تفسیر ابن عربی سوره النجم

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّجم

(53) سورة النّجم مكيّة

[سورة النجم (53): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ (1)

أي إذا سقط، و هذا قسم أي و مسقط النجم، فذكر الحق أشياء و أضمر الأسماء الإلهية، لتدل الأشياء على ما يريده من الأسماء الإلهية- راجع سورة و الشمس.- اعتبار- هذه الآية فيها إشارة إلى النظر في الأدلة، لأنه لما أفل النجم استدل إبراهيم الخليل عليه السلام على أنه ليس بإله، فكمل برهانه النظري.

[سورة النجم (53): آية 2]

ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏ (2)

الخوف مع الضلال قال تعالى: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏» أي ما خاف في حيرته،لأنه من علم أن الغاية في الحق هي الحيرة فقد اهتدى، فهو صاحب هدى و بيان في إثبات الحيرة.

[سورة النجم (53): آية 3]

وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ (3)

«وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏» بأسرار الاستوا، لكونه شديد القوى، و لما كان القرآن لا يقبل نزوله إلا مناسبا له في الاعتدال، فهو معرى عن الهوى، لهذا قيل في محمد صلّى اللّه عليه و سلّم: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏» في حين قيل في غيره من الرسل الخلفاء: (وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏) فلم ينزل في المرتبة منزلة من أخبر عنه أنه لا ينطق عن الهوى، فهو صلّى اللّه عليه و سلّم لسان حق ظاهر في صورة خلق.

[سورة النجم (53): آية 4]

إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى‏ (4)

[الحديث مثل القرآن بالنص:]

و هذا يدل على أن الحديث مثل القرآن بالنص، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لا ينطق عن هواه، بل ينطق عن اللّه تعالى، و إن لم نسم كل كلام إلهي قرآنا، مع علمنا أنه كلام اللّه، فالقرآن كلام اللّه و ما كل كلام اللّه قرآن، و الكل كلامه، و لهذا فإن حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم هو ما نسميه السنة حكم اللّه، فهو صلّى اللّه عليه و سلّم ناقل عن اللّه و مبلغ عنه بما أراه اللّه، و من لا ينطق عن الهوى لا يسأل عما يقول سؤال مناقشة و حساب، و لكن قد يسأل سؤال استفهام لإظهار علم يستفيده السامعون.

[سورة النجم (53): الآيات 5 الى 7]

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏ (6) وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏ (7)

اعلم أن الأنبياء ما اختارت النوم على ظهورها إلا لعلمها أنه كل ما قابل الوجه فهو أفق له، إذ كان لا يقابل الوجه إلا الأفق، و ثمّ أفق أدنى أي أقرب إلى الأرض، و ثمّ أفق أعلى و هو ما تقابله بوجهك عند استلقائك على ظهرك.

[سورة النجم (53): آية 8]

ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8)

[ «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى» الآية:]

– الوجه الأول- فدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فتدلى الحق تعالى، إذ لا يكون التدلي إلا من أعلى‏– الوجه الثاني- ثم دنا في إسرائه إلى السموات ليريه من آياته، فتدلى فدل على أن نسبة الصعود و الهبوط على السواء في حقه، فجمع بين صاحب الحوت و صاحب الإسراء أنه لم يكن واحد منهما بأقرب من الحق من الآخر، فهي إشارة إلى عدم التحيز و أن الذات مجهولة غير مقيدة بقيد معين، فكان من آياته التي أراه ليلة إسرائه كونه تدلى في حال عروجه.

[سورة النجم (53): آية 9]

فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ (9)

قاب قوسين هو التقاء قطري الدائرة، أو هو قدر الخط الذي يقسم قطري الدائرة، فيشقها بقسمين و هو غاية القرب، فإن أقرب القرب أن يكون عين الخط الذي به تقسم الدائرة نصفين لظهور القوسين‏ «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ» و هي إشارة إلى التقريب الصوري، فإنه ما أظهر القوسين من الدائرة إلا الخط المتوهم، و لا يكون قرب أقرب من القوسين، إلا من كان قربه قرب حبل الوريد منه، و هو القرب العام، و من عرف هذا القرب كان من المقربين، و عرف سر الحق في وجوده و موجوداته على التنزيه، فقال: «أَوْ أَدْنى‏» يعني مما تمناه العبد أو يتمناه، و هذا أبلغ في المعنى في قوله أو أدنى، فهو قرب قدر لا قرب مقدار.

و اعلم أن رؤية الحق لا تكون أبدا حيث كانت إلا في منازلة بين عروج و نزول، فالعروج منّا و النزول منه، فلنا التداني و له التدلي، إذ لا يكون التدلي إلا من أعلى، و لنا الترقي و له تلقي الوافدين عليه، و ذلك كله إعلام بالصورة التي يتجلى فيها لعباده، و أنها ذات حد و مقدار، فكانت كل صورة من الأخرى أدنى من قاب قوسين، لكل واحدة من الصورتين قوس أظهر التقويس، و الفرقان بين الصورتين الخط الذي قسّم الدائرة بنصفين، فكان الأمر عينا واحدة ثم ظهر بالصورة أمران، فلما صار الحكم أمرين، كان من الأمر الواحد تدليا لأن العلو كان له، و في عين هذا التدلي دنو من الأمر الآخر، و كان من الأمر الآخر تدان إلى من تدلى إليه، فكان دنوه عروجا، لأن تدلي الأمر الآخر إليه أعلمنا أن السفل كان قسم هذا الآخر، و ما تداني كل واحد من الآخر إلا ليرجع الأمر كما كان دائرة واحدة، لا فصل بين قطريها،

