تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الزّلزلة
(99) سورة الزّلزلة مدنيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة إذا زلزلت تقوم مقام أو تعدل نصف القرآن إذا قسم قسمين.
[سورة الزلزلة (99): الآيات 1 الى 6]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (1) وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (2) وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (4)
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (6)
| لا تخدعنك دار لا بقاء لها | باللّه يا صاح كن منها على حذر | |
| إن زلزلت راح ذاك المزج و انفصلت | هذي إلى الخلد و الأخرى إلى سقر | |
| فلا يغرنك شيء أنت تاركه | فإنما الناس في الدنيا على سفر | |
و إنما هي أعمالكم ترد عليكم، و لا يبرز لكم إلا ما عملتم بيديكم، فما للنفوس جنى إلا ما غرسته في حياتها الدنيا من خير أو شر، فمن بذر حنطة، حصد حنطة كانت له فيها غبطة، و من بذر ما بذر، حصد مثل الذي بذر، فقال تعالى:
[سورة الزلزلة (99): آية 7]
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)
[وزن الأعمال:]
الأعمال معان عرضية تعرض للعامل، ألحقها اللّه بالموزون فقال «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ» فأدخل العمل في الميزان، فكان موزونا في الحضرة المثالية التي لا تدرك المعاني إلا في صورة المحسوس، و الحق تعالى يحفظ الأعمال إما للعبد أو عليه، فيكسو اللّه الأعمال التي هي أعراض لا تقوم بنفسها صور القائمين بأنفسهم، و يجعل ذلك خلعا عليها، و لذلك جاء وزن الأعمال و شبّهها بمثاقيل الذر، فمن عمل خيرا على أي وجه كان فإنه يراه و يجازى به، و من عمل شرا فلا بد أن يراه و قد يجازى به، و قد يعفى عنه و يبدل له بخير إن كان في الدنيا قد تاب، و إن مات عن غير توبة فلا بد أن يبدل بما يقابله بما تقتضيه ندامته يوم يبعثون. قال صلّى اللّه عليه و سلّم [إنما هي أعمالكم ترد عليكم، إن خيرا فخير و إن شرا فشر].
[سورة الزلزلة (99): آية 8]
وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)
و أقله العتاب الإلهي و التقرير عند السؤال على ما وقع منه، فلا بد أن يقف على ما عمل، فالمؤمن يرهب من هذا التوبيخ برؤية العمل القبيح الذي لا بد له من رؤيته، و لم يتعرض الحق في هذه الآية للمؤاخذة به، فالرؤية لا بد منها، فإن كان ممن غفر له يرى عظيم ما جنى و عظيم نعمة اللّه عليه بالمغفرة، هذا يعطيه الخبر الإلهي الصدق الذي لا يدخله الكذب، فإنه محال على الجناب الإلهي، فإن نظر العالم إلى أن خطاب الحق لعباده إنما يكون بحسب ما تواطئوا عليه، و هذا خطاب عربي لسائر العرب بلسان ما اصطلحوا عليه، من الأمور التي يتمدحون بها في عرفهم و من الأمور التي يذمونها في عرفهم، فعند العرب من مكارم الأخلاق أن الكريم إذا وعد وفا و إذا أوعد تجاوز و عفا، و هي من مكارم أخلاقهم و مما يمدحون بها الكريم، و نزول الوعيد عليهم بما هو في عرفهم، لم يتعرض في ذلك لما تعطيه الأدلة العقلية من عدم النسخ لبعض الأخبار و لاستحالة الكذب، بل المقصود إتيان مكارم الأخلاق، قال شاعرهم:
| و إني إذا أوعدته أو وعدته | لمخلف إيعادي و منجز موعدي | |
مدح نفسه بالعفو و التجاوز عمن جنى عليه، بما أوعد على ذلك من العقوبة بالعفو و الصفح، و مدح نفسه بإنجاز ما وعد به من الخير، يقال في اللسان: وعدته في الخير و الشر، و لا يقال: أوعدته بالهمز إلا في الشر خاصة، و اللّه يقول (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ) أي بما تواطئوا عليه، و التجاوز و العفو عند العرب مما تواطئوا على الثناء به على من ظهر منه، فاللّه أولى بهذه الصفة، و قد عرفنا اللّه أن وعيده ينفذه فيمن شاء و يغفر لمن شاء.
[إشارة: إذا زلزلت أرض الجسوم زلزالها:]
– إشارة- إذا بلغت النفس التراق، و قيل: من راق، و التفت الساق بالساق، و زلزلت أرض الجسوم زلزالها، و بان للنفس ما عليها و ما لها، و زلت بها القدم، حينئذ تندم و لا ينفعها الندم.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 534