تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الرحمن
(55) سورة الرحمن مدنيّة
[سورة الرحمن (55): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمنُ (1)
مبالغة في الرحمة العامة التي تعم الكون أجمعه.
[سورة الرحمن (55): آية 2]
عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)
[ «عَلَّمَ الْقُرْآنَ» الآية:]
نصب القرآن، يعني علّم القرآن أين ينزل من الإنسان، هل في النفس، أو في الجنان؟
و في أي قلب يكون و يستقر، و على أي قلب ينزل، فالرحمن علّم القرآن النزول إلى قلوب عباده المؤمنين التي وسعته، فهو نزول منه إليه.
[سورة الرحمن (55): آية 3]
خَلَقَ الْإِنْسانَ (3)
[ترتيب الخلائق من العقل إلى الإنسان:]
فعين له الصنف المنزل عليه. اعلم أن اللّه كان و لا شيء معه، لم يرجع إليه من إيجاد العالم صفة لم يكن عليها، بل كان موصوفا لنفسه، و مسمى قبل خلقه بالأسماء التي يدعونه بها خلقه، فلما أراد وجود العالم و بدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه، انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية، انفعل عنها حقيقة تسمى الهباء، هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيها ما شاء من الأشكال و الصور،
و هذا هو أول موجود في العالم، ثم أنه سبحانه تجلى بنوره إلى ذلك الهباء، و العالم كله فيه بالقوة و الصلاحية، فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء على حسب قوته و استعداده، كما تقبل زوايا البيت نور السراج، و على قدر قربه من ذلك النور يشتد ضوؤه و قبوله، فلم يكن أقرب إليه قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم المسماة بالعقل، فكان سيد العالم بأسره، و أول ظاهر في الوجود،
فكان وجوده من ذلك النور الإلهي، و من الهباء و من الحقيقة الكلية، و في الهباء وجد عينه، و عين العالم من تجليه، ثم انتهى ترتيب نضد العالم و إيجاده إلى الإنسان، فهو آخر المولّدات، و هو نظير العقل الأول و به ارتبط، لأن الوجود دائرة، فكان ابتداء الدائرة وجود العقل الأول الذي ورد في الخبر أنه أول ما خلق اللّه العقل؛ فهو أول الأجناس و انتهى الخلق إلى الجنس الإنساني فكملت الدائرة،
و اتصل الإنسان بالعقل كما يتصل آخر الدائرة بأولها، فكانت دائرة، و ما بين طرفي الدائرة جميع ما خلق اللّه من أجناس العالم، بين العقل الأول الذي هو القلم أيضا، و بين الإنسان الذي هو الموجود الآخر، و لما كانت الخطوط الخارجة من النقطة التي في وسط الدائرة إلى المحيط الذي وجد عنها،
تخرج على السواء لكل جزء من المحيط، كذلك نسبة الحق تعالى إلى الموجودات نسبة واحدة فلا يقع هناك تغيير البتة، كانت الأشياء كلها ناظرة إليه، و قابلة منه ما يهبها، نظر أجزاء المحيط إلى النقطة، و اعلم أن اللّه ما خلق العالم الخارج عن الإنسان إلا ضرب مثال للإنسان، ليعلم أن كل ما ظهر في العالم هو فيه، فكل مولد يجمع حقائق ما فوقه حتى ينتهي إلى الإنسان، و هو آخر مولد،
[الإنسان الكامل إنسان عين الوجود:]
فتجمع فيه جميع قوى العالم و الأسماء الإلهية بكمالها فسمي إنسانا لعموم نشأته و حصره الحقائق كلها، و هو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر، و هو المعبر عنه بالبصر، فلهذا سمي إنسانا، فإنه به نظر الحق سبحانه إلى خلقه فرحمهم، فلا موجود أكمل من الإنسان الكامل، و من لم يكمل في الدنيا من الأناسي فهو حيوان ناطق، جزء من الصورة، لا يلحق بدرجة الإنسان، بل نسبته إلى الإنسان نسبة جسد الميت إلى الإنسان، فهو إنسان بالشكل لا بالحقيقة، فالإنسان هو العين المقصودة، و هو مجموع الحكم، و من أجله خلقت الجنة و النار، و الدنيا و الآخرة، و الأحوال كلها و الكيفيات، و فيه ظهر مجموع الأسماء الإلهية و آثارها، فهو المنعّم و المعذّب، و المرحوم و المعاقب، ثم جعل له أن يعذب و ينعم و يرحم و يعاقب،
و هو المكلف المختار، و هو المجبور في اختياره، و له يتجلى الحق بالحكم و القضاء و الفصل، و عليه مدار العالم كله، و من أجله كانت القيامة، و به أخذ الجان، و له سخر ما في السموات و ما في الأرض، ففي حاجته يتحرك العالم كله علوا و سفلا، دنيا و آخرة، و جعل نوع هذا الإنسان متفاوت الدرجات، فسخر بعضه لبعضه، و سخره لبعض العالم ليعود نفع ذلك عليه، فما سخر إلا في حقّ نفسه، و انتفع ذلك الآخر بالعرض،
و ما خص أحد من خلق اللّه بالخلافة إلا هذا النوع الإنساني، و ملّكه أزمة المنع و العطاء، فالسعداء خلفاء و نواب، و من دون السعداء فنواب لا خلفاء، ينوبون عن أسماء اللّه في ظهور حكم آثارها في العالم على أيديهم، و قدم اللّه الإنس على الجان في آيات هذه السورة، و في قوله تعالى: «خَلَقَ الْإِنْسانَ» فابتدأ به تقديرا و مرتبة نطقية، تهمما به على الجن، و إن كان الجن موجودا قبله، يؤذن بأنه و إن تأخرت نشأته فهو المعتنى به في غيب ربه، لأنه المقصود من العالم لما خصه به من كمال الصورة في خلقه باليدين
[إشارة و اعتبار: العوالم أربعة]
– إشارة و اعتبار- اعلم أن العوالم أربعة: العالم الأعلى و هو عالم البقاء، ثم عالم الاستحالة و هو عالم الفناء، ثم عالم التعمير و هو عالم البقاء و الفناء، ثم عالم النسب، و هذه العوالم في موطنين: في العالم الأكبر و هو ما خرج عن الإنسان، و في العالم الأصغر و هو الإنسان،
(فأما العالم الأعلى)
فالحقيقة المحمدية و فلكها الحياة، نظيرها من الإنسان اللطيفة و الروح القدسي، و منهم العرش المحيط، و نظيره من الإنسان الجسم، و من ذلك الكرسي،و نظيره من الإنسان النفس، و من ذلك البيت المعمور، و نظيره من الإنسان القلب، و من ذلك الملائكة و نظيرها من الإنسان الأرواح التي فيه و القوى، و من ذلك زحل و فلكه نظيره من الإنسان القوة العلمية و النفس، و من ذلك المشتري و فلكه نظيرها القوة الذاكرة و مؤخر الدماغ،
و من ذلك الأحمر و فلكه نظيرهما القوة العاقلة و اليافوخ، و من ذلك الشمس و فلكها نظيرهما القوة المفكرة و وسط الدماغ، ثم الزهرة و فلكها نظيرهما القوة الوهمية و الروح الحيواني، ثم الكاتب و فلكه نظيرهما القوة الخيالية و مقدم الدماغ، ثم القمر و فلكه نظيرهما القوة الحسية و الجوارح التي تحس، فهذه طبقات العالم الأعلى و نظائره في الإنسان،
(و أما عالم الاستحالة)
