تفسیر ابن عربی سوره المؤمنون

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة المؤمنون

  (23) سورة المؤمنون مكيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

[سورة المؤمنون (23): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2)

[الخشوع‏]

الخشوع مقام الذلة و الصغار، و هو نعت محمود في الدنيا على قوم محمودين، و هو نعت محمود في الآخرة في قوم مذمومين شرعا بلسان حق، و هو حال ينتقل من المؤمنين في الآخرة إلى أهل العزة المتكبرين الجبارين، الذين يريدون علوا في الأرض من المفسدين في الأرض، فالمؤمنون في صلاتهم خاشعون، و هم الخاشعون من الرجال و الخاشعات من النساء، الذين أعد اللّه لهم مغفرة و أجرا عظيما، و لا يكون الخشوع حيث كان إلا عن تجل إلهي على القلوب في المؤمن عن تعظيم و إجلال، و في الكافر عن قهر و خوف و بطش، قال عليه السلام حين سئل عن كسوف الشمس [إن اللّه إذا تجلى لشي‏ء خشع له‏]- أخرجه البزار- و إذا وقع التجلي حصل الخشوع، و خشوع كل خاشع على قدر علمه بربه، و علمه بربه على قدر تجليه له.

[سورة المؤمنون (23): آية 3]

وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)

«وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ» أي عن الذي أسقطه اللّه عن أن يعتبر «مُعْرِضُونَ» لكون الحق أسقطه، يقال لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل لغو، أي ساقط، و منه لغو اليمين لإسقاط الكفارة و المؤاخذة بها، فأثنى اللّه عليهم بالإعراض عما أمرهم اللّه بالإعراض عنه، فأعرضوا بأمره و لم يعرضوا بأنفسهم، إذ المؤمن لا نفس له، فإن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 4 الى 5]

وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5)

راجع الأحزاب آية 35.

 

[سورة المؤمنون (23): الآيات 6 الى 8]

إِلاَّ عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغى‏ وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ (8)

بكلاءته.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 9 الى 10]

وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (9) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10)

و هم أصحاب الصفات المرضية التي ذكرها تعالى و التي يحمدها، ثم بشرهم تعالى بأنهم الوارثون.

[سورة المؤمنون (23): آية 11]

الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (11)

الفردوس هي أوسط الجنات‏ «هُمْ فِيها خالِدُونَ» يبشرهم بالبقاء و الدوام في النعيم.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 12 الى 13]

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13)

و هو آدم الأب عليه السلام هنا.

[سورة المؤمنون (23): آية 13]

ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13)

«ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً» و هو الماء المهين، فهو طور آخر «فِي قَرارٍ مَكِينٍ» و هي نشأة الأبناء في الأرحام مساقط النطف، فكنى عن ذلك بالقرار المكين.

[سورة المؤمنون (23): آية 14]

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14)

«ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً» و هو طور آخر «فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً» و هذا طور آخر «فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، و هذا طور آخر «فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً» هذا طور آخر، و هذا كله إنما ذكره ليعدد نعمه التي اختصك بها و حباك، و هذه كلها أشياء علّق وجود بعضها على بعض، و قد تم البدن على التفصيل، و هو الخلق الترابي الآدمي، فهو مسبب عن أشياء هي أمهات الجسد الآدمي و هي كثيرة، انتقل في أطوار العالم من شكل إلى شكل حتى صار على هذه الصفة، فالجسد الآدمي أصله شي‏ء و الصورة عرض فيه، ثم أجمل خلق النفس الناطقة الذي هو بها إنسان في هذه الآية فقال‏ «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ» و هو طور آخر، عرّفك بذلك أن المزاج لا أثر له في لطيفتك و إن لم يكن نصا لكن هو ظاهر، و أبين منه قوله‏ (فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) فالظاهر أنه لو اقتضى المزاج روحا خاصا معينا ما قال‏ (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) و أي حرف نكرة مثل حرف (ما)، فإنه حرف يقع على كل شي‏ء، فأبان لك أن المزاج لا يطلب صورة بعينها، و لكن بعد حصولها تحتاج إلى هذا المزاج و ترجع به، فإنه بما فيه من القوى التي لا تدبره إلا بها، فإنه بقواه لها كالآلات لصانع النجارة أو البناء مثلا، فبيّن لك الحق بهذه الآيات مرتبة جسدك و روحك، لتنظر و تتفكر فتعتبر أن اللّه ما خلقك سدى و إن طال المدى، فإن النشأة الإنسانية مكونة من حس و خيال و عقل، تجول بكلها أو ببعضها، فإما أن يجول الإنسان بحسه و هو الكشف، و إما أن يجول بعقله و هو حال فكره و تفكره، و إما أن يجول بخياله، ثم أثبت اللّه للعالم الخلق و جعل نفسه أحسن لأوليته في ذلك، إذ لولاه ما ظهرت أعيان هؤلاء الخالقين‏

