تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الغاشية
(88) سورة الغاشية مكيّة
[سورة الغاشية (88): الآيات 1 الى 17]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (2) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (3) تَصْلى ناراً حامِيَةً (4)
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (6) لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (8) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (9)
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (14)
وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)
اعلم أن حرمة اللّه ذاتية فهو يقتضي التعظيم لذاته، بخلاف الأسباب المعظمة، فإن الناظر في الدليل ما هو الدليل له مطلوب لذاته، فينتقل عنه و يفارقه إلى مدلوله، فلهذا العالم دليل على اللّه، لأنا نعبر منه إليه تعالى، لذلك قال تعالى «أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى»
[ «أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ» الآية:]
كذا يعدد المخلوقات لتتخذ أدلة عليه لا ليوقف معها، و النظر إلى الكيفيات المراد به بالضرورة المكيفات لا التكييف، فإن التكييف راجع إلى حالة معقولة، لها نسبة إلى المكيّف و هو اللّه تعالى، و ما أحد شاهد تعلق القدرة الإلهية بالأشياء عند إيجادها، فالكيفيات المذكورة التي أمرنا بالنظر إليها لا فيها إنما ذلك لنتخذها عبرة و دلالة على أن لها من كيّفها، أي صيرها ذات كيفيات، و هي الهيئات التي تكون عليها المخلوقات المكيفات، فقال «أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ» يعني السحاب الكائن من الأبخرة هنا الصاعدة للحرارة التي فيها «كَيْفَ خُلِقَتْ».
[سورة الغاشية (88): الآيات 18 الى 20]
وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)
و غيرها لا يصح أن تنظر حتى تكون موجودة فننظر إليها و كيف اختلفت هيئاتها، و لو أراد بالكيفية حالة الإيجاد لم يقل: انظر إليها، فإنها ليست بموجودة، فعلمنا أن الكيف المطلوب منا في رؤية الأشياء ما هو ما يتوهم من لا علم له بذلك، أ لا تراه سبحانه لما أراد النظر الذي هو الفكر قرنه بحرف (في) و لم يصحبه لفظ كيف.
[سورة الغاشية (88): آية 21]
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)
أي إنما أنت مبلغ عن اللّه لا غير، كما قال له (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) و قوله (وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) و قوله «إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ» و المذكر لا يكون إلا لمن كان على حالة منسية، و لو لم يكن كذلك لكان معلما لا مذكرا، فدل أنه لا يذكرهم إلا بحال إقرارهم بربوبيته تعالى عليهم حين قبض الذرية من ظهر آدم في الميثاق الأول.
[سورة الغاشية (88): آية 22]
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)
عليك أيها المذكر بأن تبلغ ما تحقق في علمك، ما عليك أن تهديهم، فلما ذا تقتل نفسك إذا لم تر القبول فيما تقول من السامعين؟ أمالك في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أسوة (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) «إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
[سورة الغاشية (88): الآيات 23 الى 26]
إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَ كَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 488