تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة المعارج
(70) سورة المعارج مكيّة
[سورة المعارج (70): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (1) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)
[الفرق بين عروج الرسول و عروج الملك:]
قيل في يوم القيامة إن مقداره خمسون ألف سنة لهول المطلع، و ما يرى الخلق فيه من الشدة، و هو عند الآمنين الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر في الامتداد كركعتي الفجر، و أين زمان ركعتي الفجر من زمان خمسين ألف سنة، و اعلم أن للملائكة مدارج و معارج يعرجون عليها، و لا يعرج من الملائكة إلا من نزل، فيكون عروجه رجوعا إلّا أن يشاء الحق تعالى، فلا تحجير عليه، و إنما سمي النزول من الملائكة إلينا عروجا، و العروج إنما هو لطالب العلو، لأن للّه في كل موجود تجليا و وجها خاصا به يحفظه، و لا سيما و قد ذكر أنه سبحانه وسعه قلب عبده المؤمن، و لما كان للحق سبحانه صفة العلو على الإطلاق، سواء تجلى في السفل أو في العلو، فالعلو له، و الملائكة أعطاهم اللّه من العلم بجلاله بحيث إذا توجهوا من مقامهم لا يتوجهون إلا للّه لا لغيره، فلهم نظر إلى الحق في كل شيء ينزلون إليه، فمن حيث نظرهم إلى ما ينزلون إليه يقال تتنزل الملائكة، و من حيث إنهم ينظرون إلى الحق سبحانه عند ذلك الأمر الذي إليه- و له سبحانه مرتبة العلو-
يقال تعرج الملائكة، فهم في نزولهم أصحاب عروج، فنزولهم إلى الخلق عروج إلى الحق، و إذا رجعوا منا إلى مقاماتهم يقال إنهم عرجوا بالنسبة إلينا، و إلى كونهم يرجعون إلى الحق لعرض ما بأيديهم مما نزلوا إليه، فكل نظر إلى الكون ممن كان فهو نزول، و كل نظر ممّن كان إلى الحق فهو عروج، و إذا عرج الملك عرج بذاته لأنه رجوع إلى أصله، و إذا عرج الرسول ركب البراق فعرج به البراق بذاته، و عرج الرسول لعروج البراق بحكم التبعية و الحركة القسرية، فكان محمولا في عروجه، حمله من عروجه ذاتي، فتميز عروج الرسول من عروج الملك.
[سورة المعارج (70): الآيات 5 الى 15]
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَ نَراهُ قَرِيباً (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (8) وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (9)
وَ لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَ صاحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ (12) وَ فَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)
كَلاَّ إِنَّها لَظى (15)
لجهنم باب يسمى لظى، فإن الأبواب السبعة لجهنم سميت بصفات ما وراءها مما أعدت له، و وصف الداخلون فيها بما ذكر اللّه تعالى فقال هنا.
[سورة المعارج (70): الآيات 16 الى 19]
نَزَّاعَةً لِلشَّوى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى (17) وَ جَمَعَ فَأَوْعى (18) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)
[ «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً»]
من حيث إنسانيته و في أصل نشأته، فإن النفوس الإنسانية قد جبلها اللّه على الجزع في أصل نشأتها، فجبلة الإنسان تقتضي الجبن، و الشجاعة و الإقدام لها عرضي و الجزع في الإنسان أقوى منه في الحيوان إلا الصرصر، تقول العرب أجبن من صرصر، و سبب قوته في الإنسان العقل و الفكر الذي ميزه اللّه بهما على سائر الحيوانات، و ما يشجع الإنسان إلا القوة الوهمية، كما أنه أيضا بهذه القوة يزيد جبنا و جزعا في مواضع مخصوصة، فإنّ الوهم سلطان قوي، و سبب ذلك أن اللطيفة الإنسانية متولدة بين الروح الإلهي الذي هو النفس الرحماني و بين الجسم المسوى المعدل، ثم إن الجسم الحيواني مقهور بالضعف، قال اللّه عزّ و جل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) فالضعف أصله فإقدامه على الأهوال العظام إنما هو بغيره لا بنفسه، و هو ما يؤيده اللّه به من ذلك، كما قال (وَ أَيَّدْناهُ) و الإنسان في أصل خلقه خلق هلوعا، يخاف الفقر الذي تعطيه حقيقته، و الحيوان إذا اكتفى ما له همة في المستأنف، و الإنسان ليس كذلك، لا يزال مهموما منهوما في الحال و الاستقبال، فيجمع و لا يشبع لأنه خلق هلوعا.
