تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الصّافّات
(37) سورة الصّافّات مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة الصافات (37): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا (1)
أقسم اللّه تعالى بالملائكة التي تصف عند اللّه تعالى، فقال: «وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا» و هم الملائكة عمّار السماء الرابعة، أو هم أصناف الملائكة التي أسكنها اللّه الأفلاك المستديرات، فهي الصافات التاليات، فمنها القائمات و القاعدات، و منها الراكعات الساجدات، كما قال تعالى إخبارا عنهم (وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) فهم عمار السموات.
[سورة الصافات (37): آية 2]
فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2)
و هم من الملائكة المسخرات الموكلين بالأرجاء و هم الملائكة عمّار الهواء.
[سورة الصافات (37): آية 3]
فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (3)
و التاليات يتلو بعضها بعضا، فالرسالة يتلو بعضها بعضا، و هم الملائكة عمّار فلك الثوابت، و كلّ هؤلاء أنبياء ملكيون عبدوا اللّه بما وصفهم به فهم في مقامهم لا يبرحون.
[سورة الصافات (37): الآيات 4 الى 6]
إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (4) رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ رَبُّ الْمَشارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6)
فلك الكواكب الثابتة هو أكبر فلك يقطع في الفلك الأطلس، و إنما سميت الكواكب ثابتة لأن الأعمار لا تدرك حركتها لقصر الأعمار، لأن كل كوكب منها يقطع الدرجة من الفلك الأقصى في مائة سنة، فيحسب ثلاثمائة و ستين درجة، كل درجة مائة سنة، و لما فتق اللّه السموات من رتقها و دارت، كانت شفافة في ذاتها و جرمها حتى لا تكون سترا لما وراءها، فأدركنا بالأبصار ما في الفلك الثامن و هو فلك الكواكب الثابتة، فيتخيل أنها في السماء الدنيا لأن البصر لا يدركها إلّا فيها، فوقع الخطاب بحسب ما تعطيه الرؤية.
[سورة الصافات (37): آية 7]
وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (7)
و هو أعظم الشياطين.
[سورة الصافات (37): آية 8]
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8)
كل ما تولد من نور فهو الملأ الأعلى، و كل ما تولد من الطبيعة فهو الملأ الأسفل، و أكمل العالم من جمع بينهما، و هو البرزخ الذي بجهاته ميزهما أو بجمعيته ميزهما بالعلو و السفل.
[سورة الصافات (37): الآيات 9 الى 10]
دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (9) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (10)
[الشهب هي ذوات الأذناب]
«فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ» فيعطي الضوء العظيم الذي تراه في أثره، و يبقي ذلك الضوء في أثره طريقا، و الشهب هي ذوات الأذناب تبدو لسرعة اندفاعها من الأثير الذي هو هواء محترق لا مشتعل، و هو متصل بالهواء، فإذا اتصل الأثير بالهواء بسرعة تحرك ذوات الأذناب، أثرت في أجزاء الهواء الرطبة اشتعالا، فبدت الكواكب ذوات الأذناب، و ذلك لسرعة اندفاعها تظهر في رأي العين تلك الأذناب.
[سورة الصافات (37): الآيات 11 الى 35]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَ يَسْخَرُونَ (12) وَ إِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (13) وَ إِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَ قالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (15)
أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَ أَنْتُمْ داخِرُونَ (18) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَ قالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (20)
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ وَ ما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23) وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (25)
بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَ ما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30)
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)
[هو توحيد التعجب]
هذا هو التوحيد السادس و العشرون في القرآن، و هو توحيد التّعجب، و هو توحيد اللّه لا الهوية، فقوله «يَسْتَكْبِرُونَ» أي يستعظمون ذلك و يتعجبون منه، فقالوا: (أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) أي الكثرة في عين الواحد، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فما أنكروه و لا ردوه بل استعظموه و استكبروه، و تعجبوا كيف تكون الأشياء شيئا واحدا؟ و استكبروا مثل هذا الكلام من مثل هذا الشخص، حيث علموا أنه منهم و ما شاهد إلا ما شاهدوه، فمن أين له هذا الذي ادعاه؟ فحجبهم الحس عن معرفة الاختصاص الإلهي.
[سورة الصافات (37): الآيات 36 الى 48]
وَ يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَ صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَ ما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40)
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَواكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45)
بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لا فِيها غَوْلٌ وَ لا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47) وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48)
فبالحياء قصر الطرف، فهن قاصرات الطرف، فلا يشاهدن في نظرهن أحسن من أزواجهن.
[سورة الصافات (37): الآيات 49 الى 55]
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ (53)
قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55)
هذه قصة الرجلين اللذين ذكرهما اللّه في سورة الكهف المضروب بهما المثل، و هو قوله تعالى: (وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) إلى آخر الآيات في قصتهما في الدنيا، و ذكر في الصافات حديثهما في الآخرة في قوله تعالى: «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ» و فيها ذكر المعاتبة و في قوله: «تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ» لما اطلع فرآه في سواء الجحيم، و هو قوله: (ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً)
فاعلم وفقنا اللّه و إياك أن درجات الجنة على عدد دركات النار، فما من درج إلا و يقابله درك من النار، و ذلك أن الأمر و النهي لا يخلو الإنسان إما أن يعمل بالأمر أو لا يعمل، فإذا عمل به كانت له درجة في الجنة معينة لذلك العمل خاصة، و في موازنة هذه الدرجة المخصوصة لهذا العمل الخاص إذا تركه الإنسان درك في النار، لو سقطت حصاة من تلك الدرجة من الجنة لوقعت على خط استواء في ذلك الدرك من النار،
فإذا سقط الإنسان من العمل بما أمر فلم يعمل، كان ذلك الترك لذلك العمل عين سقوطه إلى ذلك الدرك، قال تعالى: «فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ» فالاطلاع على الشيء من أعلى إلى أسفل، و السواء حد الموازنة على الاعتدال، فما رآه إلا في ذلك الدرك الذي في موازنة درجته، فإن العمل الذي نال به هذا الشخص تلك الدرجة تركه هذا الشخص الآخر الذي كان قرينه في الدنيا بعينه.
[سورة الصافات (37): آية 56]
قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56)
معاتبة على قوله له في الدنيا (ما أظن الساعة قائمة).
