تفسیر ابن عربی سوره عبس

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة عبس

(80) سورة عبس مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

إن الأنبياء و إن شاهدوا أولياء اللّه في حال شهودهم للوجه الذي أرادوه من اللّه تعالى، فإنهم من حيث أنهم أرسلوا لمصالح العباد لا يتقيدون بهم على الإطلاق، و إنما يتقيدون بالمصالح التي بعثوا بسببها، فوقتا يعتبون مع كونهم في مصلحة، مثل هذه الآية، آية الأعمى الذي نزل فيه:-

[سورة عبس (80): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

عَبَسَ وَ تَوَلَّى (1)

[ «عَبَسَ وَ تَوَلَّى» الآية:]

و كان خباب بن الأرت و بلال و ابن أم مكتوم و غيرهم من الأعبد و الفقراء، لما تكبر كبراء قريش و أهل الجاهلية عن أن يجمعهم عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مجلس واحد، و أجابهم إلى ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فيقول لسان الظاهر إن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم كان يفعل لهم ذلك ليتألفهم على الإسلام، لأن واحدا منهم كان إذا أسلم أسلم لإسلامه بشر كثير، لكونه مطاعا في قومه، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ما أعرض عن الأعمى الذي عتبه فيه الحق إلا حرصا و طمعا في إسلام من يسلم لإسلامه خلق كثير،

و من يؤيد اللّه به الدين، و لما كان من مكارم الأخلاق الإقبال على الفقراء و الإعراض عن الأغنياء بالعرض- من جاه أو مال- ما عتب اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم‏ في الأول إلا لعزة قامت بنفس أولئك، مثل الأقرع بن حابس و غيره، فقالوا: لو أفرد لنا محمد مجلسا جلسنا إليه، فإنا نأنف أن نجالس هؤلاء الأعبد، يعنون بذلك بلالا و خبابا و غيرهما، فرغب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لحرصه على إيمانهم و لعلمه أنه يرجع لرجوعهم إلى اللّه بشر كثير، فأجابهم إلى ما سألوا، و تصدى إليهم لما حضروا، و أعرض عن الفقراء، فانكسرت قلوبهم لذلك، فأنزل اللّه ما أنزل جبرا لقلوب الفقراء، فانكسر الباقي من نفوس أولئك الأغنياء الأعزاء،

و قيل له: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) و (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) و نزل عليه‏ «عَبَسَ وَ تَوَلَّى» و مع هذا وقع عليه صلّى اللّه عليه و سلّم العتب من حقيقة أخرى لا من هذه الحقيقة، فإن اللّه تعالى ما يريد أن يعامله العبد بمعاملة واحدة في كل شي‏ء، بل يحمده في المواضع التي تطلب منه المحامد، و يقبل عليه، و يعرض عنه في المواضع التي يطلب منه الإعراض عنه فيها، فلا يتعدى الميزان الذي يطلبه منه و لذلك قال تعالى معلما و مؤدبا لمن عظم صفة اللّه على غير ميزان.

[سورة عبس (80): الآيات 2 الى 3]

أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى‏ (2) وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3)

يعني ذلك الجبار، و أن اللّه عند المنكسرة قلوبهم،- أصحاب العاهات- غيبا، و هو في الجبابرة المتكبرين ظاهر عينا، و للظهور حكم أقوى، و كان صلّى اللّه عليه و سلّم حريصا على الناس أن يؤمنوا بوحدانية اللّه، و إزالة العمى الذي كانوا عليه، و يترجم عن هذا الإعراض منه صلّى اللّه عليه و سلّم لسان الحقيقة، فإنه صلّى اللّه عليه و سلّم: كان يحب الفأل الحسن، و بعثه بدعوة الحق، و إظهار الآيات إنما يظهرها لمن يتصف بأنه يرى، فلما جاءه الأعمى قام له حقيقة من بعث إليهم و هم أهل الأبصار، فأعرض و تولى لأنه ما بعث لمثل هذا، فهذا كان نظره صلّى اللّه عليه و سلّم، و ما عتبه سبحانه فيما علمه،

