تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الجنّ
(72) سورة الجنّ مكيّة
[سورة الجن (72): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) وَ أَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً (3)
«وَ أَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا» فوصف الرب بالعلو عن قيام الوصف المذكور لعظمة الرب المضاف إلى المربوب «مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً» لعدم الكفاءة إذ لم يكن له كفوا أحد، و الحقيقة تمنع من الولادة و التبني، لأن النسبة مرتفعة عن الذات، و النسبة الإلهية من اللّه لجميع الخلق نسبة واحدة لا تفاضل فيها.- راجع سورة الإخلاص-.
[سورة الجن (72): الآيات 4 الى 6]
وَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (4) وَ أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (5) وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (6)
[الكَيِّس من الناس من يهرب من مجالسة الجن:]
الكيس من الناس من يهرب من مجالسة الجن، فإن مجالستهم رديئة جدا، قليل أن تنتج خيرا، لأن أصلهم النار، و النار كثيرة الحركة، و من كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كل شيء، فالجن أشد فتنة على جليسهم من الناس، فإنهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس التي ينبغي للعاقل أن لا يطلع عليها، غير أن الإنس لا تؤثر مجالسة الإنسان إياهم تكبرا، و مجالسة الجن ليست كذلك، فإنهم بالطبع يؤثرون في جليسهم التكبر على الناس و على كل عبد للّه، و كل عبد للّه رأى لنفسه شفوفا على غيره تكبرا فإنه يمقته اللّه في نفسه من حيث لا يشعر.
و اعلم أن الجان هم أجهل العالم الطبيعي باللّه، و يتخيل جليسهم بما يخبرونه به من حوادث الأكوان، و ما يجري في العالم مما يحصل لهم من استراق السمع من الملأ الأعلى، فيظن جليسهم أن ذلك كرامة اللّه به، هيهات لما ظنوا، و لهذا ما ترى أحدا قط جالسهم فحصل عنده منهم علم باللّه جملة واحدة، فرجال اللّه يفرون من صحبتهم أشد فرارا منهم من الناس، فإنه لا بد أن تحصل صحبتهم في نفس من يصحبهم تكبرا على الغير بالطبع، و ازدراء بمن ليس له في صحبتهم قدم. و كان للجن قبل مبعث محمد صلّى اللّه عليه و سلّم مسالك نحو السماء يسلكون فيها ليستمعوا حديث الملأ الأعلى الملكي، لذلك قالوا بعد أن وصفهم الحق بقوله:
[سورة الجن (72): الآيات 7 الى 8]
وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (7) وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً (8)
قالوا
[سورة الجن (72): آية 8]
وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً (8)
عند مبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أشعل الفلك الأثير إشعالا عظيما، فكثرت النجوم ذوات الأذناب في الأثير و الاحتراقات، و جعلها الحق رجوما للشياطين، فعمرت كل مسلك في الأثير، فضاقت المسالك على الجن الذي يسترقون السمع، و لم يعرفوا ما علة ذلك فقالوا «وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً» فالحرس الملائكة و هم الرصد، و هو قوله تعالى: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) و الشهب النجوم ذوات الأذناب.
[سورة الجن (72): آية 9]
وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (9)
الشياطين و هم كفار الجن لهم عروج إلى السماء الدنيا يسترقون السمع، أي ما تقوله الملائكة في السماء و تتحدث به مما أوحى اللّه به فيها، فإذا سلك الشيطان أرسل اللّه عليه شهابا رصدا ثاقبا، و لهذا يعطي ذلك الضوء العظيم الذي تراه و يبقى ذلك الضوء في أثره طريقا، فجعل اللّه ما نجم من ذوات الأذناب في ركن النار، لرجم الأشرار، و لم تزل نجوما، و ما كانت رجوما حتى جاء صاحب البعث العام، إلى جميع الأنام، من الإنس و الجان، و لهذا قال: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ)، فلو ابتغى الربح باستراقه رشدا، ما وجد له شهابا رصدا، فحيل بينه و بين السمع، لما نواه من عدم النفع، فصاروا جهلا، و قد كانوا علما. و كان من أعظم بلاء طرأ على الجن و الشياطين منعهم على الغيب، و لكن مع هذا كله يسلكون بحكم البحث، فإن صادفهم شهاب أحرقهم «فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً» و هي الكواكب ذوات الأذناب، و هي احتراقات و تكوينات سريعة الاستحالة كما تراها في العين، و هي نجوم سريعة التكوين و الفساد.
