تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة البروج
(85) سورة البروج مكيّة
[سورة البروج (85): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1)
خلق اللّه في جوف الكرسي جسما شفافا مستديرا قسمه اثني عشر قسما، سمى الأقسام بروجا، و هي التي أقسم بها لنا في كتابه فقال «وَ السَّماءِ» لعلوها علينا، و هي الفلك الأدنى، خلقه اللّه و قسّمه اثني عشر قسما سماها البروج، فجعل كل قسم برجا «ذاتِ الْبُرُوجِ» و تسمى هذه السماء الفلك الأطلس، قسّمه الحق على اثنى عشر مقدارا، فعمت المقادير، و إنما كانت الفروض المقدرة في الفلك الأطلس اثني عشر فرضا لأن منتهى أسماء العدد إلى اثنى عشر اسما،
و هو من الواحد إلى العشرة، إلى المائة و هو الحادي عشر، إلى الألف و هو الثاني عشر، و ليس وراءه مرتبة أخرى، و يكون التركيب فيها بالتضعيف إلى ما لا نهاية له بهذه الأسماء الخاصة، و جعل سبحانه البروج محلات لسكنى اثنى عشر ملكا، أنزلهم اللّه فيها فهي بروج لأرواح ملكية على طبائع مختلفة، سمى كل برج باسم ذلك الملك الذي جعل ذلك المقدار برجا له يسكنه، كالأبراج الدائرة بسور البلد، و كمراتب الولاة في الملك، و هي البروج المعلومة عند أهل التعاليم، و جعل اللّه لكل وال ساكن في هذا البرج أحكاما معلومة عن دورات مخصوصة،
و أسماء هذه الملائكة التي تسمت بها البروج هي:الميزان و العقرب و القوس و الجدي و الدلو و الحوت و الحمل و الثور و الجوزاء و السرطان و الأسد و السنبلة، و جعل اللّه لهؤلاء الملائكة مراتب في الفلك المحيط، و جعل بيد كل ملك ما شاء أن يجعله مما يبرزه فيمن هو دونهم إلى الأرض حكمة، و رفع اللّه الحجاب الذي بين هؤلاء الملائكة و بين اللوح المحفوظ، فرأوا ما فيه مسطرا أسماءهم و مراتبهم و ما شاء الحق أن يجريه على أيديهم في عالم الخلق إلى يوم القيامة، و جعل اللّه لكل واحد من هؤلاء الملائكة حاجبين ينفذان أوامرهم، فمجموعهم أربع و عشرون ملكا، و جعل بين كل حاجبين سفيرا يمشي بينهما بما يلقي إليه كل واحد منهما، و عيّن اللّه لهؤلاء الذين جعلهم اللّه حجّابا لهؤلاء الولاة في الفلك الثاني منازل يسكنونها،
و أنزلهم إليها و هي الثمانية و العشرون منزلة التي تسمى المنازل التي ذكرها اللّه في كتابه، فقال (وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) يعني في سيره، و قد أوحى اللّه في سماء البروج أمرها، فلكل برج فيها أمر يتميز به عن غيره من البروج، و جعل لهذه البروج أثرا من أمر اللّه الموحى به فيها فيما دون هذه السماء، من عالم التركيب و الإنسان من حيث جسمه و طبيعته، و ذلك بأن جعل اللّه البروج ترجع إلى أربعة من الطبيعة، ثم كرر كل واحد من الأربعة في ثلاثة مواضع منه، و جعل هذه الأقسام كالمنازل و المناهل التي ينزل فيها المسافرون و يسير فيها السائرون في حال سيرهم و سفرهم،