و هذا الخط الفاصل بين قسم الدائرة هو عين تميز العبد عنه، و تميزه عن العبد من الوجه الذي كان به الحق إلها و كان العبد به عبدا، فلما تحقق التمييز، و وقع‏ الانفصال بالتكوين، و أظهر الخط حكمه، عاد الأمر واحدا، فوصف الحق نفسه بأنه سمع العبد و بصره و جميع قواه، فالعالم في جنب الحق متوهم الوجود لا موجود، فالموجود و الوجود ليس إلا عين الحق و هو قوله: «أَوْ أَدْنى‏» فالأدنى رفع هذا التوهم، و إذا رفع من الوهم لم يبق سوى دائرة، فلم تتعين القوسان، فمن كان من ربه في القرب بهذه المثابة، أعني بمثابة الخط القاسم للدائرة، ثم رفع نفسه منها، ما يدري أحد ما يحصل له من العلم باللّه، و لما كان القرآن منزلا على لسان العرب، ففيه ما في اللسان العربي، و لما كانت الأعراب لا تعقل ما لا يعقل إلا حتى ينزل لها في التوصيل بما تعقله، لذلك جاءت الكلمات التي وردت في القرآن و الحديث من الألفاظ التي توهم التشبيه و التجسيم و غير ذلك مما لا يليق باللّه تعالى في النظر الفكري عند العقل خاصة، و لما كانت الملوك عند العرب تجلس عبدها المقرب المكرم منها بهذا القدر في المساحة، فعقلت العرب من هذا الخطاب‏ «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏» قرب محمد صلّى اللّه عليه و سلّم من ربه، و لا تبالي بما فهمت من ذلك سوى القرب،

– إشارة- إذا نزلت‏ قابَ قَوْسَيْنِ‏

، فلا تطلب أثرا بعد عين، فمقام قاب قوسين مقام المعاينة، و هو مقام يعطي حكمه في الدنيا و الآخرة، حيث كان، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: [ما تجلى اللّه لشي‏ء ثم احتجب عنه‏] و فيه أنشدوا.

يا مؤنسي بالليل إذا هجع الورى‏ و محدثي من بينهم بنهار

و لما أدنى الحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم تدلى إليه.

 

 

[سورة النجم (53): آية 10]

فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ (10)

بلا واسطة، و أما وحيه بالواسطة فقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ) و ما عيّن لنا في الذكر الحكيم ما أوحى، و لا ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ما أوحي في ذلك القرب به إليه، فكان التلقي في هذا الموطن تلقيا ذاتيا لا يعلمه إلا من ذاقه‏ «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»

 

 

[إشارة: مناجاة الحق للشيخ الأكبر من مقام‏ «فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ …»]

– إشارة- من التحدث بنعم اللّه تعالى يترجم الشيخ قدس اللّه سره عما ذاقه من مناجاة في سلوكه في مقام‏ «فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏» فيقول قال لي: ناجيتك في كل حضرة،و نظرت إليك فيها نظرة، ثمّ نظرة بين هشيمه و نضره، و في هذا كله لا تشبع و لا تقنع، إلا تحيط و تجمع، و تقول: هذا ثماد من بحور، و قليل من كثير؛ فقلت: من أين كان للعبد أن يعرف مولاه، لو لا ما قلت‏ (ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ)؟ و العبد ليست له إرادة، يطلب بها الرجوع إلى الشهادة، إنما هي الإفادة و الزيادة، فإن وقع منك لا مني، نطقت عنك لا عني، و كانت لي الحجة، و اتضح لي سنن المحجة، فوعزتك لو أبقيتني آباد الآباد، ما طلبت منك إلا الازدياد، فإني علمت أن النهاية محال، فكيف أرجع عن هذا الحال؟ فإن أردت مني الرجوع إلى الملك فأشترط، و حينئذ تقر عيني و أغتبط، قال: و ما ذا تشترط؟

قلت:يكون نوري عليهم منبسط، أرقيهم بالهمة، و أنا خارج عن كور العمة- أي أبين لهم، و لا أتقيد بهم- أناجي بواطنهم بقلبك، و أنا مخبو في خزائن غيبك [قوله «أناجيهم بقلبك» أي بقلبي الذي هو متعلق بك- فهي إضافة ملك و تشريف- فأنت بعثته إليهم، فكنت مقتديا لأمرك لا صاحب هوى‏] يجدون الأثر و لا يرون عينا، و يطلبون أينا فلا يجدون أينا- أي إني أتبرأ من الذي أوصلت إليهم، و أعلمهم أنه من عند اللّه، و أني عبد لا أثر لي،

فيشهدون أثر الحق في ذواتهم، و لا يرون عين المؤثر- فتكبر هممهم، و يتقوى أممهم، حتى أكون في ذلك الإرشاد و الهداية، صاحب نهاية و بداية، فأخترق و إليّ يخترق، و نطلب فلا نلحق، فإن صح لي هذا الاشتراط، و تقوى هذا الارتباط، فإنما أنشر البساط، و أسير بين الانقباض و الانبساط؛ قال: ارق إلى حضرة أوحى أناجيك فيها بما يكون، و أهب لك بها سر القلم و النون، حتى تقول للشي‏ء كن فيكون؛ فاختطفت مني، و أفنيت عني، و اتفقت أمور و أسرار، غطّى عليهن إقرار و إنكار، جلّت عن العبارة، و دقّت عن الإشارة، فهي لا تنعت و لا توصف، و لا تحدّ و لا تتصف، و غاية العبارة عنها أن يقال: زال قلت و قال، و انعدم المقام و الحال، و لم يبق مثل و لا ضد، و لا مطلع و لا حدّ، و ذهبت الجنة و النار،

