تفسیر ابن عربی سوره آل عمران

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة آل عمران آیه 1-84

(3) سورة آل عمران مدنيّة

[سورة آل‏عمران (3): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الم (1)

[مبادي السور المجهولة]

إشارة- «اعلم أن مبادي السور المجهولة، لأهل الصور المعقولة»، يعني معاني سور القرآن تجتمع مع الصور المعقولة التي يأخذها العقل من طريق التعريف الإلهي، لا من طريق فكره، فهي تجهلها الأفكار مثل ما جهلت ما أراد الحق بمبادي هذه السور، و الصور المجهولة كالنبوة و الولاية، و كرؤية الحق، و كل ما لا يستقل العقل بإدراكه، حتى يقع به‏

[توحيد حروف النفس‏]

التعريف الإلهي، « (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ)* جملتها تسعة و عشرون سورة» و هي ثمانية و عشرون مرتبة كمرتبة الحروف، و اللام ألف هي عبارة عن الحق و العبد، و هي بمنزلة القمر الدائر في المنازل، فالألف للحق من حيث التجلي، فمشيه في المنازل هي تجلياته و مظاهره، و ذلك كمال الصورة، «وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ» و نصيب العبد منها قبول ذلك التجلي، و اللام للعبد «أكملت فيها» أي الحروف «العالم بأسره» «و فرقت بيني و بينهم بما لوحت به من نهيه و أمره» أي إني و إن كنت الفاعل على الإطلاق، و الفعل لي، فأنت محل تعلق الأمر و النهي، و الوعد و الوعيد «فَمِنْها» أي الحروف «مفرد» مثل ص، ق، «و مثنى» و منها ما جمع لمعنى، و لئن شكرتم لأزيدنكم، منها ما زيد فيه فاستغنى، و منها من نقص منه فتعنّى‏ (أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) منها متماثلة الصور و مختلفة، كما منها مفرقة و مؤتلفة (و لو شاء اللّه لجعل الناس أمة واحدة) غايتها خمسة حروف، و بقي اثنان للواصف و الموصوف، من مقام آدم و حوى، في جنة الإقامة، و مأوى الإمامة (و كلا منها حيث شئتما) مبلغها ثمانية و سبعون، فمن كوشف بحقائقها ملك الأعلى و الدون» قوله منها و منها يعني أن هذه السور المجهولة جاءت مطابقة لصور الإنسان على المطابقة، فهذه الحروف أربعة عشر حرفا غير مكررة، و هي نصف الفلك الظاهر، و الأربعة عشر الأخرى الغائبة للنصف الباطن، و الحروف إذا نظرتها مكررة كانت ثمانية و سبعين، و هي في معنى مراتب الإيمان، كما جاء في الخبر [الإيمان بضع و سبعون شعبة] قوله «فمن كوشف بحقائقها ملك العالي و الدون» هذا باب الكشف و الذوق، إذا أراد اللّه تعالى التعريف به أقامه في الكشف، أو وهب العلم الضروري للمحل بطريق المعاني المجردة، فتعرّض لنيل ذلك من الوهاب الفتاح سبحانه و تعالى و استعمل المجاهدة، و تحلّ بالموافقة و المساعدة، عساك تلتذ بالمشاهدة.

و اعلم أنه لما كان الألف يسري في مخارج الحروف كلها، سريان الواحد في مراتب الأعداد كلها، فهو قيوم الحروف، و له التنزيه بالقبلية، و له الاتصال بالبعدية، فكل شي‏ء يتعلق به، و لا يتعلق هو بشي‏ء، فأشبه الواحد، لأن وجود أعيان الأعداد يتعلق به، و لا يتعلق الواحد بها، فيظهرها و لا تظهره، و تشبهه في هذا الحكم الدال و الذال و الراء و الزاي و الواو، و يشبه في حكم السريان الواو المضموم ما قبلها و الياء المكسور ما قبلها، و كما أن الواحد لا يتقيد بمرتبة دون غيرها، و يخفى عينه، أعني اسمه، في جميع المراتب كلها، كذلك الألف لا يتقيد بمرتبة و يخفى اسمه في جميع المراتب، الاسم هناك للباء و الجيم و الحاء و جميع الحروف، و المعنى للألف.

[سورة آل‏عمران (3): آية 2]

اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)

هذا توحيد حروف النفس، و هو الألف و اللام و الميم و هو التوحيد الثالث في القرآن من نفس الرحمن، و هذا التوحيد أيضا توحيد الابتداء، فإن الاسم اللّه مبتدأ، و له من أسماء الأفعال منزل الكتاب بالحق من اللّه المسمى بالحي القيوم، فبيّن أنه منزل الكتاب بالحق من اللّه المسمى بالحي القيوم، و هي أربعة كتب يصدق بعضها بعضا، و الكتب الإلهية وثائق الحق على عباده، فهي كتب مواثيقه، و تحقيق بما له عليهم، و ما لهم عليه مما أوجبه على نفسه لهم فضلا منه و منّة، فدخل معهم في العهدة «الْحَيُّ» الحياة شرط في جميع وجود النسب المنسوبة إلى اللّه، و هذه النسبة أوجبت له سبحانه أن يكون اسمه الحي، فجميع الأسماء الإلهية موقوفة عليه و مشروطة به، حتى الاسم اللّه، فالاسم اللّه هو المهيمن على جميع الأسماء التي من جملتها الاسم الحي، و نسبة الاسم الحي لها المهيمنية على جميع النسب‏ الأسمائية، حتى نسبة الألوهة التي بها تسمى اللّه اللّه، فكل اسم هو للحي إذا حققت الأمر، فيسري سره في جميع العالم، فخرج على صورته فيما نسب إليه من التسبيح بحمده، فما في العالم إلا حي، و لما لم يتمكن أن يتقدم الاسم الحي الإلهي اسم من الأسماء الإلهية، كانت له رتبة السبق، فهو المنعوت على الحقيقة بالأول. «الْقَيُّومُ» الحق قيوم بعباده فيما يحتاجون إليه، و هو تعالى الحي لنفسه، لتحقيق ما نسب إليه مما لا يتصف به إلا من شرطه أن يكون حيا، القيوم لقيامه على كل نفس بما كسبت.

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 3]

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ (3)

لما ضم الحق تعالى حروف القرآن و سوره و معانيه بهذا النظم المعجز سماه كتابا، فهو نظم حروف رقمية لانتظام كلمات لانتظام آيات لانتظام سور، كل ذلك عن يمين كاتبة، كما كان القول عن نفس رحماني، فصار الأمر على مقدار واحد و إن اختلفت الأحوال، لأن حال التلفظ ليس حال الكتابة، و صفة اليد ليست صفة النفس، فكونه كتابا كصورة الظاهر و الشهادة، و كونه كلاما كصورة الباطن و الغيب، فالقرآن في الصدور قرآن، و في اللسان كلام، و في المصاحف كتاب.

[سورة آل‏عمران (3): آية 4]

مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4)

لما كان الانتقام من رحمة المنتقم بنفسه من الخلق، قال تعالى: «وَ اللَّهُ عَزِيزٌ» عن مثل هذا «ذُو انْتِقامٍ».

[سورة آل‏عمران (3): آية 5]

إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (5)

و كيف يخفى عليه و هو عنده علم المقادير «فِي الْأَرْضِ» و هو كل معلوم و كل ما في الطبيعة من الأسرار، فإن صورها أرض الأرواح‏ «وَ لا فِي السَّماءِ» و هو المعلوم و كل ما في الأرواح التي بين الطبيعة و العماء

[كل إنسان أعلم بحاله‏]

– نصيحة- كل إنسان أعلم بحاله، و لا ينفعك أن تنزل نفسك عند الناس منزلة ليست لك في نفس الأمر، فإن اللّه لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء.

[سورة آل‏عمران (3): آية 6]

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)

[تفسير «هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ»]

«هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ» لكونها مظلمة، تمدح بإدراك الأشياء فيها، و يصورنا في الأرحام من غير مباشرة، و أضاف التصوير إليه لا إلى غيره‏ «كَيْفَ يَشاءُ» أي كيف أراد من أنواع الصور و التصوير «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ» أي المنيع الذي نسب لنفسه الصورة، لا عن تصوير و لا تصور، فهو المصور لا الملك، مع العزة التي تليق بجلاله‏ «الْحَكِيمُ» المرتب الأشياء التي أنزلت منازلها بما تعطيه الاستعدادات المسواة لقبول الصور، فيعين لها من الصور ما شاء مما قد علم أنها مناسبة له، و هذا هو التوحيد الرابع، توحيد المشيئة، و وصف الهوية بالعزة، و هو قوله‏ (وَ لَمْ يُولَدْ) فهو عزيز الحمى، إذ كان هو الذي صورنا في الأرحام من غير مباشرة، إذ لو باشر لضمه الرحم كما يضم القابل للصورة، و لو لم يكن هو المصور لما صدقت هذه النسبة، و هو الصادق، فإنه ما أضاف التصوير إلى غيره، فقال‏

[توحيد المشيئة]

«كَيْفَ يَشاءُ» أي كيف أراد، فظهر في هذه الكيفية أن مشيئته تقبل الكيفية، مع نعته بالعزة ثم بالحكمة، و الحكيم هو المرتب الأشياء أي أنزلت منازلها، فالتصوير يستدعيه إذ كان هو المصور مع العزة التي تليق بجلاله، فحيّر العقول السليمة التي تعرف جلاله- تفسير من باب الإشارة- «هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ» ما أحسن تنبيه اللّه أولي الألباب من عباده و أهل الاعتبار بهذه الآية، فمن الأرحام ما يكون خيالا، فيصور فيه المتخيلات كيف يشاء، عن نكاح معنوي و حمل معنوي، يفتح اللّه في ذلك الرحم المعاني في أي صورة ما شاء ركبها، فيريك الإسلام فيه و القرآن سمنا و عسلا، و القيد ثباتا في الدين، و الدين قميصا سابغا و قصيرا درعا و مجولا و نقيا و دنسا على حسب ما يكون الرائي، أو من يرى له عليه من الدين، فالخيال من جملة الأرحام التي تظهر فيها الصور.

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 7]

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7)

أم الكتاب هي الآيات المحكمات، و الآيات المحكمات هي الآيات الدالة على وحدانيته تعالى، بدليل قوله تعالى في أول هود (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) الآية، ثم فسر إحكامها بالتوحيد في قوله‏ (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) و فسر تفصيلها بالاستغفار و التوبة في قوله‏ (وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) و نبه تعالى أن آياته المحكمة ترجع أعدادها إلى آية واحدة محكمة و هي‏ (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) فما من علم من العلوم في الغيب و لا في الشهادة إلا و هو منتظم في سلك‏ (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) مستثمر من ثمار أسرارها، و لهذا اكتفى بعلمها النبي صلّى اللّه عليه و سلم إجمالا و تفصيلا في قوله تعالى‏ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) و الآيات المتشابهات إنما أنزلت من اللّه ابتلاء لعباده، و بالغ سبحانه في نصيحة عباده في ذلك، و نهاهم أن يتبعوا المتشابه بالمحكم، أي لا يحكموا عليه بشي‏ء، فإن تأويله لا يعلمه إلا اللّه، و الراسخون في العلم إن علموه بإعلام اللّه لا بفكرهم و اجتهادهم، فإن الأمر أعظم أن تستقل العقول بإدراكه من غير إخبار إلهي، فالمتشابه إن علمت أنه متشابه و لم تتعدّ به حدّه، و لا أخرجته بميلك إليه و نظرك فيه عن المتشابه فلا حرج عليك، و إنما الخوف و الحذر أن تلحقه بأحد الطرفين، و ما ذلك حقيقته، و إنما حقيقته أن يكون له وجهان؛ وجه إلى كل طرف، وجه إلى الحل و وجه إلى الحرمة، و يتعذر الفصل بين الوجهين و تخليصه إلى أحد الطرفين، فإذا اتبعته اتباع من لا يزيله عن حقيقته فما ثم زيغ، فالمحكم في المتشابه التشابه، فمن تأوله فقد أزاله عن الاشتراك، و هو مشترك، فقد زاغ من تأوله عن طريق الحق، و لذلك نهينا عن الخوض في الآيات المتشابهات، و نسبنا إلى الزيغ في اتباعها، فإن الزيغ ميل إلى أحد الشبهين، و إذا أولت إلى أحد الشبهين فقد صيرتها محكمة و هي متشابهات، فعدلت بها عن حقيقتها، و كل من عدل بشي‏ء عن حقيقته فما أعطاه حقه، فالكيّس من يقف عندها و لا يحكم فيها بشي‏ء، فإن لها شبها بالطرفين، و من ذلك الشبهات، و هو كل‏ معلوم يظهر فيه وجه للحق و وجه لغير الحق، فمثلا يكون من الأرزاق ما هو حلال بيّن و حرام بيّن، و بينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن لاحت له وقف عندها حتى يتبين له أمرها، فإما أن يلحقها بالحلال و إما أن يلحقها بالحرام، فلا يقدم عليها ما دامت في حقه شبهة، فإنها في نفس الأمر مخلصة لأحد الجانبين، و إنما اشتبه على المكلف لتعارض الأدلة الشرعية عنده في ذلك.

«فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» مآل الشي‏ء لا يصح أن يكون واقعا فيرى إلا إن مثّل للرائي، فهو كأنه يراه، فإن المآل يقابل الحال، فالحال موجود و المآل ليس بموجود، و لهذا سمي مآلا، و التأويل هو ما يئول إليه حكم هذا المتشابه، فهو محكم غير متشابه عند من يعلم تأويله، و ليس إلا اللّه، فما تشابه من القرآن لا يعلم تأويله إلا اللّه، فهو من العلوم المستورة مضمن في صور كلمات، و هو مستور أن يتعلق به معرفة عارف على القطع إلا بإخبار إلهي، لهذا ترك التأويل من تركه من العلماء و لم يقل به، و اعتمد على الظاهر، و ترك ذلك للّه، فمن أعلمه اللّه بما أراده في قوله علمه بإعلام اللّه لا بنظره، فما يعلم تأويله إلا اللّه، أي ما يئول إليه هذا اللفظ المنزل المرقوم، و ما أودع فيه‏ «وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» يعني في العلم باللّه، فهم الراسخون في العلم بشهادة توحيده، يعلمهم الحق بذلك التأويل من غير فكر فيه، إذ كان الفكر في نفسه غير معصوم من الغلط في حق كل أحد، و ذلك التعليم من طريق الوهب لا الكسب، فالعالم هو الراسخ الثابت الذي لا تزيله الشبه و لا تزلزله الشكوك، لتحققه بما شاهد من الحقائق بالعلم، فالراسخ في العلم يقول‏ «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» يعني متشابهه و محكمه، فإذا أشهده اللّه مآله فهو عنده محكم، و زال عنه في حق هذا العالم التشابه، فهو عنده كما هو عند اللّه من ذلك الوجه، و هو عنده أيضا متشابه لصلاحيته إلى الطرفين من غير تخليص، كما هو في نفس الأمر بحكم الوضع المصطلح عليه، فهو و إن عرف تأويله فلم يزل عن حكمه متشابها، فغاية علم العالم الذي أعلمه اللّه بما يئول إليه، علمه بالوجه الواحد لا بالوجهين، فهو على الحقيقة ما زال عن كونه متشابها، لأن الوجه الآخر يطلبه بما دل عليه و يتضمنه، كما طلبه الوجه الذي أعلم اللّه به هذا الشخص، فعلم اللّه على الحقيقة به أن يعلم تأويله، أي ما يؤول إليه من الجانبين في حق كل واحد، أو الجوانب إن كانوا كثيرين، فيعلمه متشابها، لأنه كذا هو؛ إذ كل جانب‏ يطلبه بنصيبه و دلالته منه.

فالمحكم محكم لا يزول، و المتشابه متشابه لا يزول، و إنما قلنا ذلك لئلا يتخيل أن علم العالم بما يئول إليه ذلك اللفظ في حق كل من له فيه حكم، أنه يخرجه عن كونه متشابها ليس الأمر كذلك، بل هو متشابه على أصله مع العلم بما يئول إليه في حق كل من له نصيب فيه، و اعلم أن الورع هو اجتناب المحرمات، و كل ما فيه شبهة من جانب المحرم فيجتنب لذلك الشبه، و هو المعبر عنه بالشبهات أي الشي‏ء الذي له شبه بما جاء النص الصريح بتحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع، بالحال الذي يوجب له هذا الاسم. «وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» و هم الغواصون الذين يستخرجون لب الأمور إلى الشهادة العينية، بعد ما كان يستر ذلك اللب القشر الظاهر الذي كان به صونه، فإن الراسخ في العلم جمع بين الإيمان الذي هو الدين الخالص، و بين ما تستحقه مرتبته من التسليم للّه في كل ما يخبر به عن نفسه، و أما العقول التي أدركها الفضول فتأولت المتشابه من الأمور، فنحن نسلم لهم حالهم و لا نشاركهم في ذلك التأويل، فإنا لا ندري هل ذلك مراد اللّه بما قاله فنعتمد عليه أو ليس بمراده فنرده، فلهذا التزمنا التسليم.

فإذا سئلنا عن مثل هذا قلنا: إنّا مؤمنون بما جاء من عند اللّه على مراد اللّه به، و إنّا مؤمنون بما جاء من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و رسله عليهم السلام على مراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و مراد رسله عليهم السلام، و نكل العلم في كل ذلك إليه سبحانه و إليهم و قد تكون الرسل بالنسبة إلى اللّه في هذا الأمر مثلنا، يرد عليها هذا الإخبار من اللّه فتسلمه إليه سبحانه و تعالى كما سلمناه و لا تعرف تأويله، هذا لا يبعد، و قد تكون تعرف تأويله بتعريف اللّه بأي وجه كان، هذا أيضا لا يبعد، و هذه كانت طريقة السلف جعلنا اللّه لهم خلفا بمنّه. فطوبى لمن راقب ربه و خاف ذنبه و عمر بذكر اللّه قلبه و أخلص للّه حبه.

و في هذا الزمان أمر عظيم خطبه، و عمّ ضرره، و هو ما تظاهر به بعض المبتدعة المنتسبين إلى الحديث و الفقه، و أشاعه في العامة و الخاصة، من اعتقاد ظواهر الآيات المتشابهة في أسمائه تعالى و صفاته، من غير تعرض لصرفها عما يوهم التشبيه و التجسيم، و يزعم أنه في ذلك متمسك بالكتاب و ماش في طريقة السلف الصالح، و يشنع على من تعرض إلى شي‏ء منها بتأويل أو صرفه على ظاهره بدليل، و ينسبه في ذلك إلى مخالفة الصحابة و التابعين رضوان اللّه عليهم أجمعين، لكونهم ما نقل عنهم التعرض لشي‏ء من ذلك، و قد ضلّ و أضلّ كثيرا، و ما يضلّ‏ به إلا من هو قاصر الفهم ضعيف النور، و من أجلّ منح اللّه تعالى على عبده، طهارة قلبه و سلامة فطرته و قلة منطقه، فإنه بذلك يلقن الحكمة، و يسمع هواتف الحق في كل نفس من أنفاسه، و يضي‏ء له في ليل المتشابه مصباح المحكم، فيرسخ قدم صدقه في معرفة ربه سبحانه، و يحيى بلده الطيب بغيث الهدى و العلم، فيخرج نباته بإذن ربه، كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، و يسلك بنحل أفكاره سبل الاستقامة، فيخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، و قد كان للصحابة رضوان اللّه عليهم من هذا المشرب أصفاه و أعذبه، و من العلم بالكتاب و السنة أزكاه و أطيبه، و كيف لا يكونون كذلك و قد تليت عليهم آيات اللّه و فيهم رسوله، و لهم بالاعتصام باللّه ما ضمنت لهم به الهداية و الاستقامة، و من يعتصم باللّه فقد هدي إلى صراط مستقيم، يعلمون الناسخ و المنسوخ بالمعاصرة، و أسباب النزول بالوقائع، و يفهمون ما أودع في مواقع التركيب و أساليب البيان بالطباع، يردّون ما اختلفوا فيه إلى اللّه و الرسول، فيعلمه الذين يستنبطونه منهم، و هم الراسخون في العلم و أولو الأمر، يتدبرون القرآن و يردّون المتشابه إلى معنى المحكم، و يقولون آمنا به كل من عند ربنا، فلا اختلاف فيه، و لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، و لأجل ذلك لم ينقل عنهم اعتناء بإيضاح آيات الأسماء و الصفات، و لا أكثروا السؤال عنها لعدم إشكالها بحسب لغتهم، و لاتساع مجال إفهامهم في معانيها الصحيحة، و كان من أدبهم رضي اللّه عنهم أن لا يثق أحدهم بفهمه في استيعاب المراد منها، فسكتوا عنها مفوضين إلى كل فهم صحيح، ما منحه اللّه تعالى من الاتساع الموافق للّغة و الآيات المحكمة، كما في صحيح البخاري و غيره عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي كرم اللّه وجهه، هل عندكم كتاب؟

قال: لا، إلا كتاب اللّه، أو فهما أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، و في بعض الروايات إلا ما يعطيه اللّه عبده فهما في القرآن، فلما انقطع بموته صلّى اللّه عليه و سلم عن ظواهر الأسماع مدد روح الوحي، و عفت عهود بانقراض علماء الصحابة رضي اللّه عنهم، و ضعف استنباط المتشابه من المحكم- بمخالطة النبط و العجم- المعنى الواضح بملابسة العجم، و حصل التمرج في القلوب، فزاغت و حجبت عن هواتف الغيب، و كثر الكلام فيما لا يعني، فقلّ إيتاء الحكمة، هنالك ظهرت أرباب البدع و أشكل معنى المتشابه، فاتبعه من في قلبه زيغ، و كاد الأمر يلتبس لو لا ما أيد اللّه تعالى به هذه الأمة من العلماء الوارثين، و السلف الصالح، فنهضوا لمناظرة أرباب البدع و تخطئتهم، و حل شبههم، و نهوا الناس عن اتباعهم و عن الإصغاء إليهم، و عن التعرض بالآراء المتشابهة، و حسموا مادة الجدال فيه و السؤال عنه، سدا للذريعة و استغناء عنه بالمحكم، و أمروا بالإيمان و بإمراره كما جاء من غير تعطيل و لا تشبيه، و كان ذلك في عصرهم مغنيا، لو لا أن المبتدعة دونوا بدعهم، و نصبوا عليها أشراك الشبه و الأهواء المضلة، فوفّق اللّه سبحانه الراسخين من علماء السنة، فدونوا في الرد عليهم الكتب الكلامية، و أيدوها بالحجج العقلية و البراهين المقيدة من الكتاب و السنة، إلى أن أظهر اللّه الحق على ألسنتهم، و قمع أهل الباطل و الزيغ و أطفأ نار البدع و الأهواء، فجزاهم اللّه تعالى عن نصيحة هذه الأمة أفضل الجزاء، و نقول، اعلم هداني اللّه تعالى و إياك لما اختلف فيه من الحق بإذنه، أن ربنا سبحانه و تعالى، متكلم عالم مريد قدير، ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، احدي فلا أين و لا تركيب لذاته، أزلي فلا كيف و لا ترتيب لصفاته، أبدي فلا تناهي لجلاله و إكرامه، تنزه في سمعه و بصره و إدراكه و بطشه عن الجوارح، و عزّ في قدرته عن الشريك و المعين، و جل في إرادته عن الأغراض، و تفرّد في كلامه عن الحروف و الأصوات، و تعالى في استوائه عن التشبيه و الكون، و تقدس في علوه و فوقيته عن الجهات، ينزل سبحانه بلا نقلة، و يجي‏ء و يأتي بلا حركة، و تراه أبصار المؤمنين بلا إدراك و لا إحاطة، لا حد لقربه، و لا مثل لحبه، و لا ثورة لغضبه، و لا كيف له في رضاه و ضحكه، و لا شفعية إلا بمعيته، و لا وترية إلا بظهور قهره و أحديته، و لا بقاء إلا لأهل عنديته، نفسه تعالى ذاته أو أم كتابه، و وجه نور توحيده عند إقباله، و صورته تعالى مظاهر تعرفاته، و ظلل غمامه و يده و يداه و أيديه أسماء حقائق يتصرف بها في مخلوقاته، و أعينه و عينه آياته المبصرة القائمة بالحفظ و الرعاية للمخصوصين من عباده، و قدمه قدم الصدق الذي بشر به المؤمنين، و جنبه صحبته و كلاءته للذاكرين من أتباع النبيين، و هو الأول و الآخر، فما من عرض و لا جوهر إلا و هو مبدوء بأوليته، مختوم بآخريته، و هو الظاهر بحكمه في محكمه، الباطن بعلمه في متشابه آياته، و حكمه ظهر بمعيته في باطن وتريته، فنشأت أعداد مصنوعاته، و بطن بقدم أحديته في أسماء الحوادث، فرجعت بحقائق هوياته إليه‏ (وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ) لا شريك له في ملكه، و هو يؤتي الملك من يشاء، و لا مثل له في كنهه، و له المثل الأعلى، تقدّس عن النظير في الدنيا و الآخرة. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ) و تنزه عن الجهات و هو اللّه في السموات، و تعالى عن التشبيه و له الآيات المتشابهات، يجتني معانيها أهل قربه في ريان جنان ذكره، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل و أتوا به متشابها، و لهم فيها أزواج مطهرة و هم فيها خالدون، فيقول الراسخون في العلم.

