تفسیر ابن عربی سوره الذاريات

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الذاريات

(51) سورة الذاريات مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ أقسم تعالى بأنواع أخرى من الملائكة المسخرات، و الوكلاء على ما يخلقه من التكوينات فقال:

[سورة الذاريات (51): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً (1)

«وَ الذَّارِياتِ» نوع من الملائكة المسخرة في الهواء، العاصفات السائقات، و قيل هم الملائكة عمار كرة الماء.

[سورة الذاريات (51): آية 2]

فَالْحامِلاتِ وِقْراً (2)

«فَالْحامِلاتِ» المعصرات‏ «وِقْراً» ثقلا، و من جملة الحاملات الحوامل من العالم، كالأرض و السحاب و النساء و جميع الأناثي، و ما تحمله الكتب في حروفها من المعاني.

[سورة الذاريات (51): الآيات 3 الى 4]

فَالْجارِياتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (4)

بالتفصيل و التصوير و الترتيب، و هم من ملائكة الكرسي، حيث انقسمت الكلمة الواحدة التي هي في العرش واحدة، فهي رحمة واحدة إليها مآل كل شي‏ء، انقسمت في الكرسي موضع القدمين إلى رحمة و غضب مشوب برحمة، فهذا الصنف من الملائكة المقسمات أمرا لا يعرفون أحدية و إن كانت فيهم، فإن اللّه وكلهم بالتقسيم مع الأنفاس، فحيل بينهم و بين مشاهدة الوحدات، فأية وحدة تجلت لهم قسموها بالحكم، فلا يشهدون إلا القسمة في كل شي‏ء، و لا غفلة عندهم و لا نسيان لما علموه، و قيل هم عمار السماء ذات البروج، و هو الأطلس.

[سورة الذاريات (51): الآيات 5 الى 7]

إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (5) وَ إِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (6) وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (7)

إن اللّه لما جعل السباحة للنجوم في السموات حدثت لسيرها طرق، لكل كوكب طريق، و هو قوله تعالى: «وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ» فسميت تلك الطرق أفلاكا، فالأفلاك تحدث بحدوث سير الكواكب، و هي سريعة السير في جرم السماء الذي هو مساحتها.

[سورة الذاريات (51): الآيات 8 الى 10]

إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10)

[ «قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ» الآية- العلم باللّه من جهة الشرع:]

اعلم أن العلم باللّه من جهة الشرع هو تعريف الحق عباده بما هو عليه، فإنه أعلم بنفسه من عباده و به، فإن العلم به منه أن يعلم أنه جامع بين التنزيه و التشبيه، و هذا في الأدلة النظرية غير سائغ، أعني الجمع بين الضدين في المحكوم عليه، ليس ذلك إلا هنا خاصة، فلا يحكم عليه خلقه، و العقل و نظره، و فكره من خلقه، فكلامه في موجده بأنه ليس كذا و هو كذا خرص بلا شك، و الخارص قد يصيب و قد يخطئ، و العلم باللّه من حيث القطع أولى به من حيث الخرص، فهو يدخل تحت الخرص المذموم.

[سورة الذاريات (51): الآيات 11 الى 19]

الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (11) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (15)

آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ (19)

راجع سورة المعارج آية 24- و اعلم أن الزكاة واجبة، و حق في المال لا على المكلف، و العارف يعلم أنه مستخلف فيما بيده من المال، فيخرج الزكاة إخراج الوصي على مال المحجور عليه للزكاة، و العامي لا يعلم ذلك، فأضيف المال إليه، فقيل له أموالكم، فيخرجها بحكم الملك.

[سورة الذاريات (51): الآيات 20 الى 21]

وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ (21)

[ «وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ» الآية:]

و قد قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [من عرف نفسه عرف ربه‏] فينبغي للإنسان أن ينظر في روحه كيف توجه إلى مدينة جسمه المزخرف و دخله، ليعاين ما أودع الحق فيه من الحكم و الترتيب الأحسن، لأنه في أحسن تقويم، فإذا شرعت في هذا النظر فأمعن فيه، و لا تترك زاوية من الإنسان حتى تدخلها و تعرف ما خزنت، فإنها خزائن الحق، فإنك تقف على علم عظيم، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه‏] فإن الإنسان من حيث تفصيله مفطور على العلم باللّه، كسائر ما سوى الجن و الإنس من المخلوقات، فما من شي‏ء في الإنسان، من شعر و جلد و لحم و عصب و دم و روح و نفس و ظفر و ناب إلا و هو عالم باللّه تعالى بالفطرة،بالوحي الذي تجلى له فيه، و الإنسان من حيث مجموعيته و ما لجمعيته من الحكم جاهل باللّه، حتى ينظر و يفكر و يرجع إلى نفسه،