لينزل في هذه الأقسام عند سير الكواكب فيها و سباحتهم ما يحدث اللّه في جوف هذا الفلك من الكواكب التي تقطع بسيرها في هذه البروج، ليحدث اللّه عند قطعها و سيرها ما شاء أن يحدث من العالم الطبيعي و العنصري، و جعلها علامات على أثر حركة فلك البروج، فقسم من هذه الأربعة طبيعته الحرارة و اليبوسة، و الثاني البرودة و اليبوسة، و الثالث الحرارة و الرطوبة، و الرابع البرودة و الرطوبة، و جعل الخامس و التاسع مثل الأول، و جعل السادس و العاشر مثل الثاني، و جعل السابع و الحادي عشر مثل الثالث،
و جعل الثامن و الثاني عشر مثل الرابع، أعني في الطبيعة، و لما خلق اللّه هذا الفلك الأول دار دورة غير معلومة الانتهاء إلا للّه تعالى، لأنه ليس فوقه شيء محدود من الأجرام يقطع فيه- فإنه أول الأجرام الشفافة- فتتعدد الحركات و تتميز، و لا كان قد خلق اللّه في جوفه شيئا فتتميز الحركات و تنتهي عند من يكون في جوفه، و لو كان لم تتميز أيضا لأنه أطلس لا كوكب فيه، متشابه الأجزاء، فلا يعرف مقدار الحركة الواحدة منه و لا تتعين، فلو كان فيه جزء مخالف لسائر الأجزاء عدّ به حركاته بلا شك،
و لكن علم اللّه قدرها و انتهاءها و كرورها، فحدث عن تلك الحركة اليوم، و لم يكن ثمّ ليل و لا نهار في هذا اليوم، ثم استمرت حركات هذا الفلك، فخلق اللّه ما شاء من الأملاك و الأفلاك و الدار الدنيا و الدار الآخرة، و خلق الجان من النار و الطير و الدواب البرية و البحرية و الحشرات، و لما استوت المملكة و تهيأت ما عرف أحد من هذه المخلوقات كلها من أي جنس يكون الخليفة الذي مهّد اللّه هذه المملكة لوجوده.
و اعلم أن هؤلاء الاثني عشر ملكا هم لأهل الجنة كالعناصر لأهل الدنيا، جعل لكل نائب من هؤلاء الأملاك الاثني عشر في كل برج ملكه إياه ثلاثين خزانة، تحتوي كل خزانة منها على علوم شتى، يهبون منها لمن نزل بهم على قدر ما تعطيه رتبة هذا النازل، و هذه الخزائن تسمى عند أهل التعاليم درجات الفلك، و النازلون بها هم الجواري، و المنازل و عيوقاتها من الثوابت، و العلوم الحاصلة من هذه الخزائن الإلهية هي ما يظهر في عالم الأركان من التأثيرات، بل ما يظهر من مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى الأرض، و سميت ثابتة لبطئها عن سرعة الجواري السبعة،
و جعل لهؤلاء الاثني عشر نظرا في الجنات و أهلها و ما فيها مخلصا من غير حجاب، فما يظهر في الجنان من حكم فهو عن تولي هؤلاء الاثني عشر بنفوسهم، تشريفا لأهل الجنان، و أما أهل الدنيا و أهل النار فما يباشرون ما لهم فيها من الحكم إلا بالنواب، و هم النازلون عليهم، فكل ما يظهر في الجنات من تكوين و أكل و شرب و نكاح و حركة و سكون و علوم و استحالة و مأكول و شهوة، فعلى أيدي هؤلاء النواب الاثني عشر من تلك الخزائن بإذن اللّه عزّ و جل الذي استخلفهم، و لهذا كان بين ما يحصل عنهم بمباشرتهم و بين ما يحصل عنهم بغير مباشرتهم- بل بواسطة النازلين بهم الذين هم لهم في الدنيا و النار كالحجاب و النواب- بون عظيم و فرقان كبير، فهؤلاء النواب الاثنا عشر هم الذين تولوا بناء الجنات كلها إلا جنة عدن، فإن اللّه خلقها بيده، و جعل بأيديهم غراس الجنات إلا شجرة طوبى، فإن الحق تعالى غرسها بيده في جنة عدن، و أما البروج فهي الفروض المؤقتة الاثنا عشر شهرا، و بقطع الشمس الفروض تسمى الشهر، و سمي قطع الفروض كلّها السنة الشمسية.
