تفسیر ابن عربی سوره القيامة

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة القيامة

(75) سورة القيامة مكيّة

[سورة القيامة (75): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)

يوم القيامة هو يوم العدل في القضاء، و هو يوم قيام الناس من قبورهم لرب العالمين لفصل القضاء.

[سورة القيامة (75): آية 2]

وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)

لوامة نفسها إذا قبلت من الشيطان ما يأمرها به.

[سورة القيامة (75): الآيات 3 الى 8]

أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (3) بَلى‏ قادِرِينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (5) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (6) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7)

وَ خَسَفَ الْقَمَرُ (8)

 

[بحث في الكسوف و الخسوف:]

إن النفوس ما تنبعث و تهتز إلا للآيات الخارقة للعادة، و الآيات الإلهية منها معتاد و غير معتاد، و القرآن قد ورد في الآيات المعتادة كثير في قوله‏ (وَ مِنْ آياتِهِ) (وَ مِنْ آياتِهِ) و يذكر أمورا معتادة ثم يقول: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ) و لكن لا ترفع العامة بها رأسا لجري العادة، و استيلاء الغفلة، و عدم الحضور.

و الكسوف آية من آيات اللّه يخوف اللّه به عباده، و سبب كسوف الشمس و القمر معروف، و قد جعل اللّه الكسوف آية على ما يريد أن يحدثه من الكوائن في العالم العنصري، و في العالم الذي يظهر فيه الكسوف و في الزمان، فإنه قد يكسف ليلا، و يكون الحدث أيضا بحسب البرج الذي يقع الكسوف فيه، و هو علم قطعي، أعني علم وقوع الكسوف، لا علم ما يحدث اللّه فيه أو عنده، و يكون الكسوف في مكان أكثر منه في مكان آخر، و في مكان دون مكان، و يبتدئ في مكان و في مكان آخر ما ابتدأ، بل هو على حاله، و هذا كله يعرفه العلماء به، فإنه راجع إلى حركات معلومة معدودة عند أهل هذا الشأن، و سبب كسوف الشمس من القمر إذا كان في مسامتتها، فعلى قدر ما يسامتها منه يغيب منها عن أبصارنا، فذلك الظل الذي نراه في الشمس هو من جرم القمر،

و قد يحجبها كلها فيظلم الجو، فيقع الإبصار على جرم القمر، فتتخيل العامة أن ذلك المرئي هو ذات الشمس، و الشمس نيرة في ذاتها على عادتها إلى أن يشاء اللّه تكويرها، و لذلك يعرف زمان كسوفها و مقداره عند العارفين بتسيير الكواكب، و لا يكون أبدا إلا في آخر الشهر العربي، فإن القمر في ذلك الزمان يكون في المحاق و الاحتراق تحت الشعاع، فإن أعطى الحساب ما يؤدي إلى المسامتة عندنا وقع الكسوف بلا شك.

و كذلك كسوف القمر إنما هو أن يحول ظل الأرض بينه و بين الشمس، فعلى قدر ما يحول بينهما يكون الكسوف في ذلك الموضع، و لهذا يعرف، و الخطأ فيه قليل جدا، و لو لم يكن الأمر على هذا ما علم، فإن الأمور العوارض لا تعلم إلا بإعلام اللّه على لسان من شاء من عباده، و الأمور جارية على أصولها ثابتة لا تنخرم، يعلمها العالم بتلك الأصول، و هي معتادة موضوعة للّه تعالى واضعها، ما هي عقلية، و لا سبب ذلك طبيعي، و لهذا يجوز خرق العادة فيها، و هكذا كل موضوع إلى أن يخرم اللّه ذلك الأصل، فلله المشيئة في ذلك.