و إنما عتبه جبرا لقلب ابن أم مكتوم و أمثاله، لأنهم غائبون عن الذي يشهده صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو أنه لم يشاهد سوى الحق، فأينما يرى الصفة التي لا تنبغي إلا للّه عظّمها، و لم يشاهد معها سواها، و قام لها و وفّاها حقها، مثل العزة و الكبرياء و الغنى، فالنبي صلّى اللّه عليه و سلّم ليس له مشهود إلا صفة الحق حيث ظهرت من الأكوان، فإذا رآها أعمل الحيلة في سلبها عن الكون الذي أخذها على غير ميزانها، و ظهر بها في غير موطنها،

و هو صلّى اللّه عليه و سلّم غيور، فمن العجب أن المشاهد غنى الحق الذي هو صفته في غنى العالم، فلا يشاهد إلا حقا، و لا يكون القبول و الإقبال إلا على صفة حق، كيف يعتب على ذلك من هو بهذه المثابة؟ فقيل له عند ما جاء الجبار الأعمى البصيرة، تأديبا لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم في ظاهر الأمر، و هو يؤدبنا به لنتعلم‏ «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى‏» فنبهه ببنية الاستفعال، و هنا ذكر الحق الصفة و لم يذكر الشخص، و الغنى صفة إلهية، فما حادت عين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلا إلى صفة إلهية، لتحققه صلّى اللّه عليه و سلّم، فأراد الحق أن ينبهه على الإحاطة الإلهية، فلا تقيده صفة عن صفة، فليس شهوده صلّى اللّه عليه و سلّم لغناء الحق في قوله‏ (اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) بأولى من شهوده صلّى اللّه عليه و سلّم لطلب الحق في قوله‏ (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) و أين مقام الغنى من هذا الطلب؟ فغار عليه سبحانه أن تقيده صفة عن صفة، فكان صلّى اللّه عليه و سلّم يظهر لأولئك من البشاشة على قدر ما يليق بهم، و يظهر للأعمى من الفرح به على قدر ما تقع به المصلحة في حق أولئك الجبابرة، فإن التواضع و البشاشة محبوبة بالذات من كل أحد، فإنها من مكارم الأخلاق، و ما زال اللّه يؤدب نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم حتى تحقق بالأدب الإلهي فقال [إن اللّه أدبني فأحسن أدبي‏] فإن اللّه له نسبة إلى الأغنياء كما له نسبة إلى الفقراء، فقال تعالى:

[سورة عبس (80): الآيات 4 الى 5]

أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى‏ (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى‏ (5)

[لمن تصدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟]

لأن الغني يعطى الزهو و الفخر لما يشاهده من الطالبين رفده، و سعي الناس في تحصيل مثل ما عنده، فكان مشهود محمد صلّى اللّه عليه و سلّم الصفة الإلهية، و هي الغنى، فتصدى لها لما تعطيه حقيقتها من الشرف، و النبي في ذلك الوقت في حال الفقر في الدعوة إلى اللّه، و أن تعمّ دعوته، و علم أن الرؤساء و الأغنياء، تبع الخلق لهم أكثر من تبع من ليس له هذا النعت، فإذا أسلم من هذه صفته أسلم لإسلامه خلق كثير، و النبي صلّى اللّه عليه و سلّم له على مثل هذا حرص عظيم، و قد شهد اللّه تعالى عندنا له بذلك فقال: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) أي عنادكم يعز عليه للحق المبين‏ (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) في أن تسلموا و تنقادوا إلى ما فيه سعادتكم، و هو الإيمان باللّه و ما جاء من عند اللّه، و مع هذا الحضور النبوي أوقع العتب عليه تعليما لنا، و إيقاظا له، فإن الإنسان محل الغفلات، و هو فقير بالذات، و قد استحق الجاه و المال أن يستغني بهما من قاما به، و لذلك قال: «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى‏» و ما قال: أما من هو غني؛ فإنه على التحقيق ليس بغني، بل هو فقير لما استغنى به، و قد علم الحق أنه لمن تصدى محمد صلّى اللّه عليه و سلّم،

فيقول له: و إن كنت تعظم صفتي حيث تراها لغلبة شهودك إياي، فقد أمرتك أن لا تشاهدها مقيدة في المحدثين؛ فهذا من التأديب الإلهي لرسوله صلّى اللّه عليه و سلّم، فترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم تعظيم عزة اللّه إذا اتصف بها أحد من عباد اللّه. و اعلم أن الغنى و إن كان باللّه، و العزة و إن كانت باللّه، فإنهما صفتان لا يصح للعبد أن يدخل بهما على اللّه تعالى، و إن كان باللّه فيهما، فلا بد أن يتركهما و يدخل فقيرا ذليلا. و معنى الدخول التوجه إلى اللّه، فلا يتوجه إلى اللّه بغناه به و لا بعزته به، و إنما يتوجه إلى اللّه بذله و افتقاره، فإن حضرة الحق لها الغيرة الذاتية، فلا تقبل عزيزا و لا غنيا.