و فنيت الظلم و الأنوار، و فني كل قاب و رفرف، و لم يبق جناح و لا أشرف، و اتحد السؤال و الجواب، و زال المكتوب و الكتاب، و كان المجيب هو المجاب، و مضت البحار و أحجارها، و الحدائق و أزهارها، و مارت السماء و طمست أنوارها، فلم أرجع إلى البقاء بالحق، بعد ذهاب العين و المحق، حتى وجدت في غيابات لباب سر أسرار روح معنى قلب النفس، ما كنت أمّلته بالأمس، ثم توجني بتاج البهاء، و إكليل السناء، و أفرغ عليّ حلة الكبرياء، و أذن لي أن آذن على سواء، و ذلك على الشرط الذي اشترطته في مناجاة حضرة الرياح، و العقد الذي ربطته بحضرة الجرس و الجناح، و أنا اليوم أنادي و أنادى، و أهادي و أهادى، و أسري و يسرى إلي، و أتوكل و يتوكل علي، و وهب لي كل حضرة تحت علمي، يخترقها السالكون إلي باسمي، و لا يدركون مني غير ما أدركته، و لا يملك أحد منهم في وجودي سوى ما ملكته، هذا إن كانت لهم عندي عناية، و سبق لهم في سابق علمي هداية، و إلا ففي بحر المعارف يسبحون، و في قفر اللطائف يخبطون، مهد اللّه لهم السبيل، و عرفهم أسرار التنزيل.

 

 

[سورة النجم (53): آية 11]

ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ (11)

«ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏» العين، أي تجلى له في صورة علمه به، فأنس بمشاهدة من علمه، فكان شهود تأنيس في ذلك المقام.

[سورة النجم (53): آية 12]

أَ فَتُمارُونَهُ عَلى‏ ما يَرى‏ (12)

[إشارة: لا يتواضع إلا مؤمن:]

– إشارة- ما عرف الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم طعم التواضع إلا صبيحة ليلة إسرائه، لأنه نزل من أدنى من قاب قوسين إلى من أكذبه، فاحتمله و عفا عنه، فإنه ما تواضع عن رفعة إلا صاحب منعة، فلا يتواضع إلا مؤمن، فإن له الرفعة الإلهية بالإيمان.

[سورة النجم (53): الآيات 13 الى 14]

وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ (14)

إنما سميت منتهى، لأنه إليها ينتهي ما ينزل، ثم يلبس صورة يقتضيها حكم السموات، و إليها ينتهي ما يطلع من الأرض ثم يحبس، فالسدرة شجرة في الجنة تنتهي إليها أعمال بني آدم، و لهذا سميت سدرة المنتهى، فهي موضع الفصل، و بظلها تستظل صورة الأعمال، و السدرة عروقها دون السماء، و أصلها في السماء، و فروعها في عليين، فتنتهي إليها أعمال العباد الصالحة و الطالحة، فإذا مات الإنسان و قبضت روحه قرنت بعملها حيث انتهى عمله من السدرة، فالذي لا تفتح له أبواب السماء عمله في عروق هذه السدرة، و الذي يفتح لهم أبواب السماء عملهم في موضع ثمر هذه السدرة، و لهذا لا يجوع السعيد و لا يعرى،للورق و الثمر اللذين في الفروع، و الشقي يجوع و يعرى لعدم الثمر و الورق في العروق، و للحق فيها تجل خاص عظيم يقيد الناظر و يحير الخاطر، و فيها من الآيات ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر،

كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيها [إنها غشيها من نور اللّه ما غشي فلا يستطيع أحد أن ينعتها] للغشاء النوري الذي لا تنفذه الأبصار، بل لا تدركه الأبصار، فهي شجرة النور، فعليها من النور و البهاء بحيث أن يعجز عن وصفها الإنسان من كل عالم، و ما في الجنة قصر و لا طاقة إلا و غصن من أغصان هذه السدرة داخل فيه، و في ذلك الغصن من النبق على قدر ما في العمل الذي هو الغصن صورته من الحركات، و ما من ورقة في ذلك الغصن إلا و فيها من الحسن بقدر ما حضر هذا العبد مع اللّه في ذلك العمل، و أوراق الغصن بعدد الأنفاس في ذلك العمل، و إذا أكل أهل السعادة من هذه الشجرة زال الغلّ من صدورهم، و مكتوب على ورقها سبوح قدوس رب الملائكة و الروح.

[سورة النجم (53): آية 15]

عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏ (15)

تأوي عندها نفوس السعداء، و هي الجنة التي أنزل منها آدم، و هي اليوم مقام الروح الأمين جبريل عليه السلام، و هي اليوم برزخ لذرية آدم و نزل إليها جبريل من السدرة بنزول آدم، و هذه الجنة لا تقتضي الخلود لذاتها، فلذلك أمكن خروج آدم منها، و لذلك تأثر بالاشتياق أن يكون ملكا بعد سجود الملائكة بغرور إبليس إياه و وعده في الخلود، رغبة في الخلود و البقاء مع جبريل، و الجنة التي عرضها السموات و الأرض تقتضي الخلود لذاتها، يعلم ذلك من دخلها أنه لا يمكن الخروج منها إذ لا سبيل للفساد إليها، قال سبحانه و تعالى في وصف عطائها: (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي غير منقطع.