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 8]

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)

«رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا» يعني بالفكر فيما أنزلته‏ «بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا» إلى الأخذ منك علم ما أنزلته إلينا، فأوقفتنا على مرادك من تلك الألفاظ التي حواها الكتاب، و التعريف من المعاني المخلصة عن المواد، فأعطاهم اللّه العلم غير مشوب. «وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» الوهب العطاء من الواهب على جهة الإنعام، لا يخطر له خاطر الجزاء عليه من شكر و لا غيره، فأم الأعطيات الإلهية هو الوهب، و هو الإعطاء لينعم لا لأمر آخر، فهو الوهاب على الحقيقة في جميع أنواع عطائه، و كل عطاء خارج عن الجزاء الوفاق فذلك من الاسم الواهب و الوهاب، فسأله الراسخون في العلم من جهة الوهب لا من جهة الكسب، فإنه ما يعلم مراد اللّه فيما أنزله على التعيين إلا بطريق الوهب، و هو الإخبار الإلهي الذي يخاطب به الحق قلب العبد في سرّه بينه و بينه، فأشرف العلوم ما ناله العبد من طريق الوهب، و إن كان الوهب يستدعيه استعداد الموهوب إليه بما اتصف به من الأعمال الزكية المشروعة، و لكنه لما لم يكن ذلك شرطا في حصول هذا العلم، لذلك تعالى هذا العلم عن الكسب، فإن بعض الأنبياء تحصل لهم النبوة من غير أن يكونوا على عمل مشروع يستعدون به إلى قبولها، و بعضهم قد يكون على عمل مشروع فيكون ذلك عين الاستعداد، فربما يتخيل من لا معرفة له، أن ذلك الاستعداد لولاه ما حصلت النبوة، فتخيل أنها اكتساب، و النبوة في نفسها اختصاص إلهي يعطيه لمن يشاء من عباده و ما عنده خبر بشرع و لا غيره.

[سورة آل‏عمران (3): آية 9]

رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9)

 

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 10 الى 13]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى‏ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمِهادُ (12) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرى‏ كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13)

لعبرة أي تعجبا، فإن في إسبال الستور الجهل بالأمور، و الأبصار تخترق الأستار، لهذا شرع الاعتبار «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» و الستر مسدل، و الباب مقفل، و العطاء مسبل، فما نفع الحجاب، و لا منع باب، بصر الاعتبار لا يقف له شي‏ء من الاسكار، و هو النظر في الأشياء بحكم الاعتبار، و جعل اللّه العبرة للأبصار، و الاعتبار إنما هو للبصائر، فذكر الأبصار لأنها الأسباب المؤدية إلى الباطن ما يعتبر فيه عين البصيرة، فاعلم أن اللّه خاطب الإنسان بجملته، و ما خصّ ظاهره من باطنه، و لا باطنه من ظاهره، فتوفرت دواعي الناس أكثرهم إلى معرفة أحكام الشرع في ظواهرهم، و غفلوا عن الأحكام المشروعة في بواطنهم، إلا القليل، فإنهم بحثوا في ذلك ظاهرا و باطنا، فما من حكم قرروه شرعا في ظواهرهم إلا و رأوا أن ذلك الحكم له نسبة إلى بواطنهم، أخذوا على ذلك جميع أحكام الشرع، فعبدوا اللّه بما شرع لهم ظاهرا و باطنا، ففازوا حين خسر الأكثرون، و نبغت طائفة ضلّت و أضلّت، فأخذت الأحكام الشرعية و صرفتها في بواطنهم، و ما تركت من حكم الشريعة في الظواهر شيئا، تسمى الباطنية، و هم في ذلك على مذاهب مختلفة، و قد ذكر الإمام أبو حامد في كتابه المستظهر له في الرد عليهم شيئا من مذاهبهم، و بيّن خطأهم فيها، و السعادة إنما هي مع أهل الظاهر، و هم في الطرف و النقيض من أهل الباطن، و السعادة كل السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر و الباطن، و هم العلماء باللّه و بأحكامه. فما من حكم من أحكام فرائض الشريعة و سننها و استحباباتها إلا و له في الباطن‏ حكم أو أزيد، على قدر ما يفتح للعبد في ذلك، فرضا كان أو سنة أو مستحبا، لا بدّ من ذلك، و حدّ ذلك في سائر العبادات المشروعة كلها، و بهذا يتميز حكم الظاهر من الباطن، فإن الظاهر يسري في الباطن، و ليس في الباطن أمر مشروع، يسري في الظاهر، بل هو عليه مقصور، فإن الباطن معان كلها، و الظاهر أفعال محسوسة، فينتقل من المحسوس إلى المعنى و لا ينتقل من المعنى إلى الحسّ، لهذا جاء الاعتبار في الشرع، فإن خطاب الشرع إذا تعلق بالظاهر كان اعتباره في الباطن، و إذا تعلق خطاب الشرع بالباطن كان اعتباره في الظاهر، فالعالم لا يزال ناظرا إلى الشرع بمن علق الحكم فيما جاء به في هذه المسألة الخاصة، هل بالظاهر مثل الحركات؟ أو بالباطن مثل النية و الحسد و الغل و تمني الخير للمؤمنين و الظن الحسن و الظن القبيح؟ فحيث ما علق الشارع خطاب اللسان الظاهر به كان الاعتبار في مقابله، أو في مقابلة الحكم، كالظن الحسن يقابله الظن القبيح، و يقابله الفعل الحسن في الظاهر، هذه مقابلة المواطن، فنجمع بين الظاهر و الباطن لكمال النشأة، فإنه ما يظهر في العالم صورة من أحد من خلق اللّه بأي سبب ظهرت من أشكال و غيرها، إلا و لتلك العين الحادثة في الحس روح، تصحب تلك الصورة في الشكل الذي ظهر، فإن اللّه هو الموجد على الحقيقة لتلك الصورة بنيابة كون من أكوانه، من ملك أو جن أو إنس أو حيوان أو نبات أو جماد، و هذه الأسباب كلها لوجود تلك الصورة في الحسّ. فلما علمنا أن اللّه قد ربط بكل صورة حسية روحا معنويا بتوجه إلهي عن حكم اسم رباني، لهذا اعتبرنا خطاب الشرع في الباطن على حكم ما هو في الظاهر، قدما بقدم، لأن الظاهر منه هو صورته الحسية، و الروح الإلهي المعنوي في تلك الصورة هو الذي نسميه الاعتبار في الباطن، من عبرت الوادي إذا جزته، و هو قوله تعالى‏ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» و قال‏ (فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) أي جوزوا مما رأيتموه من الصور بأبصاركم، إلى ما تعطيه تلك الصور من المعاني و الأرواح في بواطنكم، فتدركونها ببصائركم، و أمر و حث على الاعتبار، و هذا باب أغفله العلماء و لا سيما أهل الجمود على الظاهر، فليس عندهم من الاعتبار إلا التعجب، فلا فرق بين عقولهم و عقول الصبيان الصغار، فهؤلاء ما عبروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم اللّه.

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 14]

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)

لما قبلت الحضرة الخيالية المعاني صورا قال اللّه فيها «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ» فصوّر الحب صورة، زينها لمن شاء من عباده، فأحبها بنفسها ما أحبها بغيرها، لأنه تعالى ما زيّن له إلا حب الشهوة فيما ذكره، فالحب المطلق زين له، ثم علقه بالشهوة فيما ذكره، و علقه لمن شاء في الشهوة أيضا في أمر آخر، و إنما ذكر الشهوة لأنها صورة طبيعية، فإنّ الخيال حضرته الطبيعة، ثم يحكم عليها الخيال فيجسدها إذا شاء، و الشهوة هي آلة النفس تعلو بعلو المشتهى و تسفل باستفال المشتهى، و الشهوة إرادة الالتذاذ بما ينبغي أن يلتذ به، و لا يلتذ إلا بالمناسب، و التذاذ الإنسان بكماله أشد الالتذاذ، برهان ذلك أن الإنسان لا يسري في كله الالتذاذ، و لا يفنى في مشاهدة شي‏ء بكليته، و لا تسري المحبة و العشق في طبيعة روحانيته إلا إذا عشق جارية أو غلاما، و سبب ذلك أنه يقابله بكليته لأنه على صورته، و كل شي‏ء من العالم جزء منه، فلا يقابله إلا بذلك الجزء المناسب، فلذلك لا يفنى في شي‏ء يعشقه إلا في مثله، و لذلك بدأ بالنساء فقال‏ «مِنَ النِّساءِ» أي في النساء، فحنين الرجل إليهن حنين الكل إلى جزئه، كاستيحاش المنازل لساكنيها التي بهم حياتها، و لأن المكان الذي في الرجل الذي استخرجت منه المرأة عمره اللّه بالميل إليها، فحنينه إلى المرأة حنين الكبير، و حنوه على الصغير، و كذلك كما كان الإنسان محلّ التكوين، و كان الإنسان بالصورة يقتضي أن يكون فعالا، و لا بدّ له من محل يفعل فيه، و يريد لكماله أن لا يصدر عنه إلا الكمال، و لا أكمل من وجود الإنسان، و لا يكون ذلك إلا في النساء اللاتي جعلهن اللّه محلا، و المرأة جزء من الرجل بالانفعال الذي انفعلت عنه، حبب إلى الكامل النساء، و لما كانت المرأة عين ضلع الرجل، فما كان محل تكوين ما كون فيها إلا نفسه، فما ظهر عنه مثله إلا في عينه و نفسه، ثم ذكر فتنة الولد و المال، و هذه الفتن تضم الأمهات الثلاث للبلاء و الاختبار: و هي فتنة النساء و الولد و المال، و أما فتنة الولد فلكونه سر أبيه و قطعة من كبده، و ألصق الأشياء به، فحبه‏ حب الشي‏ء نفسه، و لا شي‏ء أحب إلى الشي‏ء من نفسه، فاختبره اللّه بنفسه في صورة خارجة عنه سماه ولدا، ليرى هل يحجبه النظر إليه عما كلفه الحق في إقامة الحقوق عليه، يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في حق ابنته فاطمة و مكانتها من قلبه المكانة التي لا تجهل: [لو أن فاطمة بنت محمد سرقت قطعت يدها] و جلد عمر بن الخطاب ابنه في الزنا فمات، و نفسه بذاك طيبة.

فما من فتنة أعظم عند الرجال من فتنة الولد، و المال، الولد مجهلة مجبنة مبخلة، و المال مالك، و صاحبه بكل وجه، و إن فاز هالك، إن أمسكه أهلكه، و إن جاد به تركه، و ما سمي مالا إلا لكونه يمال إليه طبعا، فاختبر اللّه به عباده حيث جعل تيسير بعض الأمور بوجوده، و علّق القلوب بمحبة صاحب المال و تعظيمه، و لو كان بخيلا، فإن العيون تنظر إليه بعين التعظيم، لتوهم النفوس باستغنائه عنهم، لما عنده من المال، و ربما يكون صاحب المال أشد الناس فقرا إليهم في نفسه، و لا يجد في نفسه الاكتفاء و لا القناعة بما عنده، فهو يطلب الزيادة مما بيده، و من أراد أن يعتصم من التزيين، فليقف عند ظاهر الكتاب و السنة، لا يزيد على الظاهر شيئا، فإن التأويل قد يكون من التزيين، فما أعطاه الظاهر جرى عليه، و ما تشابه منه، وكل علمه إلى اللّه، و آمن به، فهذا متبع ليس للتزيين عليه سبيل، و لا يقوم عليه حجة عند اللّه. «وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» الإنسان يتردد بين ثلاثة أحكام: حكم ذاتي له منه عليه و هو المباح، و حكمان قرنا به مما قرن به من الأرواح الطاهرة الملكية و غير الطاهرة الشيطانية، و له القبول و الردّ بحسب ما سبق به الكتاب، و قضى به الخطاب، فمنهم شقي و سعيد، كما كان من القرناء مقرب و طريد، فهو لمن أجاب، و على اللّه تبيان الخطأ من الصواب، و غاية الأمر «أن اللّه عنده حسن المآب» و ما قرن اللّه قط بالمآب إليه سوءا تصريحا، و غاية ما ورد في ذلك في معرض التهديد في الفهم الأول. (وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).