و هذا ذوق لا يقدر أحد على إنكاره من نفسه، فإن الغنى معظم في العموم حيث ظهر و فيمن ظهر، و الخصوص ما لهم نظر إلا في الفقر فإنه شرفهم، فلا يبرحون في شهود دائم مع اللّه، و ما راعى الحق في عتبه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلا جهل من جهل من الحاضرين، أو من يبلغه ذلك من الناس بمن تصدى له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فلو عرفوا الأمر الذي تصدى له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ما عتبه، و لا كان يصدر منهم ما صدر من الأنفة في مجالسته صلّى اللّه عليه و سلّم الأعبد، فهل هذا إلا لذهولهم عن عبوديتهم للذي اتخذوه إلها؟! فإن كانت الآية جاءت عتبا في حق فهم العرب، لكن من يعلم مرتبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ذوقه و شهوده يجعل الضمير في له في قوله تعالى:

[سورة عبس (80): آية 6]

فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6)

للّه فلم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم له شهود إلا غنى الحق، و أن عزته تعالى هي الظاهرة في كل عزيز، فما تعدى، من إذا شهد صفة الحق تصدى، و لكن خاطبه اللّه تعالى بما يناسب الموطن، و التكليف للدعوة يقول: إنه لما شاهد صفة الحق و هي غناه عن العالم تصدى لها، حرصا منه أن يزكي من ظهر بها عنده فقيل له:

[سورة عبس (80): آية 7]

وَ ما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7)

و لك ما نويت و حكمه، لو تزكى لما فاتك شي‏ء، سواء تزكى أم لم يتزكّى.

[سورة عبس (80): الآيات 8 الى 10]

وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى‏ (8) وَ هُوَ يَخْشى‏ (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)

لكونه أعمى، أي لا تتطير، فنهاه عن الطيرة، فمن هنا كان يحب الفأل الحسن و يكره الطيرة، و هو الحظ من المكروه، و الفأل الحسن الحظ و النصيب من الخير، فما تلهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن الأعمى إلا لحبه في الفأل، و ما جاء اللّه تعالى بالأعمى، إلا لبيان حال مخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعمى هؤلاء الرؤساء، و علم بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و لكن وقف مع حرصه على إيمانهم و الوفاء بالتبليغ الذي أمره اللّه به، و لأن صفة الفقر صفة نفس المخلوق، و قد علم صلّى اللّه عليه و سلّم أنه الدليل، فإن الدليل لا يجتمع هو و المدلول، و هو دليل على غنى الحق، و قد تجلى في صفة هؤلاء الرؤساء، فلا بد من وقوع الإعراض عن الأعمى و الإقبال على أولئك الأغنياء، و مع هذا كله وقع العتاب جبرا للأعمى،

و تعريفا بجهل أولئك الأغنياء، فجبر اللّه قلب الأعمى و أنزل الأغنياء عما كان في نفوسهم من طلب العلو فانكسروا لذلك، و نزلوا عن كبريائهم بقدر ما حصل في نفوسهم من ذلك العتاب الإلهي. و اعلم أن الملك العزيز في قومه ما جاء إليك و لا نزل عليك إلا و قد ترك جبروته خلف ظهره، أو كان جبروتك عنده أعظم من جبروته، فعلى كل حال قد نزل إليك، فأنزله أنت منزلته من نفسه التي يسر بها تكن حكيما، و ما عاتب اللّه نبيه في الأعمى و الأعبد إلا بحضور الطائفتين، فبالمجموع وقع العتب، و به أقول لا مع الانفراد، فتعظيم الملوك و الرؤساء من تعظيم ربك، و تعظيم الفقراء جبر لا غير لانكسارهم في فقرهم.

[سورة عبس (80): الآيات 11 الى 13]

كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13)

اللوح المحفوظ فيه قدر ما يقع به التصريف في الدنيا إلى يوم القيامة، يتضمن ما في العالم من حركة و سكون، و اجتماع و افتراق، و رزق و أجل، و عمل، ثم أنزل ذلك كله في كتاب مكنون إلى السماء الدنيا، و هي قوله تعالى‏ «فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ».