[ «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»]

فقال‏ «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» إثباتا للأعيان ليصح قوله‏ (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)* و أثنى على نفسه يعلمك صورة الثناء عليه لتشكره لا لتكفره فقال‏ «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» تقديرا و إيجادا، فذكر أن ثمّ خالقين اللّه أحسنهم خلقا، فإنه تعالى نسب الخلق إلى عباده فقال‏ (وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ) فهو تعالى أحسن الخالقين لأنه تعالى يخلق ما يخلق عن شهود، و الخالق من العباد لا يخلق إلا عن تصور، يتصور من أعيان موجودة يريد أن يخلق مثلها أو يبدع مثلها، و خلق الحق ليس كذلك، فإنه يبدع أو يخلق المخلوق على ما هو ذلك المخلوق عليه في نفسه و عينه، فما يكسوه إلا حلة الوجود بتعلق يسمى الإيجاد، فأضاف الحق الحسن إلى الخالقين غير أن اللّه أحسن الخالقين، و الخلق من خصوص وصف الإله، و من الناس من يقيم من أعماله و أنفاسه نشأة ذات روح و جسد، فبها يكون الإنسان خالقا، و يكون الحق أحسن الخالقين، و هذه الطبقة التي وصفها الحق بالحسن هم أهل الإحسان، فإن الإحسان في العبادة أن تعبد اللّه كأنك تراه،

فتعلم من هو الخالق على الحقيقة، فلما كان‏ نعت الخلق من خصوص وصف الإله، و قد أضاف الخلق إلى الخلق، انفرد هو بالنظر إلى ما أثبت من الخلق للخلق بالأحسن في قوله‏ «أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» و هو معنى قوله‏ «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» و البركة الزيادة، فزاد (أحسن) في قوله‏ «أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» و قال تعالى في الرد على عبدة الأوثان (أ فمن يخلق كمن لا يخلق) فنفى الخلق عن الخلق، فلو لم يرد عموم نفي الخلق عن الخلق لم تقم به حجة على من عبد فرعون و أمثاله ممن أمر من المخلوقين أن يعبد من دون اللّه، و لم يكن هؤلاء ممن يدخل في عموم الخالقين في قوله‏ «أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» فإنهم لم يتصفوا بالإحسان في الخلق، و من وجه آخر «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» خلق الناس التقدير، فللخلق التقدير و ليس لهم إمضاؤه، و الخلق في قوله تعالى‏ (أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) الإيجاد.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 15 الى 18]

ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَ لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (17) وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (18)

قال تعالى‏ (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ)* فعلق الذهاب بالمشيئة، و هنا قال تعالى‏ «وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ» فعلق الذهاب بالاقتدار، فما به قدرته أراد و شاء، فاعلم أن متعلق القدرة الإيجاد لا الإعدام، فيتعرض هنا أمران: الأمر الواحد أن الذهاب المراد هنا ليس الإعدام و إنما هو انتقال من حال إلى حال، فمتعلق القدرة ظهور المحكوم عليه بالحال التي انتقل إليها، فأوجدت القدرة له ذلك الحال، فما تعلقت إلا بالإيجاد، و الأمر الآخر أن وصفه بالاقتدار على الذهاب، أي لا مكره له على إبقائه في الوجود، فإن وجود عين غير القائم بنفسه، أي بقاءه، إنما هو مشروط بشرط، بوجود ذلك الشرط يبقى الوجود عليه، و ذلك الشرط يمده اللّه به في كل زمان، و له أن يمنع وجود ذلك الشرط، و لا بقاء للمشروط إلا به، فلم يوجد الشرط فانعدم المشروط، و هذا الإمساك ليس متعلق القدرة، و قد وصف نفسه بالقدرة على ذلك، فلم يبق إلا فرض المنازع الذي يريد بقاءه، فهو قادر على دفعه لما لم‏ يرد اللّه بقاءه، فهو يقهر المنازع، فلا يبقى ما أراد المنازع بقاءه، و القهر حكم من أحكام الاقتدار.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 19 الى 27]

فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (19) وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (21) وَ عَلَيْها وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ (23)

فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)

«فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ» قيل فيه يراد ضوء الفجر، و هو المعلوم من لسان العرب، فإذا فار التنور أي ظهر الفجر.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 28 الى 53]

فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ (32)

وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَ أَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (34) أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)

إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَ ما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (39) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (42)

ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَ جَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى‏ وَ أَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ (45) إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً عالِينَ (46) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَ قَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (47)

فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ (50) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)

«كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» و ما وقع ذلك إلا من تعشق كل نفس بما هي عليه، فلو تبيّن لكل حزب مآله و ما له، لفرح من ينبغي له أن يفرح، و حزن من ينبغي له أن يحزن، «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» و كل له شرب معلوم، و سيردون فيعلمون، كأنهم ما سمعوا (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ)– إشارة لا تفسير- «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» إن العارفين كما هم اليوم يكونون غدا، أجسامهم في الجنان، و قلوبهم في حضرة الرحمن.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 54 الى 57]

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)

[المشفقون‏]

يقال: أشفقت منه فأنا مشفق إذا حذرته، و لا يقال: أشفقت منه إلا في الحذر، و يقال: أشفقت عليه إشفاقا من الشفقة، و الأصل واحد أي حذرت عليه، فالمشفقون من أولياء اللّه من خاف على نفسه من التبديل و التحويل، فإنه أمّنه اللّه بالبشرى مع إشفاقه على خلق اللّه، مثل إشفاق المرسلين على أممهم، و من بشّر من المؤمنين، و هم قوم ذوو كبد رطبة، لهم حنان و عطف، إذا أبصروا مخالفة الأمر الإلهي من أحد ارتعدت فرائصهم إشفاقا عليه أن ينزل به أمر من السماء، و من كان بهذه المثابة فالغالب على أمره أنه محفوظ في أفعاله، لا يتصور منه مخالفة لما تحقق به من صفة الإشفاق، فلما كانت ثمرة الإشفاق الاستقامة على‏ طاعة اللّه، أثنى اللّه عليهم بأنهم مشفقون، للتغير الذي يقوم بنفوسهم عند رؤية الموجب لذلك، و الإشفاق مأخوذ من الشفق الذي هو حمرة بقية ضوء الشمس إذا غربت، أو إذا أرادت الطلوع.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 58 الى 60]

وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَ الَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60)

[الوجلون‏]

إن القلوب مع الخيرات في وجل‏ و إنها عند ما تلقاه في خجل‏

اعلم أن السبب الموجب لوجلهم قول اللّه عنهم‏ «الَّذِينَ يُؤْتُونَ» و جعل هنا ما بمعنى الذي، ثم جاء ب «أتوا» بعد «ما» و كلامه صدق، فأدركهم الوجل إذ قطعوا أنهم لا بد أن يقوم بهم الدعوى فيما جاءوا به من طاعة اللّه، فيكشف اللّه لهم إذا خافوا و وجلوا من ذلك، و تبديل اللّه لفظة «ما» التي بمعنى الذي بلفظة «ما» النافية مثل قوله تعالى‏ (وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏) هكذا يكون كشفه هنا للوجل، ما يؤتون الذي أتوا به، و لكن اللّه أتى به، فأقامهم مقام نفسه فيما جاءوا به من الأعمال الصالحة، فإن اللّه تعالى علل بقوله‏ «أَنَّهُمْ إِلى‏ رَبِّهِمْ راجِعُونَ» فيما أتوا به، مع كون اللّه وصفهم بأنهم الذين أتوا به، فانظر ما أدق نظرهم في السبب الذي جعل في قلوبهم الوجل».