فيعلم أن له صانعا صنعه و خالقا خلقه، فالإنسان من حيث تفصيله عالم باللّه، و من حيث جملته جاهل باللّه، حتى يتعلم، أي يعلم بما في تفصيله، و كل علم لا يكون حصوله عن كشف بعد فتح الباب يعطيه الجود الإلهي و يبديه و يوضحه فهو شعور لا علم، لأنه حصل من خلف الباب و الباب مغلق، و ليس الباب سواك، فأنت بحكم معناك و مغناك، و ذلك هو غلق الباب، فإنك تشعر أن خلف هذا الجسم و الصورة الظاهرة معنى آخر لا تعلمه، و إن شعرت به، فالصورة الظاهرة المصراع الواحد، و النفس المصراع الآخر، فإذا فتحت الباب تميز المصراع من المصراع، و بدا لك ما وراء الباب، فذلك هو العلم، فما رأيته إلا بالتفصيل، لأنك فصلت ما بين المصراعين حتى تميز هذا فيك، فإن كان الباب عبارة عن حق و خلق، و هو أنت و ربك، فالتبس عليك الأمر، فلم يتميز عينك من ربك، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: [من عرف نفسه عرف ربه‏] فالشعور مع غلق الباب، و العلم مع فتح الباب، فإذا رأيت العالم متهما لما يزعم أنه به عالم فليس بعالم، و ذلك هو الشعور، و إن ارتفعت التهمة فيما علم فذلك هو العلم، و يعلم أنه قد فتح الباب له، و أن الجود قد أبرز له ما وراء الباب، و كثير من الناس يتخيل أن الشعور علم، و ليس كذلك، و إنما حظ الشعور من العلم أن تعلم أن خلف الباب أمرا ما على الجملة لا يعلم ما هو.

[سورة الذاريات (51): آية 22]

وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ (22)

وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ (22)

[قسم اللّه جل ثناؤه بالربوبية على ضمان الرزق:]

الرزق معنوي و حسي، فالرزق الذي في الأرض ما تقوم به الأجسام، و الذي في السماء ما تقوم به الأرواح، و كل ذلك رزق، ليصح الافتقار من كل مخلوق، و ينفرد الحق بالغنى.

[سورة الذاريات (51): آية 23]

فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)

أقسم اللّه جل ثناؤه بالربوبية على ضمان الرزق، و الضمير يعود على المذكور، فأقسم سبحانه بنفسه من اسم الرب المضاف إلى السماء و الأرض على نفسه، أن الرزق قضاء وعد به أولياءه في السماء، و مثّله بالنطق منا الذي لا يرتاب فيه، ليتميز المؤمن الكامل من غيره، فقال تعالى: (وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ) «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» و لما كان الرب هو السيد و المالك و المربي و المصلح و الثابت، أثبت الحق افتقار العالم إليه في هذا القسم بهذا الاسم، فالكل صنعه و خلقه و فعله، فالسّماوات و الأرض إشارة إلى العالم العلوي و السفلي، و لما أقسم اللّه بهذا القسم ضجّت الملائكة في السماء، حيث أقسم لهم اللّه بنفسه لكونهم لم يثقوا بالضمان دون اليمين، و لكن لما كان اللّه عليما بنا، لهذا أقسم لنا، فإن نشأتنا تعطي ذلك، فلا بد من إيقاع هذا القسم لنا، لما تقتضيه مرتبتنا من التهمة و عدم الثقة التي هي أوصاف أسافل نشئنا، و بضدها أوصاف علية، فمن يعرفنا يعرف لمن أقسم منا، فيستريح و لا ينكر، فإنه ما خرج عن حقيقته، فأقسم اللّه لمن غلب حال ظلمته و أسفله، و الدليل على ما قلناه أنه مع هذا القسم لم تصح الطمأنينة، بل بقي من أجل هذا القسم صاحب عقد على ذلك، لا صاحب حال، فإن حاله يشهد عليه بذلك،

و لهذا نضطرب عند فقد الأسباب، فصرف حقيقته بهذا الحال، و لم يؤثر القسم في حاله، و اضطرابه في الرزق يشهد عليه بالتهمة مطلقا، و لهذا وقع القسم، و وقع بالسماء و الأرض الذي هو وجود العالم بأسره، من طريق ذاته لا من طريق حاله و وصفه، و سيأتي قسمه بحاله و وصفه في قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ) حتى يكمل شرف العالم كله من كونه مضافا إليه عموما، و شرف محمد صلّى اللّه عليه و سلّم خصوصا في قوله تعالى: (فَلا وَ رَبِّكَ) فقد جمع له بين الخصوص و العموم بخلاف غيره من جنسه، و بهذا القسم نفّس اللّه عن المؤمنين غير الموقنين، بقسمه على الرزق و ما وعد به من الخير المطلق و المقيد بالشروط لمن وقعت منه و وجدت فيه‏ «إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» فنفّس اللّه عنهم بذلك و حصل لهم اليقين، و ما بقي لهم بعد إلا الاضطراب الطبيعي، فإن الآلام الطبيعية المحسوسة ما في وسع الإنسان رفعها إذا حصلت، بخلاف الآلام النفسية فإنه في وسعه رفعها، فوقع التنفيس بالقسم أن الرزق من اللّه لا بد منه، و بقي في قلب بعض الموقنين بذلك من الحرج تعيين وقت حصوله، ما وقع به التعريف، و لو وقع لم يرفع الاضطراب الطبيعي، فلما علم الحق أنه لا ينفس في تعيين الأوقات، لذلك لم يوقع بها التعريف، و قال بعضهم موبخا لمن اضطرب إيمانه بالرزق مع صدق وعده تبارك و تعالى و قسمه:-

و ترضى بصراف و إن كان مشركا ضمينا و لا ترضى بربك ضامنا

و كأنه تعالى يقول لنا: إنكم لن تنالوا من الرزق مع جمعكم إياه و انكبابكم عليه إلا ما قدرته لكم، و سواء عليكم تعرضتم لتحصيل ما ضمنته لكم أو أعرضتم عنه، لا بد لي أن أوصله إليكم، فإني أطلبكم به كما أطلبكم بآجالكم، و ما ذلك من كرامتكم علي، و لا من إهانتكم، فإني أرزق البر و الفاجر، و المكلف و غير المكلف، و أميت البر و الفاجر و المكلف و غير المكلف، فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، كما أنه لن تموت نفس حتى يأتيها أجلها المسمى، و سواء كان الرزق قليلا أو كثيرا، و ليس رزقك إلا ما تقوم به نشأتك، و تدوم به قوتك و حياتك، و ليس رزقك ما جمعت و ادخرت، فقد يكون ذلك لك و لغيرك، لكن حسابه عليك إذا كنت جامعه و كاسبه، فلا تكسب إلا ما يقوتك و يقوت من كلفك اللّه السعي عليه لا غير.