فالكسوف لا يكون إلا عند الكمال في النيرين في القمر ليلة بدره، و كسوف الشمس في ثمانية و عشرين يوما من سير القمر في جميع منازل الفلك. و لا يكون للكسوفات حكم في الأرض إلا في‏ الأماكن التي يظهر فيها الكسوف، و أما الأماكن التي لا يظهر فيها الكسوف فلا حكم يظهر فيها له و لا أثر، أي ما يفعل اللّه عند ذلك شيئا في العالم من الكوائن التي يفعلها عند ظهور الكسوف، حتى أن الشمس إذا أعطى الحساب أنها تكسف ليلا لم يكن لذلك الكسوف حكم في ظاهر الأرض التي لم يظهر الكسوف فيها، و كذلك كسوف القمر في الحكم، سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن الكسوف فقال [ما تجلى اللّه لشي‏ء إلا خشع له‏].

و هو ما يظهر لعين الرائي من التغيير في الشمس أو القمر و إن لم يتغيرا في أنفسهما، فأبدى الحق لعين الرائي ما في نفس الشمس و القمر في ذلك الزمان من الخشوع للّه في صورة ذهاب النور، فما هلك من البدر إلا نوره لا عينه، و بقيت ذاته و كونه، فقد كان ذا نور فاظلم، و استترت الأشياء حين أعتم، فقال تعالى مع علمه بالخبر خسف القمر، و عين القمر هو الظاهر في الكسوفين، و المتجلي في الوجودين، و هذا لا يمنع الأسباب المؤدية للكسوف المعلومة لدى العلماء بالفلك، فإن اللّه من وراء الأسباب، و كما لا يتعين للكسوف وقت، لا يتعين للصلاة له، لأن الصلاة تابعة للأحوال، و قد ثبت الأمر بالصلاة لها، و ما خص وقتا من وقت، و هي صلاة مأمور بها بخلاف النافلة، فإن حملنا الصلاة على الدعاء، دعونا في الوقت المنهي عن الصلاة فيه و صلينا في غيره من الأوقات، فصلاة الكسوف سنّة، و الخلاف في صفتها وردت فيها روايات مختلفة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ما بين ثابت و غير ثابت، و ما من رواية إلا و بها قائل، فأي شخص صلاها على أي رواية كانت جاز له ذلك فإنه مخير، و الرواية التي هي أحب إليّ هي دعاء اللّه تعالى بتضرع و خشوع حتى تنجلي، فإذا انجلى صلى الإنسان ركعتين شكرا للّه تعالى و انصرف،

و هذه الرواية أحب إليّ لما فيها من احترام الجناب الإلهي، و الرحمة بالأمة المصلين لها، فإنهم لاستيلاء الغفلات و البطالات عليهم لا يوفون بشروط ما تستحقه الصلاة من الحضور و الآداب، فربما يمقت المصلي و لا يشعر، أو تثقل عليه تلك العبادة فيتبرم منها، فلذلك جعلنا رواية الدعاء من غير صلاة أولى، و الصلاة في جماعة أولى إن قدر عليها، و الذي أذهب إليه أنه يستحب للإمام أن يخطب الناس ليذكرهم و يحذرهم، فإن الكسوف من الآيات التي يخوف اللّه بها عباده، و قد ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ذكر الناس بعد الفراغ من الصلاة.

 

 

[سورة القيامة (75): الآيات 9 الى 11]

وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلاَّ لا وَزَرَ (11)

لا ملجأ، فإن تيقنت النفس بورودها على تلك الأهوال، سهل عليها عند ذلك ركوب شدائد الأعمال، فراقب يا أخي الأوقات و خف الفوات، و اتق الأوقات، و قدم ما تحبه بين يديك، وثق به سبحانه و عول عليه، فمن إليه الرجوع حتما، ينبغي للعاقل أن يتخذ عنده يدا.

[سورة القيامة (75): آية 12]

إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)

فثبت المقر و جعل إليه المفر

إشارة: «كَلَّا لا وَزَرَ»

لمن قال لا مفر «إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ» مستقر قلبك، و مقر لبّك.

[سورة القيامة (75): الآيات 13 الى 15]

يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ (15)

انظر أيها الولي الحميم إلى ما يحوك في صدرك، لا تنظر إلى العوارض، فإنك بحسب ما يحوك، فإن حاك الإيمان فأنت مؤمن، و إن حاك صرف ما وجب به الإيمان إلى ما لا يقتضيه ظاهر الحكم فأنت بحسب ذلك، و به يختم لك، و لا تنظر إلى ما يبدو للناس منك، و لا تعول إلا على ما يحوك في صدرك، فإنه لا يحوك في صدرك إلا ما سبق في الكتاب أن يختم به لك، إلا أن الناس في غفلة عما نبهتهم عليه، و لا راد لأمره، و لا معقب لحكمه، و ذلك الذي يحوك في صدرك، و هو عين تجلي الأمر الذي لك، و قسمك من الوجود الحق.