 

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 15 الى 16]

قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (16)

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 17]

الصَّابِرِينَ وَ الصَّادِقِينَ وَ الْقانِتِينَ وَ الْمُنْفِقِينَ وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17)

«وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ» عند تجليه من سمائه، و السحر هو سدفة، و هو اختلاط الضوء و الظلمة، فلا هو ظلمة محضة، و لا هو نور محض، فله وجهان: وجه إلى الليل، و وجه إلى النهار، و هو الوقت الذي بين الفجرين، الفجر الكاذب، و الفجر الصادق، و هو أشبه بالشبهة، لذلك شرع الاستغفار في الأسحار، أي طلب من اللّه عند تجليه من سمائه التستر عن الميل إلى المتشابه. و قد ذكر تعالى أنه ما يتبعه إلا من في قلبه زيغ.

[سورة آل‏عمران (3): آية 18]

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

[توحيد الالهويه و الشهادة على الاسم المسقط]

«شَهِدَ اللَّهُ»، فبدأ بنفسه في الشهادة بتوحيده، ثم ذكر الملائكة، ثم ذكر بعد الملائكة أولي العلم، و هم الأناسي، و هكذا كان أمر الوجود، فالأولية للحق، ثم أوجد الملك ثم أوجد الإنسان و أعطاه الخلافة، فكانت شهادته تعالى لنفسه بالتوحيد، ثم عطف سبحانه‏ «الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» على نفسه بالواو، و لم يعطف اللّه تعالى هنا بذكر الشهادة تشريفا للملائكة و أولي العلم، و إن كان قد فصلهم عن شهادته لنفسه بذكره‏ «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» و الواو حرف يعطي الاشتراك، و لا اشتراك هنا إلا في الشهادة قطعا، و فصل شهادة الحق لنفسه لتتميز من شهادة من سواه، بما شهد به لنفسه، و الضمير في‏ «أَنَّهُ» يعود على اللّه من‏ «شَهِدَ اللَّهُ» فعطف بالواو، و قال‏ «وَ الْمَلائِكَةُ» فقدم الملائكة للمجاورة، و الملائكة كلهم علماء باللّه ليس فيهم من يجهل بخلاف الناس، ثم قال في حق الناس‏ «وَ أُولُوا الْعِلْمِ» يعني من الجن و الإنس، و ما أطلق مثل ما أطلق الملائكة، فجعلهم جيران الملائكة لتصح الشفاعة من الملائكة فينا لحق الجوار، و العلم هنا علم التوحيد لا علم الوجود، فإن العالم كله عالم بالوجود لا بالتوحيد، لا في الذات و لا في المرتبة، فالموحدون بأي وجه كان أولياء للّه تعالى، فإنهم حازوا أشرف المراتب التي شرك اللّه أصحابها من أجلها مع اللّه فيها، و شهادة الملائكة و أولي العلم بتوحيده على قدر مراتبهم في ذلك، فلذلك فصل بين شهادته لنفسه و شهادة العلماء له، فأخبر سبحانه و تعالى عباده بشرف العلم حيث وصف به نفسه، و أخبر تعالى أن العلماء هم الموحدون على الحقيقة، و التوحيد أشرف مقام ينتهى إليه، و ليس وراءه مقام إلا التثنية، فمن زلت قدمه عن صراط التوحيد رسما أو حالا وقع في الشرك، فمن زلت قدمه في الرسم فهو مؤبد الشقاء لا يخرج من النار أبدا لا بشفاعة و لا بغيرها، و من زلت قدمه في الحال فهو صاحب غفلة، يمحوها الذكر و ما شاكله، فإن الأصل باق يرجى أن يجبر فرعه بمنّ اللّه تعالى و عنايته، و الموحد للّه في ألوهته إن كان عن شهود لا عن نظر و فكر، فهو من أولي العلم الذين ذكرهم اللّه في هذه الآية، لأن الشهادة إن لم تكن عن شهود و إلا فلا، فإن الشهود لا يدخله الريب و لا الشكوك، و إن وحّده بالدليل الذي أعطاه النظر، فما هو من هذه الطائفة المذكورة، فإنه ما من صاحب فكر، و إن أنتج له علما إلا و قد يخطر له دخل في دليله و شبهة في برهانه، يؤديه ذلك إلى التحيّر و النظر في ردّ تلك الشبهة، فلذلك لا يقوى صاحب النظر في علم ما يعطيه النظر قوة صاحب الشهود، لذلك كان أرباب الفيض الإلهي الذين قال تعالى فيهم: (وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) و الذين ورثوا العلم و أخذوه بالمجاهدة و الأعمال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لا يعلم‏] كان هؤلاء أولى باسم العالم من صاحب النظر و الفكر، لأن اللّه أعطاهم من الفيض الإلهي ما هو وراء طور العقل، و هم على بصيرة فيما يعلمونه لا يدخلهم شبهة؛ و صاحب النظر ما يخلو عن شبهة تدخل عليه في دليله و قال تعالى‏ «وَ أُولُوا الْعِلْمِ» و لم يقل (و أولو الإيمان) لأن أولي العلم شهدوا للّه بتوحيده قبل إيمانهم، و منهم الرسل قد و حدوه قبل أن يكونوا أنبياء و رسلا، فإن الرسول ما أشرك قط، فرتبة العلم فوق رتبة الإيمان بلا شك،

و هي صفة الملائكة و الرسل، و قد يكون حصول ذلك العلم عن نظر أو ضرورة كيفما كان، فيسمى علما إذ لا قائل و لا مخبر يلزم التصديق بقوله، فلما أضافهم إلى العلم لا إلى الإيمان علمنا أنه أراد من حصل له التوحيد من طريق العلم النظري أو الضروري لا من طريق الخبر، كأنه يقول: و شهدت الملائكة بتوحيدي بالعلم الضروري من التجلي الذي أفادهم العلم، و قام لهم مقام النظر الصحيح في الأدلة العقلية، فشهدت لي بالتوحيد كما شهدت لنفسي‏ «وَ أُولُوا الْعِلْمِ» بالنظر العقلي الذي جعلته في عبادي، ثم جاء الإيمان بعد ذلك في الرتبة الثانية من العلماء، و هو الذي يعول عليه في السعادة، فإن اللّه به أمر، و سميناه‏ علما لكون المخبر هو اللّه، فقال‏ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في الصحيح [من مات و هو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة] و لم يقل هنا يؤمن، فإن الإيمان موقوف على الخبر، و قد علمنا أن للّه عبادا كانوا في فترات، و هم موحدون علما، و ما كانت دعوة الرسل قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عامة، فيلزم أهل كل زمان الإيمان، فعمّ بهذا الكلام جميع العلماء بتوحيد اللّه، المؤمن منهم من حيث ما هو عالم به من جهة الخبر الصدق الذي يفيد العلم لا من جهة الإيمان، و غير المؤمن، فالإيمان لا يصح وجوده إلا بعد مجي‏ء الرسول، فإذا جاء الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، و بين يديه العلماء باللّه و غير العلماء باللّه،

و قال للجميع: قولوا لا إله إلا اللّه، علمنا على القطع، أنه صلّى اللّه عليه و سلم في ذلك القول معلم لمن لا علم له بتوحيد اللّه من المشركين، و علمنا أنه في ذلك القول أيضا معلم للعلماء باللّه، و توحيده أن التلفظ به واجب، و أنه العاصم لهم من سفك دمائهم و أخذ أموالهم و سبي ذراريهم، و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحق الإسلام و حسابهم على اللّه‏] فالحكم هنا للقول لا للعلم، و الحكم يوم تبلى السرائر في هذا العلم لا للقول، فأعلم العلماء باللّه بعد ملائكة اللّه رسل اللّه و أولياؤه، ثمّ العلماء باللّه بالأدلة و من دونهم. «قائِماً بِالْقِسْطِ» فوصف الحق نفسه في هذا التوحيد أنه قائم بالقسط، أي بإقامة الوزن، أي بالعدل فيما فصل به بين الشهادتين، فشهد لنفسه بتوحيده و شهد لملائكته و أولي العلم أنهم شهدوا له بالتوحيد، و هذا من باب قيامه بالقسط، و هو من باب فضل من أتى بالشهادة قبل أن يسألها، فإن اللّه شهد لعباده أنهم شهدوا بتوحيده قبل أن يسأل منه عباده ذلك، و هذا هو التوحيد الخامس في القرآن، و هو قوله تعالى‏ «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» و هو توحيد الهوية، و الشهادة على الاسم المقسط، و هو العدل في العالم بإعطاء كل شي‏ء خلقه، فوصف نفسه بإقامة الوزن في التوحيد، أعني توحيد الشهادة بالقيام بالقسط، و جعل ذلك للهوية، و كان اللّه الشاهد على ذلك من حيث أسماؤه كلها، فإنه عطف بالكثرة و هو قوله‏ «وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ»، فعلمنا حيث ذكر اللّه، و لم يعين اسما خاصا أنه أراد جميع الأسماء الإلهية التي يطلبها العالم بالقسط، إذ لا يزن على نفسه، فلم يدخل تحت هذا إلا ما يدخل في الوزن، فهذا توحيد القسط في إعطاء الحق في هذه الشهادة، فإنه قال بعد قوله‏ «قائِماً بِالْقِسْطِ» «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»، و بيّن الحق في هذه الآية أن الشهادة لا تكون إلا عن علم لا عن غلبة ظن، و لا تقليد إلا تقليد معصوم فيما يدعيه، فتشهد له بأنك على علم، كما نشهد نحن على الأمم أن أنبياءها بلّغتها دعوة الحق، و نحن ما كنا في زمان التبليغ، و لكن صدّقنا الحق فيما أخبر به في كتابه، و كشهادة خزيمة، و ذلك لا يكون إلا لمن هو في إيمانه على علم بمن آمن به، لا على تقليد و حسن ظن.

ثم قوله تعالى بنفسه‏ «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» نظير الشهادة الأولى التي له، فحصلت شهادة العالم له بالتوحيد بين شهادتين إلهيتين أحاطتا بها، حتى لا يكون للشقاء سبيل إلى القائل بها، ثم تمّم بقوله‏ «الْعَزِيزُ» ليعلم أن الشهادة الثانية له مثل الأولى لاقتران العزة بها، أي لا ينالها إلا هو، لأنها منيعة الحمى بالعزة، و لو كانت هذه الشهادة من الخلق لم تكن منيعة الحمى عن اللّه، فدلّ إضافة العزة لها على أنها شهادة اللّه لنفسه، فهو تعالى العزيز فلا يصل أحد إلى العلم و لا إلى الظفر بحقيقته.

و قوله‏ «الْحَكِيمُ» لوجود هذا الترتيب في إعطاء السعادة لصاحب هذه الشهادة، حيث جعلها بين شهادتين منسوبتين إلى اللّه، من حيث الاسم الأول و الآخر و شهادة الخلق بينهما، فسبحان من قدّر الأشياء مقاديرها، و عجز العالم عن أن يقدّروها حقّ قدرها، فكيف أن يقدروا من خلقها، و هو تعالى الحكيم الذي نزل لعباده في كلماته، فقرّب البعيد في الخطاب لحكمة أرادها تعالى- فائدة-

اعلم أن اللّه جعل في قلب العارف كنز العلم باللّه، فشهد للّه بما شهد به الحق لنفسه من أنه لا إله إلا هو، و نفى هذه المرتبة عن كل ما سواه، فقال تعالى: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» فجعلها كنزا في قلوب العلماء باللّه، و لما كانت كنزا لذلك لا تدخل الميزان يوم القيامة، و ما يظهر لها عين إلا إن كان في الكثيب الأبيض يوم الزور، و يظهر جسمها و هو النطق بها عناية لصاحب السجلات لا غير، فذلك الواحد يوضع له في ميزانه التلفظ بها، إذ لم يكن له خير غيرها، فما يزن ظاهرها شي‏ء، فأين أنت من روحها و معناها؟ فهي كنز مدّخر أبدا دنيا و آخرة، و كل ما ظهر في الأكوان و الأعيان من الخير فهو من أحكامها و حقها.