فمن ذلك كرة الأثير و روحها الحرارة و اليبوسة و هي كرة النار و نظيرها الصفراء و روحها القوة الهاضمة، و من ذلك الهواء و روحه الحرارة و الرطوبة و نظيره الدم و روحه القوة الجاذبة، و من ذلك الماء و روحه البرودة و الرطوبة نظيره البلغم و روحه القوة الدافعة، و من ذلك التراب و روحه البرودة و اليبوسة نظيره السوداء و روحها القوة الماسكة، و أما الأرض فسبع طباق، أرض سوداء، و أرض غبراء، و أرض حمراء، و أرض صفراء، و أرض بيضاء، و أرض زرقاء، و أرض خضراء، نظير هذه السبعة من الإنسان في جسمه، الجلد و الشحم و اللحم و العروق و العصب و العضلات و العظام
(و أما عالم التعمير)
فمنهم الروحانيون نظيرهم القوى التي في الإنسان، و منهم عالم الحيوان نظيره ما يحس من الإنسان، و منهم عالم النبات نظيره ما ينمو من الإنسان، و من ذلك عالم الجماد نظيره ما لا يحس من الإنسان
(و أما عالم النسب)
فمنهم العرض ثم الكيف ثم الكم ثم الأين، ثم الزمان، ثم الإضافة، ثم الوضع ثم أن يفعل ثم أن ينفعل، و كلها تنسب إلى الإنسان، و منهم اختلاف الصور في الأمهات كالفيل و الحمار و الأسد و الصرصر، نظير هذا القوة الإنسانية التي تقبل الصور المعنوية من مذموم و محمود، هذا فطن فهو فيل، هذا بليد فهو حمار، هذا شجاع فهو أسد، هذا جبان فهو صرصر و علم الرحمن الإنسان الأسماء، و الإفصاح عما علمه بقوله:
[سورة الرحمن (55): آية 4]
عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4)
– الوجه الأول- أي القرآن، و هو عين الهدى، فإنه قال فيه: (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ)و هو القرآن (وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) فعلم القرآن قبل الإنسان أنه إذا خلق الإنسان لا ينزل إلا عليه، فينزل على الإنسان القرآن ليترجم عنه بما علمه الحق من البيان، الذي لم يقبله إلا هذا الإنسان، فكان للقرآن علم التمييز، فعلم أين محله الذي ينزل عليه من العالم، و كذلك كان، فإنه نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، ليبين للناس ما نزل إليهم، ثم لا يزال ينزل على قلوب أمته إلى يوم القيامة،
فهو ينزل على كل قلب تال في حال تلاوته، فنزوله في القلوب لا يبرح دائما، جديد لا يبلى- الوجه الثاني- «عَلَّمَهُ الْبَيانَ» بما بيّن له، فعلم كيف يبين لغيره، فأبان عن المراد الذي في الغيب، و علمه البيان و هو ما ينطق به اللسان، و عرفه المواطن و كيف يكون فيها- الوجه الثالث- «عَلَّمَهُ الْبَيانَ» و هو الفرقان- الوجه الرابع- «عَلَّمَهُ الْبَيانَ» علّم القرآن تكن نائب الرحمن، فإن الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان، فإنه قال فيه: (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ) و هو القرآن، فعلم اللّه القرآن كما علم الإنسان القرآن، فخيركم من علم القرآن و علمه
[إشارة: قطع اللّه حكم الأسباب:]
– إشارة- بهذه الآيات الأربع قطع اللّه حكم الأسباب، فأضاف الكل إليه تعالى.
[سورة الرحمن (55): آية 5]
الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (5)
ليجمع للإنسان بين ما يثبت على حالة واحدة و بين ما يقبل الزيادة و النقصان، و ذلك ميزان حركات الأفلاك.
[سورة الرحمن (55): آية 6]
وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ (6)
لهذا الميزان، أي من أجل هذا الميزان، فالنجم و الشجر يسجدان، و هما ما ظهر و ما قام على ساق فعلا، حكمت بذلك القدمان، فمنه ذو ساق و هو الشجر، و منه ما لا ساق له و هو النجم، فاختلفت السجدتان، فإن الشجر كل نبات قام على ساق و النجم هو كل نبات لم يقم على ساق، بل له الطلوع و الظهور على وجه الأرض خاصة.
[سورة الرحمن (55): آية 7]
وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ (7)
«وَ السَّماءَ» و هي قبة الميزان «رَفَعَها» في البنيان، لما ها من الولاية و الحكم في الأكوان، فهي السقف المرفوع على الأركان «وَ وَضَعَ الْمِيزانَ»
[ «وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ» الآية:]
– الوجه الأول- وضع الميزان في سباحة الكواكب في أفلاكها، التي هي طرق في السموات، لتجري بالمقادير الكائنة في العالم، على قدر معلوم لا تتعدّاه، فهي تعطي و تمنع بذلك الميزان الذي وضع الحق لها، لأنها تشاهد الميزان بيد الحق حين يخفض به و يرفع، فإذا نظرت إلى من رفعه الحق بميزانه أعطته ما يستحقه مقام الرفع، و إذا رأت الحق يضع بميزانه من شاء أعطته ما يستحقه مقام الوضع، و ذلك هو التسخير الذي ورد في القرآن أنها مسخرات بأمره، فصاحب الشهود يقول: مطرنا بفضل اللّه و رحمته؛ بالوزن الذي جعله في سباحة كوكب من الكواكب، و ما قدره اللّه له من المنازل التي ينزل فيها، و المحجوب عن هذا المقام يقول:
مطرنا بنوء كذا و كذا؛ فيذكر الكوكب المجبور في ذلك و يضيف ما ظهر من المطر الصائب إليه، كما يضيف أفعاله خلقا إلى نفسه، فسمي عند ذلك كافرا باللّه مؤمنا بمن رأى الفعل منه، و يسمى الأول مؤمنا باللّه كافرا بمن رأى الحسن الفعل صادرا منه، من حيث ما هو محل، و من المكلفين من ليس له هذا الشهود، و لا تركه الإيمان يقف مع الحجاب الذي على عينه، فيقول مثل ما يقول صاحب الشهود: مطرنا بفضل اللّه و رحمته، تقليدا لا علما، حتى يتميز المؤمن من العالم،
فإن المؤمن يقول ذلك لورود الخبر الصادق به، و يقوله صاحب النظر لما يعطيه دليل عقله مثل المؤمن سواء، إلا أن له درجة زائدة، و هذان الصنفان لا يبلغان مبلغ صاحب الشهود في الدرجة، فإنه يزيد عليهما بالعين– الوجه الثاني- «وَ وَضَعَ الْمِيزانَ» في الأرض، أي وضع ميزانا عندنا في الأرض، و هو ميزان الشرع، لنصرفه بحسب وضع الحق، فلا يتعدى الميزان الذي يطلبه منه، و هو الميزان الإلهي المشروع، فمن عرفه و وقف عنده و تأدب بآداب اللّه التي أدب بها رسله فقد فاز، و حاز درجة العلم باللّه، و علم أن اللّه وضع الميزان ليظهر به إقامة العدل في العالم بصورة محسوسة، ليرتفع النزاع بين المتنازعين، لوجود الكفتين المماثلة للخصمين، و لسان الميزان هو الحاكم، فإلى أية جهة مال حكم لتلك الجهة بالحق،
و إن هو بقي في قبته من غير ميل إلى جهة إحدى الكفتين، علم أن المتنازعين لكل واحد منهما حق فيما ينازع فيه، فيقع له الإنصاف لما شهد له به حاكم لسان الميزان، فارتفع الخصام و المنازعة، فلو أن اللّه يفتح عين بصائر الخصماء لمشاهدة الحق، و يعلمون أنه بالمرصاد، و هو الحاكم و بيده الميزان يرفع و يخفض، لم يصح نزاع في العالم، فدل وقوعه أن الكل في حجاب عن الحاكم صاحب الوزن و الميزان، فإذا رأيت من ينازع في العالم فاعلم أنه في حجاب عن اللّه، فإنه تعالى وضع الميزان للنقصان و الرجحان، ليزن به الثقلان.
[سورة الرحمن (55): آية 8]
أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (8)
لكم بالرجحان و عليكم بالنقصان، فذلك الإفراط و التفريط من أجل الخسران.