[سورة الصافات (37): آية 57]
وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)
[نصيحة: لا تصاحب إلا من ترى معه الزيادة في دينك]
– نصيحة- لا تصاحب أحدا إلا من ترى معه الزيادة في دينك، فإن نقص منه فاهرب منه كهروبك من الأسد بل أشد، فإن الأسد يهدم دنياك فيعطيك الدرجات، و قرين السوء يحرمك الدنيا و الآخرة.
[سورة الصافات (37): الآيات 58 الى 60]
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)
اعلم أن أحدا لا يؤاخذه على ما جناه سوى ما جناه، فهو الذي آخذ نفسه، فلا يلومن إلا نفسه، و من اتقى مثل هذا فقد فاز فوزا عظيما.
[سورة الصافات (37): آية 61]
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61)
إذ و لا بد من إضافة العمل إلينا، فإن اللّه أضاف الأعمال إلينا، و عيّن لنا محالها و أماكنها و أزمنتها و أحوالها، و أمرنا بها وجوبا و ندبا و تخييرا، كما أنه نهانا عزّ و جل عن أعمال معينة عيّن لها محالها و أماكنها و أزمانها و أحوالها، تحريما و تنزيها، و جعل لذلك كله جزاء بحساب و بغير حساب، من أمور ملذة و أمور مؤلمة، دنيا و آخرة، و خلقنا و خلق فينا من يطلب الجزاء الملذ و ينفر بالطبع عن الجزاء المؤلم.
[سورة الصافات (37): الآيات 62 الى 64]
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64)
ما ذكر اللّه تعالى في القرآن إلا ثمرات الجنة، فإنه جعلها منزل موافقة، و ذكر الشجرة في النار فقال: «إنها شجرة تخرج من أصل الجحيم» فإنها دار نزاع و تشاجر.
[سورة الصافات (37): الآيات 65 الى 67]
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67)
أهل النار يجوعون و يظمئون، لأن المقصود منهم أن يتألموا، فإنهم في دار بلاء فيأكلون عن جوع و يشربون عن عطش.
[سورة الصافات (37): الآيات 68 الى 89]
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (69) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72)
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) وَ لَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77)
وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82)
وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (83) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (85) أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87)
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)
إشارة إلى حكمة علوية صدرت من الاسم الحكيم.
[سورة الصافات (37): الآيات 90 الى 95]
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ (91) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (92) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94)
قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (95)
وقع التوبيخ بهذه الآية، و أخذوا بجهلهم حيث عبدوا من يعلمون أنه ليس بفاعل، فإن إضافة الفعل إلى المخلوقين فيه إشكال و لبس، و إن كانت القدرة التي للمخلوقين ذوي الأفعال لا تزيد على قدرة العابد إياهم، فهي قاصرة عن سريانها في جميع الأفعال، فإن القدرة الحادثة لا تخلق المتحيّزات من أعيان الجواهر و الأجسام، فعبدوا من لم يخلق أعيانهم، و لهذا وبخهم بقوله تعالى: (أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ) و بهذا القدر أخذ عبدة المخلوقين ذوي الأفعال.
[سورة الصافات (37): آية 96]
وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ (96)
رد الحق كل صورة في العالم تظهر عن الأسباب المنشئة لها إلى نفسه في الخلق، فقال في كل عامل «وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» فهو خالقك و خالق ما أضاف عمله إليك، فأنت العامل لا العامل، كما قال: (وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى) و العمل ليس لجسم الإنسان بما هو جسم،
و إنما العمل فيه لقواه، و قد أخبر أن العمل الذي يظهر من الإنسان المضاف إليه أنه للّه خلق، فالأعمال خلق للّه مع كونها منسوبة إلينا، فلم ينسبها إليه من جميع الوجوه، و أضاف العمل إلينا بهذا الحكم مع كون ذلك العمل خلقا له و إبداعا، و من ذلك تعلم أن ظاهر الشريعة ستر على حقيقة حكم التوحيد بنسبة كل شيء إلى اللّه، فأنت مكلّف من حيث وجود عينك، محل للخطاب، و هو العامل بك من حيث أنه لا فعل لك، إذ الحدث لا أثر له في عين الفعل، و لكن له حكم في الفعل، إذ كان ما كلفه الحق من حركة و سكون لا يعمله الحق إلا بوجود المتحرك و الساكن، فإن الحق تعالى عن الحركة و السكون أو يكون محلا لتأثيره في نفسه،
فقوله تعالى: «وَ ما تَعْمَلُونَ» أثبت بالضمير، و نفى بالفعل الذي هو خلق، أي خلق ما تعملون، فالعمل لك و الخلق للّه، فنسب العمل إليهم و إيجاده للّه تعالى، فإن أفعال العباد و إن ظهرت منهم لو لا اللّه ما ظهر لهم فعل أصلا، و الخلق قد يكون بمعنى الإيجاد و يكون بمعنى التقدير، كما أنه قد يكون بمعنى الفعل، و ما أضاف الحق إليه تعالى عين ما أضافه إليك إلا لتعلم أن الأمر الواحد له وجوه، فمن حيث ما هو عمل أضافه إليك و يجازيك عليه، و من حيث هو خلق هو للّه تعالى، فالعمل لك و الخلق للّه،