[سورة القيامة (75): آية 16]

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)

و ذلك أدبا مع أستاذه جبريل عليه السلام، فإنه كان يعجل بالقرآن إعلاما بالحال أن اللّه تولى تعليمه بنفسه من الوجه الخاص الذي لا يشعر به الملك، و لذلك قال مؤيدا:

 

[سورة القيامة (75): الآيات 17 الى 19]

إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19)

فما ذكر سوى نفسه، و ما أضافه إلا إليه، و لم يجر لغير اللّه في هذا التعريف ذكر، و بهذا جاء لفظ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في قوله [إن اللّه أدبني فأحسن أدبي‏] و لم يذكر إلا اللّه، ما تعرض لواسطة، و لا لملك، و هذه الآية تؤيد أن القرآن أنزل عليه صلّى اللّه عليه و سلّم بهذه الألفاظ المخصوصة قال تعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا).

[سورة القيامة (75): الآيات 20 الى 22]

كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22)

وصف تعالى حال أهل السعادة بذلك و بقوله:

[سورة القيامة (75): آية 23]

إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (23)

[رؤية اللّه تعالى:]

إثباتا لرؤيته في الدار الآخرة بظاهر قوله، على أن تكون إلى حرف أداة غاية، فإن الرؤية غاية البصر، و اللذة البصرية لا تشبهها لذة، فإنها عين اليقين في المعبود، فلا نشك أنا نرى ربنا بالأبصار عيانا على ما يليق بجلاله، و هو مرئي لنا، و لا نقول إنه محسوس لما يطلبه الحس من الحصر و التقييد، فهي رؤية غير مكيفة، فنراه منزها كما علمناه منزها، لا نقول بالكيف و الحصر و التقييد، و من وجه آخر «إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ» إلى نعم ربها مع تقدير محذوف، فتكون إلى اسم جمع النعمة، فإن ذلك في اللفظ يحتمل، و لهذا ما هي هذه الآية نص في الرؤية يوم القيامة.

و اعلم أنه سبحانه نزل في جماله مباسطة معنا إلى أن ندركه بأبصارنا، و ينظر إلى هذا قوله عليه السلام [و ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر و كما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب لا تضارون في رؤيته‏] و قال تعالى في حق أصحاب الجحيم‏ (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) و النظر ب: إلى في كلام العرب لا يكون إلا بالبصر، و ب: في يكون بالعقل و بالفكر، و باللام يكون للرحمة، و بغير أداة يكون للتقابل و المكافحة و التأخير، و الأبصار من صفات الوجوه، و ليس العقل منها، فلا بد من رؤيته، و قوله‏ (لَنْ تَرانِي) لموسى عليه السلام حكم يرجع إلى حال ما علمه من سؤال موسى عليه السلام، لا يسعنا التكلم فيه، و قد أحاله على الجبل و دكّ الجبل، و صعق موسى، و الإدراك لا يصعق، و ليس من شرطه بنية مخصوصة و لا البنية من شرطه،

و إنما من شرطه موجود يقوم به، لأنه معنى، و الصعق قام بالبنية الكثيفة، فلما أفاق سبح، و لا فائدة للتسبيح عند القيام من ذلك الموطن إلا لمشاهدة ما، ثم أعطته المعرفة التوبة من اشتراط البنية، ثم أقر بأنه أول المؤمنين بما رآه في تلك الصعقة، لأن الإيمان لا يتصور إلا بالرؤية في أي عالم كان، و لهذا قال النبي عليه السلام لحارثة: [ما حقيقة إيمانك؟

قال: كأني انظر إلى عرش ربي بارزا]- الحديث- فأثبت الرؤية في عالم ما، و بها صحت له حقيقة الإيمان و أقر له النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فيها بالمعرفة. و ما عدا هذا فهو الإيمان المجازي، فلا فائدة للإيمان بالغيب إلا لحوقه بالمشاهدة، و لهذا لا يدخله الريب.