[سورة المعارج (70): آية 20]
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20)
و من ذلك نعلم أن العجز و الجبن و البخل في الخلق ذاتي لازم في جبلته و أصل خلقه، فإذا تكرم و تشجع فنصرته من المكانة و الاكتساب و التخلق بأخلاق اللّه، حيث كان في ذاته روحا منه، قال تعالى:
[سورة المعارج (70): آية 21]
وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)
فقد جمع في هذه الآيات كل رذيلة في النفس، و أبان فيها أن الفضائل مكتسبة لها، ليست في جبلتها، فالتحفظ واجب.
[سورة المعارج (70): آية 22]
إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22)
[ «إِلَّا الْمُصَلِّينَ»]
و هم المتأخرون عن هذه الصفة التي جبلوا عليها، فإن المصلي هو المتأخر عن السابق في الحلبة، فهذا معنى قوله «إِلَّا الْمُصَلِّينَ» في الاعتبار، و قد يكون تفسيرا للآية، فإنه سائغ، و لكن حمله على الإشارة أعصم، و اعلم أن مسمى الشر على الحقيقة، و مسمى الخير إنما هو راجع إما لوضع إلهي جاءت به ألسن الشرائع، و إما لملاءمة المزاج، فيكون خيرا في حقه، أو منافرة مزاج فيكون شرا في حقه، و إما لكمال مقرر اقتضاه الدليل فيكون خيرا، أو نقص عن تلك الدرجة فيكون شرا، و إما لحصول غرض فيكون خيرا في نظره، أو عدم حصوله فيكون شرا في نظره، و ما فعل اللّه سبحانه إلا ما قد حصل في الوجود، من كمال و نقص و ملاءمة و منافرة، و شرائع موضوعة بتحسين و تقبيح، و أغراض موجودة في نفوس، تنال وقتا و لا تنال وقتا.
[سورة المعارج (70): آية 23]
الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23)
[تفسير من باب الإشارة: «الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ»]
المراد أنهم كلما جاء وقتها فعلوها، و إن كان بين الصلاتين أمور، فلهذا حصل الدوام في فعل خاص مربوط بأوقات معينة– تفسير من باب الإشارة- من رأى روح الصلاة هو الحضور مع اللّه دائما و مناجاته، كانت جميع أفعاله صلاة، فإن روح الصلاة لا ينفك دائما، و هم أهل الحضور مع اللّه على الدوام، و المشار إليهم بهذه الآية، فإذا كان العبد في جميع أفعاله في صلاة فإنه يكون من الذين هم على صلاتهم دائمون، و هم الذاكرون اللّه في كل أحيانهم، فهم يناجونه في جميع الأحوال كلها، فإن المصلي يناجي ربه، و المناجاة ذكر، و اللّه جليس من ذكره سبحانه، و الدوام على مناجاته أن يكون العبد في جميع أحواله و تصرفاته مع اللّه كما هو في صلاته،
يناجيه في كل نفس، و سبب ذلك كونه لا بد أن يكون في حال من الأحوال، و لا بد أن يكون للشارع و هو اللّه في ذلك الحال حكم، أي حكم كان، و هو سبحانه حاضر مع أحكامه حيث كانت، فالمراتب تناجيه في كل حال محظور و غير محظور، لأن الأفعال و التروك- و هي أحوال العبد التي تعلقت بها أحكام الحق- مقدرة فلا بد من وقوعها، و هو سبحانه خالقها، فلا بد من حضوره فيها، فيناجيه هذا العبد الذي قد عرف بحضور الحق معه في حاله، فهذا هو