تفسیر ابن عربی سوره المجادلة

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة المجادلة

(58) سورة المجادلة مدنيّة

[سورة المجادلة (58): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَ تَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)

«قَدْ سَمِعَ اللَّهُ» قال اللّه تعالى ذلك و لم يقل: سمعت؛ لأن الآية قد تكون تعريفا من جبريل الروح الأمين بأمر اللّه أن يقول لعبده عليه السلام مثل هذا، أي قل يا جبريل‏ «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ» كما قيل لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم: (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ) و هو بشر، و يحتمل أن يكون الكلام من مرتبة خاصة، فيقول الحق من كونه متكلما: يا محمد «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ» فيريد باللّه هنا الاسم السميع أو العليم.

[سورة المجادلة (58): آية 2]

الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)

[إشارة: لا عين للشريك إذ لا شريك في العالم‏]

– إشارة- «وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً» المنكر الشريك الذي أثبته المشركون بجعلهم فلم يقبله التوحيد الإلهي، و أنكره فصار منكرا من القول و زورا، فلم يكن ثمّ شريك له عين أصلا، بل هو لفظ ظهر تحته العدم المحض، فلا عين للشريك إذ لا شريك في العالم عينا و إن وجد قولا و لفظا.

[سورة المجادلة (58): آية 3]

وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3)

المظاهر تلزمه الكفارة قبل الوطء.

[سورة المجادلة (58): آية 4]

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (4)

[إشارة و اعتبار: تحرير الرقبة و الصيام و الإطعام‏]

– إشارة و اعتبار- عتق الرقبة من الرق إما أن يكون مطلقا أو مقيدا، فالعتق من الرق مطلقا هو أن يقيم نفسه في حال كون الحق عينه في قواه و جوارحه التي بها تميز عن غيره من الأنواع بالصورة و الحد، و إذا كان في هذا الحال و كان هذا نعته، كان سيدا و زالت عبوديته مطلقا، لأن العبودية هنا راحت إذ لا يكون الشي‏ء عبد نفسه، و أما إذا كان العبد مقيدا فهو أن يعتق نفسه من رق الكون، فيكون حرا عن الغير، عبدا للّه، فإن عبوديتنا للّه يستحيل رفعها و عتقها، لأنّها صفة ذاتية له، و استحال العتق منها في هذه الحال لا في الحال الأول،

و أما اعتبار الإطعام في الكفارة، فالطعام سبب في حفظ الحياة على متناوله، فهو في الإطعام متخلق بالاسم المحيي لما أمات بما فعله، و أما صوم شهرين في الاعتبار، فالشهر عبارة في المحمديين عن استيفاء سير القمر في المنازل المقدرة، و ذلك سير النفس في المنازل الإلهية، فالشهر الواحد يسير فيها بنفسه ليثبت ربوبية خالقه عليه عند نفسه، و الشهر الآخر يسير فيه بربه من باب أن الحق جميع قواه و جوارحه، فإنه بقواه قطع هذه المنازل.

 

[سورة المجادلة (58): الآيات 5 الى 7]

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ قَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ (6) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ (7)

[الحق واحد أبدا لكل كثرة و جماعة، و لا يدخل معها في الجنس:]

«ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ» يسمع ما يتناجون به، و لذلك قال لهم: (فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ) فإنه معكم أينما كنتم فيما تتناجون به، فإنكم إليه تحشرون‏ «وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ» و هو ما دون الثلاثة، و هو الواحد و قد يعني الاثنين‏ «وَ لا أَكْثَرَ» و هو ما فوق الثلاثة إلى ما لا يتناهى من العدد، و قد يعني السبعة فما فوقها من الأفراد «إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا» من المراتب التي يطلبها العدد،