فموسى عليه السلام أول من أدرك بالبصر على وجه ما. و اعلم أن الكثيب هو مسك أبيض في جنة عدن، و جعل في هذا الكثيب منابر و أسرة و كراسي و مراتب، لأن أهل الكثيب أربع طوائف: مؤمنون، و أولياء، و أنبياء، و رسل، و كل صنف ممن ذكرنا أشخاصه يفضل بعضهم بعضا، فإذا أخذ الناس منازلهم في الجنة استدعاهم الحق إلى رؤيته، فيسارعون على قدر مراكبهم و مشيهم هنا في طاعة ربهم، فمنهم البطي‏ء، و منهم السريع، و منهم المتوسط، و يجتمعون في الكثيب، و كل شخص يعرف مرتبته علما ضروريا، يجري إليها و لا ينزل إلا فيها، كما يجري الطفل إلى الثدي، و الحديد إلى المغناطيس، لو رام أن ينزل في غير مرتبته لما قدر، و لو رام أن يتعشق بغير منزلته ما استطاع، بل يرى في منزلته أنه قد بلغ منتهى أمله و قصده، فهو يتعشق بما هو فيه من النعيم تعشقا طبيعيا ذاتيا، لا يقوم بنفسه ما هو عنده أحسن من حاله، و لو لا ذلك لكانت دار ألم و تنغيص، و لم تكن جنة و لا دار نعيم، غير أن الأعلى له نعيم بما هو فيه في منزلته، و عنده نعيم الأدنى.

و أدنى الناس منزلة- على أنه ليس ثمّ من دني- من لا نعيم له إلا بمنزله خاصة، و أعلاهم من لا أعلى منه له نعيم بالكل. فكل شخص مقصور عليه نعيمه، فما أعجب هذا الحكم!! فإذا نزل الناس في الكثيب للرؤية، و تجلى الحق تعالى تجليا عاما على صور الاعتقادات في ذلك التجلي الواحد، فهو واحد من حيث هو تجل، و هو كثير من حيث اختلاف الصور، فإذا رأوه انصبغوا عن آخرهم بنور ذلك التجلي،و ظهر كل واحد منهم بنور صورة ما شاهده، فمن علمه في كل معتقد فله نور كل معتقد، و من علمه في اعتقاد خاص معيّن لم يكن له سوى نور ذلك المعتقد المعيّن، و من اعتقد وجودا لا حكم له فيه بتنزيه و لا تشبيه بل كان اعتقاده أنه على ما هو عليه، فلم ينزه و لم يشبه، و آمن بما جاء من عنده تعالى على علمه فيه سبحانه، فله نور الاختصاص لا يعلم إلا في ذلك الوقت، فإنه في علم اللّه فلا يدرى، هل هو أعلى ممن عمم الاعتقادات كلها علمه، أو مساو له؟

و أما دونه فلا، فإذا أراد اللّه رجوعهم إلى مشاهدة نعيمهم بتلك الرؤية في جناتهم، قال لملائكته وزعة الكثيب: ردوهم إلى قصورهم؛ فيرجعون بصورة ما رأوا، و يجدون منازلهم و أهليهم منصبغين بتلك الصورة فيتلذذون بها، فإنهم في وقت المشاهدة كانوا في حال فناء عنهم، فلم تقع لهم لذة في زمان رؤيتهم، بل اللذة عند أول التجلي، حكم سلطانها عليهم فأفنتهم عنها و عن أنفسهم، فهم في اللذة في حال فناء لعظيم سلطانها؛ و إذا أبصروا تلك الصورة في منازلهم و أهليهم استمرت لهم اللذة، و تنعموا بتلك المشاهدة، فتنعموا في هذا الموطن بعين ما أفناهم في الكثيب، و يزيدون في ذلك التجلي و في تلك الرؤية علما باللّه- أعطاهم إياه العيان- لم يكن عندهم، فإن المعلوم إذا شوهد تعطي مشاهدته أمرا لا يمكن أن يحصل من غير مشاهدة، ثم إنه إذا أراد اللّه أن يتجلى لعباده في الزور العام نادى منادي الحق في الجنات كلها: يا أهل الجنان حي على المنة العظمى، و المكانة الزلفى، و المنظر الأعلى، هلموا إلى زيادة ربكم في جنة عدن؛ فيبادرون إلى جنة عدن، فيدخلونها و كل طائفة قد عرفت مرتبتها و منزلتها فيجلسون،