3/ 19

الإسلام الانقياد إلى ما دعاك الحق إليه ظاهرا و باطنا على الصفة التي دعاك أن تكون عليها عند الإجابة،- إشارة- الدين الانقياد، و الناموس هو الشرع الذي شرعه اللّه تعالى، فمن اتصف بالانقياد لما شرعه اللّه له فذلك الذي قام بالدين، و أقامه أي أنشأه كما يقيم الصلاة، فالمكلف إما منقاد بالموافقة و إما مخالف، فالموافق المطيع لا كلام فيه لبيانه، و أما المخالف، فإنه يطلب بخلافه الحاكم عليه من اللّه أحد أمرين، إما التجاوز و العفو، و إما الأخذ على ذلك، و لا بد من أحدهما لأن الأمر حق في نفسه، فإنه يقتضي الانقياد، فعلى كل حال صح انقياد الحق إلى عبده بأفعاله و ما هو عليه من الحال.

– تحقيق- ما في الكون إلا مسلم لغة، لأنه ما ثمّ إلا منقاد للأمر الإلهي، لأنه ما ثمّ من قيل له كن فأبى، بل يكون من غير تثبّط لا يصح إلا ذلك، إن الدين عند اللّه الإسلام منه و منك، سواء كنت مخالفا للشرائع أو موافقا لها، فالموافق لما أسلم إلى الحق ما يرضاه من انقياده، أسلم إليه ما يرضيه من نتائج استعداده، رضي اللّه عنهم و رضوا عنه، و المخالف أيضا على وفق استعداده و قوة إنتاج فعله و إمداده، فإن قوى إسلامه في الظلم و العدوان حكما في جميع الأديان، أضرمت نتائجه عليه النيران و تسربل بالقطران، و من ضعفت مخالفاته و قويت طاعاته في إسلامه، أسلم إليه الحق الغفران، فالكل دين و ثواب، و وفاق و عقاب، لأن الدين في اللسان العربي هو العادة، و العقاب هو ما يعقب من أثر الأحوال، و الحساب هو إحصاء الأنفاس و الأعمال و الأحوال و الأقوال، و الثواب هو ردّ ما يقابلها من الأجر و الوزر، فالكل أجر، و لكن العرف سمى الملائم من ذلك إذا كان من اللّه ثوابا و ضده عقابا، و الموافقة من العبد دينا و إسلاما، و المخالفة فسوقا و عصيانا.

3/ 20 التبليغ أفضل الأعمال، و هو أخص أوصاف الرسل، أي التبليغ عن اللّه تعالى، و ما عدا هذا الوصف فإنه يشارك فيه، «فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ» أي انقدت لأمره- «وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ» فإن المبلغ عن اللّه لا يصح منه الندم على فعل ما يجب عليه فعله، لضرر قام به أو شفقة على من لم يسمع حيث زاد في شقائه لما أعلمه حين لم يصغ إلى ذلك.

3/ 21 إن اللّه ما عصم من بلاء الدنيا، فإن الأنبياء مع طاعتهم للّه و حضورهم معه لا يأمنون أن يصيب اللّه عامة عباده بشي‏ء فيعم الصالح و الطالح، لأن الدنيا دار بلاء؛ قال تعالى:

«إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ» و هم ورثة الأنبياء الذين يدعون على بصيرة من اللّه كما دعا الرسل، لأنهم المجاهدون الذين اختاروا لأنفسهم أن يظهروا الحق و الدين، حتى يموتوا مجاهدين، فشرك اللّه بينهم و بين الأنبياء في المحنة و ما ابتلوا به، و ذكر اللّه ذلك في معرض الثناء على المقتولين، و ذم الذين لم يصغوا إلى ما بلغ الرسول و لا الوارث إليهم، فالنصيحة لعباد اللّه واجبة على كل مؤمن باللّه، و لا يبالي ما يطرأ عليه من الذي ينصحه من الضرر، فإن الدين النصيحة للّه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم، فلا يصرفنك عن ذلك صارف، و لا تظهر الندم على ذلك، فإن المخبر عن اللّه لا يرى في باطنه إلا النور الساطع، سواء قبل قوله أو ردّ أو أذى.

«فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» من جملة الخطابات الإلهية البشارات، و هي على قسمين: بشارة بما يسوء، مثل قوله تعالى‏ «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» و بشارة بما يسر، مثل قوله تعالى‏ (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ) فكل خبر يؤثر وروده في بشرة الإنسان الظاهرة فهو خبر بشرى، فالبشرى لا تختص بالسعداء في الظاهر، و إن كانت مختصة بالخير، و الكلام على هذه البشرى لغة و عرفا، فأما البشرى من طريق العرف فالمفهوم منها الخير و لا بد، و لما كان هذا الشقي ينتظر البشرى في زعمه لكونه يتخيل أنه على الحق، قيل بشره لانتظاره البشرى، و لكن كانت البشرى له بعذاب أليم، و أما من طريق اللغة فهو أن يقال له: ما يؤثر في بشرته،

فإنه إذا قيل له خير أثر في بشرته بسط وجه و ضحكا و فرحا و اهتزازا و طربا، و إذا قيل له شر أثر في بشرته قبضا و بكاء و حزنا و كمدا و اغبرارا و تعبيسا، و لذلك قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) ذكر ما أثر في بشرتهم، فلهذا كانت البشرى تنطلق على الخير و الشر لغة، و أما في العرف فلا، و لهذا أطلقها اللّه تعالى، فقال في حق المؤمنين‏ (لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ) و لم يقل بما ذا، فإن العرف يعطي أن ذلك بالخير، و قرينة الحال تدلّ عليه، و قيل هنا «بشرهم» لأثر ما بشر به في بشرة كل من بشّر، يقول تعالى‏ (وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) فقيل‏ «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» و قيل‏ «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ» لأن كل واحد أثر في بشرته ما بشّر به، و من عيّنته الرسل بالبشرى أنه شقي فقد تميز بالشقاء، فالبشرى مختصة بالمؤمن و هو يبشر الكافر، و الكافر لا حظّ له في البشرى الإلهية برفع الوسائط.

3/ 22 ينجونهم من ذلك العذاب.

3/ 25- 23 الجمع ظهر في ثلاثة مواطن: في أخذ الميثاق، و في البرزخ بين الدنيا و الآخرة، و الجمع في البعث بعد الموت، و ما ثم بعد هذا الجمع جمع يعمّ، فإنه بعد القيامة كل دار تستقل بأهلها فلا يجتمع عالم الإنس و الجن بعد هذا الجمع أبدا.

 3/ 26 لما كانت عبوديتنا للّه يستحيل رفعها و عتقها، لأنها صفة ذاتية له، و استحال العتق منها، نبه تعالى على ذلك بقوله‏ «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ» فسماه ملكا ليصح له اسم المالك، و لم يقل مالك العالم. «تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ» فإنه الربّ، فله السيادة، و العبد المربوب- وجه- «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ» و أي ملك أعظم من العلم‏ «تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ» و هو ما أعطاه من العلم للمؤمن المقلد الجاهل، السعيد في الدار الآخرة «وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ» و أي ملك أفضل من العلم فينزعه من العالم غير المؤمن الذي هو من أهل النار «وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ» بذلك العلم‏ «وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ» بانتزاع ذلك العلم منه‏ «بِيَدِكَ الْخَيْرُ» لما كان هو الخير المحض، فإنه الوجود الخالص المحض الذي لم يكن عن عدم و لا إمكان عدم و لا شبهة عدم، كان الخير كله بيديه، فلا يضاف إليه عدم الخير الذي هو الشر، فإنه لا ينبغي لجلاله: «إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» و لم يضف الشر إليه، و هو الحكيم الخبير- تحقيق- يتخيل أن المشيئة هنا ضميرها الرحمن، و ما ضميرها إلا من، و هو عين الأكوان، لأنّا قد قررنا أن الذي كانوا عليه في ثبوتهم هو عين القضاء، من حيث أن العلم تابع للمعلوم، فالكون أعطاه العزل و الولاية، و العز و الذل، و الرشد و الغواية، فحكم عليه بما أعطاه، فما قسط و لا جار، فإنه نعم الحاكم و الجار.

3/ 28- 27 «وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» الكلام في ذات اللّه عندنا محجور بقوله تعالى‏ «وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» و ذلك من وجه من وجوه معنى هذه الآية، ففي ذلك إشارة إلى منع التفكر في ذات اللّه كما أمر به الشرع، لأن مقام الفكر لا يتعدى النظر في الإله من كونه إلها و فيما ينبغي أن يستحقه من له صفة الألوهية من التعظيم و الجلال و الافتقار إليه بالذات، و هذا كله يوجد حكمه قبل وجود الشرائع، ثم جاء الشرع به مخبرا و آمرا، فأمر به و إن أعطته فطرة البشر، ليكون عبادة يؤجر عليها، فإذا كان عملا مشروعا للعبد أثمر له ما لا يثمر له إذا اتصف به لا من حيث ما هو مشروع، و ليس للفكر حكم و لا مجال في ذات الحق لا عقلا و لا شرعا.

3/ 29- تنبيه- لما كان اللّه بكل شي‏ء عليم، و على كل شي‏ء قدير، لهذا يتجلى في كل صورة.

3/ 30 عند ما تشرق الأرض بنور ربها تعلم كل نفس بذلك النور ما قدمت و أخرت لأنها تجده محضرا يكشفه لها هذا النور، و ما من نفس إلا و لها نور تكشف به ما عملت، فما كان من خير سرت به، و ما كان من سوء تود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا، و لهذا ختم اللّه الآية بقوله: «وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» حيث جعل لهم أنوارا يدركون بها، و من كان له حظّ في النور كيف يشقى شقاء الأبد، و النور ليس من عالم الشقاء فلا بد أن يكون المآل إلى الملائم، و هو المعبر عنه بالسعادة لأنه قال‏ «كُلُّ نَفْسٍ» فعمّ و ما خصّ نفسا من نفس و ذكر الخير و الشر، و أشار بقوله تعالى‏ «وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» أي لا تتعرضوا للتفكر فيها فتحكموا عليها بأمر أنها كذا و كذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: لا تتفكروا في ذات اللّه أي لا تستعملوا فيها الفكر، لأن الفكر فيها ممنوع شرعا، و سبب ذلك ارتفاع المناسبة بين ذات الحق و ذات الخلق‏ «وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» يقول تعالى ما حذرناكم من النظر في ذات اللّه إلا رحمة بكم و شفقة عليكم لما نعلم ما تعطيه القوة المفكرة للعقل من نفي ما نثبته على ألسنة رسلي من صفاتي فتردونها بأدلتكم فتحرمون الإيمان فتشقون شقاوة الأبد، ثم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن ينهانا، أن نفكر في ذات اللّه كما فعل بعض عباد اللّه، فأخذوا يتكلمون في ذات اللّه من أهل النظر، و اختلفت مقالاتهم في ذات اللّه، و كل تكلم بما اقتضاه نظره، فنفى واحد عين ما أثبته الآخر، فما اجتمعوا على أمر واحد في اللّه من حيث النظر في ذاته و عصوا اللّه و رسوله بما تكلموا به مما نهاهم اللّه عنه رحمة بهم، فرغبوا عن رحمة اللّه، و ضل سعيهم في الحياة الدنيا، و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فقالوا هو علة، و قال آخرون ليس بعلة، و قال آخرون ذات الحق لا تصح أن تكون جوهرا و لا عرضا و لا جسما بل عين إنيتها عين ماهيتها، و أنها لا تدخل تحت شي‏ء من المقولات العشرة، و أطنبوا في ذلك، ثم جاء الشرع بنقيض ما دلت عليه العقول مما هو من صفات المحدثات، ثم جاء بليس كمثله شي‏ء مع ثبوت هذه الصفات، فلو استحالت كما يدل عليه العقل ما أطلقها على نفسه، و لكان الخبر الصدق كذبا، إذ ما بعث اللّه رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم ما أنزل إليهم ليفهموا، و قد بيّن صلّى اللّه عليه و سلم و أشهد اللّه على أمته أنه بلغ، فجهلنا النسبة بليس كمثله شي‏ء، و فهمنا معقول هذه الألفاظ الواردة، و أن المعقول منها واحد بالنظر إلى الوضع فتختلف نسبتها باختلاف المنسوب إليه، ما تختلف حقائقها لأن الحقائق لا تتبدل. فمن وقف مع هذه الألفاظ و معانيها، و قال بعدم علم النسبة إلى الحق، فهو عالم مؤمن بما جاء من المنقول مع نفي المماثلة في النسبة، و هو العلم الصحيح بحقيقة الصفة الواردة الموصوف بها ذاتا مجهولة، فاثبت على ما جاءتك به الشريعة تسلم، فهو أعلم بنفسه و أصدق في قوله، و ما عرفنا إلا بما هو الأمر عليه.