و بين الخلق و العمل فرقان في المعنى و اللفظ، فنسب اللّه الفعل للعبد و نسب الناس الفعل للمخلوق، و إن كان الحق أصاره إلى ذلك فصار، فنسبة صار تجعل الفعل للعبد، و نسبة أصار تجعل الفعل للّه، و ظهور الفعل من العبد المخلوق بالاختيار و القصد و المباشرة حقيقة مشهودة للبصر، و الفعل من المخلوق من كون الحق أصاره إلى ذلك فكان له كالآلة للفاعل، و الآلة هي المباشرة للفعل، و ينسب الفعل لغير الآلة بصرا و عقلا، و بهذا القدر تعلق الجزاء و التكليف لوجود الاختيار من الآلة، و هي مسئلة دقيقة في غاية الغموض، و لا دليل في العقل يخرج الفعل عن العبد، و لا جاء به نص من الشارع لا يحتمل التأويل، فالأفعال من المخلوقين مقدرة من اللّه، و وجود أسبابها كلها بالأصالة من اللّه، و ليس للعبد و لا لمخلوق فيها بالأصالة مدخل إلا من حيث ما هو مظهر لها،
و مظهر اسم فاعل و اسم مفعول، فما عمل أحد إلا ما أهّل له، ممن كبّره أو هلله، و ما هو إلا من حيث أنه محل لظهوره، و فتيلة لسراجه و نوره، يقول اللّه تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) و يقول و هو القائل على لسان عبده: [سمع اللّه لمن حمده] و يقول: [كنت سمعه الذي يسمع به و بصره و لسانه و يده و رجله و غير ذلك] قولا شافيا و بصره و لسانه و يده و رجله و غير ذلك] قولا شافيا، لأنه ذكر أحكامها فقال: [الذي يبطش بها و يسعى بها و يتكلم به و يسمع به و يبصر به و يعلم] و معلوم أنه يسمع بسمعه أو بذاته يسمع، و على كل حال فجعل الحق هويته عين سمع عبده و بصره و يده و غير ذلك، و الملك مع علمه بذلك يقول: (وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ) و الجن يقول: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) و الرسول يقول: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) و من الناس من يقول: (أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ) و السموات و الأرض و الجبال تأبى و تشفق من حمل الأمانة و تقول:
(أتينا طائعين) و قال الهدهد: (أحطت) علما (بما لم تحط به) و قالت نملة: (يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ) و قال اللّه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ) و قالت الجلود: (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) و قال: (وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) فما ترك شيئا من المخلوقات إلا و أضاف الفعل إليه، فما في العالم إلا من نسب الفعل إليه، أي إلى نفسه، مع علم العلماء باللّه أن الفعل للّه لا لغيره، و اللّه يقول: «وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» فأضاف العمل إليهم و هو خالقه و موجده،
أعني العمل، فهذه المسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلا، لا من جهة الكشف و لا من جهة الخبر، فالأمر مربوط بين حق و خلق، و ما ثمّ عقل يدلّ على خلاف هذا، و لا خبر إلهي في شريعة تخلص الفعل من جميع الجهات إلى أحد الجانبين، و ما ثمّ إلا كشف و شرع و عقل، و هذه الثلاثة ما خلصت شيئا و لا يخلص أبدا دنيا و لا آخرة- من باب الإشارة لا التفسير-
قال أهل الإشارة «ما» هنا نافية. فمن كرم اللّه سبحانه و تعالى أن يخلق في عباده طاعته و يثني عليهم بأنهم أطاعوا اللّه و رسوله، و ما بأيديهم من الطاعة شيء، غير أنهم محل لها، فمن كرمه أنه أثنى عليهم بخلق هذه الصفات و الأفعال فيهم و منهم، ثم أثنى عليهم بأن أضاف ذلك كله إليهم، إذ كانوا محلا للصفات المحمودة شرعا، فهذه أعظم آية وردت في ثبوت الحيرة في العالم، فمن وقف مع المقالة المشروعة و جعل لها الحكم على ما أعطاه النظر العقلي من نقيض ما دل عليه الشرع، فذلك السالم الناجي، و من زاد على الوقوف العمل بالتقوى، جعل اللّه له فرقانا يفرق به بين أصحاب النحل و الملل و ما تعطيه الأدلة العقلية، التي تزيل حكم الشرع عند القائل بها، فيتأولها ليردها إلى دليل عقله، فهو على خطر و إن أصاب، فعليك بفرقان التقوى فإنه عن شهود و صحة وجود
[لطيفة «وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» فهو العامل]
– لطيفة- «وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» فهو العامل، فالعارف يبذل المجهود و هو على بينة من ربه أن اللّه هو العامل لما هو العبد له عامل، و لو لا ذلك ما كان التكليف، فلا بد من نسبة في العمل للعبد، فالنسبة إلى الخلق و العمل للحق، فهو تشريف، أعني إضافة العمل إليه، سواء شعر بذلك العبد أو لم يشعر. و اعلم أنه ما من عمل إلا و هو أمر وجودي، و ما من أمر وجودي إلا و هو دلالة على وجود اللّه و توحيده، سواء كان ذلك الأمر مذموما عرفا و شرعا أو محمودا عرفا و شرعا، و التوحيد المؤثر في إزالة حكم الشريعة كمن ينسب الأفعال كلها إلى اللّه من جميع الوجوه، فلا يبالي فيما يظهر عليه من مخالفة أو موافقة، فمثل هذا التوحيد يجب التنزيه منه لظهور هذا الأثر، فإنه خرق للشريعة و رفع لحكم اللّه،
فالأعمال خلق للّه مع كونها منسوبة إلينا، فلم تنسب إليه من كل الوجوه، فإن اللّه تعالى خلق الأفعال كلها، ثم قسمها إلى محمود و مذموم، فانظر حيث يقيمك، فإن أقامك في مذموم فاعلم أنك في الوقت ممقوت، فاستدرك بالإزالة و التفرغ و الإنابة، و إذا أقامك في محمود فاعلم أنك في الوقت محبوب، فإن فعلت ما لا يرضي الحق منك فارجع على نفسك بالمذمة و التقصير، فأنت مأجور في هذه الشركة، بل هو حقيقة التوحيد، فإن توحيدا بغير أدب ليس بتوحيد، فإن لم تر العيب من نفسك، و لا رجعت عليها بالذم، و لا ندمت على فعلك، لم يصح لك توبة، و إذا لم تتب لم تكن محبوبا و لا تنفعك تلك الحقيقة في الدنيا و لا في الآخرة
[إشارة: إذا تركت ما للّه عند اللّه كنت راشدا]
– إشارة- كما أن الإنسان إذا ترك ما للناس عند الناس أحبه الناس، كذلك إذا تركت ما للّه عند اللّه و لم تطمع فيه، و لا أضفت شيئا إلى نفسك من جميع أفعالك، كنت على الحقيقة زاهدا و على التوحيد راشدا.