ثم يؤمر بالموائد فتنصب بين أيديهم، موائد الاختصاص ما رأوا مثلها، و لا تخيلوه في حياتهم و لا في جناتهم جنات الأعمال، و كذلك الطعام ما ذاقوا مثله في منازلهم، و كذلك ما تناولوه من الشراب، فإذا فرغوا من ذلك خلعت عليهم من الخلع ما لم يلبسوا مثلها فيما تقدم، و مصداق ذلك قوله صلّى اللّه عليه و سلّم في الجنة [فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر] فإذا فرغوا من ذلك قاموا إلى كثيب من المسك الأبيض، فأخذوا منازلهم فيه على قدر علمهم باللّه لا على قدر عملهم، فإن العمل مخصوص بنعيم الجنان لا بمشاهدة الرحمن،

فبيناهم على ذلك إذا بنور قد بهرهم فيخرون سجدا، فيسري ذلك النور في أبصارهم ظاهرا، و في بصائرهم باطنا، و في أجزاء أبدانهم كلها، فهذا يعطيهم ذلك النور، فبه يطيقون المشاهدة و الرؤية، و هي أتم من‏ المشاهدة، فيأتيهم رسول من اللّه يقول لهم: تأهبوا لرؤية ربكم جل جلاله، فها هو يتجلى لكم؛ فيتأهبون، فيتجلى الحق جل جلاله و بينه و بين خلقه ثلاثة حجب: حجاب العزة، و حجاب الكبرياء، و حجاب العظمة، فلا يستطيعون نظرا إلى تلك الحجب،

فيقول اللّه، جل جلاله لأعظم الحجبة عنده. ارفعوا الحجب بيني و بين عبادي حتى يروني، فترفع الحجب، فيتجلى لهم الحق جل جلاله خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف إلى أبصارهم، و كلهم بصر واحد، فينفهق عليهم نور يسري في ذواتهم فيكونون به سمعا كلهم، و قد أبهرهم جمال الرب، و أشرقت ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس؛ فيقول اللّه جل جلاله: سلام عليكم عبادي و مرحبا بكم، حياكم اللّه، سلام عليكم من الرحمن الرحيم الحي القيوم، طبتم فادخلوها خالدين،

طابت لكم الجنة فطيبوا أنفسكم بالنعيم المقيم، و الثواب الكريم، و الخلود الدائم، أنتم المؤمنون الآمنون، و أنا اللّه المؤمن المهيمن، شققت لكم اسما من أسمائي، لا خوف عليكم و لا أنتم تحزنون، أنتم أوليائي و جيراني و أصفيائي و خاصتي و أهل محبتي و في داري، سلام عليكم يا معشر عبادي المسلمين، أنتم المسلمون و أنا السلام و داري السلام، سأريكم وجهي كما سمعتم كلامي، فإذا تجليت لكم و كشفت عن وجهي الحجب فاحمدوني و ادخلوا إلى داري غير محجوبين عني بسلام آمنين، فردوا علي، و اجلسوا حولي، حتى تنظروا إلىّ، و تروني من قريب فاتحفكم بتحفي، و أجيزكم بجوائزي، و أخصكم بنوري،

و أغشيكم بجمالي، و أهب لكم من ملكي و أفاكهكم بضحكي، و أعلفكم بيدي و أشمكم روحي، أنا ربكم الذي كنتم تعبدوني و لم تروني، و تحبوني و تخافوني، و عزتي و جلالي و علوي و كبريائي و بهائي و سنائي إني عنكم راض، و أحبكم و أحب ما تحبون، و لكم عندي ما تشتهي أنفسكم، و تلذ أعينكم، و لكم عندي ما تدعون و ما شئتم و كل ما شئتم فاسألوني و لا تحتشموا، و لا تستحيوا و لا تستوحشوا، و إني أنا اللّه الجواد الغني الملي الوفي الصادق، و هذه داري قد أسكنتكموها،