فإن كان واحدا فهو الثاني له لأنه معه، ثم ما زاد على واحد، فهو مع ذلك المجموع من غير لفظه، فهو سبحانه معهم أينما كانوا وجودا أو عدما حيثما فرضوا، فهو سبحانه ثان للواحد، فإن المعية لا تصح للواحد في نفسه، لأنها تقتضي الصحبة و أقلها اثنان، و هو ثالث للاثنين و رابع للثلاثة و خامس للأربعة بالغا ما بلغ، و إذا أضيفت المعية للخلق دون الحق فمعية الثاني ثاني اثنين، و معية الثالث للاثنين ثالث ثلاثة، و معية الرابع للثلاثة رابع أربعة، بالغا ما بلغ، لأنه عين ما هو معه في المخلوقية،

و الحق ليس كمثله شي‏ء، لأنه ليس من جنس ما أضيف إليه بوجه من الوجوه، فلو كان الحق ثالث ثلاثة أو رابع أربعة على ما تواطأ عليه أهل اللسان لكان من جنس الممكنات، و هو تعالى ليس من جنس الممكنات، فلا يقال فيه إنه واحد منها، فهو واحد أبدا لكل كثرة و جماعة، و لا يدخل معها في الجنس، فهو رابع ثلاثة فهو واحد، و خامس أربعة فهو واحد، بالغا ما بلغت،لذلك قال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) و لم يكفر من قال: إنه رابع ثلاثة، و معيته تعالى هنا من كونه سميعا من كونهم يتناجون. و اعلم وفقك اللّه أن اللّه ما خلق الأشياء إلا في مقام أحديته التي بها يتميز عن غيره، فبالشفعية التي في كل شي‏ء يقع الاشتراك بين الأشياء، و بأحدية كل شي‏ء يتميز كل شي‏ء عن شيئية غيره، و ليس المعتبر في كل شي‏ء إلا ما يتميز به،

و حينئذ يسمى شيئا، فلو أراد الشفعية لما كان شيئا، و إنما يكون شيئين، و قد قال تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ) و لم يقل لشيئين، فإذا كان الأمر على ما قررناه ثم جاء الحق لكل شي‏ء بمعيته فقد شفع فردية ذلك الشي‏ء، فجعل نفسه رابعا و سادسا، و أدنى من ذلك و هو أن يكون ثانيا، و أكثر و هو ما فوق الستة من العدد الزوج، إعلاما منه تعالى أنه على صورة العالم أو العالم على صورته، فالثلاثة أول الأفراد في العدد إلى ما لا يتناهى، و الشفعية المعبر عنها بالاثنين أول الأزواج إلى ما لا يتناهى في العدد، فما من شفع إلا و يوتره واحد يكون بذلك فردية ذلك الشفع، و ما من فرد إلا و يشفعه واحد يكون به شفعية ذلك الفرد، فالأمر الذي يشفع الفرد و يفرد الشفع هو الغني الذي له الحكم و لا يحكم عليه، و لا يفتقر و يفتقر إليه، فمتى فرضت عددا فاجعل الحق الواحد الذي يكون بعد ذلك اللاصق به و لا بد، فإنه يتضمنه،

فالخامس للأربعة يتضمن الأربعة و لا تتضمنه، فهو يخمّسها و هي لا تخمسه فإنها أربعة لنفسها، و هكذا في كل عدد، و إنما كان هذا لحفظ العدد على المعدودات، و الحفظ لا يكون إلا للّه و ليس اللّه سوى الواحد، فلا بد أن يكون الواحد أبدا له حفظ ما دونه من شفع و وتر، فهو يوتر الشفع و يشفع الوتر، و الفردية عندنا لا تكون إلا للواحد الذي يشفع الوتر و للواحد الذي يوتر الشفع، و لو لا ذلك ما صح أن تقول في فردية الحقّ إنه رابع ثلاثة و سادس خمسة و أدنى من ذلك و أكثر،

و هو فرد في كل نسبة، فتارة ينفرد بتشفيع الوتر، و تارة بإيتار الشفع و هو قوله: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ» فما بيّن في فرديته بالذكر المعين إلا فردية تشفع الوتر الذي لا يقول به الحكماء في اصطلاح الفردية، ثم قال في العام: «وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ» سواء كان عددهم وترا أو شفعا، فإن اللّه لا يكون واحدا من شفعيتهم و لا واحدا من وتريتهم، بل هو الرقيب عليهم الحفيظ الذي هو من ورائهم محيط، فمتى انتقل الخلق إلى المرتبة التي كانت للحق انتقل الحق إلى المرتبة التي تليها،