[سورة الذاريات (51): الآيات 24 الى 42]

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَراغَ إِلى‏ أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (28)

فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَ قالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى‏ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (33)

مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَ تَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (37) وَ فِي مُوسى‏ إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى‏ فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38)

فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَ قالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَ هُوَ مُلِيمٌ (40) وَ فِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) ما تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)

 

ما كل كلّ في كل موضع ترد فيه يعطي الحصر، فإنه قد تأتي و يراد بها القصر، مثل قوله في الريح العقيم: «ما تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ» و قد مرت على الأرض و ما جعلتها كالرميم، مع كونها أتت عليها، و ما جعل الحق الحكم في الأرض إليها، و قد قال عن هذه الريح‏ (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ)

 

[إشارة: الريح العقيم هي التي تزيل عن القلب كل ما سوى اللّه تعالى:]

– إشارة- الريح العقيم هي التي تهب لتزيل عن القلب كل ما سوى اللّه تعالى، و تذهب بالأغيار، غيرة أن يكون في محل قد اصطفاه الحق غيره، لأنها ريح الغيرة، فليس يبقى مع مالكها غيره.

[سورة الذاريات (51): الآيات 43 الى 47]

وَ فِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَ ما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (46) وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)

الأيد هي القوة، قال تعالى: داود ذا الأيد، أي صاحب القوة، ما هو جمع يد.

[سورة الذاريات (51): الآيات 48 الى 49]

وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (48) وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)

فيكون لأحد الزوجين العلو و هو الذكر، و لأحد الزوجين السفل و هو الأنثى، ليظهر بينهما إذا اجتمعا بقاء أعيان ذلك النوع، و جعل ذلك في كل نوع نوع، ليعلمنا أن الأمر في وجودنا على هذا النحو، فقال: «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»، فما خلق اللّه من كل شي‏ء إلا زوجا واحدا ذكرا و أنثى مثلا، و سماه زوجين، فإن بإضافة كل واحد منهما إلى الآخر يسمى زوجا، لأن كل واحد بالنظر إلى نفسه دون أن ينضم إليه هذا الآخر لا يكون زوجا فإذا انضم إليه آخر، انطلق على كل واحد منهما اسم الزوج، فقيل فيهما زوجان و لما كانت‏ الوترية في حق المخلوق محالا قال تعالى: «وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ» اثنين حتى لا تنبغي الأحدية إلا للّه، فينفرد الحق سبحانه بحقيقة الوترية التي لا تقبل الشفعية، فإن اللّه تعالى لما جعل العرش محل أحدية الكلمة، و هو الرحمن لا غيره، و خلق الكرسي فانقسمت فيه الكلمة إلى أمرين ليخلق من كل شي‏ء زوجين، ليكون أحد الزوجين متصفا بالعلو و الآخر بالسفل، الواحد بالفعل و الآخر بالانفعال، فظهرت الشفعية من الكرسي بالفعل، و كانت في الكلمة الواحدة، ليعلم أن الموجود الأول أنه و إن كان واحد العين من حيث ذاته، فإن له حكم نسبة إلى ما ظهر من العالم عنه، فهو ذات وجودية و نسبة، أي ذات و أسماء، فهو أصل شفعية العالم.

[سورة الذاريات (51): آية 50]

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)

«فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» هو أمر بالسفر إلى اللّه، و ذم من يتربص عن هذا السفر بقوله: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ …) الآية، فجعل البركة في الحركة منه و إليه، و اعلم أن الموجب للفرار هو ما فر إليه لا ما فر منه، إذ لو عرف أنه ما ثمّ ما يفر إليه لسكن الفار و ما فر،

[الفرار الموسوي و الفرار المحمدي:]

فإذا أردت أن تعرف الفرق بين الفرار الموسوي و الفرار المحمدي فانظر في ابتداء الغاية، و هو حرف من، و في انتهاء الغاية و هو حرف إلى فالنبي محمد صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ» و قال في تعوذه: [و أعوذ بك منك‏] فهذا أمره و دعاؤه، و قال عن موسى عليه السلام معرفا إيانا: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) و يقال للمحمدي: (فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ) فالحكم على المحمدي لانتهاء الغاية، و عند الموسوي لابتداء الغاية، و انظر إلى ما أنتجه الفرار لموسى عليه السلام من فرعون، فوهبه اللّه حكما، و هي الرسالة، فجعله من المرسلين إلى من خاف أن يسلط عليه، و هو فرعون، فإذا أنتج له هذا الفرار من المخلوق خوفا على نفسه، فأين أنت من المحمدي الذي أمرك أن تفر إلى اللّه؟