الدوام على الصلاة، و قالت عائشة تخبر عن حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [إنه كان يذكر اللّه على كل أحيانه] تشير إلى ما قلناه، فإنه قد كان يأتي البراز، و هو ممنوع أن يذكر بلسانه ربه في تلك الحال، و قد كان من أحيانه يمازح العجوز و الصغير، و يكلم الأعراب، و يكون في هذه الأحوال كلها ذاكرا، و هذا هو الذي يقال فيه ذكر القلب، الخارج عن اللفظ و ذكر الخيال، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلّم [اعبد اللّه كأنك تراه] فمن ذكر اللّه بهذا الذكر فهو جليسه دائما، و هو الذي أثنى عليه ربه و ألحقه بالذين هم على صلاتهم دائمون، و لما فسر اللّه الصلاة ما فسرها إلا بالذكر، و هو التلاوة، فالعارف هو الذي على صلاته دائم، و في مناجاته بين يدي ربه قائم، في حركاته و سكناته، فما عنده وقت معين و لا غير معين.
– وجه آخر- ما أثنى اللّه تعالى على أحد من عباده في كتابه العزيز، و لا على لسان نبيه في حديثه، إلا كان الثناء عملا من الأعمال، ما مدحهم إلا بالأعمال، و هذا غاية الكرم و الجود، أن يمنحك و يعطيك و يثني عليك بعد ذلك بما ليس لك، فإنه سبحانه آخذ بناصيتك، قائدك إلى كل فعل أراده منك أن يوجده فيك و على يدك، و أنت في غفلة لا تشعر، فمن شعر بتولي الحق سبحانه و تعالى له في أفعاله فهو من الذين قال اللّه تعالى فيهم «الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» لأنهم في مشاهدة الفاعل و مناجاته، و من لم يشعر فهو من الذين قال اللّه تعالى فيهم (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ)و اللّه لو فتح اللّه لك بابا إلى مشاهدة توليه لك فيها،
و أخذه بناصيتك إلى عملك لبهرك المقام، و لخرست و ما أعطاك الحال أن تقول: صليت و لا صمت و لا كنيت عن نفسك بشيء من هذه الأفعال، فمن عرف سر وضع الصلوات، لم يزل يستعمله في عموم الحالات على تنوع التصرفات، فلا يبرح على صلاته دائما، و بسرها حاكما، و لا يقنع بالاقتصار على المحافظة على الأوقات، فإنه لأهل الأشغال و الغفلات، و لا شغل للعارفين إلا بربهم، و لا مراقبة لهم في شيء إلا في قلبهم، فإنه الذي وسعه، و ناداه فسمعه، فهو في كل الأحيان شاهده، و سره مع الأنفاس عابده، فقابل الدوام بالدوام، و زاد على اليقين المفضل عند أصحاب الليالي و الأيام، فجواد همته في ميدان الديمومية سائح، و نون سره في بحرها المتلاطم سابح، و إن كانت الصلاة مرتبتين محققتين، مرتبة عميمة و مرتبة مخصوصة، و أسرارها عند المحققين الذين هم على بينة من ربهم منصوصة، و الدوام إنما يقع في المرتبة العامة و هي المناجاة، و أما المرتبة المخصوصة فلا يتمكن فيها الدوام لاختلاف المقامات، و تنوع التنزلات لتنوع الحالات، فمن وقف على سر الحضور، لم يقتصر به على بعض الأمور، و فيه يصح الدوام عند علماء الإلهام، فقد تبينت الرتب، و تحققت النسب، جعلنا اللّه و إياكم ممن داوم على صلاته في الحكمين، ففاز بالعلمين.