و جنتي قد أبحتكموها، و نفسي قد أريتكموها، و هذه يدي ذات الندى و الطل مبسوطة ممتدة عليكم لا أقبضها عنكم، و أنا انظر إليكم لا أصرف بصري عنكم، فاسألوني ما شئتم و اشتهيتم، فقد آنستكم بنفسي، و أنا لكم جليس و أنيس، فلا حاجة و لا فاقة بعد هذا، و لا بؤس و لا مسكنة، و لا ضعف و لا هرم، و لا سخط و لا حرج، و لا تحويل أبدا سرمدا، نعيمكم‏ نعيم الأبد، و أنتم الآمنون المقيمون الماكثون المكرمون المنعمون، و أنتم السادة الأشراف الذين أطعتموني و اجتنبتم محارمي، فارفعوا إليّ حوائجكم أقضها لكم و كرامة و نعمة، فيقولون:

ربنا ما كان هذا أملنا، و لا أمنيتنا، و لكن حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم أبدا أبدا، و رضى نفسك عنا، فيقول لهم العلي الأعلى، مالك الملك، السخي الكريم، تبارك و تعالى:

فهذا وجهي بارز لكم أبدا سرمدا، فانظروا إليه و أبشروا، فإن نفسي عنكم راضية فتمتعوا، و قوموا إلى أزواجكم فعانقوا و انكحوا، و إلى ولائدكم ففاكهوا، و إلى غرفكم فادخلوا، و إلى بساتينكم فتنزهوا، و إلى دوابكم فاركبوا، و إلى فرشكم فاتكئوا، و إلى جواريكم و سراريكم في الجنان فاستأنسوا، و إلى هداياكم من ربكم فاقبلوا، و إلى كسوتكم فالبسوا، و إلى مجالسكم فتحدثوا، ثم قيلوا قائلة، لا نوم فيها و لا غائلة، في ظل ظليل، و أمن مقيل، و مجاورة الجليل، ثم روحوا إلى نهر الكوثر و الكافور، و الماء المطهر و التسنيم، و السلسبيل و الزنجبيل فاغتسلوا،

و تنعموا، طوبى لكم و حسن مآب؛ ثم روحوا فاتكئوا على الرفارف الخضر و العبقري الحسان، و الفرش المرفوعة في الظل الممدود، و الماء المسكوب، و الفاكهة الكثيرة، لا مقطوعة و لا ممنوعة، ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: (إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ، لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) ثم تلا هذه الآية (أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا)– انتهى حديث أبو بكر النقاش- ثم إن الحق تعالى بعد هذا الخطاب يرفع الحجاب، و يتجلى لعباده، فيخرون سجدا فيقول لهم: ارفعوا رءوسكم فليس هذا موطن سجود، يا عبادي ما دعوتكم إلا لتنعموا بمشاهدتي، فيمسكهم في ذلك ما شاء اللّه، فيقول لهم: هل بقي لكم شي‏ء بعد هذا؟

فيقولون: يا ربنا و أي شي‏ء بقي و قد نجيتنا من النار، و أدخلتنا دار رضوانك، و أنزلتنا بجوارك، و خلعت علينا ملابس كرمك، و أريتنا وجهك، فيقول الحق جل جلاله: بقي لكم، فيقولون: يا ربنا و ما ذاك الذي بقي؟ فيقول: دوام رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا، فما أحلاها من كلمة و ما ألذها من بشرى؛ و تتفاضل الناس في رؤيته سبحانه و يتفاوتون تفاوتا عظيما على قدر علمهم، فمنهم و منهم،