[سورة البروج (85): الآيات 2 الى 3]
وَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ (3)
الحق تعالى لا يصح أن يقسم بما ليس هو، لأن المقسوم به هو الذي ينبغي له العظمة،فما أقسم بشيء ليس هو، فهو تعالى الشاهد من كل كون، و هو المشهود في كل عين، فهو الشاهد و المشهود، لأنه عين الوجود (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ). ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل.
[سورة البروج (85): آية 4]
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4)
[قصة أصحاب الأخدود:]
صاحب الأخدود أعطي حروف الاسم الأعظم دون معناه، فإنه تلقاه من الراهب كلمات و في رواية من حديث ابن إسحاق قال: كان أهل نجران أهل شرك، يعبدون الأوثان، و كان في قرية من قراها قريبا من نجران، فإن نجران هي القرية العظمى، يأتي إليها- جماعة أهل تلك البلاد- ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها ميمون، قالوا: رجل ابتنى خيمة بين نجران و بين ملك القرية التي بها الساحر، فبعث الثامر ابنه عبد اللّه بن ثامر، مع غلمان أهل نجران، فكان إذ مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته و عبادته، فجعل يجلس إليه،
و يسمع منه حتى أسلم، فوحّد اللّه و عبده، و جعل يسأله عن شرائع الإسلام، حتى إذا فقه فيهم، جعل يسأله عن الاسم الأعظم، و كان يعلمه، فكتمه إياه، و قال له: يا ابن أخي، إنك إن تحمله أخشى ضعفك عنه، و الثامر أبو عبد اللّه يظن أن ابنه يختلف إلى الساحر كما تختلف الغلمان، فلما رأى عبد اللّه أن صاحبه قد ضنّ به عليه، و تخوف ضعفه عنه، عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق للّه اسما يعلمه إلا كتبه على قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا، فجعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه، فقال:
و ما هو؟ قال: هو كذا و كذا، قال: و كيف علمته؟ فأخبره بما صنع، قال: أي ابن أخي، قد أصبته، فأمسك على نفسك، و ما أظن أن تفعل، فجعل عبد اللّه بن ثامر إذا دخل نجران لم يبق أحد به ضرر إلا قال له عبد اللّه: أتوحد اللّه، و تدخل في ديني، و أدعو اللّه فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحد اللّه و يسلم، و يدعو له فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضرر إلّا أتاه، فاتّبعه على أمره و دعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، و خالفت ديني و دين آبائي، لأمثلن بك.
قال: لا تقدر على ذلك، قال: فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح على رأسه، فيقع على الأرض ليس به بأس، و جعل يبعث به إلى مياه نجران، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها، فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال له عبد اللّه ابن الثامر: إنك و اللّه لا تقدر على قتلي حتى توحد اللّه، فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلّطت عليّ فقتلتني. قال: فوحد اللّه ذلك الملك، و شهد شهادة عبد اللّه بن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة، فقتله، و هلك الملك مكانه، فاجتمع أهل نجران على دين عبد اللّه بن الثامر، و كان على ما جاء به عيسى ابن مريم عليه الصلاة و السلام من الإنجيل و حكمه، فسار إليهم ذو نواس ذرعة بن شنار بجنوده، فدعاهم إلى اليهودية، و خيرهم بين ذلك و القتل، فاختاروا القتل، فخذلهم، فحرق بالنار و قتل بالسيف، و مثّل بهم حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا، و فيه نزل قوله تعالى «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ» و الأخدود الحفر الطويل في الأرض كالخندق، و الجمع أخاديد.