[سورة المعارج (70): آية 24]
وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24)
و هي الزكاة، و إنما اشتدت على الغافلين الجهلاء لكونهم اعتقدوا أن الذي عيّن ملك لهم، و أن ذلك من أموالهم، و ما علموا أن ذلك المعيّن ما هو لهم، و أنه في أموالهم لا من أموالهم، فلا يتعين لهم إلا بالإخراج، فإذا ميزوه حين ذلك يعرفون أنه لم يكن من مالهم، و إنما كان في أموالهم مدرجا، و كانوا يعتقدون أن كل ما بأيديهم هو مالهم و ملك لهم، فلما أخبر اللّه أن لقوم في أموالهم حقا يؤدونه، و ما له سبب ظاهر تركن النفس إليه، لا من دين و لا بيع، إلا ما ذكر اللّه تعالى من ادخار ذلك له ثوابا إلى الآخرة، شق ذلك على النفوس للمشاركة في الأموال، و لما علم اللّه هذا منهم في جبلة نفوسهم أخرج ذلك القدر من الأموال من أيديهم،
بل أخرج جميع الأموال من أيديهم، فقال تعالى (وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) أي هذا المال ما لكم منه إلا ما تنفقون منه، و هو التصرف فيه كصورة الوكلاء، و المال للّه، و ما تبخلون به، فإنكم تبخلون بما لا تملكون، لكونكم فيه خلفاء، و على ما بأيديكم أمناء، فنبههم بأنهم مستخلفون فيه، و ذلك ليسهل عليهم الصدقات رحمة بهم، يقول اللّه:
كما أمرناكم أن تنفقوا مما أنتم مستخلفون فيه من الأموال، أمرنا رسلنا و نوابنا فيكم أن يأخذوا من هذه الأموال التي لنا بأيديكم مقدارا معلوما سميناه زكاة، يعود خيرها عليكم، فما تصرف نوابنا فيما هو لكم ملك، و إنما تصرفوا فيما أنتم فيه مستخلفون، كما أيضا أبحنا لكم التصرف فيه، فلما ذا يصعب عليكم، فالمؤمن لا مال له و له المال كله عاجلا و آجلا، و فرض اللّه علينا زكاة أو صدقة في أموالنا، و جعل الأموال ظرفا للصدقة، و الظرف ما هو عين المظروف، فمال الصدقة ما هو عين مالك بل مالك ظرف له، فما طلب الحق منك ما هو لك، فقال «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ».
[سورة المعارج (70): الآيات 25 الى 27]
لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ (25) وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27)
أي من عذاب ربهم حذرون، يقال: أشفقت منه فأنا مشفق إذا حذرته، حذرون من عذاب ربهم غير آمنين، يعني وقوعه بهم، و لا يقال: أشفقت منه إلا في الحذر، و يقال:أشفقت عليه إشفاقا من الشفقة، و الأصل واحد، أي حذرت عليه، لذلك قال تعالى:
[سورة المعارج (70): آية 28]
إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)
[من هم المشفقون من أولياء اللّه تعالى؟:]
و المشفقون من أولياء اللّه تعالى من خاف على نفسه من التبديل و التحويل، فإن أمنه اللّه بالبشرى كان إشفاقه على خلق اللّه، مثل إشفاق المرسلين على أممهم، و من بشّر من المؤمنين، و هم قوم ذووا كبد رطبة، لهم حنان و عطف، إذا أبصروا مخالفة الأمر الإلهي من أحد ارتعدت فرائصهم إشفاقا عليه أن ينزل به أمر من السماء، و من كان بهذه المثابة فالغالب على أمره أنه محفوظ في أفعاله، فلا يتصور منه مخالفة لما تحقق به من صفة الإشفاق، لذلك أثنى اللّه عليهم بأنهم مشفقون، للتغيير الذي يقوم بنفوسهم عند رؤية الموجب لذلك.