فقيدك بحرف الغاية في القصد الأول: و الحكم يرجع إلى اللّه الذي تفر إليه بلا واسطة، فالذي ينتج الفرار إليه لا يقدر قدره، و يكون على بينة من ربه محفوظا في أحواله و أفعاله و أقواله، فإذا فر الفار إلى اللّه و عيّن من فر إليه و أبهم ما فر منه، فما ترون تكون جائزته؟ فإن جائزة موسى منقطعة، فإن الخلافة هنا تترك و الرسالة كذلك، ينقطع الأمران بالموت و الانقلاب إلى الدار الآخرة، فهذا أعطى حكم ما فر منه لما كان منقطعا، فإنه انقطع بغرقه أو بموته لو مات، فكانت النتيجة و الهبة مناسبة بما أعطيه من انقطاعهما بالموت، فإن الإمامة و الرسالة تنقطعان بالموت، و الفرار إلى اللّه يعطي ما يبقى ببقاء اللّه، و لا أعيّن، فإن التعيين في ذلك إلى اللّه، و إذا كانت هذه الأمة مع الأنبياء بهذا الحكم و هذه المنزلة، فما ظنك بمنزلة أمم الأنبياء منا؟

و اللّه ما يعرفون على أي طريق سلكت هذه الأمة في فرارها، فإن اللّه مجهول الأينية، و الفرار كان إليه، فلا يدري أحد يفر إليه إذا تلقاه و أخذ بيده إلى أين يسير به؟ فإن اللّه أسرع إلى من فر إليه في تلقيه من الفار إليه، فإنه يقول و هو الصادق تعالى: [و من أتاني يسعى أتيته هرولة] فوصف نفسه بالإقبال على عبده إذا أتاه بأضعاف ما يأتيه به من الحال، و إتيان الفار إليه أشد من الهرولة، فيكون إتيان الحق إليه أشد من ذلك،

و أعطى اللّه هذا لهذه الأمة بعناية محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و قوله تعالى: «إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ» يعود على الاسم اللّه، فإذا نظرت تعلم ما هو الاسم الذي من أجله كان الإنذار المبين، من المنذر لك، و أن الاسم اللّه- و هو الاسم الجامع- هو الذي وجهه إليك ليأمرك بالفرار إليه، و لما كان في عرف الطبع الاستناد إلى الكثرة، فإذا حققت معرفة الأسماء الإلهية وجدت أسماء الأخذ قليلة و أسماء الرحمة كثيرة في الاسم اللّه، فلذلك أمرك بالفرار إلى اللّه، ليحصل للنفس الأمان باستنادها إلى الكثرة، ثم قال تعالى بعد الأمر بالفرار إلى اللّه:

[سورة الذاريات (51): آية 51]

وَ لا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)

«وَ لا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ» تفتقرون إليه، بل فروا إلى اللّه في طلب حوائجكم منه التي فطرتم عليها- تحقيق- من عرف هذا التتميم عرف قوله: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) أنه الفرار من الجهل إلى العلم، و أن الأمر واحد أحدي، و أن الذي كان يتوهمه أمرا وجوديا من نسبة الألوهية لهذا الذي اتخذه إلها محال عدمي، لا ممكن و لا واجب، فهذا معنى الفرار المأمور به، فإليه- من حيث نسبة الألوهية إليه- يكون الفرار، فالذي فطر عليه الإنسان و العالم من العلم العلم بوجود اللّه، و العلم بفقر المحدث إليه، فإذا كان هذا، فلا بد لكل من هذه صفته أن يفر إلى اللّه لمشاهدة فقره، و ما يعطيه حكم الفقر من الألم للنفس، ليغنيه من انقطع إليه، فربما يزيل عنه ألم الفقر، بما يعطيه من لذة مزيلة لألم فقر معين، لا يزيل عنه ألم‏ الفقر الكلي الذي لا يمكن زواله عن الممكن- لأن الفقر له وصف ذاتي- لا في حال عدم و لا في حال وجود، فلا بد لمن هذه حاله من تخل و فرار عن الأمور الشاغلة له.

 

[سورة الذاريات (51): الآيات 52 الى 55]

كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)

[ «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» الآية:]

و ذكر من نسي إقراره بربوبيته عند أخذ ميثاقه، قال بعض السامعين: (سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) فقال تعالى آمرا: «وَ ذَكِّرْ» يعني بالعلم من غفل عنه و نسيه‏ «فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» و هم الذين علموا ما ثمّ بنور الإيمان، ثم إنهم غفلوا فحيل بينهم و بين ما علموه من ذلك، فإذا ذكروا تذكروا، و قام لهم شهود ما قد كانوا علموه، فنفعتهم الذكرى، فعملوا بما علموا، و التفت الحق هنا إلى القابل و ما التفت إلى المعرض، فلم يرتبط الوجود إلا بالمؤمن، فوعظنا بالحوادث الواقعة على خلاف الأغراض، مما تنفر عنه طباعنا، و ذكرنا بأنا معرّضون لحلولها بنا إلا أن يعصم اللّه في بعضها لا في كلها، فإن منتهى الدوائر و أعظمها الموت، و لا بد منه بأي وجه كان، و لا أعني بالموت إلا الانتقال عن هذه الدار، و ذكرنا تعالى بموعظته ذكرى حال،