[سورة الصافات (37): الآيات 97 الى 102]
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101)
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)
[لم ابتلي إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه]
اعلم أن رؤيا الأنبياء وحي، و لكنه إذا رأى صاحب الرؤيا سواء كان نبيا أو غير نبي الأمر كما هو في نفسه فليس بحلم، و إنما ذلك كشف لا حلم، سواء كان في نوم أو يقظة، كما أن الحلم قد يكون في اليقظة كما هو في النوم، كصورة دحية التي ظهر بها جبريل عليه السلام في اليقظة، فدخلها التأويل، و لا يدخل التأويل النصوص، فالحلم في النوم يفسد المعنى عن صورته، لأنه ألحقه بالحس و ليس بمحسوس حتى يراه من لا علم له بأصله فيحكم عليه بما رآه من الصورة التي رآه عليها، و يجيء العارف بذلك فيعبر تلك الصورة إلى المعنى الذي جاءت له و ظهر بها، فيردها إلى أصلها، كما أفسد الحلم العلم فأظهره في صورة اللبن و ليس بلبن،
فرده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بتأويل رؤياه إلى أصله و هو العلم، فجرد عنه تلك الصورة، كذلك قول إبراهيم لابنه و قد رأى أنه يذبح ابنه، فأخذ بالظاهر على أن الأمر كما رآه، و ما كان إلا الكبش، و هو الذبح العظيم ظهر في صورة ابنه، فرأى أنه يذبح ابنه فذبح الكبش، فهو تأويل رؤياه على غير علم منه قال إبراهيم عليه السلام لابنه «إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ» و المنام حضرة الخيال، فلم يعبرها و كان كبشا ظهر في صورة ابن إبراهيم عليه السلام في المنام، فصدق إبراهيم الرؤيا، لأن الأنبياء يعطون العلم في مرائيهم، العلم في نفس الرؤيا،
فيستغنون عن التأويل لوجود النص في الخطاب البرزخي، و لذلك لم يحتج إبراهيم إلى تأويل، بل قال: «إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ» و لذلك قال تعالى: (وَ فَدَيْناهُ) يعني تلك الصورة، و هي ابنه التي رآها إبراهيم عليه السلام، و لما بشر إبراهيم عليه السلام في إجابة دعائه في قوله: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) ابتلي فيما بشّر به لأنه سأل من اللّه سواه، و اللّه غيور، فابتلاه بذبحه و هو أشد عليه من ابتلائه بنفسه،
و ذلك أنه ليس له في نفسه منازع سوى نفسه، فبأدنى خاطر يردها فيقل جهاده، و ابتلاؤه بذبح ابنه ليس كذلك، لكثرة المنازعين فيه، فيكون جهاده أقوى، و لما ابتلي بذبح ما سأله من ربه، و تحقق نسبة الابتلاء و صار بحكم الواقعة، فكأنه قد ذبح و إن كان حيا، بشّر بإسحاق عليه السلام من غير سؤال، فجمع له بين الفداء و بين البدل مع بقاء المبدل منه، فجمع له بين الكسب و الوهب، فالذبح مكسوب من جهة السؤال و موهوب من جهة الفداء، فإن فداءه لم يكن مسئولا، و إسحاق موهوب، فلما كان إسماعيل قد جمع له بين الكسب و الوهب في العطاء، فكان مكسوبا موهوبا لأبيه فكانت حقيقة كاملة، لذلك كان محمد صلّى اللّه عليه و سلم في صلبه، فكانت في شريعتنا ضحايانا فداء لنا من النار.
[سورة الصافات (37): آية 103]
فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)
[إشارة: بادر إبراهيم إلى ضيافة ربه بولده]
– إشارة- اتخذ إبراهيم عليه السلام ابنه قربانا، ليصح كرمه حقيقة و برهانا، فإنه قصد قرى الواحد المالك، و ذلك أنه لما نزل إلى قلبه، تعينت عليه ضيافة ربه، و لم يضفه بنفسه دون غيره، لأنه لم يكن له فيها منازعون ينازعونه، فإن نفسه لم يكن له فيها منازع، و أما الولد فكانت أمه تنازعه فيه، و النفس تنازع فيه من نسبة الأبوة، و العجلة من الشيطان إلا في خمسة، منها تقديم الطعام للضيف، لذا بادر إبراهيم إلى ضيافة ربه بولده.
[سورة الصافات (37): الآيات 104 الى 105]
وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)
و ما قال له: صدقت في الرؤيا أنه ابنك، لأنه ما عبّرها، بل أخذ بظاهر ما رأى، و الرؤيا تطلب التعبير، فلو صدق في الرؤيا لذبح ابنه، و إنما صدق الرؤيا في أن ذلك عين ولده، و ما كان عند اللّه إلا الذبح العظيم في صورة ولده.
[سورة الصافات (37): آية 106]
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106)
أي الاختبار المبين، أي الظاهر، و يعني الاختبار في العلم، هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير أم لا؟ لأنه يعلم أن موطن الخيال يطلب التعبير، فما وفّى الموطن حقه و صدّق الرؤيا، و كل عذاب في الدنيا يكون بلاء، إذ كانت دار اختبار.
[سورة الصافات (37): آية 107]
وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)
«وَ فَدَيْناهُ» من أسر الهلاك يعني تلك الصورة و هي ابنه التي رآها إبراهيم عليه السلام «بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» و هو الكبش ففداه ربه بالذبح العظيم الذي هو تعبير رؤيا إبراهيم عليه السلام عند اللّه و هو لا يشعر، فالتجلي الصوري في حضرة الخيال يحتاج إلى علم آخر، فجعل اللّه الكبش قيمة روح نبي مكرم، و عظّمه و جعله فداء ولد إبراهيم، نبي ابن نبي، فليس في الحيوان بهذا الاعتبار أرفع درجة من الغنم، و هي ضحايا هذه الأمة.
| فداء نبي ذبح ذبح لقربان | و أين ثؤاج كبش من نوس إنسان | |
| و عظّمه اللّه العظيم عناية | بنا أو به لم أدر من أي ميزان | |
| و لا شك أن البدن أعظم قيمة | و قد نزلت عن ذبح كبش لقربان | |
| فيا ليت شعري كيف ناب بذاته | شخيص كبيش عن خليفة رحمان | |
[سورة الصافات (37): الآيات 108 الى 138]
وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112)
وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَ هارُونَ (114) وَ نَجَّيْناهُما وَ قَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَ نَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116) وَ آتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117)
وَ هَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَ تَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119) سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ (120) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)
وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ (124) أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ رَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127)
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ (130) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)
وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137)
وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (138)
أي تعلمون منهم في الصباح ما تعلمون منهم في الليل، فالليل و الصباح عندهم سواء في العبرة، فهذا معنى قوله «أَ فَلا تَعْقِلُونَ».
[سورة الصافات (37): الآيات 139 الى 145]
وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ (145)
[لم يولد أحد من ولد آدم ولادتين سوى يونس عليه السلام]
استجاب اللّه ليونس عليه السلام دعاءه، فنجاه من الغم من ظلمة بطن الحوت و البحر، فقذفه الحوت من بطنه، فلم يولد أحد من ولد آدم ولادتين سوى يونس عليه السلام، فخرج ضعيفا كالطفل كما قال: «وَ هُوَ سَقِيمٌ» و رباه باليقطين، فإن ورقه ناعم و لا ينزل عليه الذباب فقال.