لا يمكن له الوقوف‏ في تلك المرتبة التي كان فيها عند انتقال الخلق إليها، فانظر في هذا السرّ ما أدقه و ما أعظمه في التنزيه الذي لا يصح للخلق مع الحق فيه مشاركة، فالخلق أبدا يطلب أن يلحق بالحق و لا يقدر على ذلك، فالخلق خلق لنفسه و الحق حق لنفسه، و في هذه الآية لما لم يقل الحق تعالى: و لا أربعة إلا هو خامسهم؛ عرفنا من أدنى من ذلك و أكثر أنه يريد الأفراد يشفعها بما ليس منها، فتحققنا أن الغيرة حكمت هنا، فلم تثبت لأحد فردية إلا شفعتها هوية الحق حتى لا تكون الأحدية إلا له، فلا يشفع فرديته مخلوق و يشفع هو فردية المخلوقين،

فلم يقل: و لا أربعة إلا هو خامسهم، و لا اثنين إلا هو ثالثهما؛ لأن الغيرة لا تتعلق بالشفعية في الأكوان، لأن الشفعية لها حقيقة، و إنما تتعلق بالوترية إذا نسبت إلى الأكوان‏ «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ»– الوجه الأول- لما علم سبحانه أن بعض عباده يقولون في مثل قوله تعالى: «إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا» أنه معهم بعلمه، أعلم في هذه الآية أنه بكل شي‏ء عليم ليغلب على ظن السامع أنه ليس على ما تأولوه، فإنا لا نشك أنه يحيط بنا علما أينما كنا، و كيف لا يعلم ذلك و هو خلقنا و خلق الأينية التي نحن فيها؟ و كذلك لو قال في تمامها:

على كل شي‏ء شهيد؛ فعلمه تعالى محيط بما لا يتناهى- الوجه الثاني- «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» فيعمل بما علم أنه يكون يكوّنه، و ما علم أنه لا يكون لم يكونه.

 

[سورة المجادلة (58): الآيات 8 الى 9]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى‏ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَ يَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ إِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوى‏» فإن اللّه يسمع ذلك كله، لأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و لا خمسة إلا هو سادسهم و لا أدنى من ذلك و لا أكثر إلا هو معهم، يسمع ما يتناجون به و لذلك‏ قال لهم: «فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ» فإنه معكم أينما كنتم فيما تتناجون به، فإنكم إليه تحشرون لذلك قال: «الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» و إن كان معهم، فكنى بالحشر إذا فتح اللّه بإزالة الغطاء عن أعينهم، فيرون عند ذلك من هو معهم فيما يتناجون به فيما بينهم، فعبر عنه بالحشر للسؤال عما كانوا فيه، فليتحفظ العبد في نطقه لعلمه بمن يسمعه، و أنه مسئول عن نطقه و أنه يتبع نطقه في عاقبة الأمر ليقرأ كتابه حيث كان ذلك الكتاب.

[سورة المجادلة (58): الآيات 10 الى 11]

إِنَّمَا النَّجْوى‏ مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَ إِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)

[ «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» الآية:]

اعلم أن الرفعة للّه سبحانه بالذات و هي للعبد بالعرض، فإن الخفض للعبد بالأصالة و الرفعة للحق فإنه رفيع الدرجات، قال تعالى: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» فللبشر مقامات معلومة، منها يكون المزيد لهم لا يتعدونها، و إن زادوا علما فمن ذلك المقام، فبالمقامات فضل اللّه كل صنف بعضه على بعض، و هذا المقام هو الذي يكون فيه الإنسان عند آخر نفس يكون منه، و يفارق الروح تركيب هيكله المسمى موتا، فمن ذلك المقام يكون له المزيد، و لهذا يقع التفاضل بين الناس في الدار الآخرة،