إذ أصاب من قبلنا بوقوع تلك الدوائر عليهم، و ذكرنا بأمور أخر خبّر عنها في المستقبل عند الانتقال إلى الدار الآخرة، تقع بالعباد، مما يسر وقوعها و مما لا يسر، و مما يوافق الغرض و يلائم الطبع، و مما لا يلائم الطبع و لا يوافق الغرض، و مما يدل على الكمال و النقص، فذكر بالرغبة في ذلك و الرهبة من ذلك، و شهد اللّه أن الذكرى تنفع المؤمنين، فانتفاعك بالذكرى شاهد لك بالإيمان، و إن لم تنفعك الذكرى فاتهم نفسك في إيمانك، و إذا رأيت من يدعي الإيمان و يذكر فلا يقع له نفع بما ذكّر به علمت أنه في الحال ليس بعالم بما آمن به، فليس بمؤمن أصلا، فإن شهادة اللّه حق و هو صادق، و قد أعلمنا أن المؤمن ينتفع بالذكرى، و شهدنا أن هذا لم ينتفع بالذكرى، فلا بد أن نزيل عنه الإيمان تصديقا للّه، و لا معنى للنفع إلا وجود العمل منه بما علم، و ما نرى أحدا يتوقف بالعمل فيما يزعم أنه عالم به، إلا و في نفسه احتمال، و من قام له في شي‏ء احتمال فليس بعالم به، و لا بمؤمن بمن أخبره بذلك إيمانا يوجب له العلم.

[سورة الذاريات (51): آية 56]

وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)

[ «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» الآية:]

لما كانت طبيعة الممكن قبلت الوجود، فظهر في عينه بعد أن لم يكن، سماه الحق خلقا، مشتقا من الخليقة، و هي طبيعة الأمر و حقيقته، أي مطبوعا على الصورة، و هي خليقته، فلما أوجده اللّه على صورته، و أوجده لعبادته، كان ما أوجده عليه خلاف ما أوجده له، فقال: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» فاشترك الجن مع الإنس فيما وجد له لا فيما وجد عنه، لأن الإنسان خص بما وجد عليه، قال صلّى اللّه عليه و سلّم: [خلق اللّه آدم على صورته‏] و الخلق عطاء من الحق ليعبد، فهو عطاء عوض ففيه طلب، و لذلك قال‏ «لِيَعْبُدُونِ» فخلقهم له لا لهم، ففي هذه الآية خلقنا له أي لنعبده، و معناه لنعلم أنا عبيد له، فإنا في حال عدمنا لا نعلم ذلك، لأنه ما ثم وجود يعلم، فعلل سبحانه بلام العلة، فيعبدونه لكونه أنعم عليهم بالإيجاد لكمال مرتبة العلم و الوجود، من حيث من ذكر من الأجناس، لا لكمال مرتبة الوجود و المعرفة من غير هذا التقييد، فإن ذلك يكفي فيه خلق محدث واحد، و إيجاد العلم المحدث فيه المتعلق باللّه و الكون، و لكن لما كانت الأجناس منحصرة عند اللّه و أوجدها و بقي هذان الجنسان، أوقع الإخبار عنهما بما ذكر، و ابتدأ بلام العلة و ختم بياء الإضافة،

قال عزّ و جل فيما أوحى به إلى موسى عليه السلام: [يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك و خلقتك من أجلي‏] و ما يلزم نفوذ حكم العلة في كل معلول، فإن من الجن و الإنس من عبده و منهم من أشرك به، و قوله تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ» و هو ما استتر، فلا يعلم إلا منه‏ «وَ الْإِنْسَ» هو ما ظهر فيعلم بذاته، «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» إثبات للسبب الموجب للخلق، فاللام في ليعبدون لام الحكمة و السبب شرعا، لأنه حكيم، و له في كل شي‏ء حكمة ظاهرة لا تعلم إلا من جهة الشرع في التكليف، و أما العلة في التكليف من جهة الحق فمظنونة غير معلومة، لا يعلمها إلا هو و من أعلمه اللّه بها، فتكون لام ليعبدون لام العلة عقلا، فصرح تعالى بالسبب الذي لأجله أوجدنا، و هكذا العالم كله، فإن الجن كل مستتر من ملك و غيره، و خصصنا و الجن بالذكر، فإن اللّه تعالى لما خلق العالم له تعالى، أي لعبادته،

قال فيمن علم أنه جعل في نشأته عزة، و هما الجن و الإنس، و لما جعل فيهما استعدادا يمكن‏ أن يسعى به لنفسه و لغير اللّه، نبه أنه ما خلقهم إلا لعبادته فقال: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» فخص الإنس و الجن الناري في هذه الآية، لأنهما ما جبلا على طاعة الأمر دون معصية مثل باقي الخلق، و إلا فإنه سبحانه قد أوجد العالم ليظهر سلطان الأسماء، فإن قدرة بلا مقدور، وجودا بلا عطاء، و رازقا بلا مرزوق، و مغيثا بلا مغاث، و رحيما بلا مرحوم، حقائق معطلة التأثير، و ما اعتبر الحق من العالم في هذه الإضافة إلا هذين النوعين، فجعل الظهور للإنس من اسمه الظاهر، و جعل البطون للجان من اسمه الباطن، و ما عداهما فمسخر لهما، و يحتمل أن قوله تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» يعني ظاهرا و باطنا، فما جعل لهم في الربوبية قدما، و ما قال اللّه تعالى ذلك في غير هذين الجنسين، لأنه ما ادعى أحد الألوهية، و لا اعتقدها في غير اللّه، و لا تكبر على خلق اللّه إلا هذان الجنسان، فلذلك خصهما بالذكر دون سائر المخلوقات و قال: «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» أي ليتذللوا إليّ، لما ظهر فيهما من العزة و دعوى الألوهية و الإعجاب بنفوسهم، فمن لطف اللّه بهم أن نبههم على ما أراد بهم في خلقه إياهم، فمن تنبه كان من الكثير الذي يسجد للّه، و من لم يتنبه كان من الكثير الذي حق عليه العذاب، و الشرك- و هو الظلم العظيم- ما ظهر في الوجود إلا من هذا النوع الإنساني، و ما ذكر الجن معه في الخلق للعبادة إلا لكونه أغواه بالشرك، لا أنه أشرك، و الإنس هو الذي أشرك،