[سورة الصافات (37): آية 146]
وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146)
فإن ورق اليقطين مثل القطن في النعومة، بخلاف سائر ورق الأشجار كلها، فإن فيها خشونة، فمن لطفه تعالى أنبت عليه شجرة من يقطين، إذ خرج كالفرخ، فلو نزل عليه الذباب آذاه.
[سورة الصافات (37): آية 147]
وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)
فجاء بأو التي للشك، و هذا محال على اللّه تعالى، فلما نزل الحق في جماله في هذه الآية مباسطة معنا، و الشك منوط بنا، فقام للعبد ضرب من المناسبة، فإن كان العبد جاهلا حمل ربه على نفسه و وصفه بالشك فضلّ، و إن كان محققا هرب إلى قوله تعالى (وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) فوقف على سر ذلك، و ألحق الشك بالرؤية البشرية المعتادة على الخطاب المتعارف بين العرب بالكثرة، فيعود الشك على المخلوق، و إن أراد إحصاء العدد و أراد أن ينزه نفسه من غير الوجه الذي نزه بارئه، فليأخذها على إرادة الكثرة لا عن العدد، و إن كانت لا تخلو عن عدد محقق، و لكن لم يرد القائل هنا الإعلام بتعيين العدد، و إنما تعلقت الإرادة بالإعلام بالكثرة، فهذه الصيغة إذا كانت المتعارفة بين المرسل إليهم لا يريدون بها الوقوف على عدد محقق.
[سورة الصافات (37): آية 148]
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (148)
«فَآمَنُوا» أرضى اللّه تعالى يونس عليه السلام في أمته فنفعها إيمانها و لم يفعل ذلك مع أمة قبلها «فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ» لما اشتد البلاء على قوم يونس، و كانت اللحظة الزمانية عندهم في وقت رؤية العذاب كالسنة أو أطول، ذكر أنه تعالى جعل في مقابلة هذا الطول الذي وجدوه في نفوسهم أن متعهم إلى حين، فبقوا في نعيم الحياة زمنا طويلا لم يكن يحصل لهم لو لا هذا البلاء، فانظر ما أحسن إقامة الوزن في الأمور، و قد قيل إن الحين الذي جعله غاية تمتعهم أنه القيامة و اللّه أعلم.
[سورة الصافات (37): الآيات 149 الى 150]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ (150)
أنكر اللّه على المشركين نسبة الأنوثة إلى الملائكة بقوله: «أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ».
[سورة الصافات (37): الآيات 151 الى 153]
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)
جعلت هذه الطائفة للّه ما يكرهون، فقالوا الملائكة بنات اللّه، فحكموا عليه بأنه اصطفى البنات على البنين، فتوجه عليهم الحكم بالإنكار في حكمهم، مع كونهم يكرهون ذلك لنفوسهم.
[سورة الصافات (37): الآيات 154 الى 158]
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (157) وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158)
يعني بالجنة هنا الملائكة، فإن اللّه تعالى لما خلق الأرواح النورية و النارية أعني الملائكة و الجان، شرّك بينهما في أمر و هو الاستتار عن أعين الناس، مع حضورهم معهم في مجالسهم و حيث كانوا، و لهذا سمى اللّه الطائفتين من الأرواح جنا، أي مستورين عنا فلا نراهم، فقال تعالى في الذين قالوا إن الملائكة بنات اللّه «وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً» و الجنة من الملائكة هم الذين يلازمون الإنسان و يتعاقبون فينا بالليل و النهار و لا نراهم عادة،
و إذا أراد اللّه عزّ و جل أن يراهم من يراهم من الإنس من غير إرادة منهم لذلك، رفع اللّه الحجاب عن عين الذي يريد اللّه أن يدركهم، فيدركهم، و قد يأمر اللّه الملك و الجن بالظهور لنا فيتجسدون لنا فنراهم، أو يكشف اللّه الغطاء عنا فنراهم رأي العين، فقد نراهم أجسادا على صور، و قد نراهم لا على صور بشرية بل نراهم على صور أنفسهم «وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ» الجنة هنا قد تكون الملائكة و الشياطين، فإن الملائكة رسل من اللّه إلى الإنسان موكلون به، حافظون كاتبون أفعالنا، و الشياطين مسلطون على الإنسان بأمر اللّه، فهم مرسلون إلينا من اللّه.
[سورة الصافات (37): الآيات 159 الى 164]
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ (161) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (162) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163)
وَ ما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164)
[إشارة: من قول الملائكة (وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ)]
فمنهم أهل العروج بالليل و النهار، من الحق إلينا و منا إلى الحق، في كل صباح و مساء، و ما يقولون إلا خيرا في حقنا، و منهم المستغفرون لمن في الأرض، و منهم المستغفرون للمؤمنين لغلبة الغيرة الإلهية عليهم كما غلبت الرحمة على المستغفرين لمن في الأرض، و منهم الموكلون بإيصال الشرائع، و منهم أيضا الموكلون باللمات، و منهم الموكلون بالإلهام و هم الموصلون العلوم إلى القلوب، و منهم الموكلون بالأرحام، و منهم الموكلون بتصوير ما يكوّن اللّه في الأرحام، و منهم الموكلون بنفخ الأرواح، و منهم الموكلون بالأرزاق، و منهم الموكلون بالأمطار،
و ما من حادث يحدث اللّه في العالم إلا و قد وكّل اللّه بإجرائه ملائكة، كما منهم أيضا الصافات و الزاجرات و التاليات و المقسمات و المرسلات و الناشرات و النازعات و الناشطات و السابقات و السابحات و الملقيات و المدبرات، و هم جميعا تحت سلطان الولاة الاثني عشر، ملائكة البروج، فإنهم ينفذون أوامر اللّه في خلقه، و من ذلك في عروج الرسول صلّى اللّه عليه و سلم لما وصل إلى المقام الذي لا يتعداه البراق،