[سورة الجن (72): الآيات 10 الى 14]
وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (10) وَ أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَ مِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (11) وَ أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (12) وَ أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَ لا رَهَقاً (13) وَ أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (14)
إذا حكم الحاكم بغير ما هي الأمور عليه كان حكم جور، و كان قاسطا، فقال تعالى:
[سورة الجن (72): الآيات 15 الى 16]
وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15) وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (16)
«وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا» في الحركات و السكنات «عَلَى الطَّرِيقَةِ» المشروعة، و الصراط المستقيم هو الشرع الإلهي، و الإيمان باللّه رأس هذا الطريق، و شعب الإيمان منازل هذا الطريق، الذي بين أوله و غايته، و ما بين المنزلين أحواله و أحكامه «لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» لما كان الماء أصلا في كل حي حياته عرضية، كان من استقام سقاه اللّه ماء الحياة، فإن كان سقي عناية كالأنبياء و الرسل حيي به من شاء اللّه، و إن كان سقي ابتلاء لما فيه من الدعوى كان بحكم ما أريد بسقيه. و طلب الاستقامة من المكلف هو القيام بفرائض اللّه عليه، لذلك قال تعالى:
[سورة الجن (72): آية 17]
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (17)
«لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ» فهذا سقي ابتلاء.
[سورة الجن (72): آية 18]
وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18)
[اللّه تعالى مع الخلق لا الخلق مع اللّه تعالى:]
فإن اللّه مع الخلق ما الخلق مع اللّه، لأنه يعلمهم فهو معهم أينما كانوا، في ظرفية أمكنتهم و أزمانهم و أحوالهم، ما الخلق معه تعالى جل جلاله، فإن الخلق لا تعرفه حتى تكون معه، فمن دعا اللّه مع الخلق ما هو كمن دعا الخلق مع اللّه؛ فلا تدعوا مع اللّه أحدا، و لا يصح السجود إلى غير اللّه، فالسجود على الحقيقة للّه، فمن سجد لغير اللّه عن أمر اللّه قربة إلى اللّه طاعة للّه فقد سعد و نجا، و من سجد لغير اللّه عن غير أمر اللّه قربة إلى اللّه فقد شقي.
[سورة الجن (72): آية 19]
وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19)
«وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ»
[إضافة الحق محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم إليه صفة:]
يعني محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم فأضافه إليه صفة، أي صفته العبودية، فشهد اللّه تعالى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه عبد كامل العبودية، فإنه لم يتحقق بهذا المقام على كماله مثل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فكان عبدا محضا زاهدا في جميع الأحوال التي تخرجه عن مرتبة العبودية، فشهد اللّه له بأنه عبد مضاف إليه من حيث هويته و اسمه الجامع، فقال في حق اسمه «وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ»
و قال في حق هويته (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) فأسرى به عبدا،فذكره بعبودية الاختصاص ليعلم بحريته عن كل ما سوى اللّه، و خلوص عبوديته للّه، ليس فيه شقص لكون من الأكوان، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [العبد من لا عبد له] ففهم منه المحجوب أنه من لا عبد له قام بأمور نفسه، فهو عبد نفسه، و ما مقصود الحق في ذلك إلا أن العبد من ليس له وجه إلى ربوبية و سيادة أصلا، فإذا ملك العبد أمرا ما فله سيادة على ما ملك، فالعبد على الحقيقة من لا ملك له، لأن المملوك ذليل تحت تصرف المالك، و لا يقدر على دفع تصرفه فيه،
و لا يكون هذا إلا بملك الرقبة، فإن ملك التصريف دون الرقبة فهو مالك التصريف لا مالك الرقبة، كالذي استأجر أجيرا على فعل يفعله، فعبده التصرف لا المتصرف و هو المسمى أجيرا، فالأجير خادم أجرته فهو خادم نفسه، و ذلك العبد فإنه لا عبد له فما له سيادة على أحد، و العارف عبد اللّه و إن ملكه التصريف و لا بد من ذلك فما له سيادة، فإن الرقبى للّه و العمرى للعبد.