[سورة البروج (85): الآيات 5 الى 10]
النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (6) وَ هُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَ ما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (10)
العذاب عذاب نفوس روحاني و عذاب محسوس جسماني، و لا يكون إلا لمن حاد عن الطريق المشروع في ظاهره و باطنه، فإذا وفق للاستقامة و سبقت له العناية عصم من ذلك، و تنعم بنار المجاهدة لجنة المشاهدة.
[سورة البروج (85): آية 11]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11)
إن الإيمان لا يكون إلا بالخبر لا بالعيان، فليس المؤمن إلا من يؤمن بالغيب و هو الخبر الذي جاء من عند ربه، فإن الخبر بما هو خبر يقبل الصدق و الكذب.
[سورة البروج (85): آية 12]
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)
ليس للّه وعيد و بطش مطلق شديد ليس فيه شيء من الرحمة و اللطف، فبطش اللّه تعالى و إن كان شديدا فإنه للاتساع الإلهي في بطشه رحمة بالمبطوش به، لأنه تعالى يبطش بمن خلق، فالرحمة مندرجة في بطشه حيث كان، و بطشه تعالى لسبق العلم، يأخذ هذا المبطوش به للسبب الموجب لا غير، و المنتقم لغيره ما هو كالمنتقم لنفسه.
[سورة البروج (85): آية 13]
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ (13)
فهو تعالى المبدئ، و لا يزال حكم البدء في كل عين عين من أعيان الممكنات، فلا يزال المبدئ دائما، لأنه يحفظ الوجود علينا بما يوجده فينا لبقاء وجودنا مما لا يصح بقاء إلا به، فهو تعالى في حق كل ما يوجده دائما مبدئ له، و البدء و الإعادة حكمان للّه تعالى، فإنه ما أعاد شيئا بعد ذهابه، إلا أنه في إيجاده الأمثال عاد إلى الإيجاد، فهو معيد لا أنه يعيد عين ما ذهب فإنه لا يكون، لأنه أوسع من ذلك، فهو المعيد للحال الذي كان يوصف به، فما من موجود يوجده الحق إلا و قد فرغ من إيجاده، ثم ينظر ذلك الموجود إلى اللّه تعالى قد عاد إلى إيجاد عين أخرى، هكذا دائما أبدا، فهو المبدئ المعيد، المبدئ لكل شيء و المعيد لشأنه، فهو يبدئ كل شيء خلقا، ثم يعيده أي يرجع الحكم إليه بأن يخلق.
[سورة البروج (85): آية 14]
وَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)
الودود أي الثابت المحبة، فلم يزل يحبنا فلم يزل ودودا، و كيف لا يحب الصانع صنعته؟
و نحن مصنوعاته بلا شك، فإنه خالقنا و خالق أرزاقنا و مصالحنا، فهو يوجد دائما في حقنا، فهو كل يوم في شأن، و لا معنى للوداد إلا هذا، فهو تعالى الثابت المحبة في غيبه، فإنه عزّ و جل يرانا فيرى محبوبه فله الابتهاج به، و العالم كله إنسان واحد هو المحبوب، و أشخاص العالم أعضاء ذلك الإنسان، و ما وصف المحبوب بمحبة محبه، و إنما جعله محبوبا لا غير، و أتى مع الاسم الودود الغفور لأجل الستر، فإن الأمر مستور بين الحق و الخلق بالخلق و الحق، و من هذه الحقيقة لو لا عابد الوثن ما اعتقد فيه الألوهة بوجه ما عبده، إلا أنه بالستر المسدل في قوله تعالى «وَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ» لم يعرفه، و ليس إلا الأسماء، فعبد المخلوق هنا ما عبده، و ما عبد إلا اللّه.