[سورة المؤمنون (23): آية 61]

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ (61)

«أُولئِكَ» إشارة إلى هؤلاء الذين يسارعون في الخيرات، و الإسراع لمن أتى هرولة فافهم، فهم‏ «يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ» بالحق، «وَ هُمْ لَها سابِقُونَ» أي يسبقونها و يسبقون إليها، فالخيرات ثلاثة: خيرات يكون السباق و المسارعة فيها، و خيرات يكون السباق بها، و خيرات يكون السباق إليها، و هي قوله‏ (سابِقُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ) (وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ) و السرعة في السباق لا بد منها، لأن السباق يعطي ذلك، و هو فوق السعي، فإتيانهم بسرعة، و الزائد على السعي ما هو إلا الهرولة و هي نعت إلهي‏ «أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ» و هي الطاعات التي أمر اللّه بها عباده، و لأنهم السعداء سارعوا لما أبصروا حسن‏ النهاية بعين الموافقة و الهداية «وَ هُمْ لَها سابِقُونَ» على نجب الأعمال إلى مرضاته كما قال‏ (وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) و المسارعة في الخيرات هي كونه لا يتصرف في مباح، بل هو في الواجبات، فإذا خطر له فرض قام إليه بلا شك، و إذا خطر له خاطر في مندوب فليحفظ أول الخاطر، فإنه قد يكون من إبليس فيثبت عليه، فإذا خطر له أن يتركه إلى مندوب آخر هو أعلى منه و أولى فلا يعدل عن الأول، و ليثبت عليه و يحفظ الثاني، و يفعل الأول و لا بد، فإذا فرغ منه شرع في الثاني ليفعله أيضا،

فهو في خير على كل حال، و يرجع الشيطان خاسئا حيث لم يتفق له مقصوده، و من جهة أخرى فإن المغفرة لا تصح إلا بعد حصول فعل الخير الموجب لها، فنحن نسارع في الخيرات إلى المغفرة، و لما كانت المسارعة إلى الخيرات و في الخيرات تتضمن المشقة و التعب، لأن سرعة السير تشق، أعقب اللّه هذه المشقة رحمة، إما في باطن الإنسان، و هو الذي رزقه اللّه الالتذاذ بالطاعات، فتصرّفه المحبة فلا يحس بالمشقة و لا بالتعب في رضى المحبوب، و إن كان بناء هذا الهيكل يضعف عن بعض التكاليف، فإن الحب يهونه و يسهله، و إما في الآخرة فلا بد من الراحة، و من وصل إلى تحصيل الخير المحض، و هو قوله تعالى: كنت سمعه و بصره و أمثال هذا، فقد وصل إلى السعادة الأبدية، و هو الوصول المطلوب.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 62 الى 80]

وَ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَ لَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (63) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)

مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (67) أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70) وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (74) وَ لَوْ رَحِمْناهُمْ وَ كَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَ لَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَ ما يَتَضَرَّعُونَ (76)

حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (78) وَ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (80)

للعقل نور يدرك به أمورا مخصوصة، و للإيمان نور به يدرك كل شي‏ء ما لم يقع مانع، فبنور العقل تصل إلى معرفة الألوهية و ما يجب لها و يستحيل، و ما يجوز منها فلا يستحيل و لا يجب، و بنور الإيمان يدرك العقل معرفة الذات و ما نسب الحق إلى نفسه من النعوت.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 81 الى 86]

بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (81) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَ آباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (85)

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86)

وصف العرش بالعظيم جرما و قدرا.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 87 الى 88]

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88)

وصف الحق نفسه تعالى في هذه الآية بأنه قاهر كل شي‏ء بقوله تعالى‏ «مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» فبيده تصريف كل شي‏ء، إذ هو موجد الأسباب، فهو محرك العالم ظاهرا و باطنا «وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ» فلا يفتقر و لا يذل إلا للّه‏ «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» فالناس في واد و العلماء باللّه في واد.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 89 الى 91]

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)

قوله تعالى‏ «إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ» هذا الاستدلال بالتنبيه على موضع الدلالة، فلم يقتصر على التعريف على طريق التسليم.

[سورة المؤمنون (23): آية 92]

عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَتَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)

راجع سورة الأنعام آية 73.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 93 الى 96]

قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَ إِنَّا عَلى‏ أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (96)

ادفع بالتي هي أحسن من الإحسان‏

 

[سورة المؤمنون (23): الآيات 97 الى 101]

وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ (101)

يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: يقول اللّه تعالى: (اليوم) يعني يوم القيامة (أضع نسبكم و أرفع نسبي أين المتقون).