و اعلم أن السبب الموجب لتكبر الثقلين دون سائر الموجودات، أن سائر الموجودات توجه على إيجادهم من الأسماء الإلهية أسماء الجبروت و الكبرياء و العظمة و القهر، فخرجوا أذلاء تحت هذا القهر الإلهي، و تعرف إليهم حين أوجدهم بهذه الأسماء، فلم يتمكن لمن خلق بهذه المثابة أن يرفع رأسه، و لا أن يجد في نفسه طعما للكبرياء على أحد من خلق اللّه، فكيف على من خلقه؟

و قد أشهده أنه في قبضته و تحت قهره، و شهدوا كشفا نواصيهم و نواصي كل دابة بيده، و الأخذ بالناصية عند العرب إذلال، هذا هو المقرر عرفا عندنا، فمن كان حاله في شهود نظره إلى ربه أخذ النواصي بيده، و يرى ناصيته من جملة النواصي كيف يتصور منه عز أو كبرياء على خالقه من هذا الكشف؟ و أما الثقلان فخلقهم بأسماء اللطف و الحنان و الرأفة و الرحمة و التنزل الإلهي، فعند ما خرجوا لم يروا عظمة و لا عزا و لا كبرياء، و رأوا نفوسهم مستندة في وجودها إلى رحمة و عطف و تنزل، و لم يبد اللّه لهم من جلاله و لا كبريائه و لا عظمته في خروجهم إلى الدنيا شيئا يشغلهم عن نفوسهم،أ لا تراهم في الأخذ الذي عرض لهم من ظهورهم حين قال لهم: (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏) فأقروا له بالربوبية لأنهم في قبضة الأخذ محصورون، فلو شهدوا أن نواصيهم بيد اللّه شهادة عين، أو إيمان كشهادة عين- كشهادة الأخذ- ما عصوا اللّه طرفة عين، و كانوا مثل سائر المخلوقات، يسبحون الليل و النهار لا يفترون، فلما ظهروا عن هذه الأسماء الرحمانية قالوا: يا ربنا لم خلقتنا؟

قال: لتعبدون، أي لتكونوا أذلاء بين يدي، فلم يروا صفة قهر و لا جناب عزة تذلهم، و لا سيما و قد قال لهم لتذلوا إلي، فأضاف فعل الإذلال لهم، فزادوا بذلك كبرا، فلو قال لهم: ما خلقتكم إلا لأذلكم؛ لفرقوا و خافوا، فإنها كلمة قهر، فكانوا يبادرون إلى الذلة من نفوسهم خوفا من هذه الكلمة، كما قال للسماوات و الأرض ائتيا طوعا أو كرها، فلو لم يقل كرها فإنها كلمة قهر حيثما أتت، فلهذا قلنا ما أوجد كل ما عدا الثقلين و لا خاطبهم إلا بصفة القهر و الجبروت، و لا نشك أن كل ما خلق من الملائكة و غيرهم من العالم ما خلقهم إلا مسبحين بحمده، و ما خص بهذه الصفة-

أعني صفة العبادة، و هي الذلة- غير الثقلين، فما خلقهم حين خلقهم أذلاء، و إنما خلقهم ليذلوا، و خلق ما سواهم أذلاء في أصل خلقهم، فما جعل العلة في سوى الثقلين الذلة كما جعلها فينا، فلما قال للثقلين عن السبب الذي لأجله أوجدهم و خلقهم، نظروا إلى الأسماء التي وجدوا عنها، و لو أنه متوجه عليهم الاسم المذل لأنه خلقهم لعبادته، فما رأوا اسما إلهيا منها يقتضي أخذهم و عقوبتهم إن عصوا أمره و نهيه، و تكبروا على أمره، فلم يطيعوه و عصوه، فما تكبر أحد من خلق اللّه على أمر اللّه غير الثقلين، و لا عصى اللّه أحد من خلق اللّه سوى الثقلين، فعصى آدم ربه و هو أول الناس، و عصى إبليس ربه، فسرت المخالفة من هذين الأصلين في جميع الثقلين، فجعل الحق العبادة بأيديهم، و جعلها المقصودة منه بخلقهم، فمنهم من قام بما قصد له، فكان طائعا مطيعا لأمر اللّه الوارد عليه بالأعمال و العبادة، فإنه قال لهم‏ (فَاعْبُدُونِ) كما أخبر (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) هذا أمر بعبادة (وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) هذا أمر بعمل، و العمل ما هو عبادة، فالعمل صورة و العبادة روحها، فالعبادة مقبولة عند اللّه على كل حال، اقترنت بعمل أو لم تقترن، و العمل لغير عبادة لا يقبل على كل حال، من حيث القاصد لوقوعه الذي هو النفس المكلفة.