ثم يقول سبحانه لملائكته: ردوهم إلى قصورهم فلا يهتدون لأمرين: لما طرأ عليهم من سكر الرؤية، و لما زادهم من الخير في طريقهم فلم يعرفوها، فلو لا أن الملائكة تدل بهم ما عرفوا منازلهم،فإذا وصلوا منازلهم تلقاهم أهلهم من الحور و الولدان، فيرون جميع ملكهم قد كسي بهاء و جمالا و نورا، من وجوههم أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم،

فيقولون لهم: لقد زدتم نورا و بهاء و جمالا ما تركناكم عليه، فيقول لهم أهلهم: و كذاكم أنتم قد زدتم من البهاء و الجمال ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا، فينعم بعضهم ببعض، قال تعالى‏ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ». فإن قلت: قال تعالى‏ (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) و جاء في الحديث [لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره‏] فكان إرسال الحجب بين السبحات و بين الخلق رحمة بهم، و إشفاقا على وجودهم، و قد وعد بالرؤية في الدار الآخرة، فكيف يكون البقاء هناك، و لا فرق بين الدارين من كونهما مخلوقتين و ممكنتين؟ قلنا: إذا فهمت معنى إضافة السبحات إلى وجهه، و فرقت بين هذا القول و قوله [ترون ربكم‏] و قوله‏ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ» فعلق الرؤية بالرب، و الإحراق بالوجه، عرفت حينئذ الفرق بين الخبرين، ثم عطف فقال في أهل الشقاء.

 

[سورة القيامة (75): آية 24]

وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24)

الوجه هنا هو حقيقة المسمى و عينه و ذاته، لأن الوجوه التي هي في مقدم الإنسان ليست توصف بالظنون، و إنما الظن لحقيقة الإنسان، فإنه تعالى قال:

[سورة القيامة (75): آية 25]

تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25)

فالوجوه في هذه الآيات عبارة عن النفوس الإنسانية، لأن وجه الشي‏ء حقيقته و ذاته و عينه، لا الوجوه المقيدة بالأبصار، فإنها لا تتصف بالظنون، و مساق الآية يعطي أن الوجوه هنا هي ذوات المذكورين.

[سورة القيامة (75): الآيات 26 الى 29]

كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (26) وَ قِيلَ مَنْ راقٍ (27) وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (28) وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)

 

[ «وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ» الآية:]

الوجه الأول- هو اجتماع أمر الدنيا و الآخرة، أي دخلت الأهوال و الأمور العظام بعضها في بعض يوم القيامة فالتف أمر الدنيا بأمر الآخرة- الوجه الثاني: الخلق كله مرتبط باللّه ارتباط ممكن بواجب، سواء عدم أو وجد، و سعد أو شقي، و الحق من حيث أسماؤه مرتبط بالخلق، فإن الأسماء الإلهية تطلب العالم طلبا ذاتيا، فالتفت الساق بالساق، أي التف أمرنا بأمره و انعقد، فهو التفاف فلا ننحل عن عقده أبدا، و يوضح المعنى أنه تمم و هو الصادق.

[سورة القيامة (75): آية 30]

إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30)

«إِلى‏ رَبِّكَ»

[ «إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ» الآية:]

أثبت وجود رتبته بك‏ «يَوْمَئِذٍ» يعني يوم يكشف عن الساق، و أتى بالاسم الرب و معناه الثابت و المصلح و المربي و السيد و المالك، و لكل من ذلك معنى في هذه الآية «الْمَساقُ» رجوع الكل إليه من سعد أو من شقي، أو من تعب أو من استراح، فمن حيث أنه الثابت يعطي الثبات، و الأمر ملتف بالأمر، و إلى الرب المساق، فلا بد من ثبات هذا الالتفاف في الدار الآخرة، فعين أمر الدنيا عين أمر الآخرة، غير أن موطن الآخرة لا يشبه موطن الدنيا لما في الآخرة من التخليص القائم بوجود الدارين، فوقع التمييز بالدار، و الكل آخرة، فلا تزال الناس في الآخرة ينتقلون بالأحوال كما كانوا في الدنيا ينتقلون بالأحوال، و الأعيان ثابتة، فإن الرب يحفظها