[سورة المؤمنون (23): الآيات 102 الى 107]

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ (104) أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (105) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (106)

رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (107)

لو لا أن نش‏ء الآخرة مثل نش‏ء الدنيا ذو جسم طبيعي و روح، ما صح من الشقي طلب و لا تضرع، إذ لو لم يكن هناك أمر طبيعي لم يكن للنفس إذا جهلت من ينبهها على جهلها لعدم إحساسها، إذ لا حس لها إلا بالجزء الطبيعي الذي هو الجسد المركب.

[سورة المؤمنون (23): آية 108]

قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ (108)

و هو خطاب الجبار لأهل النار الذين هم أهلها، يقول لهم: سخطي عليكم لا رضى‏ بعده، فلا أشد عليهم عذابا من هذا الخطاب، و خطاب اللّه تعالى هذا هو كلام الملك عن اللّه تعالى، لأن كلام اللّه تعالى عباده شرف، قال تعالى: (وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) و قد يكون خطابا من الحق لهم و هم في النار، فخاطبهم و هم يسمعون.

[سورة المؤمنون (23): آية 109]

إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109)

سبحانه و تعالى خير الراحمين من باب المفاضلة، و ما جاء قط عنه تعالى أنه خير الآخذين، و لا الباطشين و لا المنتقمين و لا المعذبين كما جاء خير الفاصلين، و خير الغافرين، و خير الراحمين، و خير الشاكرين، و أمثال هذا، مع كونه يبطش و ينتقم و يأخذ و يهلك و يعذب، لا بطريق الأفضلية فتدبر ذلك.

[سورة المؤمنون (23): الآيات 110 الى 115]

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَ كُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (111) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)

أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115)

«أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً» هو قوله تعالى‏ (ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) و من هنا وقع التنبيه على معرفة الحكمة التي أوجد اللّه لها العالم، فإن الحق مع غناه في نفسه عن العالمين، لما خلقهم لم يمكن إلا الرجوع إليهم و الاشتغال بهم، و حفظ العالم فإنه ما أوجده عبثا، فيرجع إليه سبحانه بحسب ما يطلبه كل شخص شخص، فلم يكن ذلك إلا إظهارا لحكمة عموم الرجوع الإلهي إلى العباد بحسب أحوالهم، فإنه عام الرجوع، فرجع على الطائعين بما وعد، و رجع على العاصين بالمغفرة و إن عاقب، فإن الحال الذي قام فيه العبد إذا كان سوءا فإن لسان الحال يطلب من الحق ما يجازيه به و يرجع به عليه، إما على التخيير، و ذلك ليس إلا لحال المعصية القائم بالعاصي، و إما على الوجوب بالتعيين، فالرجوع الإلهي‏ على العاصي إما بالأخذ و إما بالمغفرة، و الرجوع على الطائع بالإحسان، و لما كان الحكم للمشيئة الإلهية كان اللّه أكثر رجوعا إلى العباد من العباد إليه، فإن رجوع العباد إلى اللّه بإرجاع اللّه، فما رجعوا إلى اللّه إلا باللّه.

[سورة المؤمنون (23): آية 116]

فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)

[توحيد الحق‏]

هذا هو التوحيد الحادي و العشرون في القرآن، هو توحيد الحق، و هو توحيد الهوية، فلا إله إلا هو من نعوت الحق، فالأمر الذي ظهر فيه وجود العالم هو الحق، و ما ظهر إلا في نفس الرحمن، و هو العماء فهو الحق‏ «رَبُّ الْعَرْشِ»* الذي أعطاه الشكل الإحاطي لكونه بكل شي‏ء محيطا، فالأصل الذي ظهر فيه صور العالم بكل شي‏ء من عالم الأجسام محيط، و ليس إلا الحق المخلوق به، فكأنه لهذا القبول كالظرف، يبرز منه وجود ما يحوي عليه طبقا عن طبق، عينا بعد عين على الترتيب الحكمي، فأبرز ما كان فيه غيبا ليشهده فيوحده، فيوحده مع صدوره عنه، قال تعالى‏ (وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ) فهو عين واحدة و إن تعددت الصور فيه، ثم تمم تعالى فقال‏ «الْكَرِيمِ»* وصف العرش بأنه كريم لأنه بحركته أعطى ما في قوته لمن هو تحت إحاطته و قبضته.