و ليس في قوته أن يتعداه، تدلى إلى الرسول الرفرف فنزل عن البراق و استوى على الرفرف و صعد به الرفرف، و فارقه جبريل، فسأله الصحبة فقال: إنه لا يطيق ذلك، و قال له «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» فبالمقامات فضل اللّه كل صنف بعضه على بعض، فاعترفت الملائكة بأن لهم حدودا يقفون عندها لا يتعدونها، و ذلك أن كل واحد منهم على شريعة من ربه متعبد بعبادة خاصة،
و من ذلك يعلم أن الملائكة مع كونها لها مقامات معلومة لا تتعداها، لها الترقي بالعلم لا بالعمل، و قد عرفنا اللّه تعالى أنه علّمهم الأسماء على لسان آدم عليه السلام، فزادهم علما إلهيا لم يكن عندهم- إشارة- اعلم أن الملائكة قالت «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» و هكذا كل موجود ما عدا الثقلين، و إن كان الثقلان أيضا مخلوقين في مقامهما، غير أن الثقلين لهما في علم اللّه مقامات معينة مقدرة عنده غيبت عنهما، إليها ينتهي كل شخص منهما بانتهاء أنفاسه،
فآخر نفس هو مقامه المعلوم الذي يموت عليه، و لهذا دعوا إلى السلوك فسلكواعلوا بإجابة الدعوة المشروعة، و سفلا بإجابة الأمر الإرادي من حيث لا يعلمون إلا بعد وقوع المراد، فكل شخص من الثقلين ينتهي في سلوكه إلى المقام المعلوم الذي خلق له، و منهم شقي و سعيد، و كل موجود سواهما فمخلوق في مقامه فلم ينزل عنه، فلم يؤمر بسلوك إليه لأنه فيه، من ملك و حيوان و نبات و معدن، فهو سعيد عند اللّه لا شقاء يناله، فقد دخل الثقلان في قول الملائكة «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» عند اللّه،
و لا يتمكن لمخلوق من العالم أن يكون له علم بمقامه إلا بتعريف إلهي، لا بكونه فيه، فإن كل سوى اللّه ممكن، و من شأن الممكن أن لا يقبل مقاما معينا لذاته، و إنما ذلك لمرجحه بحسب ما سبق في علمه به، و لذلك يقال في الثقلين: إن المقامات مكاسب، و هي استيفاء الحقوق المرسومة شرعا على التمام، فإذا قام العبد في الأوقات بما تعين عليه من المعاملات و صنوف المجاهدات و الرياضات التي أمره الشارع أن يقوم بها، و عيّن نعوتها و أزمانها و ما ينبغي لها، و شروطها التمامية و الكمالية الموجبة صحتها، فحينئذ يكون صاحب مقام.
[سورة الصافات (37): الآيات 165 الى 166]
وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)
أثنت الملائكة على أنفسهم بعد معرفتهم و تعريفهم بمقامهم.
[سورة الصافات (37): الآيات 167 الى 171]
وَ إِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)
بما سبقت به المشيئة، فقد سبقت المشيئة بما سبقت، و ما تعلقت المشيئة الإلهية بكونه فلا بد من كونه، فالخاتمة هي عين السابقة، و إنما سميت سابقة من أجل تقديمها على الخاتمة.
[سورة الصافات (37): الآيات 172 الى 173]
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173)
[ «وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» الآية]
«لَهُمُ الْغالِبُونَ» لمن نازعه في ملكه، و هنا أضاف الحق الجند إلى نفسه بضمير الكناية عن ذاته، و لم يصرح باسم إلهي معيّن منصوص عليه، اكتفاء بتسميتهم جندا، و الأجناد لا تكون إلا للملك، فالإضافة إليه سبحانه من اسمه الملك، فهم عبيد الملك، و بيّن أنهم أهل عدة، إذ كانت العدة من خصائص الأجناد التي تقع بها الغلبة على الأعداء، و الأعداء الذين في مقابلة هؤلاء الأجناد الشياطين و الأهواء و المصارف المذمومة كلها،
و سلطانهم الهوى، و عدة هؤلاء الجند التقوى و المراقبة و الحياء و الخشية و الصبر و الافتقار، و الميدان الذي يكون فيه المصاف و المقابلة إذا تراءى الجمعان بينهم و بين الأعداء، هو العلم في حق بعض الأجناد، و الإيمان في حق بعضهم، و العلم و الإيمان معا في حق الطبقة الثالثة من الجند، و الآلة التي يدفع بها العدو المنازع هو الدليل القطعي من جهة النظر عند العلماء بتوحيد اللّه، أو بخرق العادة عند أهل الإيمان الذين لهم علم ضروري يجدونه في أنفسهم، فتقوم لهم خرق العوائد مقام الأدلة للعالم،
فيدفعون بخرق العوائد أعداء اللّه و أعداءهم كما يدفعه صاحب الدليل، و كل شخص يقدر على دفع عدو بآلة تكون عنده فهو من جنده سبحانه و تعالى، الذين لهم الغلبة و القهر، و هو التأييد الإلهي الذي به يقع ظهورهم على الأعداء، و أما قوله تعالى: «لَهُمُ الْغالِبُونَ» الذين لا يغلبون؛ فمنهم الريح العقيم، و منهم الطير التي أرسلت على أصحاب الفيل، و كذلك كل جند ليس لمخلوق فيه تصرف، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [نصرت بالصبا] و قال: [نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر] و تختلف الجند،
فإن جند الرياح ما هي جند الطير، ما هي جند المعاني الحاصلة في نفوس الأعداء كالروع و الجبن، و منته كل جند إلى فعله الذي وجّه إليه من حصار قلعة و ضرب مصاف أو غارة أو كبسة، كل جند له خاصية في نفس الأمر لا يتعداها، قال تعالى في الطير (تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ) و قال في الريح (ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) و قال في الرعب (وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ).
[سورة الصافات (37): الآيات 174 الى 177]
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَ أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177)
كان النبي صلّى اللّه عليه و سلم لا يغير على مدينة إذا جاءها ليلا حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك و إلا أغار، و كان يتلو إذا لم يسمع أذانا [إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين] فلو أجمع أهل مدينة على ترك سنة وجب قتالهم، و لو تركها واحد لم يقتل.