[سورة الرحمن (55): آية 9]
وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (9)
«وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ» فإن اللّه وضع لنا في العالم الموازين الشرعية لنقيم بها الوزن بالقسط، و هو الاعتدال، مثل لسان الميزان و الكفتين و مثل اعتدال الإنسان، إذ الإنسان لسان الميزان، فلا بد فيه من الميل إلى جانب داعي الحق، فالواجب إقامة الوزن بالقسط، فإن رجحت الوزن في القضاء فهو أفضل، فإنك امتثلت أمر اللّه، فإنه ما رجح الميزان حتى اتصف بالإقامة التي هي حد الواجب ثم رجح، و الذي يخسر الميزان ما بلغ بالوزن حد الإقامة حتى يحصل الواجب، مثل ما فعل المرجح، فما حمدنا المرجح إلا لحصول إقامة الوزن لا للترجيح، ثم أثنينا عليه ثناء آخر بالترجيح، فالمرجح محمود من وجهين، و حمده من جهة الإقامة أعلى لأنه الحمد الوجوبي «وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ» و هو الموزون من الأعيان،
فلا تفرطوا بترجيح إحدى الكفتين إلا بالفضل، فإنه إذا أقيمت موازين الشرع الإلهي في العالم سرى العدل في العالم. و اعلم أنه ما من صنعة و لا مرتبة و لا حال و لا مقام إلا و الوزن حاكم عليه علما و عملا، فللمعاني ميزان بيد العقل يسمى المنطق، يحوي على كفتين تسمى المقدمتين، و للكلام ميزان يسمى النحو، يوزن به الألفاظ، لتحقيق المعاني التي تدل عليه ألفاظ ذلك اللسان، و لكل ذي لسان ميزان، فالأمر محصور في علم و عمل، و العمل على قسمين: حسي و قلبي، و العلم على قسمين: عقلي و شرعي، و كل قسم على وزن معلوم عند اللّه في إعطائه، و طلب من العبد لما كلفه أن يقيم الوزن بالقسط، فلا يطغى فيه و لا يخسره، و ميزان العمل حسي و قلبي، كل من جنسه، فميزان العمل أن ينظر إلى الشرع، و كيف أقام صور الأعمال على أكمل غاياتها، قلبيا كان ذلك العمل أو حسيا، أو مركبا من حس و قلب، كالنية و الصلاة من الحركات الحسية،
فقد أقام الشرع لها صورة روحانية يمسكها عقلك، فإذا شرعت في العمل فلتكن عينك في ذلك المثال الذي أخذته من الشارع، و اعمل ما أمرت بعمله في إقامة تلك الصورة، فإذا فرغت منها قابلها بتلك الصورة الروحانية، المعبر عنها بالمثال الذي حصلته من الشارع، عضوا عضوا و مفصلا مفصلا ظاهرا و باطنا، فإن جاءت الصورة فيها بحكم المطابقة من غير نقصان و لا زيادة، فقد أقمت الوزن بالقسط و لم تطغ فيه و لم تخسره، فإن الزيادة في الحد عين النقص في المحدود، و قد قال تعالى: (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) و هو معنى (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ) (وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) و هو قوله: «وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ»
فطلب العدل من عباده في معاملتهم مع اللّه، و مع كل ما سوى اللّه من أنفسهم و غيرهم، فإذا وفق اللّه العبد لإقامة الوزن، فما أبقى له خيرا إلا أعطاه إياه، و ترجيح الميزان في موطنه هو إقامته، و خفة الميزان في موطنه إقامته، فهو بحسب المقامات، فالمحقق هو الذي يقيم الميزان في العلم و العمل، على حسب ما يقتضيه الموطن، من الرجحان و الخفة في الموزون، بالفضل في موضعه و الاستحقاق، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ندب في قضاء الدين و قبض الثمن إلى الترجيح،
فقال: [أرجح له] حين وزن له، فما أعطاه خارجا عن استحقاقه بعين الميزان، فهو فضل لا يدخل الميزان، إذ الوزن في أصل وضعه إنما وضع للعدل لا للترجيح، و كل رجحان يدخله فإنما هو من باب الفضل، و إن اللّه لم يشرع قط الترجيح في الشر جملة واحدة، و إنما قال: (وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ) و قال: (وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) و لم يقل: أرجح منها، و قال: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) و لم يقل: بأرجح (فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فرجح في الإنعام
[تنبيه و إشارة: خلق اللّه آدم على صورته:]
– تنبيه و إشارة- جمع اللّه تعالى في هذه السورة قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسانَ) و قوله تعالى: (وَ وَضَعَ الْمِيزانَ) فقد خلق الإنسان على صورة الميزان، و جعل كفتيه يمينه و شماله، و جعل لسانه قائمة ذاته، فهو لأي جانب مال، و قرن اللّه السعادة باليمين و قرن الشقاء بالشّمال، و أمرنا تعالى في قوله: (وَ وَضَعَ الْمِيزانَ) أن نقيمه من غير طغيان و لا خسران، و من إقامته أن تعلم أن قول اللّه تعالى: [خلق اللّه آدم على صورته] فوازن بصورته حضرة موجده ذاتا و صفة و فعلا، و لا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين، فإن الذي يوزن به الذهب المسكوك هو صنجة حديد،
فليس يشبهه في ذاته و لا صفته و لا عدده، فيعلم أنه لا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة، بجميع ما تحوي عليه، بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده و أظهرت آثارها فيه، و كما لم تكن صنجة الذهب توازن الذهب في حد و لا حقيقة و لا صورة عين، كذلك العبد و إن خلقه اللّه على صورته، فلا يجتمع معه في حد و لا حقيقة، إذ لا حد لذاته، و الإنسان محدود بحد ذاتي لا رسمي و لا لفظي، و كل مخلوق على هذا الحد، و الإنسان أكمل المخلوقات و أجمعها من حيث نشأته و مرتبته،
فإذا وقفت على حقيقة هذا الميزان زال عنك ما توهمته في الصورة، من أنه ذات و أنت ذات، و أنك موصوف بالحي العالم و سائر الصفات و هو كذلك، و تبين لك بهذا الميزان أن الصورة ليس المراد بها هذا، و لهذا جمع في سورة واحدة (خَلَقَ الْإِنْسانَ) (وَ وَضَعَ الْمِيزانَ) و أمرك أن تقيمه من غير طغيان و لا خسران، و ما له إقامة إلا على هذا الحد، فإن اللّه الخالق و أنت العبد المخلوق، و كيف للصنعة أن تعلم صانعها؟ و إنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته،
و أنت صنعة خالقك، فصورتك مطابقة لصورة علمه بك، فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك، و لا تعجب بنفسك، و اعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوتة يتيمة لا أخت لها، و إن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر و لا في الذات و لا في الخاصية، تعالى اللّه، فالزم عبوديتك و الزم قدرك.
[سورة الرحمن (55): آية 10]
وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (10)
من أجل المشي و المنام.
[سورة الرحمن (55): آية 11]
فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (11)
لحصول المنافع و دفع الآلام.
[سورة الرحمن (55): آية 12]
وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ (12)
و هو ما يقوت الإنسان و الحيوان.
[سورة الرحمن (55): آية 13]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13)
«فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ»
[كان الجن أحسن استماعا لسورة الرحمن من الإنس:]
أيها الإنس و الجان، و قد غمر كما بالإنعام و الإحسان، و لما تلارسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم سورة الرحمن- العامة لجميع ما خلق اللّه دنيا و آخرة، و علوا و سفلا- على الجن، فما قال في آية منها: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» إلا قالت الجن: و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب؛ فمدحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لأصحابه بحسن الاستماع، حين تلاها عليهم و لم يقولوا شيئا من ذلك، فقال لهم: [لقد تلوتها على إخوانكم من الجن فكانوا أحسن استماعا لها منكم، و ذكر الحديث] و فيه [فما قلت لهم «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ»
إلا قالوا: و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب] فكان ذلك المدح في شرف الجن علينا، و لم يكن سكوت الصحابة عن جهل بأن الآلاء من اللّه، و لا أن الجن أعرف منهم بنسبة الآلاء إلى اللّه، و لكن الجن وفّت بكمال المقام الظاهر حيث قالت: و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب؛ فإن الموطن يقتضيه، و لم تقل ذلك الصحابة من الإنس حين تلاها عليهم، شغلا منهم بتحصيل علم ما ليس عندهم مما يجيء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم،
فشغلهم ذلك الحرص على تعمير الزمان الذي يقولون فيه ما قالت الجن، أن يقول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ما يقول من العلم، فيستفيدون، فهم أشد حرصا على اقتناء العلم من الجن، و الجن أمكن في توفية الأدب بما يقتضيه هذا الموطن من الجواب من الإنس، فمدحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بما فضلوا به على الإنس،
و ما مدح الإنس بما فضلوا به على الجن، من الحرص على مزيد العلم بسكوتهم عنده تلاوته، و لا سيما و الحق يقول لهم: (وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا) و السورة واحدة في نفسها، كالكلام غير التام، فهم ينصتون حتى يتمها، فجمع الصحابة من الإنس بين فضيلتين لم يذكرهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و ذكر فضل الجن فيما نطقوا به، فإن نطقهم تصريح بالعبودية بلسان الظاهر، و هم بلسان الباطن أيضا عبيد، فجمعوا بين اللسانين بهذا النطق و الجواب، و لم يفعل الإنس من الصحابة ذلك عند التلاوة، فنقصهم هذا اللسان،
فكان توبيخ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إياهم تعليما بما تستحقه المواطن، أعني مواطن الألسنة الناطقة ليتنبهوا، فلا يفوتهم ذلك من الخير العملي، فإنهم كانوا في الخير العلمي في ذلك الوقت، و حكم العمل في موطنه لا يقاومه العلم، فإن الحكم للموطن، و حكم العلم في موطنه لا يقاومه العمل، فنبّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الصحابة على الأكمل في موطنه، و هو المعلم فنعم المؤدب، و انظر ما أعلم الجن بحقائق ما خوطبوا، كيف أجابوا بنفس ما خوطبوا به، حتى بالاسم الرب، و لم يقولوا: يا إلهنا و لا غير ذلك، و لم يقولوا: و لا بشيء منها؛
و إنما قالوا: من آلائك؛ كماقيل لهم، لاحتمال أن يكون الضمير يعود على نعمة مخصوصة في تلك الآية، و هم يريدون جميع الآلاء حتى يعم التصديق.