[العلم باللّه‏]

العلم باللّه ديني إذ أدين به‏ و الجهل بالعين إيماني و توحيدي‏
في كل مجلى أراه حين أشهده‏ ما بين صورة تنزيه و تحديد

فالعلم بالسمعيات هو علمنا الذي نعول عليه في الحكم الظاهر، و نأخذ بالكشف عند التعمل بالتقوى، فيتولى اللّه تعليمنا بالتجلي، فنشهد ما لا تدركه العقول بأفكارها مما ورد به السمع، و أحاله العقل، و تأوله عقل المؤمن، و سلمه المؤمن الصرف أما إذا أردنا أن نتأول نسبة النفس هنا إلى اللّه تعالى، و هي من الآيات المتشابهة، فنرد ذلك إلى آياته المحكمة، فيكون قوله تعالى‏ «وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» أي يحذركم أمّ كتابه، بدليل قوله أول الآية «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ» الآية، مع قوله تعالى‏ «وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ» الآية، مع ما ثبت في صحيح مسلم و غيره من قوله صلّى اللّه عليه و سلم [فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع واحد، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها- الحديث‏] فهذا تحذير من أم الكتاب الذي يكون خاتمة العبد على وفق ما سبق له فيه، و بهذا يفهم السر في ذكر النفس و أم الكتاب متقاربين في أول السورة- راجع تفسير النفس في سورة المائدة آية 116- «وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» فمن رأفته أن حذرنا نفسه، فإنه من ليس كمثله شي‏ء لا يعرف أبدا إلا بالعجز عن معرفته، و ذلك أن نقول ليس كذا و ليس كذا، مع كوننا نثبت له ما أثبته لنفسه إيمانا لا من جهة عقولنا و لا نظرنا.

فليس لعقولنا إلا القبول منه فيما يرجع إليه، فهو الحي الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم، الخالق البارئ المصور الحكيم، بهذا و أمثاله أخبرنا عن نفسه، فنؤمن بذلك كله على علمه بذلك، لا على تأويل منا لذلك، فإنه‏ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فلا ينضبط لعقل و لا ناظر، فما لنا من العلم به من طريق الإثبات إلا ما أوصله إلينا في كتبه و على ألسنة رسله المترجمين عنه، ليس غير ذلك. و نسبة هذه الأسماء إليه غير معلومة عندنا، فإن المعرفة بالنسبة إلى أمر ما موقوفة على علم المنسوب إليه، و علمنا بالمنسوب إليه ليس بحاصل، فعلمنا بهذه النسبة الخاصة ليس بحاصل، فالفكر و التفكر و المتفكر يضرب في حديد بارد. جعلنا اللّه و إياكم ممن عقل، و وقف عند ما وصل إليه منه سبحانه، و نقل.

[سورة آل‏عمران (3): آية 31]

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)

 الإنسان لا يخلو أن يكون واحدا من ثلاثة بالنظر إلى الشرع: و هو إما أن يكون باطنيا محضا، و هو القائل بتجريد التوحيد حالا و فعلا، و هذا يؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع و قلب أعيانها، و كل ما يؤدي إلى هدم قاعدة من قواعد الدين، فهو مذموم بإطلاق، عصمنا اللّه و إياكم من ذلك، و إما أن يكون ظاهريا محضا متغلغلا بحيث أن يؤديه ذلك إلى التجسيم و التشبيه، فهذا مثل ذلك ملحوق بالذم شرعا، و إما أن يكون جاريا مع الشريعة على فهم اللسان حيثما مشى الشارع مشى، و حيثما وقف وقف قدما بقدم، و هذا هو الوسط، و بهذا تصح محبة اللّه له، قال تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه و سلم أن يقول‏ «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» فباتباع الشارع و اقتداء أثره، صحت محبة اللّه للعبد، و غفرت الذنوب، و صحت السعادة الدائمة، فإن الائتمام بالإمام يلزم ما دام يسمى إماما، و إمامة الرسول لا ترتفع، فالاتباع لازم، و محبة اللّه لمن اتبعه لازمة بلا شك، و إذا أحبّ اللّه عبده كان جميع قواه و جوارحه، و هو لا يتصرف إلا بقواه و جوارحه، فلا يتصرف إلا باللّه، فيكون محفوظ التصرف في حركاته و سكناته، و كان سبب إقبال الحق على العبد إقبال العبد على الحق، و معنى الاتباع أن نفعل ما يقول لنا؛ فإن قال: اتبعوني في فعلي، اتبعناه، و إن لم يقل، فالذي يلزمنا الاتباع فيما يقول، فالاتباع إنما هو فيما حدّه لك في قوله و رسمه، فتمشي حيث مشى بك، و تقف حيث وقف بك، و تنظر فيما قال لك انظر، و تسلم فيما قال لك سلّم، و تعقل فيما قال لك اعقل، و تؤمن فيما قال لك آمن، فإن الآيات الإلهية الواردة في الذكر الحكيم وردت متنوعة، و تنوع لتنوعها وصف المخاطب بها، فمنها آيات لقوم يتفكرون، و آيات لقوم يعقلون، و آيات لقوم يسمعون، و آيات للمؤمنين، و آيات للعالمين، و آيات للمتقين، و آيات لأولي النهى، و آيات لأولي الألباب، و آيات لأولي الأبصار، ففصّل كما فصّل و لا تتعد إلى غير ما ذكر، بل نزل كل آية و غيرها بموضعها، و انظر فيمن خاطب بها و كن أنت المخاطب بها، فإنك مجموع ما ذكر فإنك المنعوت بالبصر و النهى و اللب و العقل و الفكر و العلم و الإيمان و السمع و القلب، فأظهر بنظرك الصفة التي نعتك بها في تلك الآية الخاصة، تكن ممن جمع له القرآن فاجتمع عليه، فينتج لنا الاتباع فيما أمرنا به، و نهانا عنه و الوقوف عند حدوده أن نتبعه في أفعاله في خلقه، و هي المسماة كرامة و آية، أي علامة على صدق الاتباع، فإن الرسل أيضا تابعون، فإنه‏ يقول عليه السلام‏ (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ)* فيكون ما يظهر عليه من الاتباع في فعل اللّه نتيجة اتباعه لأوامر اللّه آية، و يكون لنا ذلك كرامة، و هو الفعل بالهمة و التوجه من غير مباشرة، فيظهر على يد هذا العبد من خرق العوائد مما لا ينبغي أن يكون إلا على ذلك الوجه من غير سبب إلا مجرد الإرادة إلا للّه تعالى، قال صلّى اللّه عليه و سلم فيما يرويه عن ربه عزّ و جل أنه قال الحديث و فيه، و ما تقرب إليّ عبدي بشي‏ء أحب إليّ مما افترضته عليه، و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا.

و إذا كان الحق سمع العبد و قواه في النوافل، فكيف بالحب الذي يكون من الحق بأداء الفرائض، و هو أن يكون الحق يريد بإرادة هذا العبد المجتبى، و يجعل له التحكم في العالم بما شاء بمشيئته تعالى الأولية التعلق، التي بها وفقه، و اعلم أن اللّه عزّ و جل يعامل عباده بما يعاملونه به، و إن كان ابتداء الأمر منه، و لكن هكذا علّمنا و قرر لدينا، فإنا لا ننسب إليه إلا ما نسبه إلى نفسه، و من ذلك قوله تعالى‏ «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» و قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الصحيح [إن اللّه لا يملّ حتى تملوا] فكل مخالف أمر الحق، فإنه يستدعي بهذه المخالفة من الحق مخالفة غرضه، و لذلك لا يكون العفو و التجاوز و المغفرة من الحق جزاء لمخالفة العبد في بعض العبيد،

و إنما يكون ذلك امتنانا من اللّه عليه، فإن كان جزاء فهو جزاء لمن عفا عن عبد مثله و تجاوز، و غفر لمن أساء إليه في دنياه، فقام له الحق في تلك الصفة من العفو و الصفح و التجاوز و المغفرة، مثلا بمثل، يدا بيد، ها و ها، و ما نهى اللّه عباده عن شي‏ء إلا كان منه أبعد، و لا أمرهم بكريم خلق إلا كان الحق به أحق، ففي هذا النبأ الحق أنه يحب أتباعه، و ما يتبعه إلا من أطاعه، و اتباع الرسول اتباع الإله، لأنه قال عزّ و جل‏ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) (وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً) فصلوا عليه و سلّموا تسليما، و محبة الإنسان المتبع محصورة بين حبين للّه عزّ و جل، حب ليس بجزاء حب عناية؛ و هو المحبة التي وفقك بها للاتباع، فهو حبّ منّة، ثم يحبك حبّ جزاء على اتباعك من شرعه لك، و هو حب كرامة،

فنحن مأمورون باتباعه صلّى اللّه عليه و سلم فيما سنّ و فرض، فنجازى من اللّه فيما فرض جزاء فرضين: فرض الاتباع، و فرض الفعل الذي وقع فيه الاتباع، و نجازى فيما سنّ و لم يفرضه جزاء فرض واحد و سنة، فرض الاتباع و سنة الفعل الذي لم يوجبه، فإن حوى ذلك الفعل على فرائض، جوزينا جزاء الفريضة بما فيه من الفرائض،فنجازى في كل عمل بحسب ما يقتضيه ذلك العمل مما وعد اللّه العامل به من الخير، و لا بد من فريضة الاتباع لذلك قال تعالى‏ «قُلْ» يا محمد لأمتك‏ «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي» فجعل الاتباع دليلا، و ما قال في شي‏ء دون شي‏ء، فإنه من ترك شيئا من اتباع الرسول صلّى اللّه عليه و سلم مما لم ينفرض عليه، فإنه ينقص من محبة اللّه إياه على قدر ما نقص من اتباع الرسول، و أكذب نفسه في محبته للّه، لعدم إتمام الاتباع، فإنه عند الأكابر من أهل اللّه لو اتبعه في جميع أموره، و أخلّ بالاتباع في أمر واحد مما لم ينفرض عليه، بل خالف سنة الاتباع في ذلك مما أبيح له الاتباع فيه، أنه ما اتبعه قط، و إنما اتبع هوى نفسه، إلا مع الأعذار الموجبة لعدم الاتباع، فإنه في حبس اللّه عن الاتباع، فالحق ينوب عنه.

«يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» فإن صدقتم في محبتي فإني أحبكم، و دليل صدق محبتكم لي هو الاتباع و حصول محبتي لكم، فالاتباع جاء بقوله تعالى‏ «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» و قال في الاقتداء (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) قال صلّى اللّه عليه و سلم: إن اللّه جميل يحب الجمال، و قد أمرنا أن نتزين له، فالتجمل للحق باتباعه صلّى اللّه عليه و سلم، فاتباعه هو الزينة، لذا قال اللّه تعالى‏ «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» أي تزينوا بزينتي يحببكم اللّه، فإن اللّه يحب الجمال، و علامة المحبة اتباع المحبوب فيما أمر و نهى، في المنشط و المكره، و السراء و الضراء، و بهذه الآية ثبتت عصمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإنه لو لم يكن معصوما ما صح التأسي به، فنحن نتأسى برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في جميع حركاته و سكناته و أفعاله و أحواله و أقواله، ما لم ينه عن شي‏ء من ذلك على التعيين في كتاب أو سنة، مثل نكاح الهبة خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) قال بعضهم: إني لأعرف متى يحبني ربي، فقيل له: و من أين لك معرفة ذلك؟ فقال: هو عرّفني، فقيل له: أوحي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؟

قال: قوله‏ «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» و أنا في هذه الساعة في حال اتباع لما شرع، و هو صادق القول، فأعطاني الحال أن اللّه محبّ لي في هذه الساعة، لكوني مجلى لما أحبّ، و هو تعالى ناظر إلى محبوبه، و محبوبه ما أنا عليه، فأضاف تعلق المحبة التي تصيرني محبوبا بالاتباع، فورثة الأفعال هم الذين اتبعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في كل فعل كان عليه و هيئة مما أبيح لنا اتباعه، حتى في عدد نكاحه و في أكله و شربه و جميع ما ينسب إليه من الأفعال التي أقامه اللّه فيها، من أوراد و تسبيح و صلاة، لا ينقص من ذلك، فإن زاد عليها بعد تحصيلها، فما زاد عليها إلا من حكم قوله صلّى اللّه عليه و سلم:

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 32]

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32)

لما جعل اللّه في محبة الجزاء، و هي محبة الكرامة؛ غفر الذنوب و هو سترها، ختم اللّه بأنه لا يحب الكافرين، و الكافر الساتر، فعلمنا أنه لا يحب من عباده من يستر نعمه، كانت النعم ما كانت، و من ستر نعمة اللّه فقد كفر بها:

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 33 الى 36]

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36)

«وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ» و معنى هذا الاسم معلوم في اللسان الذي فيه سميت، و هي محررة للّه، و مريم اسمها حنة، و مريم لقب لها و صفت به، فإن المريم المنقطعة عن الرجال:

[سورة آل‏عمران (3): آية 37]

فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37)

[الزم موضع عبادتك‏]

– إشارة- الزم المحراب يأتيك رزقك بغير حساب، أي الزم موضع عبادتك- و موضع عبادتك ذاتك، فالزم نفسك لتعرف قدرك، يأتيك رزقك بغير حساب، أي من حيث لا تحتسب، أي إذا اشتغلت بعبوديتك فهو يعطيك من العلوم ما تحب و تريد.

