تفسیر ابن عربی سوره البلد

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة البلد

 

(90) سورة البلد مكيّة

[سورة البلد (90): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (2) وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ (3)

ينسب الولد لوالده فإن له عليه ولادة بوضعه في الرحم، و ينسب إلى الأم لأن لها عليه ولادة بخروجه من بطنها.

[سورة البلد (90): آية 4]

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (4)

– إشارة- و ما خلقه اللّه في كبد إلا ليشفق عليه كل أحد.

[سورة البلد (90): الآيات 5 الى 8]

أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (6) أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)

[ «أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ» الآية:]

و من أوجه ذلك أن كان الإنسان ذا بصر و بصيرة، فما جعل اللّه للإنسان عينين إلا ليدرك بهما الصفتين، عين حس و عين عقل، بصيرة و بصر، فكل عين لها طريق و ما رميت إذا رميت و لكن اللّه رمى، فالعين التي أدركت أن الرمي للّه غير العين التي أدركت بها أن الرمي لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم، فإن اللّه خلق من كل زوجين اثنين، خلق لإدراكهما عينين، عينا يشهد بها خالقه الواجب الوجود، و عينا يشهد بها إمكانه،

فلا تنظر إلى الحق نظرا يفنيك عن إمكانك فتدعي أنك الحق فتقع في الجهل، و لا تنظر إلى إمكانك نظرا يفنيك عن الحق فيورثك الصمم فتجهل ما خلقت له، فكن تارة و تارة، فإن الإنسان الكامل الخليقة جعل له عينين، ينظر بالعين الواحدة إلى الحق تعالى من كونه غنيا عن العالمين فلا يراه في شي‏ء و لا في نفسه، و ينظر إليه بالعين الأخرى من اسمه الرحمن بكونه يطلب العالم و يطلبه العالم فيراه ساري الوجود في كل شي‏ء، فيفتقر بهذه النظرة من هذه العين إلى كل شي‏ء من حيث‏ ما هي الأشياء أسماء للحق لا من حيث أعيانها، فلا أفقر من الإنسان الكامل إلى العالم لأنه يشهده مسخرا له، فعلم أنه لو لا ما هو عليه من الحاجة إلى ما سخروا فيه من أجله ما سخروا، فيعرف نفسه أنه أحوج إلى العالم من العالم إليه.

[سورة البلد (90): آية 9]

وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ (9)

[ «وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ» الآية:]

اعلم أن اللسان أملك شي‏ء للإنسان، سريع الحركة، حركته أقرب إلى الهلاك منها إلى النجاة، كثير العثرات، قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم‏] و هو ترجمان إرادة الحق بما شاء أن يجريه في عالم الشهادة، لا ترجمان الأمر إلا بالموافقة، فإما صادق و إما دجال، فاللسان قلم القلب، تكتب به يمين القدرة ما تملي عليه الإرادة من العلوم في قراطيس ظاهر الكون، فالكلام من موارده عمل من الأعمال، يحصيه الملك،

كما قال تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ثم يصعد به في المساء و الصباح إلى الواحد جل جلاله، فما كان خالصا له سبحانه ألقاه في عليين، و ما كان غير خالص بنوع ما من أنواع الكدر، مثل الزيادات في الحديث، و الكذب و الرياء و المراء و الجدال في نصرة الباطل، ألقاه في سجين. و اللسان إذا تحقق في مراعاة ما توجه إليه من الشارع، و وقف عند ما حدّ له، فاشتغل بالواجب عليه فيه، كشهادة التوحيد، و قراءة القرآن في بعض المواطن، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و إصلاح ذات البين و شهادة التعيين،

و تبيين العالم، و إرشاد الضال، و رد السلام و ما أشبه ذلك كله، فهذا كله من الترغيبات في النطق المقرب إليه، كتلاوة القرآن و دوام التسبيح و التحميد و جميع الأذكار و المواعظ، كما يجب عليه الكف عن التضريب بين الناس و الفرية و الجهل من القول و النميمة و الغيبة و كل نطق مذموم شرعا، فإذا تحقق العبد بهذه الأوصاف على ما حدّ له كان مالكا للسانه، و شهابا ثاقبا لشيطانه.

إن اللسان رسول القلب للبشر بما قد أودعه الرحمن من درر
فيرتدي الصدق أحيانا على حذر و يرتدي المين أحيانا على خطر
كلاهما علم في رأسه لهب‏ لا يعقل الحكم فيه غير معتبر
فانظر إلى صادق طابت موارده‏ و كاذب رائج غاد على سفر
مع اتحادهما و الكيف مجهلة من سائل كيف حكم الحق في البشر

[سورة البلد (90): آية 10]

وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (10)

[ «وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» الآية]

