تفسیر ابن عربی سوره الملك

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الملك

(67) سورة الملك مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

ورد أن هذه السورة تجادل عن قارئها في قبره.

تبارك ملك الملك جل جلاله‏ و عز فلم يدرك بفكر و لا ذكر
تعالى عن الأمثال علو مكانة تبارك حتى ضمه القلب في صدري‏
و لم أدر ما هذا و لا ينجلي لنا مقالته فيه و بالشفع و الوتر
عرفناه لما أن تلونا كتابه‏ فللجهر ذاك الوتر و الشفع للستر

[سورة الملك (67): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1)

«تَبارَكَ» أي البركة و الزيادة للّه‏ «الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» الملك و الملكوت لهما الاسم الظاهر و الباطن، و هو عالم الغيب و عالم الشهادة، و عالم الخلق و عالم الأمر، و هو الملك المقهور، فإن لم يكن مقهورا تحت سلطان الملك فليس بملك، و من كان باختيار ملكه لا باختيار نفسه في تصرفه فيه فليس ذلك بملك و لا ملك، فالملك المجبور تحت سلطان الملك، فإذا نفذ أمره في ظاهر ملكه و في باطنه فذلك الملكوت، و إن اقتصر في النفوذ على الظاهر و ليس له على الباطن سبيل فذلك الملك، و قد ظهرت هاتان الصفتان بوجود المؤمن و المنافق في اتباع الرسل صلوات اللّه عليهم، فمنهم من اتبعه في ظاهره و باطنه و هو المؤمن المسلم، و منهم من اتبعه في ظاهره لا في باطنه و ذلك المنافق، و منهم من اتبعه في باطنه لا في ظاهره فذلك المؤمن العاصي و هو تعالى على كل شي‏ء قدير.

[سورة الملك (67): آية 2]

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)

«الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ»

[الموت و الحياة و أقسام الحياة:]

الحياة لعين الجوهر، و الموت لتبدل الصور، كل ذلك‏ «لِيَبْلُوَكُمْ» أي ليختبركم، فجعل ليبلوكم إلى جانب الحياة، فإن الميت لا يختبر «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» الوجه الأول: أي ليختبركم بالتكليف، و هو الابتلاء لما عليه الإنسان من الدعوى،و أعظم الفتن و الاختبار في النساء و المال و الولد و الجاه‏ «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» لإقامة الحجة، فإنه يعلم ما يكون قبل كونه، لأنه علمه في ثبوته أزلا، و أنه لا يقع في الكون إلا كما ثبت في العين‏

الوجه الثاني- لما كان للمحب رغبة في لقاء محبوبه، و هو لقاء خاص عيّنه الحق، إذ هو المشهود في كل حال، و لكن لما عيّن ما شاء من المواطن و جعله محلا للقاء مخصوص، رغبنا فيه، و لا نناله إلا بالخروج من الدار التي تنافي هذا اللقاء، و هي الدار الدنيا، خيّر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بين البقاء في الدنيا و الانتقال إلى الأخرى فقال [الرفيق الأعلى‏] و ورد في الخبر أنه [من أحب لقاء اللّه‏] يعني بالموت [أحب اللّه لقاءه و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه‏] فلقيه في الموت بما يكرهه، و هو أن حجبه عنه،

و تجلى لمن أحب لقاه من عباده، و لقاء الحق بالموت له طعم لا يكون في لقائه في الحياة الدنيا بالحال، فالموت فيه فراغ لأرواحنا من تدبير أجسامها، و هذا الذوق لا يكون إلا بالخروج من الدار الدنيا بالموت لا بالحال، و هو أن يفارق هذا الهيكل الذي وقعت له به هذه الألفة من حين ولد و ظهر به، بل كان السبب في ظهوره، ففرّق الحق بينه و بين هذا الجسم لما ثبت من العلاقة بينهما، و هو من حال الغيرة الإلهية على عبيده لحبه لهم، فلا يريد أن يكون بينهم و بين غيره علاقة، فخلق الموت و ابتلاهم به تمحيصا لدعواهم في محبته‏