[سورة الجن (72): الآيات 20 الى 26]
قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَ رِسالاتِهِ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (23) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً (24)
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26)
الغيب الذي أفرده الحق في هذه الآية و لم يقرنه بالشهادة هو الغيب الذي انفرد الحق به سبحانه لأنه لا عين له يجوز أن تشهد، فقال: «فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً» فأرسلت حجب الأسرار دون أعين الناس و هو ما أخفى عنهم من الغيوب، فإن قلت: فما فائدة الاستثناء في قوله:
[سورة الجن (72): آية 27]
إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27)
[الغيب الذي أطلع الحق تعالى عليه رسله:]
قلنا: تدبر ما هو الغيب الذي اطلع عليه الرسل؟ و بما ذا ربطه؟ فتعلم أن ذلك علم التكليف الذي غاب عنه العباد، و لهذا جعل له الملائكة رصدا حذرا من الشياطين أن تلقي إلى ما ينقله إلى الخلق و يعمل به في نفسه من التكليف الذي جعله اللّه طريقا إلى سعادة من أمر و نهي «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً»، حتى لا يلتبس عليه الإلقاء، و الرصد هم الحرس من الملائكة، فاختار اللّه تعالى من الناس الرسل ليبلغوا عن اللّه ما هو الأمر عليه، فإنه ما أخرجهم إلا للعلم به، لأنه أحب أن يعرف إليهم بالرسل بما بعثهم به من كتب و صحف، فعرفوه معرفة ذاتية،
كما عرفوه بالعقول التي خلق لهم و أعطاها قوة النظر الفكري، فعرفوه بالدلائل و البراهين معرفة وجودية سلبية، لم يكن في قوة العقل من استقلاله أكثر من هذا، ثم بعد ذلك جاءت الرسل من بعده بمعرفة ذاتية، فعبد الخلق الإله الذي تعرف إليهم بشرعه، إذ العقل لا يعطي عملا من الأعمال، و لا قربة من القرب، و لا صفة ثبوتية للحق،
و ما حظ العقل من الشرع مما يستقل به دليله إلا (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) على زيادة الكاف لا على إثباتها صفة، فاختار الحق تعالى الرسل لتبليغ ما لا يستقل العقل بإدراكه من العلم بذاته، و بما يقرب إليه من الأعمال و التروك و النسب لذلك قال تعالى:
[سورة الجن (72): آية 28]
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (28)
«لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ» فكأنه مستثنى، منقطع هذا الغيب من ذلك الغيب انقطاعا حقيقيا لا انقطاع جزء من كل، لما وقع الاشتراك في لفظة الغيب، لذلك قلنا:
مستثنى، و لما خالفه في الحقيقة قلنا: منقطع، و لكن بالحال بالذات، تقول في المتصل:
ما في الدار إنسان إلا زيدا، فهذا المستثنى متصل، لأنه إنسان قد فارق غيره من الأناسي بحالة كونه في الدار لا بحقيقته، إذ لم يكن في الدار إلا هو، فالانقطاع في الحال لا غير، فإن قلت: ما في الدار إنسان إلا حمارا، فهذا منقطع بالحقيقة و الحال، فكذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسل بالرصد من الملائكة من أجل المردة من الشياطين هو الرسالة التي يبلغونها عن اللّه، فإنه لا يحيط من علم غيب اللّه إلا بما شاء اللّه، و لهذا قال «لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ» فأضاف الرسالة إلى قوله «رَبِّهِمْ» لما علموا أن الشياطين لم تلق إليهم أعني إلى الرسل شيئا، فتيقنوا أن تلك الرسالة من اللّه لا من غيره، و هل هذا القدر الذي عبر عنه في هذه السورة المعينة في قوله «إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ» هل ذلك الإعلام لهذا الرسول بوساطة الملك؟
أو لم يكن في هذا الوحي الخاص ملك؟ و هو الأظهر و الأوجه و الأولى، و تكون الملائكة تحف أنوارها برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كالهالة حول القمر، و الشياطين من ورائها لا تجد سبيلا إلى هذا الرسول حتى يظهر اللّه له في إعلامه ذلك من الوحي ما شاء، و لكن من علم التكليف الذي غاب عنه و عن العباد علمه، فإنه لا يصح القول بأن العبد يعلم بعض القربات إلى اللّه بعقله لا كلها، فلا يعلم القربة إلى اللّه التي تعطي سعادة الأبد للعبد إلا من يعلم ما في نفس الحق، و لا يعلم ذلك أحد من خلق اللّه إلا بإعلام اللّه، لأن الغيب على قسمين: غيب لا يعلم أبدا و ليس إلا هوية الحق، و نسبته إلينا، و أما نسبتنا إليه فدون ذلك،