[سورة الصافات (37): الآيات 178 الى 180]
وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180)
[تنزيه الحق عن وصف الواصفين]
– الوجه الأول- الخطاب لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم في حق كل ناظر في صفات اللّه، فيقول له «سُبْحانَ رَبِّكَ» لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم ضمير هذا الكاف، أي ربك الذي أرسلك إليهم، لتعرفهم بما أرسلك به إليهم و أنزله بوساطتك عليهم «رَبِّ الْعِزَّةِ» العزة الامتناع، و التسبيح تنزيه، و التنزيه بعد عما نسب إليه من الصاحبة و الولد، فذكر سبحانه أنّه امتنعت ذاته أن تكون محلا لما وصفه به الملحدون، فإن العزة المنع، فالحق منزه الذات لنفسه، ما تنزه بتنزيه عبده إياه، و تنزيه الخلق الحق إنما هو علم لا عمل،
إذ لو كان التنزيه من الخلق إلههم عملا لكان اللّه الذي هو المنزّه سبحانه محلا لأثر هذا العمل، فكان قوله تعالى: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ» أي هو الممتنع لنفسه أن يقبل ما وصفوه به في نظرهم و حكموا عليه بعقولهم، و أن الحق لا يحكم عليه الخلق، و العقل و العاقل خلق، و إنما يعرف الحق من الحق بما أنزله إلينا أو أطلعنا عليه كشفا و شهودا، بوحي إلهي، أو برسالة رسول ثبت صدقه و عصمته فيما يبلغه عن اللّه، فدخل تحت قوله تعالى في تنزيه نفسه «عَمَّا يَصِفُونَ» العياذ برب العزة عما يصفون، يريد مما يطلق عليه مما لا ينبغي لجلاله من الصاحبة و الولد و الأنداد، و عما يصفه به عباده مما تعطيهم أدلتهم في زعمهم بالنظر الفكري، فالفيلسوف نفى عن الحق العلم بمفردات العالم الواقعة في الحس، لأن حصول هذا العلم على التعيين إنما هو للحس و اللّه منزه عن الحواس،
و أما المتكلم الأشعري فانتقل من تنزيهه عن التشبيه بالمحدث إلى التشبيه بالمحدث، فقال مثلا في استوائه على العرش: إنه يستحيل عليه أن يكون استواؤه استواء الأجسام لأنه ليس بجسم، لما في ذلك من الحد و المقدار و طلب المخصص المرجح للمقادير، فيثبت له الافتقار، بل استواؤه كاستواء الملك على ملكه، و أنشدوا في ذلك استشهادا على ما ذهبوا إليه من الاستواء.
| قد استوى بشر على العراق | من غير سيف و دم مهراق | |
فشبهوا استواء الحق على العرش باستواء بشر على العراق، و استواء بشر محدث، فشبهوه بالمحدث، و القديم لا يشبه المحدث، فقال تعالى تنزيها «عَمَّا يَصِفُونَ» من حيث نظرهم، و استدلوا بعقولهم أن العلم باللّه لا يقبل التحول إلى الجهل و لا الدخول عليه، و ما من دليل عقلي إلا و يقبل الدخل و الشبهة، و لهذا اختلف العقلاء، فكل واحد من المخالفين عنده دليل مخالفه شبهة لمخالفه، لكونه خالف دليل هذا الآخر، فعين أدلتهم هي عين شبهاتهم، فأين الحق؟ و أين الثقة؟
و أصل الفساد إنما وقع من حيث حكّموا الخلق على الحق الذي أوجدهم، فمن وصف الحق إنما وصف نفسه، و لا يعرف منه إلا نفسه، لأن رب العزة لا يعيّنه وصف، و لا يقيده نعت، و لا يدل على حقيقته اسم خاص، و إن لم يكن الحكم ما ذكرناه فما هو رب العزة، فإن العزيز هو المنيع الحمى، و من يوصل إليه بوجه ما من وصف أو نعت أو علم أو معرفة فليس بمنيع الحمى، و لذلك عمم بقوله «عَمَّا يَصِفُونَ» فالعلم بالسلب هو العلم باللّه سبحانه، و للّه الأسماء ما له الصفات، فإنه تنزه عن الصفة لا عن الاسم،
فالحق سبحانه لا يعرف في ليس كمثله شيء، و فيما ذكره في سورة الإخلاص، و في عموم قوله بالتسبيح الذي هو التنزيه «رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» و العزة تقتضي المنع أن يوصل إلى معرفته، و إن كان تعبدنا بما وصف به نفسه شرعا، فنقرره في موضعه و نقوله كما أمرنا به على جهة القربة إليه، و ما ظفر بالأمر إلا من جمع بين التنزيه و التشبيه، فقال بالتنزيه من وجه عقلا و شرعا، و قال بالتشبيه من وجه شرعا لا عقلا، و الشهود يقضي بما جاءت به الرسل إلى أممها في اللّه، فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر، فكل واصف فإنما هو واقف مع نعت مخصوص، فينزه اللّه نفسه عن ذلك النعت من حيث تخصيصه، لا من حيث أنه له،
فإن له أحدية المجموع لا أحدية كل واحد من المجموع، و الواصف إنما يصفه بأحدية كل واحد من المجموع، فهو المخاطب أعني من نعته بذلك، بقوله «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» لذلك ما ورد خبر بالصفات، لما فيها من الآفات، أ لا ترى من جعله موصوفا، كيف يقول: إن لم يكن كذلك كان مئوفا، و ما علم أن الذات إذا قام كمالها على الوصف، فإنه حكم عليها بالنقص الخالص الصرف، من لم يكن كماله لذاته، افتقر بالدليل في الكمال إلى صفاته، و صفاته ما هي عينه، فقد جهل القائل: إن الصفة كونه، فقال تعالى: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ»
القائل: إن الصفة كونه، فقال تعالى: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» فأوقف العالم في مقام الجهل و العجز و الحيرة، ليعرف العارفون ما طلب منهم من العلم به، و ما لا يمكن أن يعلم، فيتأدبون و لا يتجاوزون مقاديرهم، كما قالت اليهود في الخبر النبوي المشهور: من كون الحق يضع الأرض يوم القيامة على إصبع و السموات على إصبع- الحديث- فقرأ النبي صلّى اللّه عليه و سلم (ما قدروا اللّه حق قدره) فصاحب علم النظر الواقف مع عقله، المتحكم على الحق بدليله، هيهات أن يدرك الألوهية، و أين الألوهية من الكون؟! و أين المحدث من حضرة العين؟! كيف يدرك من له شبه من لا شبه له؟
للعقل عقل مثله، و ليس للحق حق مثله، محال وجود ذاتين و إلهين، لا يشبه شيئا، و لا يتقيد بشيء، و لا يحكم عليه شيء، بل ما يضاف إليه إلا بقدر ما تمس حاجة الممكن المقيّد إليه، فالعقل ما عرفه، كيف يلتمس بأمر هو خلقه عاجزا فقيرا مستمدا؟ تعالى اللّه عن إدراك المدركين علوا كبيرا «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فلا يطلب بالعقول، ما لا يصح إليه الوصول-