[سورة المعارج (70): الآيات 29 الى 40]
وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (31) وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ (32) وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (33)
وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (34) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (37) أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)
كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (40)
عين الشروق عين الغروب عين الاستواء، عند العلماء بترحيل الشمس في منازل درج السماء، فكل حركة جمعت الثلاثة الأحكام عند أرباب العقول و الأفهام.
[سورة المعارج (70): آية 41]
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)
[ «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ …» الآية:]
و هذا قسم اللّه جل ثناؤه بالربوبية، على قدرته و نفوذها في تبديل الخلق بخلق آخر خير منه، فأقسم سبحانه على نفسه بالاسم الرب المضاف إلى المشارق و المغارب، فإن اللّه سبحانه لما أقسم بذات الموجودات في قوله تعالى (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ) أقسم أيضا بحالها، و هو الشروق و الغروب، و هي حالة لا تعرف إلا بوجود الكوكب و السماء و الأرض، فأقسم بالمشرق و المغرب لا بالشروق و الغروب، لأن القسم ينبغي أن يكون بالثابت لا بالزائل، و المشرق ثابت و الشروق زائل، فأقسم بالذات من كونها مشرقا و مغربا، فربط الصفة بموصوفها، و أقسم بالجمع لأنها مشارق و مغارب كثيرة، و هي شهادته و غيبه، و ظاهره و باطنه، و في عالم الجسوم و في عالم الأرواح، و في الدنيا و في الآخرة، و في الجنة و في النار، و في كل حال من أحوال الوجود مطلقا، فكما أقسم بذوات الوجود مطلقا أقسم بها من حيث أحوالها مطلقا،
فلم يترك شيئا بعد هذا ينبغي أن يقسم به، ثم اعلم أن القدرة الإلهية لا يعسر عليها إيجاد ممكن البتة، و لكنها إذا لم توجد ممكنا من الممكنات فإن ذلك راجع إلى الإرادة لا إلى القدرة، ثم لتعلم أن الموجودات قد كملت أجناسها و أركانها، فكل ما يظهر فإنه منها و فيها، فلم يبق إلا التبديل، سواء في الصور و الأشكال، فهو تبديل عرضي، كما تبدل السماء و الأرض، و كما تبدلت النطفة علقة، و العلقة مضغة، و كما تبدلت لنا اللقمة دما و ثفلا، و هكذا بقي التبديل، فإن كان التبديل من كون إلى كون كتبدل الماء هواء و شبه ذلك فهذا تبديل الأعيان، و إن كان التبديل من صفة إلى صفة كالأبيض يصير أحمر، و الأحمر يصير أخضر، و البارد يصير حارا.
فهذا هو تغيير الموصوفات بالصفات، لا أن الحمرة عادت خضرة كما استحال الماء هواء، فهذا هو التغيير، و إن كان عندنا المائية و الهوائية و النارية و الأرضية صورا في الجوهر يسمى بها هواء و ماء و غير ذلك، و هذا الخبر الذي وصف اللّه نفسه بتبديل الخلق في عمارة الموطن يحتمل أن يكون على الأمرين اللذين ذكرناهما، إذ الذوات المشتركة في الجوهرية متماثلة، و اختلافها بالصور و الأشكال، و الحدود الذاتية لها إنما هي ذاتية للصور و الشكل لا للمشكل و المصور، و لكن لا يفعل هذا الشكل إلا في العين لا في المشكل، فيظن الظان أنه يجد المشكل، و هو على الحقيقة إنما يجد الشكل، لكنه لا يقدر أن يتصوره في غير متشكل، فقد بان لك التبديل في الخلق، و أن القدرة لا تعجز عن ذلك، فإن لم تفعل فإن الإرادة لم تتعلق به، و لا سبق في العلم تبدله، و وقع الخطاب بما يقتضي حقيقة الممكن.
[سورة المعارج (70): الآيات 42 الى 44]
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (44)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 387