[سورة المؤمنون (23): آية 117]

وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (117)

اعلم أن الشبهة تأتي في صورة البرهان، و هذه الآية ذم للمقلدة لا لأصحاب النظر و إن أخطئوا و الحضرة الإلهية تقبل جميع العقائد إلا الشرك فإنها لا تقبله، فإن الشريك عدم محض، و الوجود المطلق لا يقبل العدم، و الشريك لا شك أنه خارج عن شريكه بخلاف ما يعتقد فيه مما يتصف به الموصوف في نفسه، فلهذا قلنا لا يقبل الشريك لأنه ما ثمّ شريك حتى يقبل، و هذه أرجى آية للمشرك عن نظر جهد الطاقة، و تخيله في شبهه أنها برهان، فيقوم له العذر عند اللّه قال تعالى‏ «وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ» يعني في زعمه، فإنه ما اتخذه إلها إلا عن برهان في زعمه، فدل على أنه من قام له برهان في نظره أنه غير مؤاخذ و إن أخطأ، فما كان الخطأ له مقصودا،

و إنما كان قصده إصابة الحق على ما هو عليه الأمر، فالحق عند اعتقاد كل معتقد بعد اجتهاده، إلا أن المراتب تتفاضل، و اللّه أوسع و أجل و أعظم أن ينحصر في صفة تضبطه، و من استند إلى معبود موضوع فإنما استند إليه بظنه لا بعلمه، فلذلك أخذ به فشقي، إلا أن يعطي المجهود من نفسه في نفي الشريك، فلم يعط فكره و لا نظره و لا اجتهاده نفيه جملة واحدة، و لم يبعث إليه رسول و لم تصل إليه دعوته، فإن جماعة من أهل النظر قالوا بعذر من هذه حالته، و هو مأجور في نفس الأمر مع أنه مخطئ، و ليس بصاحب ظن، بل هو قاطع لا عالم، و القطع على الشي‏ء لا يلزم أن يكون عن علم، بل ربما يستروح من قول اللّه تعالى‏ «لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ» أن اللّه يعذره، و لا شك أن المجتهد الذي أخطأ في اجتهاده في الأصول يقطع أنه على برهان فيما أداه إليه اجتهاده و نظره، و إن كان ليس ببرهان في نفس الأمر، فقد يعذره اللّه تعالى لقطعه بذلك عن اجتهاد، كما قطع الصاحب أنه رأى دحية و كان المرئي جبريل، فهذا قاطع على غير علم فاجتهد فأخطأ، و قد رأى بعض العلماء أن الاجتهاد يسوغ في الفروع و الأصول، فإن أخطأ فله أجر و إن أصاب فله أجران، و هذه الآية تعطي النظر في معرفة اللّه جهد الاستطاعة، أصاب في ذلك المجتهد أو أخطأ، بعد بذل الوسع في الاجتهاد في ذلك، فقد يعتقد المجتهد فيما ليس ببرهان أنه برهان، فيجازيه اللّه مجازاة أصحاب البراهين الصحيحة، و قد نبه سبحانه على ما يفهم منه ما ذكرناه بهذه الآية بقوله‏ «لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ» يريد بالبرهان هنا في زعم الناظر، فإنه من المحال أن يكون ثمّ دليل في نفس الأمر على إله آخر، فإنه في نفس الأمر ليس إلا إله واحد، و لم يبق إلا أن تظهر الشبهة بصورة البرهان فيعتقد أنها برهان، و ليس في قوته أكثر من هذا، فهو في زعمه أنه برهان، و لم يكن برهانا في نفس الأمر فهو قد وفّى وسعه، فإن اللّه ما كلف نفسا إلا ما آتاها، و هو أمر يتفاضل فيه الناس فقال‏ «فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ» هل وفّى ما آتاه من النظر في ذلك أم لا؟

«إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» و ليس الكافر إلا من علم ثم ستر، و إن لم يعلم فما هو كافر، فهذه الآية رحمة من اللّه بمن لاحت له شبهة في إثبات الكثرة فاعتقد أنها برهان، بأن اللّه يتجاوز عنه، فإنه بذل وسعه في النظر، و ما أعطته قوته غير ذلك، فليس للمشركين عن نظر أرجى في عفو اللّه من هذه الآية، و بقي الوعيد في حق المقلدين، فبهم ألحق الشقاء، حيث أهلهم اللّه للنظر و ما نظروا و لا فكروا و لا اعتبروا، فإنه ما هو علم تقليد، فالمخطئ مع النظر أولى و أعلى من الإصابة و المصيب مع التقليد، إلا في ذات الحق فإنه لا ينبغي أن يتصرف مخلوق فيها بحكم النظر الفكري، و إنما هو مع الخبر الإلهي فيما يخبر به عن نفسه لا يقاس عليه، و لا يزيد و لا ينقص و لا يتأول، و لا يقصد بذلك القول وجها معينا، بل يعقل المعنى و يجهل النسبة، و يرد العلم بالنسبة إلى علم اللّه فيها، ثم أمر نبيه.

[سورة المؤمنون (23): آية 118]

وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)

[ «وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ»]

فأمر نبيه أن يقول‏ «رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ» هذه الفرق التي وفّت النظر استطاعتها التي آتيتها، فلم تصل إلا إلى التعطيل أو الشرك‏ «وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ» فإنهم ما تعدوا ما آتاهم اللّه، فيشفع هنا فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من حيث لا يشعرون، فإذا نالتهم السعادة بالخروج من النار، و قد غفر لهم اللّه بسؤال الرسول فيهم إذ قال‏ «رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ» حين أمره اللّه بذلك، و ما أمره بهذا الدعاء إلا ليجيبه، فأجابه في ذلك، فعرفوا قدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عند ذلك إذا دخلوا الجنة، فينتمون إليه فيها لأنه السيد الأكبر، و هذا الدعاء يعم كل من هو بهذه المثابة من وقت آدم إلى نفخة الصعق، لأنه ما خصص في دعوته إلا من هذه صفته، و من ينبغي أن يرحم و يغفر له، فكل موحد للّه و لو بدليله و إن لم يكن مؤمنا ففي الجنة، يدخله اللّه خاصة لا غيره، و يشفع المؤمنون و الأنبياء في أهل الكبائر من أهل الإيمان، لأن الأنبياء بعثت بالخير و هو الإيمان، و الموحدون الذين لم يؤمنوا لكونهم ما بعث إليهم رسول، أو كانوا في فترة، فهم الذين يحشر كل واحد منهم أمة وحده، فإن بعث في أمة- هو فيهم- رسول فلم يؤمن به مع علمه بأحدية خالقه دخل النار، فما يخرج منها إلا بإخراج خالقه، لأن الخلود في النار لا يكون بالنص لأهل التوحيد بأي وجه حصل لهم، قال صلّى اللّه عليه و سلم [من مات و هو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة] و لم يقل يقول و لا يؤمن، و إنما ذكر العلم خاصة، فلا يبقى في النار إلا مشرك أو معطل لا عن شبهة و لا عن نظر مستوف في النظر قوته، فلم يبق في النار إلا المقلدة الذين كان في قوتهم و استعدادهم أن ينظروا فما نظروا- مسئلة- قوله تعالى‏ «خَيْرُ الرَّاحِمِينَ» من باب المفاضلة، فمعلوم أنه ما يرحم أحد من المخلوقين أحدا إلا بالرحمة التي أوجدها الرحمن فيه، فهي رحمته تعالى، لا رحمتهم، ظهرت‏ في صورة مخلوق، كما قال في [سمع اللّه لمن حمده‏] أن ذلك القول هو قول اللّه على لسان عبده، فقوله تعالى الذي سمعه موسى أتم في الشرف من قوله تعالى على لسان قائل، فوقع التفاضل بالمحل الذي سمع منه القول المعلوم أنه قول اللّه، و كذلك أيضا رحمته من حيث ظهورها من مخلوق أدنى من رحمته بعبده في غير صورة مخلوق، فتعيّن التفاضل و الأفضلية بالمحال، إلا أن رحمة اللّه بعبده في صورة المخلوق تكون عظيمة، فإنه يرحم عن ذوق، فيزيل برحمته ما يجده الراحم من الألم في نفسه من هذا المرحوم، و الحق ليس كذلك، فرحمته خالصة لا يعود عليه منها إزالة ألم، فهو خير الراحمين، فرحمة المخلوق عن شفقة و رحمة اللّه مطلقة.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏3، ص: 201

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=