تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن ) سورة الفاتحة
(1) سورة الفاتحة
[اسماء الفاتحة]
هي فاتحة الكتاب، و السبع المثاني، و القرآن العظيم، و أم القرآن، و أم الكتاب، و الكافية، و تسمى سورة الحمد، و البسملة آية منها، و قد قيل في الفاتحة إن اللّه أعطاها نبيه محمدا صلّى اللّه عليه و سلم خاصة دون غيره من الرسل، من كنز من كنوز العرش، لم توجد في كتاب منزل من عند اللّه و لا صحيفة إلا في القرآن خاصة، و بهذا سمي قرآنا لأنه جمع بين ما نزل في الكتب و الصحف و ما لم ينزل، ففيه كل ما في الكتب كلها المنزلة، و فيه ما لم ينزل في كتاب و لا صحيفة، و هي فاتحة الكتاب، لأن الكتاب يتضمن الفاتحة و غيرها، و لأنها منه، و إنما صح لها اسم الفاتحة من حيث أنها أول ما افتتح به كتاب الوجود، و جعلها اللّه مفتاحا له، و هي أم القرآن لأن الأم محل الإيجاد، و الموجود فيها هو القرآن، و هي أم الكتاب الذي عنده، في قوله «وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» لأن الأم هي الجامعة، و منها أم القرى، و الرأس أم الجسد، يقال أم رأسه لأنه مجموع القوى الحسية و المعنوية كلها التي للإنسان، و كانت الفاتحة أما لجميع الكتب المنزلة، و هي القرآن العظيم، أي المجموع العظيم الحاوي لكل شيء، و لما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مبعوثا إلى الناس كافة، و الناس من آدم إلى آخر إنسان، فجميع الرسل نوابه بلا شك، فلما ظهر بنفسه لم يبق حكم إلا له، و لا حاكم إلا راجع إليه، و اقتضت مرتبته أن تختص بأمر عند ظهور عينه في الدنيا، لم يعطه أحد من نوابه، و لا بد أن يكون ذلك الأمر من العظم بحيث أنه يتضمن جميع ما تفرق في نوابه و زيادة، فأعطاه أم الكتاب، فتضمنت جميع الصحف و الكتب، و ظهر بها فينا مختصرة، سبع آيات تحتوي على جميع الآيات، فأم الكتاب ألحق اللّه بها جميع الكتب و الصحف المنزلة على الأنبياء نواب محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فادخرها له و لهذه الأمة، ليتميز على الأنبياء بالتقدم، و إنه الإمام الأكبر، و أمته التي ظهر فيها خير أمة أخرجت للناس، لظهوره بصورته فيهم، و هي السبع المثاني و القرآن العظيم الصفات، فظهرت في الوجود في واحد و واحد، فحضرة تفرد، و حضرة تجمع، فمن البسملة إلى «الدين» إفراد إلهي، و من «اهدنا» إلى «الضالين» إفراد العبد المألوه، و قوله «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» تشمل و ما هي العطاء، و إنما العطاء ما بعدها، و «إياك» في الموضعين ملحق بالإفراد الإلهي، فصحت السبع المثاني، يقول العبد، فيقول اللّه، «وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» الجمع، و ليس سوى «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»
[إشارة من اسم فاتحة الكتاب و أم الكتاب]
و سميت الفاتحة الكافية، لأن بقراءتها وحدها تصح الصلاة، و هي قرآن من حيث ما اجتمع العبد و الرب في الصلاة، و هي فرقان من حيث ما تميز به العبد من الرب، مما اختص به في القراءة من الصلاة، و العبد في الفاتحة قد أبان الحق بمنزلته فيها، و أنه لا صلاة للعبد إلا بها، فإنها تعرفه بمنزلته من ربه، و أنها منزلة مقسمة بين عبد و رب كما ثبت، و تسمى الفاتحة سورة الحمد، فإنها الجامعة للمحامد كلها، و ما أنزلت على أحد قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و لا ينبغي أن تنزل إلا على من له لواء الحمد، فهي الجامعة للمحامد كلها فإنه سبحانه لا ينبغي أن يحمد إلا بما يشرع أن يحمد به، من حيث ما شرعه لا من حيث ما تطلبه الصفة الحمدية من الكمال، فذلك هو الثناء الإلهي، و لو حمد بما تعطيه الصفة لكان حمدا عرفيا عقليا، و لا ينبغي مثل هذا الحمد لجلاله. إشارة و تحقيق: اعلم أن الفاتحة لها طرفان و واسطة، و مقدمتان و رابطة، فالطرف الواحد بالحقائق الإلهية منوط، و الطرف الآخر بالحقائق الإنسانية منوط، و الواسطة تأخذ منهما على قدر ما تخبر به عنهما، و المقدمة الواحدة سماوية، و المقدمة الأخرى أرضية، و الرابطة لهما هوائية، فهي الفاتحة، للتجليات الواضحة، و هي المثاني، لما في الربوبية و العبودية من المعاني، و هي الكافية، لتضمنها البلاء و العافية، و هي السبع المثاني، لاختصاصها بصفات المعاني، و هي القرآن العظيم، لأنها تحوي صورة المحدث و القديم، و هي أم الكتاب، لأنها الجامعة للنعيم و العذاب- إشارة: هي فاتحة الكتاب لأن الكتاب عبارة من باب الإشارة عن المبدع الأول. و كذلك الروح ازدوج مع النفس بواسطة العقل، فصارت النفس محل الإيجاد حسا، فهذه النفس هو الكتاب المرقوم لنفوذ الخط، فظهر في الابن ما خط القلم في الأم- إشارة: الأم أيضا عبارة عن وجود المثل محل الأسرار، فهو الرق المنشور الذي أودع فيه الكتاب المسطور المودعة فيه تلك الأسرار الإلهية.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 19