تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الغاشية
سورة الغاشية
[1]
[سورة الغاشية (88): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (1)
الْغاشِيَةِ الداهية التي تغشى الناس بشدائدها أي: القيامة الكبرى التي تغشى الذوات و تفنيها بنور التجلي الذاتي، فينكشف الناس يوم إذ غشيت على من غشيته منقسمين أشقياء و سعداء، و الصغرى التي تغشى العقل بشدّة السكرات و تلبس المغشي أهوالها فيكون الناس يوم إذ غشيتهم إما أشقياء و إما سعداء.
[2- 5]
[سورة الغاشية (88): الآيات 2 الى 5]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (2) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (3) تَصْلى ناراً حامِيَةً (4) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أي: ذوات خاشِعَةٌ أي: ذليلة خائفة عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تعمل دائبا أعمالا صعبة تتعب فيها كالهويّ في دركات النار و الارتقاء في عقباتها و حمل مشاق الصور و الهيئات المتعبة المثقلة من آثار أعمالها أو عاملة من استعمال الزبانية إياها في أعمال شاقة فادحة من جنس أعمالها التي ضريت بها في الدنيا و إتعابها فيها من غير منفعة لهم منها إلا التعب و العذاب تَصْلى ناراً من نيران آثار الطبيعة حامِيَةً مؤذية مؤلمة بحسب ما تزاولها في الدنيا من الأعمال تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ من الجهل المركب الذي هو مشربهم و الاعتقاد الفاسد المؤذي.
[6- 7]
[سورة الغاشية (88): الآيات 6 الى 7]
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (6) لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ الشبه و العلوم الغير المتنفع بها المؤذية كالمغالطات و الخلافيات و السفسطة و ما يجري مجراها لا يُسْمِنُ أي: لا يقوّي النفس وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ و لا يسكن داعية النفس و نهم الحرص على تعلمها و المباحثة عنها و يمكن أن يحشر بعض الأشقياء على صور طعامهم الشبرق اليابس كالزقوم لبعضهم و الغسلين لبعضهم.
[8- 16]
[سورة الغاشية (88): الآيات 8 الى 16]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (8) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12)
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ تظهر عليها نضرة النعيم من اللطافة و النورية لتجرّدهم لِسَعْيِها و جدّها في طريق البر و اكتساب الفضائل و السير في اللّه راضِيَةٌ شاكرة لا تندم و لا تتحسر و لا تتجرّد عما فعلت كالأولى فِي جَنَّةٍ من جنان الصفات و حضرة القدس عالِيَةٍ رفيعة القدر من علوّ المكانة لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً لأن كلامهم الحكمة و المعرفة و التسبيح و التحميد فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ من عيون مياه علوم المعارف و الذوق و الكشف و الوجدان و التوحيد فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ من مراتب الأسماء الإلهية التي بلغوها بالاتصاف بصفاته رفعت قدرها عن مراتب الجسمانية وَ أَكْوابٌ من أوصاف الذوات المجرّدة و محاسنها التي هي ظروف خمور المحبة مَوْضُوعَةٌ لثباتها على حالها في محالها وَ نَمارِقُ من مقاماتهم و مقاعدهم في مراتب الصفات، فإن لكل صفة من ابتداء تجليها و طوالع أنوارها و كونها حالا إلى كمال الاتصاف بها و كونها ملكا و مقاما مواضع أقدام و مقاعد فإذا استوفى السالك حظه منها بحسب استعداده و بلغ غاية مبلغه حتى تمّ سيره فيها و صارت ملكا له كان مقامه منها نمرقة على تلك الأريكة التي هي موضع ذلك الوصف مع الذات مَصْفُوفَةٌ مرتبة وَ زَرابِيُ من مقامات تجليات الأفعال التي تحت مقامات الصفات كالتوكل تحت الرضا مَبْثُوثَةٌ مبسوطة تحتهم.
[17- 20]
[سورة الغاشية (88): الآيات 17 الى 20]
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إلى الآثار الظاهرة بالحس فيعتبرون و يعبرون عنها إلى تجلي الوصل إلى تجلي الصفات.
[21- 24]
[سورة الغاشية (88): الآيات 21 الى 24]
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَ كَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (24)
فَذَكِّرْ عسى أن يكون فيهم مستعدّ يتذكر و يتعظ فيترقى في السلم المنخلعة إلى جناب الحق لا من أعرض و احتجب بهذه الآثار عن المؤثر فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ و هو النار الكبرى المشار إليها في سورة (الأعلى) المعدّة للمحجوب المطلق في جميع مراتب الوجود و قوله: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ اعتراض أي: ما إليك إلا التذكير لا الغلبة و القهر كقوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ[1]، وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ[2].
[25- 26]
[سورة الغاشية (88): الآيات 25 الى 26]
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26)
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ أي: خاصة إلينا إيابهم لا إلى غيرنا، فإنّا نحاسبهم و نعذبهم بالعذاب الأكبر فإن القهر و الغلبة لنا لا لك.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 429
[1] ( 1) سورة القصص، الآية: 56.
[2] ( 2) سورة ق، الآية: 45.