفع صوته و داخل التالي و سارد الحديث النبوي في الكلام؟ و أرجو أن يكون الترجي الإلهي واجبا كما يراه العلماء.

[سورة الحجرات (49): الآيات 3 الى 5]

إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)

لما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يذكر اللّه على كل أحيانه، و اللّه جليس من يذكره، فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم جليس الحق دائما فمن جاء إليه صلّى اللّه عليه و سلّم فإنما يخرج إليه من عند ربه إمّا مبشرا و إمّا موصيا ناصحا، و لهذا قال: «لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» فلو كان خروجه إليهم بما يسوءهم في آخرتهم ما كان خيرا لهم، و قد شهد اللّه بالخيرية فلا بد منها، و هي على ما ذكرناه من بشارة بخير أو وصية و نصيحة و إبانة عن أمر مقرب إلى سعادتهم، غير ذلك لا يكون.

[سورة الحجرات (49): الآيات 6 الى 7]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (6) وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)

لو لا أن اللّه تعالى تولى قلوب المؤمنين فحبب الإيمان إليها و زينه فيها، و كره الكفر و شانه عندها، لتاهوا في الظلمات و غرقوا في بحار الهلكات، لظهور الاعتياد و معاينة الأسباب، و لكن اللّه سلّم و حبب الإيمان في القلوب و زيّن، و كره الكفر و الفسوق و العصيان، و لذلك مدح المؤمنين بالغيب المستور.

[سورة الحجرات (49): الآيات 8 الى 9]

فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)

المقسط هو الحكم إذا كان عدلا.

 

[سورة الحجرات (49): آية 10]

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)

النسب الصحيح بالدين لا بالطين‏ «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»

[بحث في الأخوة في طريق اللّه تعالى:]

[سورة الحجرات (49): آية 10]

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)

النسب الصحيح بالدين لا بالطين‏ «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»

[بحث في الأخوة في طريق اللّه تعالى:]

و هذه أخوة الصفة، و هي أحق مراتب الأخوة، فإن بها يقع التوارث، فبأخوة الإيمان ترث، فلا تأسف على أخوة النسب و لا تكترث، المؤمن أخو المؤمن لا يسلمه، و ما ترك فهو يتسلّمه. و اعلم أن اللّه قد واخى بين المؤمنين كما واخى بين أعضاء جسد الإنسان، و بهذا وقع المثل من النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في الحديث الثابت، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: [مثل المؤمنين في توادهم و تعاطفهم و تراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى و السهر] كذلك المؤمن إذا أصيب أخوه المؤمن بمصيبة فكأنه هو الذي أصيب بها، فيتألم لتألمه، و متى لم يفعل ذلك المؤمن مع المؤمنين، فما ثبتت أخوة الإيمان بينه و بينهم، و المؤمن أخو المؤمن لا يسلمه و لا يخذله، فالمؤمن لا يبغض المؤمن، و المؤمن لا يقتل المؤمن لإيمانه، قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» فجعل أباهم الإيمان، فهم إخوة لأب واحد، و بنص هذه الآية بيننا و بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أخوة الإيمان، و إن كان هو السيد الذي لا يقاوم و لا يكاثر، و لكن قد انتظم معنا في سلك الإيمان بقوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» «فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» يعني إذا تنافروا «وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»

بحث في الأخوة في طريق اللّه-

يحتاج المريد إلى الإخوان لتبيين آفات نفسه ليرفأه الشيخ بعد الجراحة، أي بعد أن يجرحه الشيخ بالتقريع و اللوم، فلو طعنت نفس المجروح فيهم دون أستاذه، فلا بأس به، و إن كان ضعفا فسيعود عنده دواء و كشفا إن شاء اللّه تعالى، فلسان حال الأخ في عقد الأخوة، كل واحد منا بصير في عيوب أخيه لعماه عن عيوب نفسه و استيلاء رمسه، فشد بهذه القاعدة وسطا و لا تتخذ ذلك شططا، حتى يؤيدك اللّه بنصره، و يكشف لكل واحد منّا عيوبه ببصره، و إذ ذاك أخوك من صدقك لا من صدّقك، و من جرحك لا من مدحك، و إليه ينظر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [من أرضى الناس بسخط اللّه صار مادحه منهم ذاما، و من أرضى اللّه بسخط الناس أرضى اللّه عنه الناس و يهبه العين الصحيحة] يرى الطالب معاديه بالعرف العام وليا و المسي‏ء إليه محسنا، إذ هو إنما يعادي عدوه فهو وليه من حيث لا يدري، و إليه ينظر قول الشاعر:

ذهب الرجال المقتدى بفعالهم‏ و المنكرون لكل أمر منكر
و بقيت في خلف يزكي بعضهم‏ بعضا ليدفع معور عن معور

فمادحك إنما يتولى عدوك فاحذره و لا تأنس إليه، فتميل في كل أحوالك إليه، و إذا كان هذا مع الأحباب، فكيف يكون مع الأب؟ أي الشيخ الذي هو أخص الحبائب، أو مع الأخ الشقيق و الصديق الشفيق و الصاحب، و لذلك قيل: لا تصحب من يراك معصوما، فإنه يكون هو المنتفع بك بقدر ظنه، و تبقى أنت على ما بينك و بين اللّه تعالى من مكره و أمنه، فالمحبة على الطالب لا على الشيخ، و قد غلط في هذا كثيرون و احتجوا بقول إبراهيم بن أدهم لصاحبه: إن شدة محبتك في اللّه غيبتني عن النظر في مساويك، و ذلك حال من أحبك له، و أما الشيخ فإنما يحبك لك، فلا يزال مطلعا على عوراتك في غفلاتك، ليصحح منك السقيم و يرد معوجك إلى المستقيم، و أنت أيها الأخ لا تمدح أخاك الغائب عن نفسه بنفسه في وجهه، الذي هو قفاه، فتأكل لحمه ميتا، فهذه هي الأخوة و الأبوة الهازمة للأحزاب، المغرقة في السبب القاطع للأسباب، و النسب القاطع للأنساب، المكينة في النسب المحمدي و السبب الأحمدي، يقول صلّى اللّه عليه و سلّم: [كل سبب و نسب منقطع إلا نسبي و سببي‏] لأنه صلّى اللّه عليه و سلّم آدم أبوة النبوة و الدين، كما أن آدم عليه السلام آدم أبوة الطين، فإذا بلغ المؤمن حال العلم ذوقا و رقاه الحق، صار حقا للشيخ و الشيخ حقا له، فله مرتبة الصحبة و الأخوة و المشاورة، و عليه الأدب بإبقاء التبعية بحيث لا تستمر عليه تكليفات الطالبين لأجل هذه الأخوة، قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [أنا من اللّه و المؤمنون مني‏].

[سورة الحجرات (49): الآيات 11 الى 12]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى‏ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» و اللّه ما يوجد إلا عند ظن العبد به، فليظن به خيرا، و الظن من بعض وزعة الوهم، و هو الذي يعطي العذاب المعجل و النعيم المعجل، فظنّ خيرا تلقه، و بعض الظن إثم، فو اللّه لو لا الظن ما عصى اللّه مخلوق أبدا، و لا بد من العصيان، و هو حكم اللّه في الفعل أو الترك، فلا بد من الظن فمن رحمة اللّه بخلقه أن خلق الظن فيهم و جعله من بعض وزعة الوهم. و اعلم أنه لا يصح إنكار المنكرات إلا بما لا يتطرق إليه الاحتمال، و هذا يغلط فيه كثير من المؤمنين لا أصحاب الدين، فإن أصحاب الدين المتين أول ما يحتاط على نفسه، و لا سيما في الإنكار خاصة، فإن للمغيّر شروطا في التغيير، فإن اللّه ندبنا إلى حسن الظن بالناس لا إلى سوء الظن بهم، فلا ينكر صاحب الدين مع الظن، و قد سمع أن بعض الظن إثم، فلعل هذا من ذلك البعض، و إثمه أن ينطق به، و إن وافق العلم في نفس الأمر، فإن اللّه يؤاخذه بكونه ظن و ما علم، فنطق فيه بأمر محتمل و لم يكن له ذلك، و سوء الظن بنفس الإنسان أولى من سوء ظنه بالغير، لأنه من نفسه على بصيرة و ليس هو من غيره على بصيرة، فلا يقال فيه في حق نفسه إنه سيّئ الظن بنفسه، لأنه عالم بنفسه، و إنما قلنا فيه: إنه يسي‏ء الظن بنفسه اتباعا لسوء ظنه بغيره، فهو من تناسب الكلام، فالعالم الصالح من استبرأ لدينه في كل أحواله في حق نفسه و حق غيره‏

 

[فائدة: حسن الظن بالناس:]