[سورة عبس (80): آية 14]

مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)

يعني التذكرة التي هي الرسالة، التي تنزل بها الملائكة فيها توقيعات إلهية بما وعد اللّه المؤمنين باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و ما جاءت به رسله من اليوم الآخر و البعث الآخر، و ما يكون في ذلك اليوم من حكم اللّه في خلقه.

[سورة عبس (80): آية 15]

بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)

و السفرة هم الرسل من الملائكة.

[سورة عبس (80): آية 16]

كِرامٍ بَرَرَةٍ (16)

[الكرام البررة:]

مطهرين أرواح قدس‏ «كِرامٍ» بما يجودون به على المرسلين إليهم في رسالتهم‏ «بَرَرَةٍ» أي محسنين، و هؤلاء هم سفراء الحق إلى الخلق بما يريد أن ينفذه فيهم من الحكم من عالم الأركان، فإذا أراد اللّه إنفاذ أمر في خلقه، أوحى إلى الملك الأقرب إلى مقام التنفيذ، و ينزل الأمر من ملك إلى ملك، و من سماء إلى سماء حتى السماء الدنيا، فينادي بملك الماء فيودع تلك الرسالة، و ينادي ملائكة اللمات، و هم ملائكة القلوب، فيلقّنوها فيجعلها لمّات في قلوب العباد، و أما ملك الماء فيلقي ما أوحي به إليه في الماء، فلا يشرب الماء حيوان إلا و يعرف ذلك السر إلا الثقلين، و لكن لا يعرف من أين جاء، و لا كيف حصل.

و من هذا الباب ما يجده الإنسان من بعض شخص، و حب شخص من غير سبب ظاهر معلوم له، و يكون بالسماع و بالرؤية، و ورد خبر في مثل هذا، كما أن بين السماء السابعة و الفلك المكوكب كراسي عليها صور كصور المكلفين من الثقلين، و ستور مرفوعة بأيدي ملائكة مطهرة، ليس لهم إلا مراقبة تلك الصور، و بأيديهم تلك الستور، فإذا نظر الملك إلى الصور قد سمجت و تغيرت عما كانت عليه من الحسن، أرسل الستر بينها و بين سائر الصور، فلا يعرفون ما طرأ، و لا يزال الملك من اللّه مراقبا تلك الصورة فإذا رأى تلك الصورة قد زال عنها ذلك القبح و حسنت رفع الستر، فظهرت في أحسن زينة، و تسبيح تلك الصور، و هؤلاء الأرواح الملكية الموكلة بالستور، [سبحان من أظهر الجميل و ستر القبيح‏].

[سورة عبس (80): آية 17]

قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17)

كل ما في الكون مسخّر للإنسان و مع ذلك كفر، فالويل لمن زهد في اعتبار وجوده و حقره، و الصغار له فما أذله و أصغره، فليته كما كفره شكره، فيكون من الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، فانتظموا في سلك عسى المدخرة في الدار الباقية المؤخرة.

[سورة عبس (80): الآيات 18 الى 22]

مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22)

– الوجه الأول- يعني المزاج الذي كان عليه في الدنيا، أي هو قادر على إعادة ذلك المزاج، لكن ما شاء، و لهذا علق المشيئة به فقال‏ «ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ» فلو كان هو بعينه لقال: ثم ينشره؛ و لا يعلم أحد ما في مشيئة الحق إلا أن يعلمه الحق بذلك- الوجه الثاني- لما كانت النشأة الآخرة على غير مثال من النشأة الدنيا، فهو تعالى يخرجنا إخراجا لا نباتا، فهو يخرجنا من الأرض على الصورة التي يشاء الحق أن يخرجنا عليها، لذلك علّق المشيئة بنشر الصورة التي أعادها في الأرض الموصوفة بأنها تنبت، فتنبت على غير مثال لأنه ليس في الصور صورة تشبهها.

[سورة عبس (80): الآيات 23 الى 42]

كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27)

وَ عِنَباً وَ قَضْباً (28) وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً (29) وَ حَدائِقَ غُلْباً (30) وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (31) مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ (32)

فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ (35) وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (41) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 455

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=