[سورة الرحمن (55): الآيات 14 الى 15]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (15)
فالإنسان ما يفخر إلا بالجان، و بما في الجان من الضلال كان الصلصال، و هو الثناء الذميم على من خلق في أحسن تقويم، فيبقى الإنسان على التقديس، و يأخذ صلصاله إبليس، فيرجع أصله إليه، و يحور وباله عليه، و الجياد على أعراقها تجري، و نجومها في أفلاكها تسبح، و تسري-
باب في خلق الجان-
المرج الاختلاط، و المارج المختلط، و منه سمي المرج مرجا لاختلاط النبات فيه، لأنه يحوي على أخلاط من الأزهار و النبات، فلما خلق اللّه الأركان الأربعة دون الفلك، و أدارها على شكل الفلك، و الكل أشكال في الجسم الكل، فأول حركة فلكية ظهر أثرها فيما يليها من الأركان و هو النار، فأثّر فيه اشتعالا بما في الهواء من الرطوبة، فكان ذلك الاشتعال و اللهب من النار و الهواء و هو المارج، فلما اختلط الهواء بالنار اشتعل و حمي و اتقد مثل السراج و أحدث اشتعالا و لهبا،
فتح اللّه في تلك الشعلة الجان، و هو في الأصل من عنصرين هواء و نار، كما كان آدم من عنصرين ماء و تراب، عجن به فحدث له اسم الطين، كما حدث لامتزاج النار بالهواء اسم المارج، ففتح سبحانه في ذلك المارج صورة الجان، فبما فيه من الهواء يتشكل في أي صورة شاء، و بما فيه من النار سخف و عظم لطفه، و كان فيه طلب القهر و الاستكبار و العزة، فإن النار أرفع الأركان مكانا، و له سلطان على إحالة الأشياء التي تقتضيها الطبيعة،
و هو السبب الموجب لكونه استكبر عن السجود لآدم، عند ما أمره اللّه عزّ و جل، بتأويل أداه أن يقول: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) يعني بحكم الأصل، كما في الجان من بقية الأركان، و لذا سمي مارجا، و لكن ليس لها في نشأته ذلك السلطان، فالتكبر في الجان بالطبع للنارية، فإن تواضع فلأمر يعرض له يقبله بما فيه من الترابية، كما أن تواضع آدم للطينية بالطبع،
فإن تكبر فلأمر يعرض له يقبله بما فيه من النارية، و للجن التشكل في الصور كالملائكة، و أخذ اللّه بأبصارنا عنهم فلا نراهم إلا إذا شاء اللّه أن يكشف لبعض عباده فيراهم، و لما كانوا من عالم السخافة و اللطافة قبلوا التشكل فيما يريدونه من الصور الحسية، فالصورة الأصلية التي ينسب إليها الروحاني إنما هي أول صورة قبل عند ما أوجده اللّه،
ثم تختلف عليه الصور بحسب ما يريد أن يدخل فيها، و لما نفخ الروح في اللهب و هو كثير الاضطراب لسخافته، و زاده النفخ اضطرابا، و غلب الهواء عليه، و عدم قراره على حالة واحدة، ظهر عالم الجان في تلك الصورة، و كما وقع التناسل في البشر بإلقاء الماء في الرحم، فكانت الذرية و التوالد في هذا الصنف البشري الآدمي، كذلك وقع التناسل في الجان بإلقاء الهواء في رحم الأنثى منهم، فكانت الذرية و التوالد في صنف الجان،
و خلق اللّه الجان شقيا و سعيدا، و كذلك خلق الإنس، و خلق اللّه الملك سعيدا لا حظ له في الشقاء، فسمي شقي الإنس و الجان كافرا، و سمي السعيد من الجن و الإنس مؤمنا، و كذلك شرك بينهما في الشيطنة، فقال تعالى: (شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ) فمن ثبت على إغوائه من الجن كان شيطانا، و من ثبت على الطاعات لم يكن شيطانا، و هذا الثبات على الحالين بما في الجن من الترابية، و بما فيها من المائية ذهبت حمية النارية، فمنهم الطائع و العاصي مثلنا، و التوالد من الجن إلى اليوم باق، و كذلك فينا، فأصل أجسام الملائكة نور، و الجن نار مارج، و الإنسان مما قيل لنا، و لكن كما استحال الإنس عن أصل ما خلق منه، كذلك استحال الملك و الجن عن أصل ما خلقا منه إلى ما هما عليه من الصور، فالملائكة أرواح منفوخة في أنوار، و الجان أرواح منفوخة في رياح، و الأناسي أرواح منفوخة في أشباح، و الجن مع كونهم موصوفين باللطافة فهم من نار مركبة، فيها رطوبة المواد،
و الشياطين من الجن هم الأشقياء المبعدون من رحمة اللّه منهم خاصة، و السعداء بقي عليهم اسم الجن، و هم خلق بين الملائكة و البشر الذي هو الإنسان، فالجن عنصري و لهذا تكبر، فلو كان طبيعيا خالصا من غير حكم العنصر ما تكبر و كان مثل الملائكة، فهو برزخي النشأة، له وجه إلى الأرواح النورية بلطافة النار منه، فله الحجاب و التشكل، و له وجه إلينا، به كان عنصريا و مارجا، و لما غلب على الجان عنصر الهواء و النار، لذلك كان غذاؤهم ما يحمله الهواء مما في العظام من الدسم، فإن اللّه جاعل لهم فيها رزقا، فإنا نشاهد جوهر العظم و ما يحمله من اللحم لا ينقص منه شيء، فعلمنا قطعا أن اللّه جاعل لهم فيها رزقا، و لهذا قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في العظام: [إنها زاد إخوانكم من الجن] و في حديث: [إن اللّه جاعل لهم فيها رزقا] و أما اجتماع بعضهم ببعض عند النكاح فالتواء، مثل ما تبصر الدخان الخارج من الأتون أو من فرن الفخار، يدخل بعضه في بعضه، فيلتذ كل واحد من الشخصين بذلك التداخل، و يكون ما يلقونه كلقاح النخلة بمجرد الرائحة كغذائهم سواء، و هم قبائل و عشائر، و تقع بينهم حروب عظيمة، و بعض الزوابع قد يكون عين حربهم، و ما كل زوبعة حربهم،
[تشكل العالم الروحاني و كيفية تقييده:]
و هذا العالم الروحاني إذا تشكل و ظهر في صورة حسية يقيده البصر، بحيث لا يقدر أن يخرج عن تلك الصورة ما دام البصر ينظر إليه بالخاصية، و لكن من الإنسان، فإذا قيده و لم يبرح ينظر إليه، و ليس له موضع يتوارى فيه، أظهر له الروحاني صورة جعلها عليه كالستر، ثم يخيل له مشي تلك الصورة إلى جهة مخصوصة، فيتبعها بصره، فإذا تبعها بصره خرج الروحاني عن تقييده، فغاب عنه، و بمغيبه تزول تلك الصورة عن نظر الناظر الذي أتبعها بصره، فإنها للروحاني كالنور مع السراج المنتشر في الزوايا نوره، فإذا غاب جسم السراج فقد ذلك النور، فهكذا هذه الصورة، فمن يعرف هذا و يحب تقييده لا يتبع الصورة بصره، و ليست الصورة غير الروحاني بل هي عينه، و لو كانت في ألف مكان أو في كل مكان و مختلفة الأشكال، و إذا اتفق قتل صورة من تلك الصور و ماتت في ظاهر الأمر، انتقل ذلك الروحاني من الحياة الدنيا إلى البرزخ، كما ننتقل نحن بالموت،