الوجه الثالث- اعلم أن الحياة للأرواح المدبرة للأجسام كلها النارية و الترابية و النورية كالضوء للشمس سواء، فالحياة لها وصف نفسي، فما يظهرون على شي‏ء إلا حيي ذلك الشي‏ء، و سرت فيه حياة ذلك الروح الظاهر له، كما يسري ضوء الشمس في جسم الهواء و وجه الأرض و كل موضع تظهر عليه الشمس، و لما كان كل ما سوى اللّه حيا، فإنّ كل شي‏ء مسبح بحمد ربه و لا يسبح إلا حي، و قد وردت الأخبار بحياة كل رطب و يابس و جماد و نبات و أرض و سماء، فكانت الحياة للأعيان و الموت للنّسب، فظهور الروح للجسم حياة ذلك الجسم، كظهور الشمس لاستنارة الأجسام التي ظهرت لها، و غيبة الروح عن الجسم زوال الحياة من ذلك الجسم و هو الموت، فالاجتماع حياة و الفرقة موت، و الاجتماع و الافتراق نسب معقولة، لها حكم ظاهر و إن كانت معدومة الأعيان، فتركيب الروح و الجسم ينتج عنه النفس الناطقة المدبرة للأجسام، و هذا النوع من التركيب هو الذي يتصف بالموت، فإذا فارق الروح الجسم انحلّ التركيب، و جعل الروح مدبرا لجسد آخر برزخي، و ألحق الجسم بالتراب، ثم ينشئ‏ له نشأة أخرى يركبه فيها في الآخرة، فقال تعالى‏ «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ» أي يختبر عقولكم بالموت و الحياة «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» بالخوض فيهما و النظر، فيرى من يصيب منكم و من يخطئ؛

و اعلم أن القوى كلها التي في الإنسان و في كل حيوان،- مثل قوة الحس و قوة الخيال و قوة الحفظ و القوة المصورة و سائر القوى كلها المنسوبة إلى جميع الأجسام علوا و سفلا- إنما هي للروح، تكون بوجوده و إعطائه الحياة لذلك الجسم، و ينعدم فيها ما ينعدم بتوليه عن ذلك الجسم من ذلك الوجه الذي تكون عنه تلك القوة الخاصة، فإذا أعرض الروح عن الجسم بالكلية زال بزواله جميع القوى و الحياة، و هو المعبر عنه بالموت، كالليل بمغيب الشمس، و أما بالنوم فليس بإعراض كلي،

و إنما هي حجب و أبخرة تحول بين القوى و بين مدركاتها الحسية مع وجود الحياة في النائم، كالشمس إذا حالت السحب بينها و بين موضع خاص من الأرض، يكون الضوء موجودا كالحياة، و إن لم يقع إدراك الشمس لذلك الموضع الذي حال بينه و بينها السحاب المتراكم، و كما أن الشمس إذا فارقت هذا الموضع من الأرض و جاء الليل بدلا منه، ظهرت في موضع آخر بنوره أضاء به ذلك الموضع، فكان النهار هنالك كما كان هنا، كذلك الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كانت حياته به، تجلى على صورة من الصور الذي هو البرزخ- و هو بالصاد جمع صورة- فحييت به تلك الصورة في البرزخ، و كما تطلع الشمس في اليوم الثاني علينا فتستنير الموجودات بنورها، كذلك الروح يطلع في يوم الآخرة على هذه الأجسام الميتة فتحيا به، فذلك هو النشر و البعث؛

و اعلم أن الحياة في جميع الأشياء حياتان: حياة عن سبب و هي الحياة التي ذكرناها و نسبناها إلى الأرواح، و حياة أخرى ذاتية للأجسام كلها كحياة الأرواح للأرواح، غير أن حياة الأرواح يظهر لها أثر في الأجسام المدبرة بانتشار ضوئها فيها و ظهور قواها التي ذكرناها، و حياة الأجسام الذاتية لها ليست كذلك، فإن الأجسام ما خلقت مدبرة، فبحياتها الذاتية- التي لا يجوز زوالها عنها فإنها صفة نفسية لها- بها تسبح ربها دائما، سواء كانت أرواحها فيها أو لم تكن، و ما تعطيها أرواحها إلا هيئة أخرى عرضية في التسبيح بوجودها خاصة، و إذا فارقتها الروح فارقها ذلك الذكر الخاص،