و لما خلق اللّه الثقلين في هذا المقام الذي قصده بخلقهم، و هو أجلية الحق، فرغهم لذلك، حتى لا يقوم لهم حجة بالاشتغال‏ بما به قوامهم، فخلق الأشياء التي بها قوامهم، خاصة من أجلهم، ليتفرغوا لما قصد بهم، فقامت عليهم حجة اللّه إذا لم يقوموا بما خلقوا له، و كونهم ما فعل بعضهم ما خلق له لا يلزم منه بالقصد أنه خلق لما تصرف فيه، و لذلك يسأل و يحاسب،- الوجه الثاني- ما خلقنا اللّه لعبادته إلا ليعود ثواب ذلك العمل و فضله إلينا، و لذلك ما خص بهذا الخطاب إلا الثقلين، فتدل هذه الآية من هذا الوجه على أن اللّه سبحانه ما أوجدنا إلا لنا، لا لنفسه، فإنه هو الغني عن العالمين، هذا إذا لم يكن الجن عبارة عن باطن الإنسان،

و هو- الوجه الثالث- في تفسير قوله تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ» فذكر تعالى ما ظهر، و هو مسمى الإنس، و ما استتر، و هو مسمى الجن، فأعلم أنه أوجدك له لا لك، فما أنت المقصود لعينك، فكأنه يقول: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ» و هو ما استتر من الإنسان و ما بطن منه‏ «وَ الْإِنْسَ» و هو ما يبصر منه لظهوره‏ «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» ظاهرا و باطنا، فقد يريد الحق بهذه الآية الإنسان وحده، من حيث ما له ظاهر و باطن، فمن حيث ما له ظاهر هو إنس، من آنست الشي‏ء إذا أبصرته، و الجن باطن الإنسان، فإنه مستور عنه، فكأنه قال:

ما خلقت ما ظهر من الإنسان و ما بطن إلا ليعبدون ظاهرا و باطنا، فإن المنافق يعبده ظاهرا لا باطنا، و المؤمن يعبده ظاهرا و باطنا، و الكافر المعطل لا يعبده لا في الظاهر و لا في الباطن، و بعض العصاة يعبده باطنا لا ظاهرا، و ما ثمّ قسم خامس، و ما أخرجنا الجن الذين خلقهم من نار من هذه الآية، و جعلناها في الإنسان وحده من جهة ما ظهر منه و ما استتر إلا لقول اللّه لما ذكر السجود أنه ذكر جميع من يسجد له ممن في السموات و من في الأرض، و قال في الناس: (وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) فما عمهم، و دخل الشياطين في قوله: (مَنْ فِي الْأَرْضِ)، و ذلك أن الشيطان، و هو البعيد من الرحمة، يقول للإنسان إذا أمره بالكفر فكفر (إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) فأبان اللّه لنا عن معرفة الشيطان بربه و خوفه منه، فلذلك كان صرف الجن إلى ما استتر من الإنسان أولى من إطلاقه على الجان، و اللّه أعلم.

و أما قوله تعالى: «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» أي ليتذللوا لي، فإن اللّه تعالى لم يقل‏ «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ» ليأنس بعضهم ببعض، و لا يتعشق بعضهم ببعض، و لا يتعرف بعضهم أسرار بعض، و إنما خلق المكلف من أجله، فلا ينظر إلى غيره فقال: «لِيَعْبُدُونِ» أي ليتذللوا لي، و لا يتذللون لي حتى يعرفوني في الأشياء، فيذلوا لي، لا لمن ظهرت فيهم، من حيث‏ إنه قال عزّ و جل: (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ) فلا يتذللون لي حتى يعرفوا مكانتي و عزتي، فيتذللون لعزتي و يعرفون منزلتي من منزلتهم، لذلك قال: «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» و لا يعبدونه حتى يعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، قال ابن عباس‏ «لِيَعْبُدُونِ» معناه ليعرفون، فما فسر بحقيقة ما تعطيه دلالة اللفظ، و إنما تفسيره ليذلوا لي، فالعبد معناه الذليل، يقال:

أرض معبدة أي مذللة، و لا يذل له من لا يعرفه، فلا بد من المعرفة به أولا، و أنه ذو العزة التي تذل الأعزاء لها، فلذلك عدل ابن عباس في تفسير العبادة إلى المعرفة، هذا هو الظن به، و ما خلق الجن و الإنس من بين الخلق إلا لمحبته، فإنه ما يعبده و يتذلل إليه إلا محب، و ما عدا الإنسان فهو مسبح بحمده، لأنه ما شهده فيحبه، فما تجلى لأحد من خلقه في اسمه الجميل إلا للإنسان و في الإنسان في علمي، فلهذا ما فني و هام في حبه بكليته إلا في ربه أو فيمن كان مجلى ربه.

[سورة الذاريات (51): آية 57]

ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)

فإن الحق يتنزه عن الغذاء و الأكل، فإنه سبحانه لا ينبغي له أن يطعم، ثم إن اللّه علم من بعضهم أنه يقوم له شبهة في السعي فيما خلق من أجله، في حق الغير، لما بلغه أن اللّه يقول: [جعت فلم تطعمني‏] و قال لما قال له العباد: [يا رب كيف تطعم و أنت رب العالمين؟] فقال اللّه له: [أ لم تعلم أنه استطعمك فلان فلم تطعمه، أما إنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي‏] فأنزل الحق نفسه منزلة الجائع، فلاحت له هذه الشبهة، قال: نسعى في حق الغير و ننتفع بما نسعى به بحكم التبع، فقال اللّه له: ما فهمت عني‏ «ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ» و الرزق معنوي و حسي، أي محسوس و معقول، و هو كل ما بقي به وجود عين المرزوق، فهو غذاؤه، و المرزوقون منهم معقول و منهم محسوس، و رزق كل مرزوق ما كان به بقاؤه و نعيمه إن كان ممن يتنعم، و حياته إن كان ممن يوصف بأنه حي، و ليست الأرزاق لمن جمعها، و إنما الأرزاق لمن تغذى بها.