أي بيّناهما له، أي بيّنا له الطريقين، فبان الصبح لذي عينين، لما هداه النجدين، و أقيم المكلف في الوسط، فمنهم من أقسط و منهم من قسط، فالمقسط أخذ ذات اليمين، فارتفع في عليين، و القاسط أخذ ذات الشمال فنزل إلى سجين، فما عدل بكل واحد سوى طريقه، و طريقه ما خرج عن حكم تحقيقه، فالطريق ساقه و قاده، إما إلى شقاء و إما إلى سعادة، فاعرف الطريق و اختر الرفيق، تنج من عذاب الحريق، فإنه و إن كان المآل إلى السعادة في الدارين، فإنه لا يعلم قدر ما قررناه إلا ذو عينين، لا ذو عين واحدة، و من وقف بين النجدين فرأى غاية كل طريق، فسلك طريق سعادته التي لا يتقدمها شقاء، فإنها طريق سهلة بيضاء، مثلى نقية لا شوب فيها و لا عوجا و لا أمتا، و الطريق الأخرى و إن كانت غايتها سعادة، و لكن في الطريق مفاوز و مهالك و سباع عادية و حيات مضرة،

فلا يصل مخلوق إلى غايتها حتى يقاسي هذه الأهوال، و الطريقان متجاوران، ينبعثان من أصل واحد، و ينتهيان إلى أصل واحد، و يفترقان ما بين الأصلين، ما بين البداية و الغاية، فيشاهد صاحب المحجة البيضاء ما في طريق صاحبه، لأنه بصير و صاحبه أعمى، فليس يرى الأعمى طريق البصير، فيطرأ على البصير من مشاهدة تلك الآفات التي في طريق الأعمى مخاوف، لما يرى من الأهوال و يتوهم في نفسه لو كان فيها ما يقاسيه، و يرى الأعمى ليس عنده خبر من هذا كله لما هو عليه من العمى،

فلا يبصر شيئا فيسير ملتذا بسيره، حتى يتردى في حفرة أو تلدغه حية من تلك الحيات، فحينئذ يحس بالألم و يستغيث بصاحبه، فمن الأصحاب من يغيثه و من الأصحاب من يكون قد سبقه، فلا يسمعه فيبقى مضطرا ما شاء اللّه فيرحمه اللّه فيسعده-

وجه آخر- اعلم أن التجلي دائم لا حجاب عليه، و لكن لا يعرف أنه هو، و ذلك أن اللّه لما خلق العالم أسمعه كلامه في حال عدمه، و هو قوله كن، و كان مشهودا له سبحانه، و لم يكن الحق مشهودا له، و كان على أعين الممكنات حجاب العدم، لم يكن غيره، فلا تدرك الموجود و هي معدومة، كالنور ينفر الظلمة، فإنه لا بقاء للظلمة مع وجود النور، كذلك العدم و الوجود، فلما أمرها بالتكوين لإمكانها و استعداد قبولها سارعت لترى ما ثمّ، لأن في قوتها الرؤية كما في قوتها السمع من حيث الثبوت لا من حيث الوجود، فعند ما وجد الممكن انصبغ بالنور،

فزال العدم، و فتح عينيه فرأى‏ الوجود الخير المحض، فلم يعلم ما هو، و لا علم أنه الذي أمره بالتكوين، فأفاده التجلي علما بما رآه، لا علما بأنه هو الذي أعطاه الوجود، فلما انصبغ بالنور التفت على اليسار فرأى العدم فتحققه، فإذا هو منبعث منه، كالظل المنبعث من الشخص إذا قابله النور، فقال: ما هذا؟

فقال له النور من الجانب الأيمن: هذا هو أنت، فلو كنت أنت النور لما ظهر للظل عين، فأنا النور و أنا مذهبه، و نورك الذي أنت عليه إنما هو من حيث ما يواجهني من ذاتك، ذلك لتعلم أنك لست أنا، فأنا النور بلا ظل، و أنت النور الممتزج لإمكانك، فإن نسبت إليّ قبلتك، و إن نسبت إلى العدم قبلك، فأنت بين الوجود و العدم، و أنت بين الخير و الشر، فإن أعرضت عن ظلك فقد أعرضت عن إمكانك، و هو شهودك ظلك، و إن أعرضت عن إمكانك جهلتني و لم تعرفني، فإنه لا دليل لك على أني إلهك و ربك و موجدك إلا إمكانك، و هو شهودك ظلك، و إن أعرضت عن نورك بالكلية،

و لم تزل مشاهدا ظلك لم تعلم أنه ظل إمكانك، و تخيلت أنه ظل المحال، و المحال و الواجب متقابلان من جميع الوجوه، فإن دعوتك لم تجبني و لم تسمعني، فإنه يصمك ذلك المشهود عن دعائي، فلا تنظر إليه نظرا يفنيك عن ظلك،

فتدعي أنك أنا فتقع في الجهل، و لا تنظر إلى ظلك نظرا يفنيك عني فإنه يورثك الصمم فتجهل ما خلقتك له، فكن تارة و تارة، و ما خلق اللّه لك عينين إلا لتشهدني بالواحدة، و تشهد ظلك بالعين الأخرى، و قد قلت لك في معرض الامتنان‏ «أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» أي بيّنا له الطريقين، طريق النور و الظل‏ «إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً» فإن العدم المحال ظلمة، و عدم الممكن ظل لا ظلمة، و لهذا في الظل راحة الوجود.

[سورة البلد (90): الآيات 11 الى 20]

فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (15)

أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 500

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=