[سورة النجم (53): آية 16]

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏ (16)

فلم ينعتها سبحانه، و كذلك قال عليه السلام، و هو معدن الفصاحة و الحكم، و قد أوتي جوامع الكلم: [فغشيها من نور اللّه ما غشيها، فلم يستطع أحد أن ينعتها] و إذا كان هذا، فكيف يصف أحد حقيقتها؟ فجدير أن يوقف عند ما وقف، و غشاها اللّه من الأنوار ما غشى، ألا إن تلك الأنوار أنوار الأعمال، فلا يستطيع أحد أن ينعتها إنما ينظر إليها فيدركه‏ البهت، فلا تصل عين إلى مشاهدتها فتحدها أو تصفها، فالنور الذي كساها نور أعمال العباد، و أنوار الأعمال تبعث من صورها فتغشاها، فلا يستطيع أحد أن ينعتها، فإن النعت للأشياء تقييد و تمييز، و الأعمال تختلف و لها مراتب، و أنوارها على قدر مراتبها، فعال و أعلى، و مضي‏ء و أضوأ، و نعت العالي يناقض الأعلى،

و نعت المضي‏ء يقابل الأضوأ من حيث ما هو أضوأ، فلا يتقيد بنعت، لأنك إن قيدتها بنعت أبطله لك نقيضه، فما وفيتها حقها من النعتية، إذ لم تكن أنوار الأعمال على درجة واحدة، و قد غشيتها هذه الأنوار و غطتها، فلا يقدر أحد أن يصل إلى نعتها، فالسعداء و إن استظلوا بها، فقد كسوها من ملابس الأنوار ما فضلت به جميع الأشجار، و هي طعام و غاسول، و نبقها كالقلال، منه ترزق أرواح الشهداء، فهي الشجرة الطهور، فيها مرضاة الحق، لذلك شرع السدر في غسل الميت للقاء اللّه، الماء و السدر ليناله طهور هذه السدرة، و جانب السدرة منصة هي مقعد جبريل عليه السلام.

[سورة النجم (53): آية 17]

ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ (17)

[تحقيق و إفصاح بالتلاوة الإلهية و بالتلاوة الجسمانية و الروحانية:]

– تحقيق و إفصاح من أول السورة إلى ما أذن به الفتاح بالتلاوة الإلهية- من حيث القرآن هو كلام اللّه، التي لا يسأل عنها بالكيفية و لا الماهية: «وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏» في قلب تعرى عن الهوى‏ «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏» و لكنه شرب فارتوى، «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏» لخروجه عن كرة الهوى‏ «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏» أنزلناه عليه بلا واسطة كشفا و تلويحا، فكان به عند نزول الواسطة في عالم الألفاظ عجولا فصيحا «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏» بحضرة الاستوا، «ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏» بما أيده به من القوى‏ «وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏» عليه مراتب روحانية العلى، «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى» على المقام الأجلى‏ «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏» من المقام الاسمى خلف حجاب العزة الأحمى، «فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏» فما أمسى عليه يوم و لا أضحى‏ «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏» من حسن الرؤى‏ «أَ فَتُمارُونَهُ عَلى‏ ما يَرى‏» فهو بحيث لا يرى‏ «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏» عند الصيحة الكبرى‏ «عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏» مستقر الحسن و البها «عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏» المحفوفة بالبلوى، حضرة ارتفاع الشكوى المنتجة للنجوى‏ «إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏» فيعدم البصير و يظهر الأعشى‏ «ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏» و لو طغى لسفل، و لو زاغ ما ارتقى.

و بالتلاوة الجسمانية و الروحانية: «وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏» بالسر الإنساني في الموقع الرباني، ليحصل معرفته و يكمل مرتبته‏ «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏» يقول قد أصاب المطلوب و ظفر بالمحبوب‏ «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏» لأنه مقدس عن التأليف و التركيب، و التدبير و الترتيب، «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏» من اللّه إلى الرب، كما تقول في شاهد الغيب:

من السر إلى القلب‏ «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏» ترجمان الاستوا إليه المستوى، «ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏» جبار قهار مقتدر أقوى‏ «وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏» فوق فلك الإشارات العلى‏ «ثُمَّ دَنا» من حضرة المنى‏ «فَتَدَلَّى» حين تجلى‏ «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏» أو كحبل الوريد الأدنى‏ «فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏» لما اشتغل بمنافعه و هو قاعد، و قام بأسبابه و هو راقد «ما كَذَبَ الْفُؤادُ» النكتة الجامعة الإلهية «ما رَأى‏» من الحقائق الإنسانية «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏» و لا كون يرى‏ «عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏» حضرة ذات الانتهاء «عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏» حين مقام السوى‏ «إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏» عند صلاة الظهر و العشاء، «ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏» لأنه في خط الاستوا.

[إشارة و اعتبار: «ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏»]

– إشارة و اعتبار- محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و وارثه لما دنا من الرفيق الأعلى، فتدلى على المقام الأجلى، «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏» مقام محمود للمحمدي المجتبى. «فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏» ففهم عنه صريح المعنى‏ «ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏» من حقائق القرب في الإسرا «وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏» و آدم بين الطين و الماء سواء «عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏» حيث تجتمع البداية و الانتهاء، الأزل و الوقت و الأبد سواء «عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏» مستقر الواصلين الأحيا، لما شاهدوا الذات آواهم بجنة الصفات عن الورى، أي سترهم بالصفات‏ «إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏» من طرف الإسرا و التنزه في العلى‏ «ما زاغَ الْبَصَرُ» و كيف يزيغ لعدم لا يرى، أي ما مال إلى الغير، و ما ترك الميل تكبرا على الغير، إنما شغله بربه حال بينه و بين الغير، فلهذا قال: «وَ ما طَغى‏» أي ما طغى في زيغه، إذ كان زيغ شغل بربه، لا زيغ تكبر.

[سورة النجم (53): الآيات 18 الى 19]

لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏ (18) أَ فَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَ الْعُزَّى (19)

 

 

[اللات و العزّى:]

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن رجلا ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج، إذا مرّ يلتّ سويقهم، و كان ذا غنم، فسميت الصخرة اللات، فلما فقده الناس، قال لهم عمرو: إن ربكم اللات قد دخل في جوف الصخرة- و كانت العزّى ثلاث شجرات نخل، و كان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة، و الحارث بن كعب، و قال لهم عمرو: إن ربكم يصيف باللّات لبرد الطائف، يشتي بالعزّى لحرّ تهامة، و كان في كل واحد شيطان يعبد.