[سورة الذاريات (51): آية 58]

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)

[ «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» الآية:]

لا أنتم، فما بقيت لمن قامت لهم شبهة حجة بتمام الآية، و أما اعتمادهم على ذلك الخبر فلا يقوم لهم به حجة عند اللّه، فإنه لما خلق الأشياء من أجلك التي بها قوامك، أعطاك إياها و أوصلها إليك ليكون بها قوامك، ثم أفضل لبعضهم من ذلك ما يزيد على قوامهم، ليوصله إلى غيره ليكون به قوام ذلك الغير، و يحصل لهذا أجر أداء الأمانة التي أمّنه اللّه عليها، فذلك هو الذي عتبه الحق حيث استطعمه فلان، و كان عنده ما يفضل عن قوامه فلم يعطه إياه، فلم يلزم من هذا الخبر أن يسعى في حق الغير، و هو المراد في تمام الآية السابقة، و جاء الحق في هذه الآية بالاسم الرزاق بهذه البنية للمبالغة، لاختلاف الأرزاق، و هي مع كثرتها و اختلافها منه لا من غيره، و إن المرزوقين مختلف قبولهم للأرزاق، فما يتغذى به حيوان ما قد لا يصلح أن يكون لحيوان آخر، لأن المراد بتناول الرزق بقاء المرزوق، فإذا أكل ما فيه حتفه فما تغذى به و ما هو رزق له، و إن كان به قوام غيره، فلذلك تسمى ببنية المبالغة في ذلك فقال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ» و لم يزل الحق ينزل من عين ما- يطلب ما به بقاؤه و حياته- إلى عين، حتى عم العالم كله بالرزق، فكان رزاقا، و نعت هذا الرزاق بذي القوة المتين فقال: «ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ»– الوجه الأول- و لو نعت به اللّه لقال:ذا القوة المتين؛ فنصب، و لا يتمكن نعت الاسم اللّه من حيث دلالته، فإنه جامع للنقيضين، فهو و إن ظهر في اللفظ فليس المقصود إلا اسما خاصا منه، تطلبه قرينة الحال بحسب حقيقة المذكور بعده الذي لأجله جاء الاسم الإلهي، فإذا قال طالب الرزق المحتاج:

يا اللّه ارزقني، و اللّه هو المانع أيضا، فما يطلب بحاله إلا الاسم الرزاق، فما قال بالمعنى إلا: يا رزاق ارزقني، فوصف الحق نفسه بأنه ذو القوة، و هذا فيه إجمال، فإنه اسم حميري، أي صاحب القوة، أي قوة القوة التي فينا و نجدها من نفوسنا، كما نجد الضعف، و نعت الرزاق بالقوة لوجود الكفران بالمنعم من المرزوقين، فهو يرزقهم مع كفرهم به، و لا يمنع عنهم الرزق و الإنعام و الإحسان بكفرهم، مع أن الكفر بالنعم سبب مانع يمنع النعمة، فلا يرزق الكافر مع وجود الكفر منه لما رزقه إلا من له القوة، فلهذا نعته بذي القوة المتين، فإن المتانة في القوة تضاعفها، فما اكتفى سبحانه بالقوة حتى وصف نفسه بأنه المتين فيها، إذ كانت القوة لها طبقات في التمكن من القوي، فوصف نفسه بالمتانة، و المتين هو الذي لا يتزلزل عما يجب له الثبوت فيه لتمكنه و ثقله، و المتانة في المعاني كالكثافة في الأجسام، فجاء بالاسم المناسب للرزق، لأن الرزق المحسوس به تتغذى الأجسام‏ و تعبل، و كلما عبلت زادت أجزاؤها و كثفت، و أين السمن من الهزال؟

فما أحسن تعليم اللّه و تأديبه و تبيانه لمن عقل عن اللّه، و من المتانة أن الصور لما تبدلت في التجلي و اختلفت، و الأسماء الإلهية لما كثرت و تنوعت، و دل كل اسم على معنى لا يكون لغيره، و أعطت كل صورة أمرا لم تعطه الصورة الأخرى، أخبر أنه من المتانة بحيث أن الأمر على ما قرر و شوهد من التحول و التبدل، و العين ثابتة في مكانتها لا تقبل التغيير، فليست المتانة إلا للإله القوي الحق الذي يجد في نفسه الطالب الاستناد إليه و لا يدري ما هو، و لمتانته لا يقوى الناظر أن ينقله إلى محل اعتقاده، فمتانته حجابه فلا يعرف- الوجه الثاني- لما كانت القوة فينا للغذاء، و نحن نعلم أن اللّه لا يطعم و لا يطلب الرزق من عباده، بل هو الرزاق ذو القوة المتين، تحفظ الحق سبحانه فقال: «ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ» فتكون قوتي مما طعمت، بل لي القوة من غير غذاء و لا طعام.

[سورة الذاريات (51): الآيات 59 الى 60]

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)

فالحاصل من هذا أنه من لم يغب عن عبوديته للّه في كل حال، فقد أدى ما خلق له و كان طائعا و سواء كان مطيعا أو مخالفا، فإن العبد الآبق لا يخرجه إباقه عن الرق، و إنما يخرجه عن لوازم العبودية، من الوقوف بين يدي سيده لامتثال أوامره و مراسمه، أ لا ترى اسم العبودية ينسحب عليه سواء كان مطيعا أو مخالفا.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 199

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=