و هو الكلام المتعارف بيننا المحسوس، تسبيحا كان أو غيره، و لكل صورة في العالم روح مدبرة و حياة ذاتية، تزول الروح بزوال تلك الصورة، و تزول الصورة بزوال ذلك الروح، و الحياة الذاتية لكل‏ جوهر فيه غير زائلة، و بتلك الحياة الذاتية- التي أخذ اللّه بأبصار بعض الخلق عنها- بها تشهد الجلود يوم القيامة على الناس و الألسنة و الأيدي و الأرجل، و بها تنطق فخذ الرجل في آخر الزمان فتخبر صاحبها بما فعل أهله، و بها تنطق الشجرة في آخر الزمان إذا اختفى خلفها اليهود حين يطلبهم المسلمون للقتل، فتقول للمسلم إذا رأته يطلب اليهودي [يا مسلم هذا يهودي خلفي فاقتله‏] و إنما كانت هذه الحياة في الأشياء ذاتية لأنها عن التجلي الإلهي للموجودات كلها، لأنه خلقها لعبادته و معرفته، و لا أحد من خلقه يعرفه إلا أن يتجلى له فيعرفه بنفسه،

إذ لم يكن في طاقة المخلوق أن يعرف خالقه، و التجلي دائم أبدا مشاهد لكل الموجودات ظاهرا، ما عدا الملائكة و الإنس و الجن، فإن التجلي لهم الدائم إنما هو فيما ليس له نطق ظاهر، كسائر الجمادات و النباتات، و أما التجلي لمن أعطي النطق و التعبير عما في نفسه و هم الملائكة و الإنس و الجن من حيث أرواحهم المدبرة لهم و قواها، فإن التجلي لهم من خلف حجاب الغيب، فالمعرفة للملائكة بالتعريف الإلهي لا بالتجلي، و المعرفة للإنس و الجن بالنظر و الاستدلال، و المعرفة لأجسامهم و من دونهم من المخلوقات بالتجلي الإلهي، و ذلك لأن سائر المخلوقات فطروا على الكتمان فلم يعطوا عبارة التوصيل، و أراد الحق ستر هذا المقام رحمة بالمكلفين،

إذ سبق في علمه أنهم يكلفون و قد قدّر عليهم المعاصي، فلهذا وقع الستر عنهم، لأنهم لو عصوه بالقضاء و القدر على التجلي و المشاهدة لكان عدم احترام عظيم و عدم حياء، و كانت المؤاخذة عظيمة، فكانت الرحمة لا تنالهم أبدا، و لهذا كانت الغفلة و النسيان من الرحمة التي جعلها اللّه لعباده، و ما كلّف اللّه أحدا من خلقه إلا الملائكة و الإنس و الجن، و ما عداهم فإن دوام التجلي لهم أعطاهم الحياة الذاتية الدائمة، و هم في تسبيحهم مثلنا في أنفاسنا «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» فأحسن المؤمنون فسعدوا، و لم يحسن الكفار فخسروا «وَ هُوَ الْعَزِيزُ» المنيع الحمى عن أن يدركه خلقه، أو يحاط بشي‏ء من علمه إلا بما شاء، و هو «الْغَفُورُ» الذي ستر العقول عن إدراك كنهه أو كنه جلاله، و لو كشف لكل أحد ما كشفه لبعض العالم لم يكن غفورا، و لا كان فضل لأحد على أحد، إذ لا فضل إلا بمزيد العلم.

[سورة الملك (67): آية 3]

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ (3)

تدل هذه الآية على أن اللّه ما جعل في موجوداته من تفاوت في نفس الأمر، فقال‏ «ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ» فمنع أن يكون هناك تفاوت، بل أراه الأمور على وضع الحكمة الإلهية، فقال‏ «فَارْجِعِ الْبَصَرَ» ينبه على النظر في المقدمتين‏ «هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ» يعني خللا يكون منه الدخل فيما يقيمه الدليل، فيخترق البصر الجو حتى يصل إلى السماء الدنيا فلا يرى من فطور فينفذ فيه، و مع ذلك فمن المحال أن يكون في الوجود أمر يوافق أغراض الجميع، فإن اللّه خلق نظرهم متفاوتا.