فلما بعث اللّه عزّ و جل محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم، بعث بعد فتح مكة خالد ابن الوليد إلى العزّى يهدمها، فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه إلى العزى حتى انتهى إليها فهدمها، ثم رجع إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال: أهدمت؟ قال: نعم يا رسول اللّه، قال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا، قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها، فخرج خالد بن الوليد و هو متغيظ، فلما انتهى إليها جرّد سيفه، فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة ناشرة شعرها، فجعل السادن يصيح بها، قال خالد: و أخذني اقشعرار في ظهري، فجعل السادن يصيح و يقول:

أعزّاي شدّي شدة لا تكذبي‏ أعزّاي ألقي بالقناع و شمري‏
أعزّاي إن لم تقتلي المرء خالدا فبوئي بذنب عاجل و تبصري‏

فأقبل خالد بن الوليد رضي اللّه عنه بالسيف إليها، و هو يقول:

كفرانك اليوم و لا سبحانك‏ إني رأيت اللّه قد أهانك‏

قال: فضربها بالسيف. ثم رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فأخبره. فقال: نعم تلك العزّى، و قد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا. ثم قال خالد رضي اللّه عنه: الحمد للّه الذي أكرمنا بك يا رسول اللّه، و أنقذنا بك من الهلكة، لقد كنت أرى أبي يأتي العزّى، بخير ماله من الإبل و الغنم، فيذبحها للعزّى، و يقيم عندها ثلاثا، ثم ينصرف إلينا مسرورا، فنظرت إلى ما مات أبي عليه، و إلى ذلك الرأي الذي كان يعيش في فضله، و كيف جزع حتى صار يذبح لما لا يسمع، و لا يبصر، و لا يضر و لا ينفع. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:

إن هذا الأمر إلى اللّه، فمن يسّره للهدى، تيسر له، و من يسّره للضلالة كان لها. و كان هدمها لخمس ليال بقين من رمضان، سنة ثمان، و كان سادنها أفلح بن النضر السلميّ من‏ بني سليم. و حكى سعيد بن عمرو الهذلي: أن أفلح سادنها لما حضرته الوفاة، دخل عليه أبو لهب، يعوده و هو حزين، فقال: ما لي أراك حزينا؟ قال: أخاف أن تضيع العزى بعدي، فقال له: لا تحزن، فأقوم عليها بعدك. فجعل أبو لهب يقول لكل من لقي: إن تظهر العزى كنت قد أخذت عندها يدا، و إن يظهر محمد على العزى- و ما أراده يظهر- فابن أخي، فأنزل اللّه تعالى‏ (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ). و جاء حسان بن ثابت الأنصاري إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو في المسجد، فقال: يا رسول اللّه ائذن لي أن أقول، فإني لا أقول إلا حقا، فقال: قل، فأنشأ يقول.

شهدت بإذن اللّه أن محمدا رسول الذي فوق السماوات من عل‏

فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: و أنا أشهد. فقال حسان:

و أن أبا يحيى و يحيى كليهما له عمل في دينه متقبل‏

فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: و أنا أشهد. فقال حسان:

و أن الذي عادى اليهود ابن مريم‏ رسول أتى من عند ذي العرش مرسل‏

فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: و أنا أشهد فقال حسان:

و أن أخا الأحقاف إذ يعذلونه‏ يجاهد في ذات الإله و يعدل‏

فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: و أنا أشهد. فقال حسان:

و أن التي بالجزع من بطن نخلة و من دانها فل عن الحق معزل‏

و كان سدنة العزى بنو شيبان بن سليم، حلفاء بني هاشم، و كانت قريش و بنو كنانة، و خزاعة، و جميع مضر، تعظمها، فإذا فرغوا من حجهم و طوافهم بالكعبة، لم يحلّوا حتى يأتوا العزّى، فيطوفون بها و يحلّون عندها، و يعكفون عندها يوما.

 

 

[سورة النجم (53): آية 20]

وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى‏ (20)

 

من حديث محمد بن إسحاق: أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد، و هي التي كانت الأزود و غسان يحجونها و يعظمونها، فإذا طافوا بالبيت و أفاضوا من عرفات و فرغوا من منى، لم يحلوا إلا عند مناة، و كانوا يهلون لها، و من أهل لها لم يطف بين الصفا و المروة، لمكان الصنمين اللذين عليهما- نهيك مجاود الربح- و مطعم الطير- و كان هذا الحي من الأنصار يهلون لمناة، و كانوا إذا هلوا بحج أو عمرة لم يظلّ أحدهم سقف بيت حتى يفرغ من حجه أو عمرته، و كان الرجل إذا أحرم لم يدخل بيته، و إن كان له فيه حاجة تسوّر من ظهر بيته، لا يحز رتاج الباب رأسه، فلما جاء اللّه بالإسلام و هدم أمر الجاهلية، أنزل اللّه عزّ و جل‏ (وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها، وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏، وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها).

[سورة النجم (53): الآيات 21 الى 23]

أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى‏ (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى‏ (22) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى‏ (23)

«إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» فأنتم عارفون بأسمائهم، و أن آباءكم نصبوها آلهة، و قال تعالى في عبادة هؤلاء: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ» فما نسب قط أنهم عبدوا غير اللّه إلا على طريق الظن لا على جهة العلم، فإن ذلك في نفس الأمر ليس بعلم؛ فلو علم المشرك ما يستحقه الحق من نعوت الجلال لعلم أنه لا يستحق أن يشرك به، و لو علم المشرك أن الذي جعله شريكا لا يستحق أن يوصف بالشركة للّه في ألوهته لما أشرك، فما أخذ إلا بالجهل من الطرفين‏ «وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى‏» فإن الإله الذي أدعوكم إليه تعرفونه، و أن اسمه اللّه لا تنكرونه، و أنتم القائلون: (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏) فسميتموه، فهذا الذي جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم من عند اللّه الذي عبد هؤلاء هذه المسماة آلهة عندهم على جهة القربة إلى اللّه الكبير المتعال.