فهذا غيب لا يمكن و لا يعلم أبدا، و القسم الآخر غيب إضافي، فما هو مشهود لأحد قد يكون غيبا لآخر، فما في الوجود غيب أصلا لا يشهده أحد، و أدقه أن يشهد الموجود نفسه الذي هو غيب عن كل أحد سوى نفسه، فما ثم غيب إلا و هو مشهود في حال غيبته عمن ليس بمشاهد له، فإذا ارتضى اللّه من ارتضاه لعلم ذلك أطلعه عليه علما، لا ظنا و لا تخمينا، فلا يعلم إلا بإعلام اللّه، أو بإعلام من أعلمه اللّه عند من يعتقد فيه أن اللّه أعلمه، و ما عدا هذا فلا علم له بغيب أصلا،
و إنما اختص بهذا الإعلام مسمى «الرسول» لأنه ما أعلمه بذلك الغيب اقتصارا عليه، و إنما أعلمه ليعلمه، فتحصل له درجة الفضيلة على من أعلمه به، لتعلم مكانته عند ربه، فلهذا سماه رسولا، و هذا النوع من الغيب لا يكون إلا من الوجه الخاص، لا يعلمه ملك و لا غيره إلا الرسول خاصة، سواء كان الرسول ملكا أو غيره، فإن اللّه نفى أن يظهر على غيبه أحدا، و إنما قال بأن الذي ارتضاه لذلك يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا، عصمة له من الشبه القادحة فيه، فهو علم لا دخول للشبه فيه على صاحبه، و هذا هو صاحب البصيرة الذي هو على بينة من ربه في علمه، و له ذوق خاص يتميز به، لا يشاركه فيه غيره، إذ لو شاركه لما كان خاصا، فإذا جاء الرسول به لمن يعلمه فذلك ليس عند هذا المتعلم من علم الغيب، فإن الرسول قد أظهره اللّه عليه، فما هو عند هذا من علم الغيب الذي لا يظهر اللّه عليه أحدا،
و إنما هو ما يحصل لأي عالم كان من الوجه الخاص، و لكنه الآن ليس بواقع في الدنيا، لكنه يقع في الآخرة، و سبب ذلك أن كل علم يحصل للإنسان في الدنيا من العلم باللّه خاصة، فإن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم قد علمه، فإنه علم علم الأولين و الآخرين، و أنت من الآخرين بلا شك، و أما في غير العلم باللّه فقد يعطاه الإنسان من الوجه الخاص، فلا يعلم إلا منه، فهو رسول في تعليمه إلى من يعلمه بذلك، هذا أعطاه مقام محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و ليست الفائدة إلا في العلم باللّه تعالى، فإنه العلم الذي به تحسن صورة العالم في نفسه، فالعلم باللّه من الرسول في المتعلم أعظم و أنفع من العلم الذي يحصل لك من الوجه الخاص، إذا كان المعلوم كونا ما من الأكوان ليس اللّه، فما الشرف للإنسان إلا في علمه باللّه، و أما علمه بسوى اللّه تعالى فعلالة يتعلل بها الإنسان المحجوب، فإن المنصف ما له همة إلا العلم به تعالى، فاجهد أن تكون ممن يأخذ العلم باللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فتكون محمدي الشهود، إذ قطعنا أنه لا علم باللّه اليوم عينا يختص به أحد من خلق اللّه
[الفرق بين الإحاطة و الإحصاء:]
«وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً» الفرق بين الإحاطة و الإحصاء هو أن الإحاطة عامة الحكم في الموجود و المعدوم و في كل معلوم، و الإحصاء لا يكون إلا في الموجود، فما هو شيئية «أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً» شيئية «أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً» فشيئية الإحصاء تدخل في شيئية الإحاطة، فكل موجود محصي، و كل محصي محاط به، و ما كل محاط به محصي، و كل ما يدخله الأجل يدخل الإحصاء، فقوله تعالى: «أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً» يريد إحصاء كل شيء موجود، فأحصى كل شيء من حروف و أعيان وجودية عددا، إذ كان التناهي لا يدخل إلا في الموجودات فيأخذه الإحصاء، فهذه شيئية الوجود، و فيه إشارة إلى الإحاطة الإلهية بجميع الأسماء الكائنة الماضية و الكائنة في الحال و الكائنة في المستقبل، فهي لا تختص إلا بالوجود الكائن و الذي كان و يكون، فهو تعلق أخص من تعلق قوله (أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) من الواجبات و الجائزات و المستحيلات، و إن كان بعض العلماء لا يسمي شيئا إلا الموجود فلا نبالي، فإن اللّه قد أحاط بكل شيء علما، و قد علم المحال، و لو خصص صاحب هذا الاصطلاح العلم المحيط في هذه الآية بالموجودات فليس له دليل على ذلك إلا كونه اصطلح على أنه لا يسمى شيئا إلا الموجود، فالإحاطة هنا على بابها من العموم، و الإحصاء يقتضي التناهي في الشيء الذي أحصي، و الإحاطة إنما هي عبارة عن تعلق العلم بالمعلومات الغير المتناهية هنا،
و قد يكون الإحصاء هنا على العموم بمعنى الإحاطة و لكن كما قلنا في الكائنات المستقبلة و هي لا تتناهى، فإن مقدورات اللّه لا تتناهى، و معلوماته كذلك أكثر من مقدوراته و غير ذلك، و الإحصاء بالعدد لا يتعلق به، لأنه لا يجوز عليه، فيحصي نفسه، و المحال لا يوصف بالعدد فيتعلق به الإحصاء، و لكن يحيط به العلم أي معنى، لعلمه من جميع الوجوه.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 400