الوجه الثاني- اعلم أن عين العبد لا تستحق شيئا من حيث عينه، لأنه ليس بحق أصلا، و الحق هو الذي يستحق ما يستحق، فجميع الأسماء التي في العالم و يتخيل أنها حق للعبد حق للّه، فالاستحقاق بجميع الأسماء الواقعة في الكون الظاهرة الحكم إنما يستحقها الحق، و العبد يتخلق بها، و ليس للعبد سوى عينه، و لا يقال في الشيء: إنه يستحق عينه، فإن عينه هويته، فلا حق و لا استحقاق، و كل ما عرض أو وقع عليه اسم من الأسماء إنما وقع على الأعيان من كونها مظاهر، فما وقع اسم إلا على وجود الحق في الأعيان، و الأعيان على أصلها لا استحقاق لها، فالوجود للّه و ما يوصف به من أية صفة كانت إنما المسمى بها هو مسمى اللّه،
فهو المسمى بكل اسم و الموصوف بكل صفة و المنعوت بكل نعت، و لذلك قال: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» من أن يكون له شريك في الأسماء كلها، فالكل أسماء اللّه، أسماء أفعاله أو صفاته أو ذاته، فما في الوجود إلا اللّه، و الأعيان معدومة في عين ما ظهر فيها، فالصفات للّه حقيقة جهلنا معناها بالنسبة إليه، و عرفنا معناها بالنسبة إلينا،
من وجه معرفتنا بمعناها إذا نسبت إلينا، و من كون الباري اتصف بها على طريقة مجهولة عندنا، فلا نعرف كيف ننسبها إليه لجهلنا بذاته، فتكون أصلا فيه عارضة فينا، فلا نستحق شيئا لا من أسمائه و لا مما نعتقد فيها أنها أسماؤنا، و هذا موضع حيرة و مزلة قدم، إلا لمن كشف اللّه عن بصيرته، فقوله تعالى فيما وصف به نفسه مما هو عند النظار صفة للخلق حقيقة و أخذوه في اللّه تجوزا، من جوع و ظمأ و مرض و غضب و رضى و سخط و تعجب و فرح و تبشبش، إلى قدم و يد و عين و ذراع، و أمثال ذلك،
مما وردت به الأخبار عن اللّه على ألسنة الرسل، و ما ورد من ذلك في الكلام المنسوب إلى اللّه المعبر عنه بصحيفة و قرآن و فرقان و توراة و إنجيل و زبور، فالأمر عند المحققين أن هذه كلها صفات حق لا صفات خلق، و أن الخلق اتصف بها مزاحمة للحق، كما اتصف العالم أيضا بجميع الأسماء الإلهية الحسنى، فالكل أسماؤه من غير تخصيص، هذا مذهب المحققين فيه فإنه صادق، و لهذا نحن في ذلك على التوقيف، فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه، و لا نسميه إلا بما سمى به نفسه،
لا نخترع له اسما، و لا نحدث له حكما، و لا نقيم به صفة- الوجه الثالث- «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» هي حضرة لا تقبل التنزيه و لا التشبيه، فيتنزه عن الحد بنفي التنزيه الذي كان يتخيله المنزه، فإن التنزيه يحدّه و يشير إليه و يقيده، و يتنزه عن المقدار بنفي التشبيه- الوجه الرابع- التسبيح تنزيه ما هو ثناء بأمر ثبوتي، لأنه لا يثنى عليه إلا بما هو أهل له، و ما هو له لا يقع فيه المشاركة، و ما أثني عليه إلا بأسمائه، و ما من اسم له سبحانه عندنا معلوم إلا و للعبد التخلق به و الاتصاف به على قدر ما ينبغي له، فلما لم يتمكن في العالم أن يثنى عليه بما هو أهله،
جعل الثناء عليه تسبيحا من كل شيء، و لهذا أضاف الحمد إليه فقال (يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) أي بالثناء الذي يستحقه و هو أهله، و ليس إلا التسبيح، فإنه سبحانه يقول «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» و العزة المنع من الوصول إليه بشيء من الثناء عليه الذي لا يكون إلا له، عما يصفون، و كل مثن واصف، فذكر سبحانه تسبيحه على كل حال و من كل عين.
[سورة الصافات (37): آية 181]
وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181)
و هم المرحومون السالمون، فما جاءت الرسل عليهم السلام إلا بما أحالته الأدلة النظرية و بما أثبتته، فصدّق أهل النظر في نظرهم، و أكذبهم في نظرهم، فوقعت الحيرة عند أرباب النظر، فإذا سلّموا له ما قاله عن نفسه على ألسنة رسله، و انقادوا إليهم، فإن انقيادهم ينزلهم منزلتهم، فإنهم ما انقادوا إليهم من حيث أعيانهم، فإنهم أمثالهم، و إنما انقادوا إلى الذي جاءوا من عنده، و نقلوا عنه ما أخبر به عن نفسه على ما يعلم نفسه، لا على تأويل من وصل إليه ذلك، فلا يعلم مراد اللّه فيه إلا بإعلام اللّه، فيقف الناظر موقف التسليم لما ورد، مع فهمه فيه أنه على موضوع ما،
هو في ذلك اللسان الذي جاء به هذا الرسول لا بد من ذلك، لأنه ما جاء به بهذا اللسان إلا لنعرف أنه على حقيقة ما وضع له ذلك اللفظ في ذلك اللسان، و لكن تجهل النسبة، فنسلم إليه علم النسبة مع عقلنا الأدلة بالوضع الاصطلاحي في ذلك اللحن الخاص، فننقاد إليه كما انقاد المرسلون، و لهذا قال «عَلَى الْمُرْسَلِينَ» أي واجب عليهم الانقياد بقوله «و سلام» فنكون أمثالهم، ثمّ قال:
[سورة الصافات (37): آية 182]
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182)
و الحمد للّه أي عواقب الثناء إذ كل ما جاءوا به إنما قصدوا به الثناء على اللّه، فعواقب
[إشارة: الحمد للّه]
الثناء على اللّه بما نزه نفسه عنه و بما نزهه العباد به، فإن الحمد العاقب، فعواقب الثناء ترجع إلى اللّه، و عاقب الأمر آخره «رَبِّ الْعالَمِينَ» من حيث ثبوته في ربوبيته بما يستحقه الرب من النعوت المقدسة، و هو سيد العالم و مربيهم و مغذيهم و مصلحهم، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، و من سياق الآيات دل على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حمد اللّه رب العالمين عقيب نصره و ظفره بخيبر، فهو حمد نعمة- إشارة- «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» جاءت في أول سورة الفاتحة، و في وسط سورة يونس، و في آخر سورة الصافات، فعمت الطرفين و الواسطة.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 501