[سورة البروج (85): آية 15]
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15)
بخفض الدال على قراءة حمزة و الكسائي، وصف العرش بأنه مجيد لأنه تنزه أن يحيط به غير من الأجسام، فكان له الشرف، و هو العرش الذي استوى عليه بالاسم الرحمن، فإنه ما رحم إلا صبابة المحب، و هو رقة الشوق إلى لقاء المحبوب، و لا يلقاه إلا بصفته، و صفته الوجود، فأعطاه الوجود، و لو كان عنده أكمل من ذلك ما بخل به عليه، و لو كان و ادخره لكان بخلا ينافي الجود، و عجزا يناقض القدرة.
[سورة البروج (85): آية 16]
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16)
فهو الودود المحب، و هو فعال لما يريد فهو المحبوب، لأن المحبوب فعال لما يريد بمحبه، و المحب سامع مطيع مهيأ لما يريد به محبوبه، لأنه المحب الودود أي الثابت على لوازم المحبة و شروطها، فالودود هنا هو الفعال لما يريد، فهو المحب المحبوب
[تحقيق: «فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» الآية]
– تحقيق- و لما كانت إرادة الحق مجهولة التعلق لا يعرف مرادها إلا بتعريف إلهي، فإذا أكده بالقسم و الإيلاء كان أرفع للحرج في نفس المقسوم له، لذلك نفّس اللّه عن المقسوم له ما كان يجده من الحرج و الضيق الذي يعطيه في الموجودات قوله «فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» بالأقسام الإلهية الواردة في القرآن و السنة، فإنه تعالى لو رحم العالم كله لكان، و لو عذب العالم كله لكان، و لو رحم بعضه و عذب بعضه لكان، و لو عذبه إلى أجل مسمى لكان، فإن الواجب الوجود لا يمتنع عنه ما هو ممكن لنفسه، و لا مكره له على ما ينفذه في خلقه، بل هو الفعال لما يريد، فهو المطلق في أفعاله و أنت المقيد، و هو تعالى فعّال لما يريد، و ما يريد إلا ما هو عليه العلم، و العلم تابع للمعلوم، و لا يظهر في الوجود إلا ما هو المعلوم عليه، فلله الحجة البالغة، فما وقع ما وقع إلا بعلم اللّه، و ما علم اللّه إلا ما كان عليه المعلوم، و هذا هو عين سر القدر لمن فهمه، و كم منع الناس من كشفه لما يطرأ على النفوس الضعيفة الإيمان من ذلك، فليس سر القدر الذي يخفى عن العالم عينه إلا اتباع العلم للمعلوم، فلا شيء أبين منه، و لا أقرب مع هذا البعد.
[سورة البروج (85): الآيات 17 الى 20]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَ اللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (20)
[ «وَ اللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ» الآية- الحفظ الإلهي:]
جعل اللّه الإحاطة هنا بالوراء للحفظ الإلهي، و ذلك لما جعل للإنسان عينين و جعلهما في وجهه الذي هو الأمام منه و الجنبات، و جعلهما لحفظ الإنسان من الأمام و الجنبات، و لم يكن للوراء سبب يقع به الحفظ لهذا المذكور، فحفظه اللّه بذاته و لم يجعل له سببا يحفظه به سواه، فالإنسان من أمامه محفوظ بنفسه، و من خلفه محفوظ بربه، و لو لم يكن الحق من ورائهم محيط لأخذ الإنسان من ورائه، فأمن مما يحذره، و اعتمد على حفظه بما شاهده من أمامه،
فحصل له الأمان من أمامه غيبا و شهادة، و حصل له الأمان من ورائه إيمانا، فاللّه من ورائنا محيط لأنه الوجود، فلو لم يكن من ورائنا لكان انتهاؤنا إلى العدم، و لو وقعنا في العدم ما ظهر لنا عين، فمن المحال وقوعنا في العدم لأنّ اللّه و هو الوجود المحض من ورائنا محيط بنا، إليه ننتهي فيحول وجوده و إحاطته بيننا و بين العدم، فلا يزال العدم سابحا في فلك الوجود دائما إلى غير نهاية، إذ لا نهاية هناك، فليس وراء اللّه مرمى لرام، و وراء العالم اللّه فهو المنتهى و ما له انتهاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