و يزيد اللّه الذين أوتوا العلم و هم مؤمنون على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم درجات، فإن العلم في حق المخلوق و إن كان له الشرف التام الذي لا تجهل مكانته و لكن لا يعطي السعادة في القرب الإلهي إلا بالإيمان، فنور الإيمان في المخلوق أشرف من نور العلم الذي لا إيمان معه، فإذا كان الإيمان يحصل عنه العلم، فنور العلم المولد من نور الإيمان أعلى، و به يمتاز على المؤمن الذي ليس بعالم، و يزيد العلم فيرفع اللّه الذين أوتوا العلم على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم درجات، يظهر فيها العلماء باللّه ليراهم المؤمنون، و يحتمل أن يراد به العلماء بتوحيد اللّه أنه لا إله إلا اللّه من حيث الأدلة العقلية، فإن الطريق الموصلة إلى العلم باللّه طريقان لا ثالث لهما، و من وحّد اللّه من غير هذين الصنفين فهو مقلد في توحيده، الطريق الواحدة طريق الكشف،

و هو علم ضروري يحصل عند الكشف يجده الإنسان في نفسه لا يقبل معه شبهة و لا يقدر على دفعه، و لا يعرف لذلك دليلا يستند إليه سوى ما يجده في نفسه، و قد يكشف له عن الدليل، و إما أن يحصل له هذا العلم عن تجل إلهي يحصل له، و هم الرسل و الأنبياء و بعض الأولياء؛ و الطريق الثاني طريق الفكر و الاستدلال بالبرهان العقلي، و هذا الطريق دون الطريق الأول، فإن صاحب النظر في الدليل قد تدخل عليه الشبه القادحة في دليله، فيتكلف الكشف عنها و البحث عن وجه الحق في الأمر المطلوب، و ما ثمّ طريق ثالث، فهؤلاء هم أولوا العلم الذين شهدوا بتوحيد الحق، فتوحيد الحق يدرك بالإيمان و يدرك بالنظر، فالمقلد مؤمن، و الناظر و المستدل بالأدلة العقلية على وجود الصانع و توحيده عالم- وجه- لما كان الأمر في الحقيقة في نسبة الأفعال أن الحق مجراها على أيدي الخلق و منشئها فيهم، اطلع العباد على ذلك أو لم يطلعوا، شرف العالم بالاطلاع على من لم يطلع و فضل، قال تعالى: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ».

[سورة المجادلة (58): آية 12]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)

ينبغي لك إذا ناجيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ذلك زمان قراءتك الأحاديث المروية عنه صلّى اللّه عليه و سلّم أن تقدم بين يدي نجواك صدقة، أي صدقة كانت، فإن ذلك خير لك و أطهر، بهذا أمرت، فإن الصدقات التي نص الشارع عليها كثيرة، و لذلك ورد أنه يصبح على كل سلامى منا صدقة في كل يوم تطلع فيه الشمس،

ثم أخبر صلّى اللّه عليه و سلّم: [أن كل تهليلة صدقة و كل تكبيرة صدقة، و كل تسبيحة صدقة، و كل تحميدة صدقة، و أمر بمعروف صدقة، و نهي عن منكر صدقة] فانظر حالك عند ما تريد قراءة الحديث النبوي، فهي التي بقيت في العامة من مناجاة الرسول، فالذي يعيّن لك حالك عند ذلك من الصدقات تقدمها بين يدي قراءتك الحديث كانت ما كانت، فقد أوسع اللّه عليك في ذلك، فلم يبق لك عذر في التخلف بعد أن أعلمك‏ صلّى اللّه عليه و سلّم بأنواع الصدقات، فقدّم منها بين يدي نجواك ما أعطاه حالك بلغ ما بلغ، و حينئذ تشرع في قراءة الحديث النبوي-

فائدة- [النافلة القبلية في الصلاة]

