تفسیر ابن عربی سوره المطففين

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة المطفّفين

(83) سورة المطفّفين مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

للقراء في مثل هذه السورة مذهب مستحسن فيمن يثبت البسملة من القراء، و فيمن يتركها كقراءة حمزة، و فيمن يخيّر فيها كقراءة ورش، و البسملة إثباتها عنده أرجح، فأثبتناها عند قراءتنا بحرف حمزة لما فيه من قبح الوصل بالقراءة، و هو أن يقول‏ (وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) «وَيْلٌ» فبسملوا هنا، و أما مذهبنا فيه فهو أن يقف على آخر السورة، و يقف على آخر البسملة، و يبتدئ بالسورة من غير وصل.

[سورة المطففين (83): الآيات 1 الى 6]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4)

لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (6)

سمي يوم القيامة بالقيامة لقيام الناس فيه من قبورهم لرب العالمين في النشأة الآخرة، و لقيامهم أيضا إذا جاء الحق للفصل و القضاء و الملك صفا صفا، قال اللّه تعالى‏ «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ» من قبورهم‏ «لِرَبِّ الْعالَمِينَ» أي من أجل رب العالمين، حين يأتي بالاسم الرب، إذ كان الرب المالك، فله صفة القهر و له صفة الرحمة، و لم يأت بالاسم الرحمن لأنه لا بد من الغضب في ذلك اليوم، غير أنه سبحانه أتى باسم إلهي تكون الرحمة فيه أغلب، و هو الاسم الرب، فإنه من الإصلاح و التربية، فتقوى ما في المالك و السيد من فضل الرحمة على ما فيه من صفة القهر، فتسبق رحمته غضبه و يكثر التجاوز عن سيئات أكثر الناس،

– إشارة- قيام الناس يوم عرفه يذكرهم قيامهم يوم القيامة لرب العالمين.

[سورة المطففين (83): آية 7]

كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)

كتاب أعمال الفجار لا تفتح له أبواب السماء، و محل وصولها فلك الأثير، فتودع في سجين، و فيه أصول السدرة التي هي شجرة الزقوم.

[سورة المطففين (83): آية 8]

وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (8)

سجين من السجن، فهناك تنتهي أعمال الفجار في أسفل سافلين.

[سورة المطففين (83): آية 9]

كِتابٌ مَرْقُومٌ (9)

الأعين لا تكون ناظرة إلا إلى موضع كتابها، فمن كان كتابه في عليين فنظره في عليين، و من كان كتابه في سجين فعينه مصروفة إلى سجين، فالكتاب يقيده بالخاصية.

[سورة المطففين (83): آية 10]

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10)

ثم وصف تعالى أهل الجحيم فقال:

[سورة المطففين (83): الآيات 11 الى 12]

الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَ ما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)

فوصفه بالإثم و الاعتداء.

[سورة المطففين (83): الآيات 13 الى 14]

إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (14)

الران هو صدأ و طخاء، و ليس إلا ما تجلى في مرآة القلب من صور ما لم يدعه اللّه إلى رؤيتها، و جلاؤها من ذلك بالذكر و التلاوة، فمن كان على قلبه ران فإن اللّه قد حال بينه و بين الفهم عن اللّه تعالى و إن تأوله، و لهذا يتخذ آيات اللّه هزوا و دينه لهوا و لعبا، لعدم فهمه عن اللّه ما خاطب به عباده.

[سورة المطففين (83): آية 15]

كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)

قال تعالى ذلك في معرض الذم، فأهل النار محجوبون عن ربهم، و الرب هو المربي و المصلح، فالحق لا يتجلى لأهل الشقاء في اسم الرب المضاف إليهم، لا في إطلاق الاسم، فهم في الحجاب في زمان مختص من اسم مضاف خاص بهم، فلا يمنع تجليه في هذا الاسم الخاص لهم في غير ذلك الزمان، و في اسم الرب المطلق و في غيره من الأسماء، فقال تعالى‏ «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ» فأضافه إليهم،

و هي النسبة التي يرجونها منه لم يجدوها، لأنهم طلبوها من غير جهة ما تكون فيه، فكانوا كمن يقصد الشرق بنيته و هو يمشي إلى المغرب بجسمه، و يتخيل أن حركته إلى جهة قصده، و هو قوله تعالى‏ (وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) «يَوْمَئِذٍ» فجعله زمانا معينا «لَمَحْجُوبُونَ».– الوجه الأول- ليعرفوا ذوقا عذاب الحجاب فيزيد في عذابهم، فإنهم لما استيقظوا من نوم غفلتهم و وصلوا إلى منزل و حطوا عن رحالهم، طلبوا ما قصدوه، فقيل لهم: من أول قدم فارقتموه، فما ازددتم منه إلا بعدا؛

فيقولون: يا ليتنا نرد؛ و لا سبيل إلى ذلك، فلهذا وصفوا بالحجاب عن ربهم الذي قصدوه بالتوجه على غير الطريق الذي شرع لهم، و ذلك قبل انقضاء أجل العذاب و عموم الرحمة الشاملة، و أما بعد عموم الرحمة فلهم رؤية على قدر ما اتصفوا به في الدنيا من مكارم الأخلاق‏