 

[سورة النجم (53): الآيات 24 الى 26]

أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَ الْأُولى‏ (25) وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى‏ (26)

الملائكة تشفع فيمن كان على مكارم الأخلاق في الدنيا و إن لم يكن مؤمنا.

[سورة النجم (53): الآيات 27 الى 28]

إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى‏ (27) وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28)

اعلم أنه من أقام في نفسه معبودا يعبده على الظن لا على القطع خانه ذلك الظن و ما أغنى عنه من اللّه شيئا.

[سورة النجم (53): آية 29]

فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (29)

و هو قوله تعالى: (وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) لأن المتولي عن ذكر اللّه معرض، و أعطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم العلامة، و هو التولي عن الذكر لا عن اللّه، فإن التولي عن اللّه لا يصح، و لهذا قال لنبيه: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا» كيف يتولى عمن هو بالمرصاد، و الكل في قبضته و بعينه. فكأنه قال لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم: أظهر له صفته في إعراضك عنه لعله يتنبه، فإنه يأنف من إعراضك عنه لما هو عليه في نفسه من العزة، فإن إعراضك عنه إذلال في حقه و عدم مبالاة به، فإن المعرض بالتولي إذا تبعته زاده اتباعك نفورا و عدم التفات، فإذا أعرضت عنه و وليته ظهرك كما ولاك ظهره لم يحس بأقدام خلفه، تهدّى في مشيته و أخذ نفسه، و ارتأى مع نفسه فيما أعرض عنه، و التفت و ما رآك خلفه، فصار يحقق النظر فيك و أنت ذو نور، فلا بد أن يلوح له من نورك ما يؤديه و يدعوه إلى التثبت في أمرك و فيما جئت به، فلعله أن يكون من المهتدين، فهذا الإعراض صنعة في الدعاء إلى اللّه.

[سورة النجم (53): آية 30]

ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى‏ (30)

قال تعالى في الجاهل: «ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» فسمى الجهل علما، فنقول هو جهل في عين العلم، فإن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما هو جاهل به، فإن مسمى العلم ينطلق اسمه على ما هو علم و ما ليس بعلم، و أعلمنا الحق أنهم عملوا بما علموا عن الحياة الدنيا، و لكنهم أعرضوا عن العلم بالآخرة فلم يعملوا لها، و العلم ليس سوى عين العلامة و به سمي علما، فبالعلم يعلم العلم كما يعلم به سائر المعلومات، فهي كلها علامات، و لذلك قد يسمى الظن علما شرعا، لأن العلم هنا عبارة عن العلامة التي يحصل بها الظن في نفس الظان الحاكم به، فيكون علمه بتلك العلامة علما، و لذلك قال تعالى: «ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» و لم يكن علما، فكأنه قال: ذلك الذي أعطتهم العلامة في ذلك الأمر «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى‏» فذكر أعلم في الصنفين، و اعلم أن التولي عن الذكر المضاف إلى اللّه، ما أطلق اللّه الإعراض عنه على الانفراد، بل ضم إليه قوله و لم يرد إلا الحياة الدنيا، فبالمجموع أمر الحق تعالى نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم إذا وقع بالإعراض عنه فإن قوله تعالى: «ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» ذمّ‏

 

[إشارة لا تفسير: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا»]

– إشارة لا تفسير- لما كان للّه سبحانه و تعالى القرب المفرط من العبد كما قال: (وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) و الحياة الدنيا ليس إلا نعيم العبد بربه على غاية القرب الذي يليق بجلاله، و لم يكن مراد المذكر بالذكر إلا أن يدعو الغافل عن اللّه، فإن جاء الذاكر و دعا بالذكر، فسمعه هذا المدعو- و كان معتنى به- فشاهد المذكور عند الذكر في حياته الدنيا، أمر اللّه هذا المذكر أن يعرض عن هذا المذكور لئلا يشغله بالذكر عن شهود مذكوره و النعيم به، فقال الحق يخاطبه: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا» لأن الذكر لا يكون إلا مع الغيبة «وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا» و هي نعيم القرب- من باب الإشارة لمن هو في هذا المقام لا من باب التفسير- ثم تمم و قال: «ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» ثناء من باب الإشارة على هذا الشخص و تنبيها على رتبته في العلم باللّه، فأما ما فيه من الثناء عليه، أنه في حال شهوده للحق في مقام القرب، فلا يقدر لفنائه على القيام بما يطلبه به الذكر من التكليف، فكأن المذكر ينفخ في غير ضرم، لأنه لا يجد قابلا، فأمر بالإعراض عنه لما في ذلك الذكر بهذه الحالة من سوء الأدب في الظاهر مع الذّكر، فلو كان هذا السامع عنده من القوة أن يشهد الحق في كل شي‏ء لشهده في الذكر، فلم يكن الحق يأمر المذكر بالإعراض عنه و لا كان يتولى السامع، و ذلك مبلغه من العلم.