الوجه الثاني- لما كان إلى ربك يومئذ المساق، و الرب المصلح، فإن اللّه يصلح بين عباده يوم القيامة، هكذا جاء في الخبر النبوي، و الكريم إذا كان من شأنه أن يصلح بين عباده بمثل هذا الصلح الوارد في الخبر حتى يسقط المظلوم حقه، و يعفو عن أخيه، فاللّه أولى بهذه الصفة من العبد في ترك المؤاخذة بحقوقه من عباده، فيعاقب من شاء بظلم الغير لا بحقه المختص به‏

الوجه الثالث- الرب أيضا المغذي و المربي فهو يربي عباده، و المربي من شأنه إصلاح حال من يربيه، فمن التربية ما يقع بها الألم كمن يضرب ولده ليؤدبه، و ذلك من جملة تربيته و طلب المصلحة في حقه لينفعه ذلك في موطنه، كذلك حدود اللّه تربية لعباده حيث أقامها اللّه عليهم، فهو يربيهم بها لسعادة لهم في ذلك من حيث لا يشعرون، كما لا يشعر الصغير بضرب من يربيه إياه‏– الوجه الرابع- و الرب أيضا: السيد، و السيد أشفق على عبده من العبد على نفسه،

فإنه أعلم بمصالحه، و لن يسعى السيد في إتلاف عبده، لأنه لا تصح له السيادة إلا بوجود العبد، فعلى قدر ما يزول من المضاف يزول من حكم المضاف إليه- الوجه الخامس- و أما الرب الذي هو المالك فلشدة ما يعطيه هذا الاسم من النظر فيما تستحقه المرتبة فيوفيها حقها، فقد بان لك في هذا المساق معنى اختصاص الاسم الرب الذي إليه المساق عند التفاف الساق بالساق، فبه انتظم الأمران، و ثبت الانتقالان.

[سورة القيامة (75): آية 31]

فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى (31)

و هو نقيض الذاكر ربه، لما جاءه ذكر ربه و هو القرآن يذكره بنفسه و بربه‏ «فَلا صَدَّقَ» من أتى به أنه من عند ربه‏ «وَ لا صَلَّى» يقول: و لا تأخر عن دعواه و تكبره، و قد سمع قول اللّه الحق، و من ردّ الحق فما صدق ذلك القول فيما دل عليه، قاله من قاله، فذمه اللّه و قال:

[سورة القيامة (75): آية 32]

وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (32)

«وَ لكِنْ» استدراك لتمام القصة «كَذَّبَ» من أتى به إليه و هو الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم، و كذب الحق إما بجهله فلم يعلم أنه الحق، و إما بعناد و هو على يقين أنه حق في نفس الأمر فغالط نفسه، ثم قال: «وَ تَوَلَّى» بعد تكذيبه بالحق و بمن جاء به، فتولى عن الحق.

[سورة القيامة (75): آية 33]

ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33)

و هذا شغل المتكبر المشغول الخاطر المفكر الحائر الذي كسّله ما سمعه، فإنه بالوجه الظاهر يعلم أنه الحق لأن المعجزة لم يأت بها اللّه إلا لمن يعلم أن في قوته قبولها بما ركب اللّه فيه من ذلك.

[سورة القيامة (75): آية 34]

أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34)

لو لا لو لا، ما ظهر الأولى، و لا تزال أولى لك فأولى.

 

[سورة القيامة (75): الآيات 35 الى 36]

ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (35) أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36)

فلينظر الإنسان و يتفكر و يعتبر أن اللّه ما خلقه سدى، و إن طال المدى، و من نظر و اهتدى، و باع الضلالة بالهدى، عجّل بالفدا، من أجل تحكم الأعدا، و من عرف الضلالة و الهدى لم يطل عليه المدى، و علم أن اللّه لا يترك خلقه سدى، كما لم يتركه ابتدا، و إن لم ينزل منازل السعداء، فإن اللّه برحمته التي وسعت كل شي‏ء لا يسرمد عليه الردا، و كيف يسرمده و هو عين الردا، فهو في مقام الفدا، و إشارة سهام العدا، فله الرحمة آخرا خالدا مخلدا فيها أبدا.

[سورة القيامة (75): الآيات 37 الى 40]

أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (39) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ (40)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 425

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=