 

 

[سورة الملك (67): آية 4]

ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ (4)

– الوجه الأول- «يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ» و هو النظر«خاسِئاً» بعيدا عن النفوذ فيه بدخل أو شبهة «وَ هُوَ حَسِيرٌ» أي قد عيي أي أدركه العيا- الوجه الثاني- فينقلب البصر خاسئا و هو حسير، أي قد أعي، فإن البصر لا يرى المحسوسات المبصرات و يحسر، فينقلب خاسئا فإنه لا يجد فطرا ينفذ فيه.

 

 

[سورة الملك (67): آية 5]

وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (5)

[نور النجوم ذاتي و نور القمر مستمد:]

الكواكب عندنا كلها مستنيرة لا تستمد من الشمس كما يراه بعضهم، و القمر على أصله لا نور له البتة، قد محا اللّه نوره، و ذلك النور الذي ينسب إليه هو ما يتعلق به البصر من الشمس في مرآة القمر على حسب مواجهة الأبصار منه، فالقمر مجلى الشمس، و ليس فيه من نور الشمس لا قليل و لا كثير، و جعلت النجوم مصابيح لما بيدها من المفاتيح، فالأنوار تظهر للأبصار ما سترته الأحلاك‏ «وَ جَعَلْناها» أي الكواكب، فجعل اللّه الكواكب ذوات‏ الأذناب من زمان بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏ «رُجُوماً لِلشَّياطِينِ» بالشهب، فإن الشياطين- و هم كفار الجن- لهم عروج إلى السماء الدنيا يسترقون السمع، فقعدت الشهب على النقب، فرمت الشياطين من قبل و عن جنب‏ «وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ» السعير أحد الأبواب السبعة لجهنّم، وصف الحق في كتابه العزيز و السنة صفات من يدخلها، و كذلك باقي الأبواب السبعة، فإن الأبواب سميت بصفات ما وراءها مما أعدت له، و وصف الداخلون فيها بما ذكر اللّه تعالى.

 

 

 

[سورة الملك (67): الآيات 6 الى 7]

وَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ (7)

فإن جهنم لها نفسان، فما كان من سموم و حرور فهو من نفسها، و ما كان من برد و زمهرير فهو من نفسها، و هي تأتي يوم القيامة بنفسها تسعى إلى الموقف تفور.

 

 

[سورة الملك (67): آية 8]

تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)

«تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ» على أعداء اللّه‏ «كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ» فمن كان من أهل الإيمان وقاه اللّه من شرها و سطوتها.

 

 

[سورة الملك (67): الآيات 9 الى 14]

قالُوا بَلى‏ قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (9) وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (11) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (13)

أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)

[ «أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» الآية:]

اعلم أن اللّه تعالى لما خلق الخلق قدرهم منازل لا يتعدونها، فخلق الملائكة ملائكة حين خلقهم، و خلق الرسل رسلا و الأنبياء أنبياء و الأولياء أولياء و المؤمنين مؤمنين، و المنافقين منافقين و الكافرين كافرين، كل ذلك مميز عنده سبحانه معيّن معلوم، لا يزاد فيهم و لا ينقص منهم، و لا يبدل أحد بأحد، فليس لمخلوق كسب و لا تعمل في تحصيل مقام لم يخلق عليه، بل قد وقع الفراغ من ذلك، و ذلك تقدير العزيز العليم، فمنازل كل موجود و كل صنف لا يتعداها، و لا يجري أحد في غير مجراه، فكل موجود له طريق تخصه لا يسلك عليها أحد غيره، روحا و طبعا، فلا يجتمع اثنان في مزاج واحد أبدا، و لا يجتمع اثنان في منزلة واحدة أبدا، لاتساع فلك الأسماء الإلهية، فجميع ما فيه خلقه خلقه تعالى، و ليس يخلق شيئا ليس يعلمه‏ «وَ هُوَ اللَّطِيفُ»- الوجه الأول- بسؤاله‏ «الْخَبِيرُ» بما سأل عنه، لأنه واقع، فكل علم عنده عن وقوع فهو به خبير، و تعلقه به قبل وقوعه هو به عليم، فهو استفهام منه عزّ و جل عما هو به عالم، مثل قوله تعالى للملائكة [كيف تركتم عبادي‏] و الملائكة تعلم أنه تعالى أعلم بعباده منهم‏- الوجه الثاني- «وَ هُوَ اللَّطِيفُ» لعلمه بالسر المتعلق بالإيجاد «الْخَبِيرُ» لعلمه بما هو أخفى.