و لا يبقى له في عالم الدنيا حديث، مثلنا سواء، و تسمى تلك الصورة المحسوسة التي تظهر فيها الروحانيات أجسادا، و هو قوله تعالى: (وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ) و الفرق بين الجان و الملائكة و إن اشتركوا في الروحانية، أن الجان غذاؤهم ما تحمله الأجسام الطبيعية من المطاعم، و الملائكة ليست كذلك، و أعطى الاسم اللطيف الجان أن يجري من ابن آدم مجرى الدم، و لا يشعر به، و أورثت اللطافة الجان الاستتار عن أعين الناس، فلا تدركهم الأبصار إلا إذا تجسدوا، قال تعالى: (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ)، و لما تمت نشأة الموجود الأول من الجان و استقامت بنيته، توجه الروح من عالم الأمر فنفخ في تلك الصورة روحا، سرت فيها بوجودها الحياة،
فقام ناطقا بالحمد و الثناء لمن أوجده جبلة جبل عليها، و في نفسه عزة و عظمة لا يعرف سببها، و لا على من يعتز بها، إذ لم يكن ثمّ مخلوق آخر من عالم الطبائع سواه، فبقي عابدا لربه، مصرا على عزته، متواضعا لربوبية موجده بما يعرض له مما هو عليه في نشأته، إلى أن خلق آدم، فلما رأى الجان صورته، غلب على واحد منهم اسمه الحارث بغض تلك النشأة، و تجهم وجهه لرؤية تلك الصورة الآدمية، فظهر ذلك منه لجنسه، فعتبوه لذلك لما رأوه عليه من الغم و الحزن لها، فلما كان من أمر آدم ما كان، أظهر الحارث ما كان يجد في نفسه منه، و أبى امتثال أمر خالقه بالسجود لآدم،
و استكبر على آدم بنشأته و افتخر بأصله، و غاب عن سر قوة الماء الذي جعل اللّه منه كل شيء حي، و منه كانت حياة الجان و هم لا يشعرون، و كان أول من سمي شيطانا، أي مبعودا من رحمة اللّه، من الجن الحارث، فأبلسه اللّه، أي طرده من رحمته، و منه تفرعت الشياطين بأجمعها، و جعل اللّه سماع الجن للقرآن إذا تلي عليهم أحسن من سماع الإنس، فلما تلا عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم سورة الرحمن، فما قال في آية منها.
[سورة الرحمن (55): آية 16]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (16)
إلا قالت الجن: و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب؛ و كيف و في نعمائك نتقلب، ثم تلاها بعد ذلك صلّى اللّه عليه و سلّم على الإنس من أصحابه، فلم يظهر منهم من القول عند التلاوة ما ظهر من الجن، فقال صلّى اللّه عليه و سلّم لأصحابه: [إني تلوت هذه السورة على الجن، فكانوا أحسن استماعا لها منكم] و ذكر الحديث، كما ذكر تعالى عنهم الإنصات عند سماع القرآن، فقال تعالى:
(وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا) إلى آخر الآية، و قال عن الجن: (وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا) إلى آخر الآية، و لا روي عن أحد من الإنس أنه قال مثل هذا القول.
[سورة الرحمن (55): آية 17]
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)
– الوجه الأول- لشروق الشمس و غروبها في زمان الصيف و الشتاء- الوجه الثاني- «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ» في ظاهر النشأتين «وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» في باطن الصورتين.
[سورة الرحمن (55): آية 18]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (18)
يا هذان
[سورة الرحمن (55): الآيات 19 الى 20]
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20)
أي لا يختلط أحدهما بالآخر، و إن عجز الحس عن الفصل بينهما، و العقل يقضي أن بينهما حاجزا يفصل بينهما، فذلك الحاجز المعقول هو البرزخ، فلو لا ذلك البرزخ لم يتميز أحدهما عن الآخر و لأشكل الأمر، فهو خط وهمي بين النقيضين لئلا يقع الالتباس.
[سورة الرحمن (55): الآيات 21 الى 22]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ (22)
اللؤلؤ هو ما كبر من الجوهر، و المرجان هو ما صغر منه.
[سورة الرحمن (55): الآيات 23 الى 26]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (23) وَ لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (24) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (26)
بزوال شكله و صورته و انتقال روحه إلى البرزخ، فإنه سبحانه ما يسوي صورة محسوسة في الوجود إلا و ينفخ اللّه فيها روحا من أمره، لا يزال يسبحه ذلك الشكل بصورته و روحه إلى أن يزول، فينتقل روحه إلى البرزخ، و قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها» و لم يقل:كل من فيها «فانٍ» لأنه إذا كان فيها انحفظ بها و إذا كان عليها تجرد عنها.
[سورة الرحمن (55): آية 27]
وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (27)
الجلال من صفات الوجه فله البقاء دائما، و هو من أدل دليل على أن كل ما في الدنيا في الآخرة بلا شك، قال تعالى: «وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ» فقال قائل: بأي نسبة يكون له هذا البقاء؟ فقال: «ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ» فرفع بنعت الوجه، فلو خفض نعت الرب، و كان النعت بالجلال و له النقيضان، فيبقى الوجه الذي له النقيضان و لا يفنى، و إنما يفنى ما كان على هذه الأرض فناء انتقال في الجوهر و فناء عدم في الصورة، فيظهر مثل الصورة لا عينها في الجوهر الباقي الذي هو عجب الذنب، الذي تقوم عليه النشأة الآخرة
[نصيحة- للإنسان وجهان: وجه إلى ذاته و وجه إلى ربه:]
– نصيحة- اعلم أن للإنسان وجهين: وجها إلى ذاته و وجها إلى ربه، و مع أي وجه توجهت غبت عن الآخر، غير أن هنا لطيفة أنبهك عليها، و ذلك أنّك إذا توجهت إلى مشاهدة وجهك غبت عن وجه ربك ذي الجلال و الإكرام، و وجهك هالك، فإذا انقلبت إليه فني عنك وجهك، فصرت غريبا في الحضرة تستوحش فيها، و تطلب وجهك الذي كنت تأنس به فلا تجده، و إن توجهت إلى وجه ربك و تركت وجهك أقبل عليك و لم يكن لك مؤنس سواه، و لا مشهود إلا إياه، فإذا انقلبت إليه الانقلاب الخاص الذي لا بد لكل إنسان منه، وجدت من كان لك قبل هذا الانقلاب أنيسا و جليسا و صاحبا، ففرحت بلقائه و عاد الأنس أعظم، و تتذكر الأنس الماضي فتزيد أنسا على أنس، و ترى عنده وجه ذاتك و لا تفقده، فتجمع بين الوجهين في صورة واحدة، فيتحد الأنس لاتحاد الوجهين، فيعظم الابتهاج و السرور، فالمؤمن الكامل يكون بباطنه مع اللّه في كل حال.