[سورة النجم (53): الآيات 31 الى 32]

وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏ (32)

«إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» أي ستره واسع، أ ترى هذه السعة الربانية تضيق عن شي‏ء؟فمنا من تفيض عليه الرحمة من خزائن الوجوب، و منا من تفيض عليه الرحمة من خزائن المنن، فالكل طامع، و المطموع فيه واسع، و هو ينزل إلى السماء الدنيا القريبة منا في كل ليلة يقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ و ما من شي‏ء إلا و هو مستغفر في أكثر أوقاته لمن هو إله، و لم يقل تعالى: إنه ينزل ليعذب عباده الذين نزل في حقهم‏ «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» بأبيكم‏ «وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ» ببنيكم‏ «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ» أي أمثالكم، فلا تزكي على اللّه أحدا، فقد نهانا اللّه بهذه الآية عن ذلك و لكن قل: أحسبه كذا، أو أظنه كذا، كما أمرك به رسول اللّه فإنه قال: [لا أزكي على اللّه أحدا] و ذلك لعزة العلم، فشرعت التزكية في حكم الشرع بغلبة الظن فيقول: أحسبه كذا و أظنه كذا، لأنه لا يعلم كل أحد ما منزلة ذلك المزكى عند اللّه أدبا مع اللّه، لئلا يقطع على اللّه بشي‏ء، «هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏» فيخصه بالرحمة الموجبة بالصفة الموجبة في قوله: (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) ممن لم يتق فيخصه برحمته المطلقة، و هي رحمة الامتنان و لا تتقيد بحصر

– إشارة- «إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ»

أي واسع الستر، فما من شي‏ء إلا و هو مستور بوجوده، و هو الستر العام، فإن الأمور كلها ستور بعضها على بعض، و أعلاها سترا الاسم الظاهر، فإنه ستر على الاسم الباطن الإلهي، و ما ثمّ وراء اللّه مرمى، فهو ستر عليه، و كل حرف جاء لمعنى فهو ستر عليه، و القلب محل الصور الإلهية التي أنشأتهاالاعتقادات بنظرها و أدلتها، فهي ستور عليها، لذلك تبصر الشخص و لا تبصر ما اعتقده إلا أن يرفع لك الستر بستر آخر، و هو العبارة عن معتقده في ربه، فالعبارة و إن دلتك عليه فهي ستر بالنظر إلى عين ما تدل عليه، فإن الذي تدل عليه ما ظهر لعينك، و لذلك فإن الأسماء الإلهية و إن دلت على ذات المسمى،

فهي أعيان الستور عليها، و الأسماء اللفظية الكائنة في ألسنة الناطقين و الأسماء الرقمية في أقلام الكاتبين فإنها ستور على الأسماء الإلهية، من حيث أن الحق متكلم لنفسه بأسمائه، فتكون هذه الأسماء اللفظية و المرقومة التي عندنا أسماء تلك الأسماء و ستورا عليها، فإنا لا ندرك لتلك الأسماء كيفية، و لو أدركنا كيفيتها شهودا لارتفعت الستور، و هي لا ترفع، فالستور و إن كانت دلائل فهي دلائل إجمالية، فالعالم بل الوجود كله ستر و مستور و ساتر، فنحن في غيبه مستورون، و هو ستر علينا، فالوجود هو الستر العام، فهو واسع المغفرة، و هي حضرة إسبال الستور، و ختم تعالى بقوله: «هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏» و الستر وقاية، و الغفران هو الستر، فالعبد يتقي بالستر.

 

[سورة النجم (53): الآيات 33 الى 37]

أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَ أَعْطى‏ قَلِيلاً وَ أَكْدى‏ (34) أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى‏ (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى‏ (36) وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)

وفّى بما رأى من ذبح ابنه.

[سورة النجم (53): آية 38]

أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ (38)

فإن الدار الآخرة دار تمييز فلا تصيب العقوبة إلا أهلها.

[سورة النجم (53): آية 39]

وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى‏ (39)

جعل اللّه الإنسان لا يسعى إلا لنفسه، و لهذا قرن بسعيه الأجر حتى يسعى لنفسه، بخلاف من لا أجر له من العالم الأعلى و الأسفل، و ليس بعد الرسل و مرتبتهم في العلم باللّه مرتبة، فهم المطرقون و المنبهون، و مع هذا فما منهم من رسول إلا قال: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) فما هو من سعي الإنسان فهو له عند اللّه بطريق الإيجاب الإلهي الذي أوجبه على‏ نفسه، و أما ما عمل عنه غيره بحكم النيابة مما لم يؤذن فيه الميّت و لا أوصى به و لا له فيه تعمل، فإن اللّه يعطيه ذلك المقام إذا وهبه إياه غيره، فيأخذه الميت لا من طريق الوجوب الإلهي لكن يجب عليه أخذه و لا بد، فإنه أتاه من غير مسئلة.

[سورة النجم (53): الآيات 40 الى 42]

وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى‏ (41) وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ (42)

يريد المنتهى بظهورنا، أي لا يزال وجه العالم أبدا إلى الاسم الأول الذي أوجده ناظرا، و لا يزال ظهر العالم إلى الاسم الآخر المحيط الذي ينتهي إليه بورائه ناظرا، و اللّه هو الوجود المحض، محيط بنا و إليه ننتهي، فيحول وجوده و إحاطته بيننا و بين العدم، فالمآل إلى الرحمة العامة

[إشارة: لا يحجبنّك قوله تعالى‏ «وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏» فتقول‏]

– إشارة- لا يحجبنّك قوله تعالى: «وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏» فتقول: ليس هو معي في البداية، بل هو معك في البداية و في طريقك إليه و إليه نهايتك، لكن تختلف أفعاله فيك، و هي اختلاف أحوالك، ففي البداية يسويك، و في الطريق يهديك، و في الغاية يملك و يخلع عليك خلعة الخلافة، فلما كان المنتهى المطلب أظهر الاسم في المنتهى، و لذلك قال: «وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏».