– فائدة- أغفلها الناس و هي تدعو إلى حسن الظن بالناس، ليكون محلك طاهرا من السوء- و ذلك أنك إذا رأيت من يعاشر الأشرار و هو خير عندك، فلا تسي‏ء الظن به لصحبته الأشرار، بل حسّن الظن بالأشرار لصبحتهم ذلك الخيّر و اجعل المناسبة في الخير لا في الشر، فإن اللّه ما سأل أحدا قطّ يوم القيامة عن حسن الظن بالخلق، و يسأله عن سوء الظن بالخلق‏ «وَ لا تَجَسَّسُوا» الجاسوس يستعمل في الشرّ في العرف الاصطلاحي‏ «وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» أضاف الغيبة إلينا و قال: «لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» فجعلنا نشأة واحدة ذات أبعاض، فإن الجزء و التفصيل إنما يرد على الكل، فما خرجنا عنا و لا وقعنا إلا فينا، فشدد الأمر علينا في ذلك، و الغيبة ذكر الغائب بما لو سمعه ساءه، و هي حرام على المؤمنين المكلفين فيما بينهم إلا في مواطن مخصوصة، فإنها واجبة و قربة إلى اللّه، و أهل‏ الورع من المؤمنين يعرّضون بها و لا يصرحون، فمن ذلك في طريق الجرح الذي يعرفه المحدثون في رواة الأحكام المشروعة، و منها عند المشورة في النكاح، فإنه مؤتمن و النصيحة واجبة، و منها الغيبة المرسلة و هو أن يغتاب أهل زمانه من غير تعيين شخص بعينه، و منها غيبة الشيوخ المريدين في حال التربية إذا كان فيها صلاح المريد إذا وصل ذلك إليه، و مع كون الغيبة محمودة في هذا الموطن فعدم التعيين فيها أولى من التعيين، قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم:

[لا غيبة في فاسق‏] نهيا لا نفيا، على هذا أخذ أهل الورع هذا الخبر، و طريق التعريض هيّن المأخذ، و ما عدا أمثال هذه المواطن فهي مذمومة يجب اجتنابها و من هذا الباب تجريح الشهود إذا عرف المشهود عليه أنهم شهدوا زورا، فوجب عليه نصرة الحق و أهله و خذلان الباطل و أهله‏ «أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» فيفطر الصائم بالغيبة و إن لم يأكل‏ «فَكَرِهْتُمُوهُ» و هذا خطاب عام‏ «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» هذا هو الدواء، و معناه اتخذوه وقاية بينكم و بين هذه الأمور المذمومة التي الغيبة منها «إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ».

[سورة الحجرات (49): آية 13]

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)

[أنواع الجسوم الإنسانية:]

الجسوم الإنسانية أربعة أنواع: جسم آدم و جسم حواء و جسم عيسى و أجسام بني آدم، و كلّ جسم من هذه الأربعة نشؤه يخالف نش‏ء الآخر في السببية، مع الاجتماع في الصورة الجسمانية و الروحانية، و إنما نبهنا على هذا، لئلا يتوهم الضعيف العقل أن القدرة الإلهية أو أن الحقائق لا تعطي أن تكون هذه النشأة الإنسانية إلا عن سبب واحد، يعطي بذاته هذا النش‏ء، فرد اللّه هذه الشبهة بأن أظهر هذا النش‏ء الإنساني في آدم بطريق لم يظهر به جسم حواء، و أظهر جسم حواء بطريق لم يظهر به جسم ولد آدم، و أظهر جسم أولاد آدم بطريق لم يظهر به جسم عيسى عليه السلام، و ينطلق على كل واحد من هؤلاء اسم الإنسان بالحد و الحقيقة، ذلك ليعلم أن اللّه بكل شي‏ء عليم، و أنه على كل شي‏ء قدير، فجمع اللّه هذه الأربعة الأنواع في الخلق في آية من القرآن فقال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ» يريد آدم‏ «مِنْ ذَكَرٍ» يريد حواء فهي منفعلة عن آدم عليه السلام‏ «وَ أُنْثى‏» يريد عيسى‏ عليه السلام، و هو منفعل عن مريم في مقابلة حواء من آدم، و بالمجموع‏ «مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏» يريد بني آدم باقي الذرية بطريق النكاح و التوالد، فهذه الآية جامعة لخلق الناس، و من جوامع الكلم و فصل الخطاب، و تبين أن الغرض الإعلام بأن الأجسام الإنسانية و إن كانت واحدة في الحد و الحقيقة، و الصور الحسية و المعنوية، فإن أسباب تأليفها مختلفة، لئلا يتخيل بأن ذلك لذات السبب تعالى اللّه، بل ذلك راجع إلى فاعل مختار يفعل ما يشاء كيف يشاء، من غير تحجير و لا قصور عن أمر دون أمر، لا إله إلا هو العزيز الحكيم‏ «وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا» الشعوب في الأعاجم كالقبائل في العرب، أي فرقكم شعوبا، و ميز قبيلة عن قبيلة، و سميت الميتة شعوبا لأنها تفرق بين الميت و أهله‏ «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ»