[سورة الرحمن (55): الآيات 28 الى 29]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (28) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)
«يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» بلسان حال و لسان مقال، و هكذا ينبغي أن يكون الملك يستشرف كل يوم على أحوال أهل ملكه، فما له شغل إلا بها، فيقول تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ»
[تعريف الأيام كبيرها و صغيرها:]
اليوم هنا قدر نفس المتنفس في الزمان الفرد، فإن الأيام كثيرة، و منها كبير و صغير، و أصغر الأيام الزمن الفرد الذي لا يقبل القسمة، و عليه يخرج قوله تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فسمى الزمان الفرد يوما، لأن الشأن يحدث فيه، فهو أصغر الأزمان و أدقها، و لا حد لأكبرها يوقف عنده، و بينهما أيام متوسطة، أولها اليوم المعلوم في العرف و تفصّله الساعات، فاليوم في هذه الآية هو الزمن الفرد في كل شيء الذي لا ينقسم، و ذلك من اسمه تعالى الدهر، لأن من صفة الدهر التحول القلب، و اللّه هو الدهر،
و ثبت أنه يتحول في الصور و أنه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، و الشأن هو ما يحدثه اللّه من التغييرات في الأكوان، و هو ما نحن فيه و هو يخلقه، فالشأن ليس إلا الفعل و هو ما يوجده اللّه في كل يوم من أصغر الأيام، فوصف الحق نفسه أنه كل يوم في شأن، يعني أنه هو في شئون، و ليست التصريفات و التقليبات و العالم سوى هذه الشئون التي الحق فيها، و ذلك راجع إلى التحول الإلهي في الصور الوارد في الصحيح، فمن هناك ظهر التغيير في الأكوان أبد الآبدين إلى غير نهاية، لتغير الأصل، و من هذه الحقيقة ظهر حكم الاستحالة في العالم، و هو الشئون المختلفة، لأنه ما ثمّ إلا اللّه و التوجه و قبول الممكنات لما أراد اللّه بذلك التوجه،
[شئون الحق أحوال الخلق:]
فالحق في شئون على عدد ما في الوجود من أجزاء العالم الذي لا ينقسم كل جزء منه بهذا الشرط، فهو في شأن مع كل جزء من العالم، بأن يخلق فيه ما يبقيه، سوى ما يحدثه مما هو قائم بنفسه في كل زمان فرد، و تلك الشئون أحوال المخلوقين، و هم المحال لوجودها فيهم، فإنه فيهم يخلق تلك الشئون دائما، و هي الأحوال، فهي أعراض تعرض للكائنات يخلقها فيهم، عبّر عنها بالشأن الذي هو فيه دنيا و آخرة، فلا يزال العالم مذ خلقه اللّه إلى غير نهاية في الآخرة و الوجود في أحوال تتوالى عليه، اللّه خالقها دائما بتوجهات إرادية، فشئون الحق لا تظهر إلا في أعيان الممكنات، و شئون الحق هي عين استعدادك، فلا يظهر فيك من شئون الحق التي هو عليها إلا ما يطلبه استعدادك، فإن حكم استعداد الممكن بالإمكان أدى إلى أن يكون شأن الحق فيه الإيجاد، أ لا ترى أن المحال لا يقبله، فشئون الحق هي أحوال خلقه، يجددها لهم في كل يوم، أي زمان فرد، فلا يتمكن للعالم استقرار على حالة واحدة و شأن واحد، لأنها أعراض، و الأعراض لا تبقى زمانين مطلقا، فلا وجود لها إلا زمان وجودها خاصة،
ثم يعقبها في الزمان الذي يلي زمان وجودها الأمثال و الأضداد، فأعيان الجواهر على هذا لا تخلو من أحوال، و لا خالق لها إلا اللّه، فالحق في شئون أبدا، فإنه لكل عين حال، فللحق شئون حاكمة إلى غير نهاية، و لا بلوغ غاية، و لنا الأحوال، فليس في العالم سكون البتة، و إنما هو متقلب أبدا دائما، من حال إلى حال دنيا و آخرة، ظاهرا و باطنا، إلا أن ثمّ حركة خفية و حركة مشهودة، فالأحوال تتردد و تذهب على الأعيان القابلة لها، و الحركات تعطي في العالم آثارا مختلفة، و لولاها ما تناهت المدد و لا وجد حكم العدد، و لا جرت الأشياء إلى أجل مسمى،
و لا كان انتقال من دار إلى دار، فمن المحال ثبوت العالم زمانين على حالة واحدة، بل تتغير عليه الأحوال و الأعراض في كل زمان فرد، و هو الشئون التي هو الحق فيها، و لا يظهر سلطان ذلك إلا في باطن الإنسان، فلا يزال يتقلب في كل نفس في صور تسمى الخواطر، لو ظهرت إلى الأبصار لرأيت عجبا، فلو راقب الإنسان قلبه لرأى أنه لا يبقى على حالة واحدة، فيعلم أن الأصل لو لم يكن بهذه المثابة لم يكن لهذا التقليب مستند، فإنه بين إصبعين من أصابع خالقه و هو الرحمن، و لما كان اللّه كل يوم هو في شأن كان تقليب العالم الذي هو صورة هذا القلب من حال إلى حال مع الأنفاس،
فلا يثبت العالم قط على حال واحدة زمانا فردا، لأن اللّه خلّاق على الدوام، و لو بقي العالم على حالة واحدة زمانين لاتصف بالغنى عن اللّه، و لكن الناس في لبس من خلق جديد، و الخلق الجديد حيث كان دنيا و آخرة و برزخا. فمن المحال بقاء حال على عين نفسين أو زمانين للاتساع الإلهي، لبقاء الافتقار على العالم إلى اللّه، فالتغيير له واجب في كل نفس، و اللّه خالق فيه في كل نفس، فالأحوال متجددة مع الأنفاس على الأعيان، لذلك نزل في سورة الرحمن أنه عزّ و جل كل يوم هو في شأن، و الشئون لا تنحصر فلا تقتصر، و اليوم مقداره النفس، فراقب الصبح إذا تنفس بما تنفس،
و احذر من الليل إذا عسعس، فإنه أبلس فيه من أبلس، فإن الحق سبحانه في كل نفس في الخلق في شأن، و هو أثره في كل عين موجودة بكيفية خاصة، فمن فاته مراعاة أنفاسه في الدنيا و الآخرة فاته خير كثير، فإن الحق في كل يوم من أيام الأنفاس في شأن، ما وكّلته فيه، فإنه لك يتصرف و لك يصرف فيما استخلفك فيه، فأنت تتصرف عن أمر و كيلك، فأنت خليفة خليفتك. و اعلم أن الأسماء الإلهية التي يظهر بها الحق في عباده، و بها يتلون العبد في حالاته، هي في الحق أسماء وفينا تلوينات، و هي عين الشئون التي هو فيها الحق، فكل حال في الكون هو عين شأن إلهي، فالعالم كله على الصورة، و ليس هو غير الشئون التي يظهر بها، و هذه الانتقالات في الأحوال من أثر كونه كل يوم هو في شأن، فالشئون الإلهية هي الاستحالات في الدنيا و الآخرة، فلا يزال الحق يخلع صورة فيلحقها بالثبوت و العدم،
و يوجد صورة من العدم في هذا الملأ، فلا يزال التكوين و التغيير فيه أبدا، و يتميز الحق عن الخلق بأنه يتقلب في الأحوال، لا تتقلب عليه الأحوال، لأنه يستحيل أن يكون للحال على الحق حكم، بل له تعالى الحكم عليها، فلهذا يتقلب فيها و لا تتقلب عليه، فإنها لو تقلبت عليه أوجبت له أحكاما، و عين العالم ليس كذلك، تتقلب عليه الأحوال فتظهر فيها أحكامها، و تقليبها عليها بيد اللّه تعالى، و لو لا الأحوال ما تميزت الأعيان، فإنه ما ثمّ إلا عين واحدة تميزت بذاتها عن واجب الوجود، كما اشتركت معه في وجوب الثبوت، فله تعالى الثبوت و الوجود، و لهذه العين وجوب الثبوت، فالأحوال لهذه العين كالأسماء الإلهية للحق، فكما أن الأسماء للعين الواحدة لا تعدد المسمى و لا تكثّره، كذلك الأحوال لهذه العين لا تعددها و لا تكثرها، مع معقولية الكثرة و العدد في الأسماء و الأحوال،
فحصل لهذه العين الكمال بالوجود، الذي هو من جملة الأحوال التي تقلبت عليها، فما نقصها من الكمال إلا نفي حكم وجوب الوجود، للتمييز بينها و بين اللّه، إذ لا يرتفع ذلك و لا يصح لها فيه قدم، و هو تعالى في شئون العالم بحسب ما يقتضيه الترتيب الحكمي، فشأنه غدا لا يمكن أن يكون إلا في غد، و شأن اليوم لا يمكن أن يكون إلا اليوم، و شأن أمس لا يمكن أن يكون إلا في أمس، هذا كله بالنظر إليه تعالى، و أما بالنظر إلى الشأن، يمكن أن يكون في غير الوقت الذي تكون فيه لو شاء الحق تعالى، و ما في مشيئته جبر، و لا تحير، تعالى اللّه عن ذلك، بل ليس لمشيئته إلا تعلق واحد لا غير، فكل يوم هو في شأن و هو ما يحدث في أصغر يوم في العالم من الآثار الإلهية و الانفعالات، من تركيب و تحليل و تصعيد و تنزيل و إيجاد و شهادة، و كنّى عزّ و جل عن هذا اليوم الصغير باليوم المعروف في العامة،