الوجه الثاني- لما كانت الرؤية لأهل الجنان، جعل الحجاب في مقابلته لأهل النار، و حجابهم مدة عذابهم حتى لا تزيدهم الرؤية عذابا، فإذا انقضت المدة بقي الحجاب دونهم مسدلا لينعموا، فإنه لو تجلى لهم هنالك مع ما تقدم لهم من الإساءة و استحقاق العقوبة، أورثهم ذلك التجلي الإحساني حياء من اللّه مما جرى منهم، و الحياء عذاب و قد انقضت مدته، و هم لا يعلمون لذة الشهود و الرؤية، فلهم نعيم بالحجاب، و الغرض النعيم و قد حصل و لكن بمن؟ فأين النعيم برؤية اللّه من النعيم بالحجاب؟ فهم عن ربهم يومئذ محجوبون‏

الوجه‏ الثالث- في قوله تعالى‏ «لَمَحْجُوبُونَ» عن علمهم بما يرونه، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول [إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت‏] فإذا ماتوا رأوا الحق غير أنهم محجوبون عن العلم به أنه هو، مثل إذا كان في نفسك لقاء شخص لست تعرفه بعينه و أنت طالب له من اسمه و حاجتك إليه، فلقيته و سلمت عليه من جملة من لقيت، و لم يتعرف إليك، فقد رأيته و ما رأيته، فلا تزال طالبا له و هو بحيث تراه، فلا معول إلا على العلم، فما هو محجوب،

هو مرئي للجميع لكنه لا يعلم، فلأهل الجنة الرؤية متى شاءوا، و لأهل النار في أحيان مخصوصة الرؤية، فإن اللّه ما أرسل الحجاب عليهم مطلقا، و إنما قال‏ «يَوْمَئِذٍ» في قوله‏ «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» لما تعود عليهم و أغلظ في حال الغضب، و الربوبية لها الشفقة، فإن المربى ضعيف يتعين اللطف به، فلذلك كان في حال الغضب عن ربه محجوبا، فأورثه ذلك الحجاب أن جعله يصلى الجحيم، لأنه قال بعد قوله‏ «لَمَحْجُوبُونَ» الآية.

– تحقيق- «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ»

مع قوله تعالى‏ (وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) فالكافر و المؤمن كلهم يرجعون إلى اللّه، غير أنه ما كل من يرجع إليه يلقاه، لذلك قال تعالى‏ «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ».

[سورة المطففين (83): آية 16]

ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (16)

فأتى بقوله‏ «ثُمَّ» فما صلى الجحيم إلا بعد وقوع الحجاب، و لذلك قيده بيومئذ، فيدخلون من باب الجحيم أحد أبواب النار السبعة.

[سورة المطففين (83): الآيات 17 الى 18]

ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18)

في سدرة المنتهى حيث ترفع أعمال الأبرار، و يدخل فيهم العصاة أهل الكبائر و الصغائر.

[سورة المطففين (83): الآيات 19 الى 21]

وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (19) كِتابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21)

إن المقرب من كانت سجيته‏ سجية البر و الأبرار تجهله‏

[سورة المطففين (83): آية 22]

إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)

بما غمرهم به من إحسانه.

[سورة المطففين (83): الآيات 23 الى 24]

عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24)

أي أن اللّه خلقهم على هذه الصفة، فأنشأهم نشأة نعماء.

[سورة المطففين (83): الآيات 25 الى 26]

يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (26)

أصحاب الهمم يتنافسون في السباق إلى أسماء الكرم و الجود الإلهي ليقاموا بها فيدعون بها، و لا يكون التنافس إلا في النفائس، و لا نفائس إلا الأنفس، و لا أنفس من الأنفس إلا الأنفاس، فمن تقاعس عن التنافس فيما ينبغي أن يتنافس فيه، فهو كسلان مهين لا همة له.

[سورة المطففين (83): آية 27]

وَ مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27)

فهو منزل لذة و نعيم، يسقى فيه من عين مزاجها من تسنيم، فهو نهر أعلى، ينزل من العلى إلى عين أدنى، فله علو المرتبة.

[سورة المطففين (83): آية 28]

عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)

و هم الأكابر من عباد اللّه الذين هم في زمانهم بمنزلة الأنبياء في زمان النبوة، و هي النبوة العامة، فهو مقام عند اللّه يناله البشر، و هو مختص بالأكابر من البشر، يعطى للنبي المشرع و يعطى للتابع لهذا النبي المشرع، الجاري على سنته.

[سورة المطففين (83): الآيات 29 الى 34]

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (30) وَ إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَ إِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (32) وَ ما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (33)

فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)

الصورة بالصورة.

[سورة المطففين (83): الآيات 35 الى 36]

عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (36)

فعمّ بالألف و اللام، و رد الفعل عليهم، و هو قوله تعالى‏ (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) فانتقلت صفات هؤلاء إلى هؤلاء، و هؤلاء إلى هؤلاء، انتقل ذل الأولياء و تعبهم و نصبهم و مكابدتهم و كدهم في الدنيا في طاعة ربهم إلى الأشقياء من الجبابرة في النار، و انتقل سرور الجبابرة و راحة أهل الثروة في الدنيا إلى أهل السعادة أهل الجنة في الآخرة.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 470

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=