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 38]

هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38)

لما دخل زكريا عليه السلام على مريم المحراب، و هي بتول محررة- و قد علم زكريا ذلك- و رأى عندها رزقا آتاها اللّه، أعجبه حالها، فطلب من اللّه عند ذلك أن يهبه ولدا حين تعشق بحالها، فقال‏ «رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ» يقول من عندك، عندية رحمة و لين و عطف‏ «ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ» و مريم في خياله من حيث مرتبتها و ما أعطاها اللّه من الاختصاص بالعناية الإلهية:

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 39]

فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)

«فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ» لأنه دخل عليها المحراب عند ما وجد عندها الرزق‏ «أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ سَيِّداً» و هو الكمال، لأن مريم كملت فكمل يحيى بالنبوة. فسيادة يحيى عليه السلام سيادة ظاهرة و لهذا صرح بها في الكتاب المبين، و أخفى فيه سيادة محمد سيد العالمين، ثم صرح بها على لسانه في الشاهدين، فالسيادة الظاهرة سيادة الدنيا، و السيادة الباطنة سيادة الآخرة، بقوله [أنا سيد ولد آدم‏] [و أنا سيد الناس يوم القيامة] فصرح بسيادة يحيى في القرآن لمناسبتها للظهور فظهر الوصف، و لما كانت سيادة النبي صلّى اللّه عليه و سلم باطنة، أي محل ظهورها في الدار الآخرة، لذلك بطن ذكرها في الكتاب العزيز، و حصورا، و هو الذي اقتطعه اللّه عن مباشرة النساء، و هو العنين عندنا، كما اقتطع مريم عن مباشرة الرجال، فكان يحيى زير نساء، كما كانت حنة مريما من أثر همة والده، فما هي صفة كمال، و إنما كان أثر همة، فإن الإنتاج عين الكمال‏ «وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» فما عصى اللّه قط، و هو طلب الأنبياء كلهم أن يدخلهم اللّه برحمته في عباده الصالحين، و هم الذين لم يقع منهم معصية قط، كبيرة و لا صغيرة، فانظر ما أثر سلطان الخيال من زكريا في ابنه يحيى عليهما السلام، حين استفرغت قوة زكريا في حسن حال مريم عليها السلام لما أعطاها اللّه من المنزلة، فالخيال و إن كان من الطبيعة فله سلطان عظيم‏ على الطبيعة لما أيده اللّه به من القوة الإلهية، فإذا أراد الإنسان أن ينجب ولده، فليقم في نفسه عند اجتماعه مع امرأته صورة من شاء من أكابر العلماء، و إن أراد أن يحكم أمر ذلك فليصورها في صورتها التي نقلت إليه، أو رآه عليها المصور، و يذكر لامرأته حسن ما كانت عليه تلك الصورة، و إذا صورها المصور فليصورها على صورة حسن علمه و أخلاقه، و إن كانت صورته المحسوسة قبيحة المنظر فلا يصورها إلا حسنة المنظر، بقدر حسن علمه و أخلاقه، كأنه يجسد تلك المعاني، و يحضر تلك الصورة لامرأته و لعينه عند الجماع، و يستفرغان في النظر إلى حسنها، فإن وقع للمرأة حمل من ذلك الجماع، أثّر في ذلك الحمل ما تخيلا من تلك الصورة في النفس، فيخرج المولود بتلك المنزلة و لا بدّ حتى إنه إن لم يخرج كذلك فلأمر طرأ في نفس الوالدين عند نزول النطفة في الرحم، أخرجهما ذلك الأمر عن مشاهدة تلك الصورة في الخيال من حيث لا يشعرون، و تعبر عنه العامة بتوحم المرأة. و قد يقع بالاتفاق عند الوقاع في نفس أحد الزوجين أو الزوجين صورة كلب أو أسد أو حيوان ما، فيخرج الولد من ذلك الوقاع على أخلاقه على صورة ما وقع للوالدين من تخيل ذلك الحيوان، و إن اختلفا فيظهر في الولد صورة ما تخيله الوالد و صورة ما تخيلته الأم، حتى في الحسن الظاهر في الصورة أو في القبح، و الناس مع معرفتهم بهذا لا يرفعون به رأسا.

[سورة آل‏عمران (3): آية 40]

قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40)

أعجب من حال زكريا عليه السلام ما رأيت، و ما رأيت من ظهر فيه سلطان الإنسانية مثله، هو الذي يقول‏ (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) فما سأل حتى تصور الوقوع، و لا بقوله‏ «رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عاقِرٌ» فأين هذه الحالة من تلك الحالة؟. فإن لم يكن ثم قرينة حال جعلته أن يقول مثل هذا حتى يقال له في الوحي‏ «كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ» فيكون قصده إعلام اللّه بذلك، حتى يعلم غيره أن اللّه يفعل ما يشاء في المعتاد أن يخرقه كما وقع، و إن كان ذلك القول من نفسه فقد أعطته الإنسانية قوتها، فإن الإنسان بذاته كما ذكره اللّه في كتابه، فما ذكره اللّه في موضع إلا و ذكر عند ذكره صفة نقص تدل على خلاف ما خلق له‏

[سورة آل‏عمران (3): آية 41]

قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ (41)

[فى المر المطلوب‏]

اعلم أن الأمر ظهر من بطون و بالعكس، و متى قوي الظاهر نقص الباطن، و بالعكس، فالظاهر مؤثر في الباطن محيل للمستمد منه إليه، و بالعكس، كل ذلك بإذن اللّه، و لذلك أمر اللّه تعالى زكريا عليه السلام بصمت ثلاثة أيام و أن يأمر قومه بالذكر بكرة و عشية، ليسوي بذلك ظاهره مع وجود باطنه، فيحيى، و يستعين بذكر قومه لمناسبتهم إياه، إذ كانوا لا يصلحون للصمت، فالذكر أولى بهم لأنه كان شيخا كبيرا فانيا، و امرأته عاقرا، فأصلحها اللّه له بوجود الحيض، و استثنى من الكلام الرمز، و الأثر موجود من الإشارة و الرمز كما هو موجود من نظم الحروف في النطق، و الرمز إشارة بكلام لا يفهمه إلا المرادون به، فإنه الكلام الذي يعطي ظاهره ما لم يقصده قائله، فإن الرموز ليست مرادة لأنفسها، و إنما هي مرادة لما رمزت له، و مواضعها في القرآن آيات الاعتبار كلها، و كذلك الإشارة و الإيماء، فالرمز ما يقع بالإشارة، فإن الإشارة صريحة في الأمر المطلوب، بل هي أقوى في التعريف من التلفظ باسم المشار إليه في مواطن يحتاج الكلام فيها إلى قرينة حال، و النكر و الحرف إنما هو لفظ مجمل يحتمل التوجيه فيه إلى أمور مثل ما رمز الشاعر في التعريف بالنار من غير أن يسميها فقال:

و طائرة تطير بلا جناح‏ و تأكل في المساء و في الصباح‏

إلى قوله:

إذا ماتت تجارح والداها فترجع حية عند الجراح‏

يريد بالوالدين الزناد، فهذا هو الرمز في النار، و قال الآخر في العين‏

و طائرة تطير بلا جناح‏ تفوق الطائرين و لا تطير
إذا ما مسها الحجر استكنت‏ و تنكر أن يلامسها الحرير

 يريد بالحجر الإثمد

[المنزّه لا ينزّه‏]

– إشارة- المنزّه لا ينزّه، فإنه إن نزّه فقد نزّه عن التنزيه، فإنه ماله نعت إلا هو فيشبه، فسبحه على الحكاية- فإنه سبح نفسه- و على ما أراد بذلك، فهو تسبيح الأدباء العارفين به سبحانه:

[سورة آل‏عمران (3): آية 42]

وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ (42)

«اصْطَفاكِ» ليظهر فيك الولد بالتوجه الإلهي في عين الرائي، كجبريل تمثل لمريم بشرا سويا، فقال لها (إنما أن رسول ربك) جئتك‏ (لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا).

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 43 الى 45]

يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)

لما كان الولد لا يدعى إلا لأبيه، لا ينسب إلى أمه، لأن الأب له الدرجة من قوله تعالى‏ (وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) و له العلو فينسب إلى الأشرف، و لما لم يتمكن لعيسى عليه السلام أن ينسب إلى من وهبه لها بشرا سويا، أعطيت أمه الكمال، و هو المقام الأشرف، فنسب عيسى إليها، فقيل: عيسى ابن مريم، فكان لها هذا الشرف مقام الدرجة التي شرف بها الرجال على النساء، فنسب الابن لأبيه لأجلها، و كمال مريم شهد لها بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و لآسية امرأة فرعون. «وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ» القرب من الحق قربان: قرب حقيقي، و هو ارتباط الرب بالمربوب و ارتباط العبادة بالسيادة، و الحادث بالسبب الذي أحدثه، و القرب الثاني القرب بالطاعة لأمر المكلّف و الدخول تحت حكمه، فالأول قرب ذاتي يعمّ جمع الموجودات، و الثاني قرب اعتناء و كرامة، فالقرب الأول قرب رحم و نسب، لو أراد الدافع أن يدفعه لم يستطع، لأنه لذاته هو قرب، و قرب الاختصاص قرب المكانة من السلطان، و المسيح كل من مسح أرضه بالمشي فيها، و السياحة في نواحيها ليرى آثار ربه:

[سورة آل‏عمران (3): آية 46]

وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ مِنَ الصَّالِحِينَ (46)

كان كلام عيسى عليه السلام في المهد دلالة على براءة أمه مما نسب إليها:

[سورة آل‏عمران (3): آية 47]

قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)

و قال تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) و أصمنا الحق عن إدراك هذا القول إلا بطريق الإيمان، و أعمانا عن توجهه على إيجاد الأشياء، بما نصب من الأسباب، فيحتاج السمع إلى شق هذه الحجب حتى يسمع قول كن، فخلق في المؤمن قوة الإيمان، فسرت في سمعه فأدرك قول كن، و سرت في بصره فشاهد المكون للأسباب:

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 48 الى 49]

وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ (48) وَ رَسُولاً إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)

هذه الآية دالة على أنه ما من موجود خلقه اللّه عند سبب إلا بتجل إلهي خاص لذلك الموجود، لا يعرفه السبب، فيتكون هذا الموجود، و هو قوله سبحانه و تعالى: «فَأَنْفُخُ فِيهِ» فلم يكن للسبب غير النفخ‏ «فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ» فالطائر إنما كان لتوجه أمر اللّه عليه بالكون، و هو قوله تعالى‏ (كُنْ) بالأمر الذي يليق بجلاله، فالعامل في قوله تعالى‏ «بِإِذْنِ‏ اللَّهِ» يتعلق بيكون طيرا، و أما عند مثبتي الأسباب فيتعلق بقوله‏ «فَأَنْفُخُ» فإنه نسب الخلق إلى عيسى عليه السلام، و هو إيجاد صورة الطائر في الطين، ثم أمره أن ينفخ فيه، فقامت تلك الصورة التي صورها عيسى عليه السلام طائرا حيّا، و قوله‏ «بِإِذْنِ اللَّهِ» يعني الأمر الذي أمره اللّه به في خلقه صورة الطائر، و النفخ و إبراء الأكمه و الأبرص و إحيائه الميت، فأخبر أن عيسى عليه السلام لم ينبعث إلى ذلك من نفسه، و إنما كان عن أمر اللّه، ليكون ذلك و إحياء الموتى من آياته على ما يدعيه، و يخرج عليه السلام ممن يدّعى فيه الخلق، إذ يقول تعالى‏ (قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)* فلو قالوا عيسى دعي إلها من دون اللّه و قد خلق من الأرض، لذلك قدم الحق لأجل هذا القول أن خلق عيسى للطير كان بإذن اللّه، فكان خلقه له عبادة يتقرب بها إلى اللّه، و المأمور عبد، و العبد لا يكون إلها، فكل خلق أضيف إلى خلق فمجاز و صورة حجابية، ليعلم العالم من الجاهل، و فضل الخلق بعضهم على بعض. و اعلم أنه لما وجد عيسى من غير شهوة طبيعية، فإنه كان من باب التمثيل في صورة البشر، فكان غالبا على الطبيعة بخلاف من نزل عن هذه الرتبة، و لما كان الممثل به روحا في الأصل كانت في قوة عيسى إحياء الموتى، أ لا ترى السامري لمعرفته بأن جبريل معدن الحياة حيث سلك، أخذ من أثره قبضته فرماها في العجل فخار و قام حيا.