فوسّع في العبارة من أجل فهم المخاطبين و قال: «يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فالشأن مسألة السائلين، فإنه ما من موجود إلا و هو سائله تعالى، لكن هم على مراتب في السؤال، فأما الذين لم يوجدهم اللّه عن سبب فإنهم يسألونه بلا حجاب، لأنهم لا يعرفون سواه علما و غيبا، و منهم من أوجده اللّه تعالى عند سبب يتقدمه، و هو أكثر العالم، و هم في سؤاله على قسمين: منهم من لم يقف مع سببه أصلا و لا عرّج عليه، و فهم من سببه أنه يدله على ربه لا على نفسه، فسؤال هذا الصنف كسؤال الأول بغير حجاب، و منهم من وقف مع سببه و هم على قسمين: منهم من عرف أن هذا سبب قد نصبه الحق، و أن وراءه مطلبا آخر فوقه، و هو المسبب له، و لكن ما تمكنت قدمه في درج المعرفة لموجد السبب،
فلا يسأله إلا بالسبب، لأنه أقوى للنفس، و منهم من لم يعرف أن خلف السبب مطلبا، و لا أن ثمّ سببا، فالسبب عنده نفس المسبب، فهذا جاهل، فسأل السبب فيما يضطر إليه، لأنه تحقق عنده أنه ربه، فما سأل إلا اللّه، لأنه لو لم يعتقد فيه القدرة على ما سأله فيه لما عبده، و ذلك لا يكون إلا اللّه، فهو ما سأل إلا اللّه، و من هذا المقام يجيبه الحق على سؤاله لأنه المسئول، و لكن بهذه المثابة، فعلى هذا هو المسئول بكل وجه و بكل لسان، و على كل حال، و المشهود له بالقدرة المطلقة النافذة في كل شيء، فما من جوهر فرد في العالم إلا و هو سائله سبحانه في كل لحظة و أدق من اللحظة، لكون العالم في كل لطيفة و دقيقة مفتقر إليه و محتاج، أولها في حفظه لبقاء عينه و مسك الوجود عليه بخلق ما به بقاؤه، و ليس من شرط السؤال هنا بالأصوات فقط، و إنما السؤال من كل عالم بحسب ما يليق به و يقتضيه أفقه و حركة فلكه و مرتبته، و قد قال تعالى فيما شرّف سليمان به أنه علمه منطق الطير،
فعرف لغتها، و تبسم ضاحكا من قول النملة للنمل، و في القرآن و في الأخبار الصحيحة من هذا كثير، فكلام كل جنس ما يشاكله، و على حسب ما يليق بنشأته و يعطيه استعداد القبول للروحانية الإلهية السارية في كل موجود، و كل يعمل على شاكلته، فما من موجود بعد هذا إلا و يتفق منه السؤال، فشأنه في كل دقيقة خلق السؤال في السائلين و خلق الإجابة بقضاء الحاجات، و تنزل على أصحابها بحسب دورة الفلك الذي يخلق منه الإجابة، فإن كان الفلك بعيدا أعني حركة التقدير التي بها تنزل على صاحبها بعد كذا و كذا حركة، فتتأخر الإجابة، و قد تتأخر للدار الآخرة بحسب حركتها، و إن كان فلكها قريبا أعني حركة التقدير التي خلقت الإجابة فيها، ظهر الشيء في وقته أو يقرب، و لهذا أخبر النبي عليه السلام أن كل دعوة مجابة، لكن ليس من شرطها الإسراع في الوقت، فمنها المؤجل و المعجل، بحسب الذي بلغ حركة التقدير، فلا زال الخالق في شأن،
فلا تزال هذه الأيام دائمة أبدا، و لا يزال الأثر و الفعل و الانفعال في الدنيا و الآخرة، و قد أثبت الحق تعالى دوام هذه الأيام فقال: (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ) و خلودهم لا يزال، هؤلاء في الجنة و هؤلاء في النار، و السموات و الأرض لا تزال، و الأيام دائمة لا تزال دائرة أبدا بالتكوين، فالتنوعات و التبديلات ينبغي للعاقل أن لا ينكرها، فإن للّه في حق كل موجود في العالم شأنا، فانظر في هذا التوسع الإلهي ما أعظمه، فقد تبين أن الأيام لا تزال أبدا، و الشأن لا يزال أبدا، فإن العقل لا يزال أبدا، فلا بد أن يكون الانفعال لا يزال.
[سورة الرحمن (55): الآيات 30 الى 31]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (31)
[ «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» الآية:]
و فيه ترتيب الفعل، و قال تعالى ذلك في حق الثقلين خاصة على طريق الوعيد و التخويف، حيث لم يجعلوا نواصيهم بيده، و هو أن يتركوا إرادتهم لإرادته فيما أمر به و نهى، و ما سمى اللّه الإنس و الجان بهذا الاسم إلا ليميزهما بالثقل عمن سواهما، دائما حيث كانا، فلا تزال أرواحهما تدبر أجساما طبيعية و أجسادا دنيا و برزخا و آخرة، فما لهما نعيم إلا بالمشاكل لطبعهما، و سمانا الحق بالثقلين لما فينا من الثقل، ثقل الكون، و هو عين تأخرنا بالوجود، فأبطأنا، و من عادة الثقيل الإبطاء، كما أنه من عادة الخفيف الإسراع، فنحن و الجن من الثقلين و نحن أثقل من الجن للركن الأغلب علينا و هو التراب، فالإنسان آخر موجود في العالم، فما سمي الإنس و الجن بالثقلين إلا لما في نشأتهما من حكم الطبيعة، فهي التي تعطي الثقل، و أما قوله تعالى: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» فمن وجوه-
الوجه الأول- كلمة تهديد للجن و الإنسان الحيوان، لهما يفرغ الحق ليقيم عليهما ميزان ما خلقا له، و الإنسان الكامل لا يتوجه عليه هذا الخطاب- الوجه الثاني- وصف الحق تعالى نفسه في هذه الآية بأنه لا يفعل أمرا حتى يفرغ من أمر آخر، مع أنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، و لكن لخلقه أصناف العالم أزمانا مخصوصة و أمكنة مخصوصة لا يتعدى بها زمانها و لا مكانها، لما سبق في علمه و مشيئته في ذلك فقال: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» أي سنفرغ لكم من الشئون التي قال فيها: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) في هذه الدنيا، فيفرغ لنا منا، و لا شغل له إلا بنا، فمنا يفرغ لنا، و تنتقل الشئون إلى البرزخ و الدار الآخرة، فلا يزال الأمر من فراغ إلى فراغ، إلى أن يصل أوان عموم الرحمة التي وسعت كل شيء، فلا يقع بعد ذلك فراغ يحده حال و لا يميزه، بل وجود مستمر، و وجوده ثابت مستقر إلى غير نهاية في الدارين، دار الجنة و دار النار، هكذا هو الأمر في نفسه، فإن الفراغ الإلهي إنما كان من الأجناس في الأيام الستة التي خلق فيها الخلق، و أما أشخاص الأنواع فلا، فبقي الفراغ بالأزمان لا عن الأشخاص، و هو قوله تعالى: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ» ففي هذه الآية نسبة الزمان إلى الحق، و هو انقضاء المدة التي سبق في علم اللّه مقدارها، و هو زمان الحياة الدنيا في كل شخص شخص
– إشارة- في هذه الكلمة «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» إشارة للحوق الرحمة بهما، و ذلك في فتح اللام الداخلة على ضمير المخاطب في «لَكُمْ» و إن كان الفتح الإلهي قد يكون بما يسوء كما يكون بما يسر، و لكن رحمته سبقت غضبه، و جاء بآلة الاستقبال و هي السين، و آخر درجة الاستقبال ما يؤول إليه أمر العالم من الرحمة التي لا غضب بعدها، لارتفاع التكليف و استيفاء الحدود، و لما جاء بضمير المخاطب في قوله «لَكُمْ» و علمنا من الكرم الإلهي أبدا أنه يرجح جانب السعداء و جانب الرحمة على النقيض لذلك، جاء بحرف الخطاب ليفتح اللام، و ليعلم بآلة الخطاب أنهم قوم مخصوصون، لأنه لا يفقد من العالم ضمير الغائب، فلا بد له من أهل، مثل قوله في السعداء: (لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي) فأتي بضمير الغائب فغابوا عن هؤلاء المخاطبين، و فتح اللام فتح رحمة تعطيها قرائن الأحوال
[تحقيق: من أي حقيقة نودي محمد ص قف إن ربك يصلي]
– تحقيق- من هذه الحقيقة نودي صلّى اللّه عليه و سلّم لما طلب الدنو في معراجه: يا محمد قف إن ربك يصلي، أي لا يجمع بين شغلين، يريد بذلك العناية بمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم، حيث يقيمه في مقام التفرغ له، فهو تنبيه على العناية به.