[سورة البروج (85): آية 21]
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21)
أضرب بأداة «بَلْ» «هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ» أي جمع شريف، فالقرآن أحق بالتعظيم من السلطان، لأنه الكلام المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
[سورة البروج (85): آية 22]
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
[اللوح المحفوظ:]
من التبديل و التغيير، فإما يدل على توحيد، و إما صفة توحيد، و إما صفة فعل، و إمّا ما يعطي الاشتراك، و إما تشبيه، و إما حكم، و إما قصص، و إما موعظة بترغيب أو ترهيب، أو دلالة على مدلول عليه، فهو محصور بين محكم و متشابه، و سمى اللوح بالمحفوظ لما حفظ اللّه عليه ما كتب فيه، فلم ينله محو بعد ذلك و لا تبديل، فكل شيء فيه، و هو أي اللوح المحفوظ المسمى في القرآن بكل شيء، تسمية إلهية، و منه كتب اللّه كتبه و صحفه المنزلة على رسله و أنبيائه، مثل قوله تعالى (وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي من اللوح المحفوظ،
فهو موضع تنزيل الكتب، و هو أول كتاب سطر فيه الكون، أمر اللّه تعالى القلم أن يجري على هذا اللوح بما قدره و قضاه، مما كان من إيجاده، ما فوق اللوح إلى أول موجود، و إيجاد الأرواح المهيمة في جلال اللّه تعالى و جماله، و مما يكون إلى أن يقال (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) و يذبح الموت، و يقوم منادي الحق على قدم الصدق، فيقول [يا أهل الجنة خلود فلا خروج من النعيم الدائم الجديد، و يا أهل النار خلود فلا خروج من العذاب المقيم الجديد] إلى هنا حد الرقم بما بينهما، و ما بعد هذا فله حكم آخر،
فهذا اللوح محل الإلقاء العقلي، هو للعقل بمنزلة حواء لآدم، و ليس فوق القلم موجود محدث يأخذ منه يعبر عنه بالدواة و هي النون، و إنما نونه التي هي الدواة عبارة عما يحمله في ذاته من العلوم بطريق الإجمال من غير تفصيل، فلا يظهر لها تفصيل إلا في اللوح الذي هو اللوح المحفوظ، فالقلم محل التجميل و اللوح محل التفصيل، و هذا الملك الكريم الذي هو اللوح المحفوظ هو أيضا قلم لما دونه، و هكذا كل فاعل و منفعل لوح و قلم، و جعل اللّه أمر التركيب و عالم الأجسام و الإنشاءات كلها بيد هذا الملك الكريم،
كما جعل القلم الأعلى واهب الأرواح فيها، و يسمى اللوح المحفوظ النفس الناطقة الكلية الثابتة عند أهل الإشارات، لأن النفس الناطقة وجدت من نفس الرحمن، فنفّس اللّه بها عن العقل إذ جعلها محلا لقبول ما يلقي إليها، و لوحا لما يسطره فيها، و هو محفوظ عن المحو و التبديل و التحريف، لأن كتابته نقش فلا تقبل المحو، و مما كتب فيه و أثبت علم التبديل، أي علم ما يبدل و يحرّف في عالم التغيير و الإحالة، و الذي كتبه القلم الأعلى لا يتبدل، فلا يمحى ما كتب في هذا اللوح، فالقلم الأعلى يثبت في اللوح المحفوظ كل شيء يجري من أقلام المحو و الإثبات، ففي اللوح المحفوظ إثبات المحو في الألواح، و إثبات الإثبات، و محو الإثبات عند وقوع الحكم و إنشاء أمر آخر، فهو لوح مقدس عن المحو، فهو الذي يمده القلم الأعلى باختلاف الأمور، و عواقبها مفصلة مسطرة بتقدير العزيز العليم.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 482