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 50 الى 52]

وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

الحواريون هم العلماء أتباع عيسى عليه السلام، و الحواري هو من جمع في نصرة الدين بين السيف و الحجة، فأعطي العلم و العبارة و الحجة و أعطي السيف و الشجاعة و الإقدام، و مقاومة التحدي في إقامة الحجة على صحة الدين المشروع.

 

[سورة آل‏عمران (3): آية 53]

رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)

فأضافوا الإيمان إليهم إيجادا. فقول اللّه لهم‏ «آمِنُوا بِاللَّهِ» تقريرا لصحة ما نسبوه من الأفعال إليهم بهذه الإضافة، فهي إضافة شرعية:

[سورة آل‏عمران (3): آية 54]

وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54)

و مكر اللّه و هو عين مكرهم، فرده اللّه عليهم، فهو عين مكر اللّه بهم، لا أنه استأنف مكرا آخر، و منه إرداف النعم مع المخالفة و إبقاء الحال مع سوء الأدب.

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 55 الى 59]

إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى‏ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) وَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)

لما قال أهل الطبيعة إن ماء المرأة لا يتكون منه شي‏ء، و إن الجنين الكائن في الرحم إنما هو من ماء الرجل، كان تكوين جسم عيسى عليه السلام تكوينا آخر، و إن كان تدبيره في الرحم تدبير أجسام البنين، فإن كان من ماء المرأة إذ تمثل لها الروح بشرا سويا، أو كان عن نفخ بغير ماء، فعلى كل وجه هو جسم رابع مغاير في النش‏ء غيره من أجسام النوع الإنساني،

[مثل عيسى‏]

و لذلك قال تعالى‏ «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏» أي صفة نش‏ء عيسى‏ «عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ‏ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ» الضمير يعود على آدم، و وقع الشبه في خلقه من غير أب، أي صفة نشئه صفة نش‏ء آدم، إلا أن آدم خلقه من تراب‏ «ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» فشبه الكامل و هو عيسى عليه السلام بالكامل و هو آدم عليه السلام من حيث خلقه بقوله كن، فصفته صفة آدم في صدوره عن الأمر، فأوقع التشبيه في عدم الأبوة الذكرانية، من أجل أنه نصبه دليلا لعيسى في براءة أمه، و لم يوقع التشبيه بحواء و إن كان الأمر عليه، لكون المرأة محل التهمة لوجود الحمل، إذ كانت محلا موضوعا للولادة، و ليس الرجل بمحل لذلك، و المقصود من الدلالة ارتفاع الشكوك، و في حواء من آدم لا يقع الالتباس لكون آدم ليس محلا لما صدر عنه من الولادة، و هذا لا يكون دليلا إلا عند من ثبت عنده وجود آدم و تكوينه و التكوين منه، و كما لا يعهد ابن من غير أب، كذلك لا يعهد من غير أم، فالمثل من طريق المعنى أن عيسى كحواء، و لكن لما كان الدخل يتطرق في ذلك من المنكر لكون الأنثى كما قلنا محلا لما صدر عنها، و لذلك كانت التهمة، كان التشبيه بآدم لحصول براءة مريم مما يمكن في العادة، فظهور عيسى من مريم من غير أب كظهور حواء من آدم من غير أم، فكما وجد أنثى من ذكر وجد ذكر من أنثى، فختم بمثل ما به بدأ في إيجاد ابن من غير أب كما كانت حواء من غير أم، ثم أن عيسى على ما قيل لم يلبث في بطن مريم لبث البنين المعتاد، لأنه أسرع إليه التكوين لما أراد اللّه أن يجعله آية يردّ به على الطبيعيين، حيث حكموا على الطبيعة بما أعطتهم من العادة، لا بما تقتضيه مما أودع اللّه فيها من الأسرار و التكوينات العجيبة-

الوجه الثاني- قوله تعالى‏ «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» هذا الاشتراك في الفردية، غير أن جسد عيسى عليه السلام أخلص، و لهذا سماه روحا، و سمى ذلك آدم من الأدمة، فإنه مأخوذ من أديم الأرض، و أين الأدمة من الصفاء النوراني، و لهذا قال‏ «خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ» و لم يقل «خلقهما» و الضمير يعود على أقرب مذكور، و معنى الاشتراك في الفردية هو أن فردانية اللطيفة الإنسانية ثبتت له بتقدم الاثنين، و هو تسوية البدن و توجه الروح الكلي، فظهرت النفس الجزئية التي هي اللطيفة الإنسانية فكانت فردا، فظهرت الفردية في الأجسام الإنسانية في موضعين. في آدم عليه الصلاة و السلام‏ (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)،* و في عيسى عليه الصلاة و السلام‏ (وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) و لهذا قال تعالى‏ «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ»

الوجه‏ الثالث- لما كان عيسى عليه السلام هو الذي ستختم به الولاية المطلقة بنزوله، نبه اللّه تعالى على ختمية الظهور به و تمام دورته بقوله سبحانه‏ «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» فإن مماثلة عيسى لآدم عليهما السلام ليست من قبل المادة في خلقه، و لذلك عرف اللّه تعالى خلق آدم بأنه من تراب، و لكن المماثلة في ختميته الظهور الآدمي النبوي، كما كان آدم خاتم انبساط الظهور للعالم من الغيب إلى الشهادة، و ابتداء المرآة الكاملة الإنسانية، فهو المطلع الأول الذي هو أول مظاهر الكمال في الخلافة الظاهرة، ثم أخذ يترقى بسطا في ذريته، كما كان بروز الظهور في الوجود و أحكامه بالتدريج من الغيب إلى الشهادة حتى انتهى إلى آدم عليه السلام، فلذلك أيضا كان يرتقي بسطا من آدم في ذريته حتى انتهى إلى عيسى، فكان خاتما لظهور المرائي الإنسانية التي تنسبط بها التجلي، الذي هو في مقابلة الغيب و الشهادة، و ابتداء الرجوع إلى البطون، فلذلك قال فيه‏ «فَيَكُونُ» و لم يقل فكان، لأنه تمام زوجية العالم، فهو ينبسط فيمن بعده إلى تمام النسخة الآدمية.

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 60 الى 62]

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)

العبد المراقب ربه يعلم أن اللّه هو واضع الأشياء، و هو الحكيم، فما وضع شيئا إلا في موضعه، و لا أنزله إلا منزلته، فلا يعترض على اللّه فيما رتبه من الكائنات في العالم في كل وقت، و لا يرجح نظره و فكره على حكمة ربه، فيقول: لو كان كذا لكان أحسن، فاللّه تعالى يعلم ما خلق، فما رتب في الزمان إلا ما استحقه بخلقه، فإنه أعطى كل شي‏ء خلقه.

 

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 63 الى 64]

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)

زعمت طائفة من أهل الكتاب ممن اتخذوا عيسى ربا، قالوا: إن محمدا يطلب منا أن نعبده كما عبدنا عيسى، فأنزل اللّه تعالى‏ «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا …» الآية فإن اللّه تعالى ما أرسل الرسل إلا ليدعوا الخلق إليه، لا ليدعوهم إليهم.

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 65 الى 67]

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَ ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَ الْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (65) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)

«حَنِيفاً» أي مائلا إلى اللّه‏ «مُسْلِماً» منقادا إلى اللّه عند كل دعاء يدعوه إليه من غير توقف.

[سورة آل‏عمران (3): آية 68]

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)

«وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» من كونه مؤمنا.

[سورة آل‏عمران (3): آية 69]

وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (69)

 

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 70 الى 73]

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَ لا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى‏ أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73)

الفضل لا يدخل في الجزاء و بهذا كان فضلا. فعطاء اللّه كله فضل، لأن التوفيق منه فضل، و العمل له و هو العامل، فالحاصل عن العمل بالموازنة و إن كان جزاء فهو فضل بالأصالة.

[سورة آل‏عمران (3): آية 74]

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)

اعلم أن الاختصاص الإلهي لا يقبل التحجير، و لا الموازنة و لا العمل، و أن ذلك من فضل اللّه يختصّ برحمته من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم، و من هنا يتضح خطأ من قال باكتساب النبوة، فإن الاستعداد غير مكتسب، لا تعمّل لأحد فيه، بل اختصّ اللّه كل واحد باستعداد. و اعلم أن الاختصاص الإلهي الذي يعطي السعادة غير الاختصاص الذي يعطي كمال الصورة، و قد يجتمعان أعني الاختصاصين في بعض الأشخاص؛ فالاختصاص الذي يعطي السعادة هو الاختصاص بالإيمان، و العصمة من المخالفة أو بموت عقيب توبة، و الاختصاص الذي يعطي كمال الصورة هو الذي لا يعطي إلا نفوذ الاقتدار و التحكم في العالم، بالهمة و الحس؛ و الكامل من يرزق الاختصاصين. فليس في الجنة موضع و لا في النار موضع إلا و له عمل يطلبه من فعل و ترك، إلا ما في الجنة من أمكنة الاختصاص، و ليس في النار ذلك، و لهذا ما ورد في القرآن (يختص بنقمته من يشاء) و ورد (يختص برحمته من يشاء) فالنار ينزل فيها بالأعمال، و الجنة ينزل فيها بالأعمال و الاختصاص الإلهي، و لذا قال [سبقت رحمتي غضبي‏] إلى الاختصاص.

[سورة آل‏عمران (3): آية 75]

وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (75)

يؤاخذ الكاذب على كذبه إذا كان عالما بكذبه في المواطن التي كلف أن يصدق فيها، و إذا أخذ من لا يعلم أنه كاذب، إنما يؤاخذ من حيث أنه فرط في اقتناء العلم الذي يطلعه على هذا الأمر الذي كذب فيه من غير علم به أنه ليس بحق، فما يؤاخذ إلا بتفريطه في تحصيل ما ينبغي له أن يحصله من العلم و العمل بما فيه نجاته و سعادته، لا من جهة كذبه.

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 76 الى 78]

بَلى‏ مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ وَ اتَّقى‏ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (78)

فهم الأئمة المضلون الذين شرعوا ما لم يأذن به اللّه، و قالوا لأتباعهم هذا من عند اللّه و ما هو من عند اللّه، و يقولون على اللّه الكذب و هم يعلمون.

[سورة آل‏عمران (3): آية 79]

ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)

 

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 79 الى 84]

ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)

الشرائع كلها أنوار، و شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم بين هذه الأنوار كنور الشمس بين أنوار الكواكب، فإذا ظهرت الشمس، خفيت أنوار الكواكب، و اندرجت أنوارها في نور الشمس؛ فكان خفاؤها نظير ما نسخ من الشرائع بشرعه صلّى اللّه عليه و سلم مع وجود أعيانها، كما يتحقق وجود أنوار الكواكب، و لهذا ألزمنا في شرعنا العام أن نؤمن بجميع الرسل و جميع شرائعهم أنها حق، فلم ترجع بالنسخ باطلا، ذلك ظن الذين جهلوا، فرجعت الطرق كلها ناظرة إلى طريق النبي صلّى اللّه عليه و سلم.

فلو كانت الرسل في زمانه لتبعوه كما تبعت شرائعهم شرعه، لذلك فإن الولي المحمدي يجمع بمرتبته جميع ما تفرق في الرسل من الدعاء به، فهو مطلق الدعاء بكل لسان، لأنه مأمور بالإيمان بالرسل و بما أنزل إليهم، فما وقف الولي المحمدي مع وحي خاص إلا في الحكم بالحلال و الحرمة، و أما في الدعاء و ما سكت عنه و لم ينزل فيه شي‏ء في شرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم يؤذن بتركه، فلا يتركه إذا نزل به وحي على نبي من الأنبياء عليهم السلام، رسولا كان أو غير رسول.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 450

 

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=