[سورة الرحمن (55): الآيات 32 الى 37]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (32) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (33) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (35) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (36)
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (37)
أي مثل الدهن الأحمر في اللون و السيلان، فهو ذهاب صورة لا ذهاب عين، فعادت دخانا أحمر كالدهان السائل، مثل شعلة النار كما كانت أول مرة.
[سورة الرحمن (55): الآيات 38 الى 54]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ (41) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (42)
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (45) وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (46) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (47)
ذَواتا أَفْنانٍ (48) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (49) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (50) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (51) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (52)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (54)
«جَنَى الْجَنَّتَيْنِ» الحسية و المعنوية للعارفين «دانٍ».
[سورة الرحمن (55): آية 55]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (55)
و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب.
[سورة الرحمن (55): آية 56]
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ (56)
«فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ» لا تشاهد في نظرها أحسن منه، و لا يشاهد أحسن منها، قد زينت له وزين لها، و طيبت له و طيب لها «لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ» أي أبكار لم يفتضهن أحد.
[سورة الرحمن (55): الآيات 57 الى 60]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَ الْمَرْجانُ (58) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (59) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (60)
«هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» الآية الإحسان رؤية أو كالرؤية، فالإحسان من الحق رؤية و من العبد كأنه؛ قال جبريل عليه السلام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: [ما الإحسان؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك] و في رواية [فإن لم تكن تراه فإنه يراك] فأمره أن يخيله و يحضره في خياله على قدر علمه به، فيكون محصورا له، و قال تعالى: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» هل جزاء الإحسان و هو أن تعبد اللّه كأنك تراه، إلا الإحسان و هو أنك تراه حقيقة، فالصورة الأولى الإلهية في العبادة مجعولة للعبد من جعله، فهو الذي أقامها نشأة يعبدها عن أمره عزّ و جل له بذلك الإنشاء، فجزاؤه أن يراه حقيقة، جزاء وفاقا في الصورة التي يقتضيها موطن ذلك الشهود، كما اقتضى تجليه في الصور الإلهية المجعولة من العبد في موطن العبادة و التكليف، فإن الصور تتنوع بتنوع المواطن و الأحوال و الاعتقادات من المواطن، فلكل عبد حال، و لكل حال موطن، فبحاله يقول في ربه ما يجده في عقده، و بموطن ذلك الحال يتجلى له الحق في صورة اعتقاده، و الحق كل ذلك، و الحق وراء ذلك، فينكر و يعرف، و ينزّه و يوصف، و عن كل ما ينسب إليه يتوقف.
[سورة الرحمن (55): الآيات 61 الى 70]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (61) وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (62) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (63) مُدْهامَّتانِ (64) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (65)
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (66) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (67) فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (69) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (70)
الخيرات جمع خيرة، و هي الفاضلة من كل شيء، و الفضل يقتضي الزيادة على ما يقع فيه الاشتراك، مما لا يشترك فيه من ليس من ذلك الجنس.
[سورة الرحمن (55): الآيات 71 الى 72]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (71) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (72)
[من باب الإشارة: «حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ»:]
مقصورات أي مصونات، فهن في ستر، فالقصر هنا صيانة لا سجنا، فالحياء حبس المقصورات في الخيام، لئلا تدركهن أبصار الأنام، و ذلك حجاب الغيرة على من يغار عليه من ذوات الخدور، و هن المحتجبات- من باب الإشارة لا التفسير- هم العارفون المجهولون في العالم، فلا يظهر منهم و لا عليهم ما يعرفون به، و هم لا يشهدون في الكون إلا اللّه، لا يعرفون ما العالم، لأنهم لا يشهدونه عالما، و هم طبقة الملامية أهل مقام القربة في الولاية، و ما فوقهم إلا درجة النبوة، فنبّه تعالى بنعوت نساء أهل الجنة و حورها على نفوس رجال اللّه الذين اقتطعهم إليه و صانهم، و حبسهم في خيام صون الغيرة الإلهية في زوايا الكون أن تمتد إليهم عين فتشغلهم.
[سورة الرحمن (55): الآيات 73 الى 76]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (76)
الاتكاء: الاعتماد.
[سورة الرحمن (55): آية 77]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (77)
فإن عطايا الحق كلها نعم، إلا أن النعم في العموم موافقة الغرض، و عطايا الحق كلها عند العارف إنما هي معارف باللّه جهلها غير العارف و عرفها دون غيره، و عوارف الحق مننه و نعمه على عباده، فما أطلعك منها على شيء إلا ليردك منك إليه، فهو دعاء الحق في معروفه لما رأى عندك من الغفلة عنه، فتحبب إليك بالنعم.
[سورة الرحمن (55): آية 78]
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (78)
[مناسبة الإكرام للجلال:]
الجلال نعت إلهي يعطي في القلوب هيبة و تعظيما، و به ظهر الاسم الجليل، و هو يدل على الضدين، فيعطى حكمه نعوت التنزيه و التشبيه، و لحضرة الجلال السبحات الوجهية المحرقة، و لهذا لا يتجلى في جلاله أبدا، لكن يتجلى في جلال جماله لعباده، فهو «ذُو الْجَلالِ» أي صاحب الجلال الذي نجده في نفوسنا «وَ الْإِكْرامِ» بنا، فالكرم يتبع أبدا الجلال من حيث ما يعطيه وضع الجلال، فإن السامع إذا أخذ الجلال على العظمة أدركه القنوط، لعدم الوصول إلى من له العظمة، لما يرى نفسه عليه من الاحتقار و البعد عن التفات ما يعطيه مقام العظمة إليه،
فأزال اللّه عن وهمه ذلك الذي تخيله بقوله: «وَ الْإِكْرامِ» أي و إن كانت له العظمة، فإنه يكرم خلقه و ينظر إليهم بجوده و كرمه، نزولا منه من هذه العظمة، فلما سمع القانط ذلك، عظم في نفسه أكثر مما كان عنده أولا من عظمته، و ذلك لأن العظمة الأولى التي كان يعظّم بها الحق كانت لعين الحق عن انكسار من العبد و ذلة، فلما وصف الحق نفسه بأنه يكرم عباده بنزوله إليهم،
حصل في نفس المخلوق أن اللّه ما اعتنى به هذه العناية إلا و للمخلوق في نفس هذا العظيم ذي الجلال تعظيم، فرأى نفسه معظما، فلذلك زاد في تعظيم الحق في نفسه إيثارا لجنابه لاعتناء الحق به على عظمته، فزاد الحق بالكرم تعظيما في نفس هذا العبد أعظم من العظمة الأولى، فإن كرامته بنا إعطاؤنا الوجود، و هو تعالى كريم بما وهب و أعطى و جاد و امتن به من جزيل الهبات و المنح، و التزام الجلال و الإكرام التزام الألف و اللام، فكان الجلال للتنزيه عن التشبيه، و كان الإكرام للتنويه به في نفي التشبيه بالشبيه.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 257