[من التقوى حماية جانب اللّه تعالى من المذام:]

– الوجه الأول- أي أشدكم وقاية، لأنه جاء من باب أفعل، و قد جعل اللّه بينه و بين خلقه نسبا، و لم يكن سوى التقوى من الوقاية، ورد في الخبر أن اللّه يقول يوم القيامة:

[اليوم أضع نسبكم و أرفع نسبي أين المتقون؟] و هم الذين جعلوا نفوسهم وقاية يحمون بها جانب اللّه تعالى من المذام التي كانت منه إيجادا و حكما [و الشر ليس إليك‏] فجعلوا نفوسهم وقاية للّه‏– الوجه الثاني- الذين اتخذوا اللّه وقاية، و لهذا المقام رجال و لهذا رجال‏ «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» عليم بما أخفى، خبير بما أبدى، قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: [إن ربكم واحد و إن أباكم واحد، فلا فضل لعربي على أعجمي و لا أعجمي على عربي إلا بالتقوى‏] يريد بالأب آدم عليه السلام.

 

[سورة الحجرات (49): آية 14]

قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)

«قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا لأن الإيمان طهارة الباطن‏ «وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا» فإن الإسلام الانقياد، فإذا أظهر الإنسان الانقياد الظاهر كان مسلما ظاهرا «وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» و هو الطهارة الباطنة، فالإنسان كما يكون مسلما ظاهرا، يجب عليه الانقياد بباطنه حتى يكون مسلما باطنا كما كان ظاهرا، فإن الطهارة الباطنة هي النافعة المنجية من التخليد في النار.

[سورة الحجرات (49): الآيات 15 الى 17]

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17)

لما منّ من منّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بالإسلام، قال تعالى تأنيسا له: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا» ثم أمره أن يقول لهم فقال، «قُلْ» يا محمد «لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ» و آثر الحق تعالى محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم على نفسه حتى لا يجعل له نعتا فيما أجري عليه لسان ذم، فقال له: قل لهم: «بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ» معناه أنه لو منّ لكان المنّ للّه‏ «أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ» و لو شاء لقال: بل أنا أمنّ عليكم أن هداكم اللّه بي للإيمان الذي رزقكم بتوحيده و أسعدكم به، فما جعله تعالى محلا للمنّ كما منّوا بإسلامهم، فوبخوا و نبهوا بقوله: «بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ» و المنّ هنا من علم التطابق لم يقصد به المنّ، لأنهم لما امتنوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بإسلامهم، قال اللّه له: «قُلْ» يا محمد «بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ» أي إذا دخلتم في حضرة المنّ فالمنّ للّه لا لكم، فما كان اللّه ليقول في المنّ ما قال، و يكون منه، و ما كان اللّه ليدلنا على مكارم الأخلاق من العفو و الصفح و يفعل معنا خلافه، فلله المنّة التي هي النعمة، و الامتنان الذي هو إعطاء المنّة، لا المنّ سبحانه و تعالى، فلما كانت المنة الواقعة منهم إنما هي على اللّه لا على رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم، فإنهم ما انقادوا إلا إلى اللّه، لأن الرسول ما دعاهم إلى نفسه، و إنما دعاهم إلى اللّه، فكان قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» في دعواكم أنكم مؤمنون، يعني في إيمانكم بما جئت به، فإنه مما جئت به أن الهداية بيد اللّه، يهدي بها من يشاء من عباده لا بيد المخلوق، فعراهم من هذه الصفة أن تكون لهم كسبا، فاللّه تعالى يمنّ على عباده بما يمتنّ عليهم من المنن الجسام، فجميع نعمه الظاهرة و الباطنة مننه،و لذا سميت مننا، و ليس للعباد أن يمتنوا لأن النعم ليست إلا لمن خلقها، فلهذا كان المن من اللّه محمودا، لأنه ينبه عباده بما أنعم عليهم ليرجعوا إليه، و كان مذموما من العباد لأنه كذب محض.

[سورة الحجرات (49): آية 18]

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 167

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=