 

 

[سورة الملك (67): آية 15]

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ (15)

جعل اللّه الأرض ذلولا، و وصفها بأنها ذلول ببنية المبالغة مبالغة في الذلة، لكون الأذلاء يطئونها، فإن أذل الأذلاء من وطئه الذليل، و العبيد أذلاء، فلا أذل ممن يطؤه الأذلاء، و نحن و جميع الخلائق عبيد أذلاء نطؤها بالمشي في مناكبها، أي عليها، فهي تحت أقدامنا، فلهذا سماها ببنية المبالغة فهي أعظم في الذلة منهم، و لما كانت بهذه المنزلة، أمرنا أن نضع عليها أشرف ما عندنا في ظاهرنا و هو الوجه، و أن نمرغه في التراب، فعل ذلك جبرا لانكسار الأرض بوطء الذليل عليها الذي هو العبد، فاجتمع بالسجود وجه العبد و وجه الأرض فانجبر كسرها، فإن اللّه عند المنكسرة قلوبهم، فكان العبد في ذلك المقام بتلك الحالة أقرب إلى اللّه سبحانه من سائر أحوال الصلاة، لأنه سعى في حق الغير لا في حق نفسه، و هو جبر انكسار الأرض من ذلتها تحت وطء الذليل لها، فانتبه لما أشرت إليك فإن الشرع ما ترك‏ شيئا إلا و قد أشار إليه إيماء، علمه من علمه و جهله من جهله- اعتبار-.

هي الأم سماها ذلولا لخلقه‏ و قد أعرضت عني كإعراض ذي ذنب‏
حياء و أعطتنا مناكب نظمها فنمشي بها عن أمر خالقها الرب‏
إذا كان حال الأم هذا فإنني‏ لأولى به منها إلى انقضا نحبي‏
تمنيت منه أن أكون بحالها مع اللّه في عيش هني‏ء بلا كرب‏
فيأتي وجودي للدعاوى بصورة تنزله مني كمنزلة الرب‏
و هيهات أين الحق من حال خلقه‏ بذا جاءت الإرسال منه مع الكتب‏

[سورة الملك (67): آية 16]

أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (16)

قال تعالى‏ «مَنْ فِي السَّماءِ» و إلا كيف يسأل صلّى اللّه عليه و سلّم: بأين؟ و يقبل من المسئول فاء الظرف، ثم يشهد له بالإيمان الصرف، و شهادته حقيقة لا مجاز، و وجوب لا جواز، فلو لا معرفته صلّى اللّه عليه و سلّم بحقيقة ما، ما قبل قولها مع كونها خرساء في السّماء.

[سورة الملك (67): الآيات 17 الى 19]

أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَ لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (18) أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ بَصِيرٌ (19)

طيران الطير و إن كان بسبب ظاهر، فإنه لا يمسكه إلا اللّه، أي اللّه الذي وضع له أسباب الإمساك في الهواء.

[سورة الملك (67): الآيات 20 الى 22]

أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ (21) أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ وَجْهِهِ أَهْدى‏ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)

 

«أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ وَجْهِهِ» و هو الذي سقط على وجهه في النار من الصراط و هو من الموحدين‏ «أَهْدى‏ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».

[سورة الملك (67): الآيات 23 الى 30]

قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27)

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَ مَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (30)

و ما عجبي من ماء مزن و إنما عجبت لماء سال من يابس الصخر
كضربة موسى بالعصا الحجر الذي‏ تفجر ماء في أناس له تجري‏

 

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 361

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=