اعلم أن المصلي مناج ربه، فإذا كان الحق أمر بالصدقة بين يدي مناجاة الرسول، فما ظنك بمناجاة الحق تعالى؟ فهي آكد و أوجب، و هي النافلة قبل الفريضة، فإنها صدقة من الشخص على نفسه، و هي كالرياضة للنفس، و كالعزلة بين يدي الخلوة للحضور التام بما ينبغي للسيد المعبود من الآداب و الجلال و التنزيه، فإن دخول العبد للفرض من النفل ما يكون مثل دخوله من الفعل المباح، لأنه لا بد أن يبقى للداخل في خاطره مما تقدم له قبل دخوله أثر

– إشارة لأهل المقامات-

أفضل الصدقات تصدق الإنسان بنفسه و أفضل ما يخرجها عليه من يخرجها على نفسه، فإذا أراد العبد نجوى ربه فليقدم بين يدي نجواه نفسه لنفسه، فإن النجوى سامع و متكلم، و العبد إن لم يكن الحق سمعه فمن المحال أن يطيق فهم كلام اللّه، و إن لم يكن الحق لسان عبده عند النجوى فمن المحال أن تكون نجواه صادقة الصدق الذي ينبغي أن يخاطب به الحق، فإذا الحق ناجى نفسه بنفسه كان العبد محل الاستفادة.

[سورة المجادلة (58): الآيات 13 الى 22]

أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لا مِنْهُمْ وَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (17)

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)

«لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ» و لو كانوا قرابتهم، لذلك قال تعالى: «وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ» فكونهم حادوا اللّه و رسوله هو الذي عاد عليهم، فجنوا على أنفسهم، و من لم يطلعك اللّه على عداوته للّه فلا تتخذه عدوا، و أقل أحوالك إذا جهلته أن تهمل أمره، فمتى لم تعلم عداوته للّه فلا تعاده بالإمكان و لا بما يظهر على اللسان، و الذي ينبغي لك أن تكره فعله لا عينه، و العدو للّه إنما تكره عينه،

ففرّق بين من تكره عينه و هو عدو للّه، و بين من تكره فعله و هو المؤمن، أو من تجهل خاتمته ممن ليس بمسلم في الوقت‏ «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ» و الكتابة من اللّه في قلب عبده دون واسطة، و أوجب للعبد ذلك حكما سمي به مؤمنا، و الإيمان المكتوب في القلوب يمنع من أن تصدر منهم معصية أصلا انتهاكا لحرمة اللّه،

و إن وقعت فتكون بحكم القدر النافذ لا بقصد انتهاك حرمات اللّه، أو عن غفلة منهم‏ «وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» و تأييدهم بعد إيراد نور الإيمان على قلوبهم، إنما يكون بتقويته بأوصاف الروح الروحانية، من الطهارة و عدالة الأخلاق و الأوصاف، و النزاهة عن أحكام النقص و الانحراف، فبهذه الأوصاف الروحانية الوحدانية الاعتدالية يظهر القلب و آثاره، و يتميز بعد أن كان مغمورا و مستورا و مقهورا تحت سلطنة النفس و آثارها، و كما أن الحق ما تجلى لشي‏ء قط ثم انحجب عنه بعد ذلك، كذلك من كتب اللّه في قلبه الإيمان فإنه لا يمحوه أبدا، و من هؤلاء نواب الحق، فما كذبوا شيئا مما له وجود في الكون و وجدوا له مصرفا،

و لذلك قال: «وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» فهذا المؤيد به إذا توجه على معدوم أوجده، و على معدل مسوى نفخ فيه روحا «وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ» إن أردت أن تكون من عباد اللّه الذين اختصهم لخدمته، و اصطنعهم لنفسه، و رضي عنهم فرضوا عنه، فتطهّر بالموافقة من المخالفة، و كن فيما يرضيه سبحانه من الأعمال في الأقوال و الأفعال و الأحوال‏ «أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» فما يدري أحد ما لهم من المنزلة عند اللّه، لأنهم ما تحركوا و لا سكنوا إلا في حق اللّه لا في حق أنفسهم، إيثارا لجناب اللّه على ما يقتضيه طبعهم.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 298

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=