[سورة النجم (53): آية 43]

وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‏ (43)

من الناس من وفقهم اللّه لوجود أفراح العباد على أيديهم، أول درجة من ذلك من يضحك الناس بما يرضي اللّه، أو بما لا رضا فيه و لا سخط و هو المباح، فإن ذلك نعت إلهي لا يشعر به، بل الجاهل يهزأ به و لا يقوم عنده هذا الذي يضحك الناس وزن، و هو المسمى في العرف مسخرة، و أين هو هذا الجاهل بقدر هذا الشخص من قوله تعالى: «وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى‏»

[الإضحاك نعت إلهي:]

و لا سيما و قد قيدناه بما يرضي اللّه أو بما لا رضا فيه و لا سخط، فعبد اللّه المراقب أحواله و آثار الحق في الوجود يعظم في عينه هذا المسمى مسخرة، و كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نعيمان يضحكه ليشاهد هذا الوصف الإلهي في مادة، فكان أعلم بما يرى، و لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ممن يسخر به و لا يعتقد فيه السخرية، و حاشاه من ذلك صلّى اللّه عليه و سلّم،بل كان يشهده مجلى إلهيا، يعلم ذلك منه العلماء باللّه، و من هذه الحضرة كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يمازح العجوز و الصغير، يباسطهم بذلك و يفرّحهم.

[سورة النجم (53): آية 44]

وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا (44)

[إشارة: الأرض عاد بخارها عليها]

– إشارة- الأرض عاد بخارها عليها، و تحلل شوقا فنزل إليها، و الأمطار دموع العشاق، من شدة الأشواق لألم الفراق، فلما تلاقى أضحك بأزهاره، جزاء بكاء وابل مدراره، فأمات و أحيا من أضحك و أبكى.

[سورة النجم (53): الآيات 45 الى 48]

وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى‏ (46) وَ أَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى‏ (47) وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى‏ وَ أَقْنى‏ (48)

[الغنى غنى النفس:]

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [ليس الغنى عن كثرة العرض، لكن الغنى غنى النفس‏] ترى التاجر عنده من المال ما يفي بعمره و عمر ألزامه لو عاش إلى انقضاء الدنيا، و ما عنده في نفسه من الغنى شي‏ء، بل هو من الفقر إلى غاية الحاجة، بحيث أن يرد بماله موارد الهلاك في طلب سد الخلة التي في نفسه، عسى يستغني، فما يستغني، بل لا يزال في طلب الغنى الذي هو غنى النفس و لا يشعر. و اعلم أن أول درجة الغنى القناعة و الاكتفاء بالموجود، فلا غنى إلا غنى النفس، و لا غنّي إلا من أعطاه اللّه غنى النفس، فليس الغنى ما تراه من كثرة المال مع وجود طلب الزيادة من رب المال، فالفقر حاكم عليه.

[سورة النجم (53): آية 49]

وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى‏ (49)

كانت العرب تعبد كوكبا في السماء يسمى الشعرى، سنّة لهم أبو كبشة، و تعتقد فيها أنها رب الأرباب، لذلك قال تعالى: «وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى‏» و أبو كبشة هذا الذي كان شرع عبادة الشعرى هو من أجداد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لأمه، و لذلك كانت العرب تنسب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إليه، فتقول: ما فعل ابن أبي كبشة؟ حيث أحدث عبادة إله واحد كما أحدث جده عبادة الشعرى.

 

[سورة النجم (53): آية 50]

وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى‏ (50)

عاد الأولى هم قوم هود عليه السلام، و ثمود قوم صالح عليه السلام، و في رواية أنهم قوم إدريس عليه السلام، و ما طلب منهم إلا أن يقولوا: لا إله إلا اللّه.

[سورة النجم (53): الآيات 51 الى 53]

وَ ثَمُودَ فَما أَبْقى‏ (51) وَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَ أَطْغى‏ (52) وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى‏ (53)

و هو أن جبريل عليه السلام اقتلع أرض قوم لوط من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها إلى سماء الدنيا، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم و أصوات ديكهم، ثم قلبها و أرسل على الشرار منهم حجارة من سجيل.

[سورة النجم (53): الآيات 54 الى 59]

فَغَشَّاها ما غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى‏ (55) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى‏ (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (58)

أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59)

«أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ» يعني من القرآن، فيما وعظهم به منهم و توعدهم و وعدهم‏ «تَعْجَبُونَ» تكثرون العجب، كيف جاء به مثل هذا؟ و ما أنزل على عظمائكم كما قالوا: (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ).

[سورة النجم (53): آية 60]

وَ تَضْحَكُونَ وَ لا تَبْكُونَ (60)

«وَ تَضْحَكُونَ» أي تهزءون منه إذا أتى به، لأنهم لا يعرفون الحق إلا بالرجال‏ «وَ لا تَبْكُونَ» فإن في القرآن ما يبكي من الوعيد، و ما يضحك و يتعجب فيه من الفرح باتساع رحمة اللّه و لطفه بعباده، و في القرآن من الوعيد و المخاوف ما يبكي بدل الدموع دما لمن دبر آياته.

 

[سورة النجم (53): آية 61]

وَ أَنْتُمْ سامِدُونَ (61)

لاهون و في القرآن هذا كله!!- سامد لغة حميرية يقولون: اسمد لنا أي غن لنا، في وقت حصادهم لينشطوا للعمل، و كانت العرب إذا سمعت القرآن غنت حتى لا تسمع القرآن، و كانوا يقولون ما أخبر اللّه عنهم: (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) فما لكم عنه معرضون و موطن الدنيا موطن حذر؟ و لا سيما و الموت فيكم رائح و غاد مع الأنفاس، و لا تتفكرون إلى أين تصيرون؟ و إلى أين تسافرون؟ و أين تحطون؟

فإن كنتم أهل غناء فتغنوا بالقرآن، فهو أولى بكم ورد في الخبر: [ما أذن اللّه لنبي كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن‏] يقول: ما استمع كاستماعه، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [ليس منا من لم يتغن بالقرآن‏] فجعل التغني به من السنة.

[سورة النجم (53): آية 62]

فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَ اعْبُدُوا (62)

فأمر بالسجود و الذلة و المسكنة، و هذه السجدة فيها خلاف، و هي سجدة الطرب و اللهو، تنبيه للغافلين عن اللّه.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 225

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=