تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آیه 210-238
[سورة البقرة (2): آية 210]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)
ذكر تعالى اعتقادهم و ما جرح و لا صوّب، و لا أنكر و لا عرّف، و فيه نسبة المكان إلى الحق، و مثل هذا في الشرع كثير، و الظلل أبواب السماء إذا فتحت و هو قوله تعالى:
(وَ فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) و قوله: (يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا) و هو إتيان الملائكة في ظلل من الغمام. و اعلم أنه من المتشابه الآيات التي يذكر فيها الصورة، فمما صح في ذلك ما رواه البخاري و غيره، من حديث الرؤية عن أبي هريرة رضي اللّه عنه و فيه (فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتى ربنا عرفناه، فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم، فيقولون نعم أنت ربنا، فيتبعونه) و قد ثبت ذكر
______________________________
في العمل بشرائع الإسلام المنزلة على نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلم بأجمعكم، و اتركوا ما أنزلته من الشرائع قبله، فلكل منكم شرعة و منهاج «وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ» أي لا تسلكوا طريقه، و لا تصغوا إلى ما يوسوس به في صدوركم، ليضلكم عن طريق الهدى الذي أنزلته في هذا الأوان على هذا النبي المخصوص، و إن كان كل كتاب أنزلته حقا و هدى و نورا، و لكن تعبدت به عبادي في زمن مخصوص، و قد انقضت تلك المدة لما سبق في علمي، فأراد الشيطان أن يضلكم بما وسوس به في صدوركم من اتباع ما نزل من عندنا، كيدا و مكرا، و قد عرفتكم «إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» أي ظاهر العداوة، لا تخفى على مؤمن عارف بطريق ما يخرجكم عن الهدى (210) «فَإِنْ زَلَلْتُمْ» يقول: فإن انتزعكم فنزعتم عن طريق الهدى الذي هو القرآن «مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ» الدلائل الواضحة من عندنا، و هي التعريفات بعداوة الشيطان لكم المذكورة في كل كتاب، و كفرتم أو خالفتم بعض ما أنزل إليكم في هذا القرآن و ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلم «فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» غالب لا يغالب، لا يفوته هارب «حَكِيمٌ» بإنزال العقوبات لمن يستحقها، إذ الحكيم واضع كل شيء في موضعه، سمع أعرابي قارئا يقرأ هذه الآية: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن اللّه غفور رحيم، فأنكر أن يكون هذا كلام اللّه، و قال: الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه، فمثل هؤلاء عرفوا إعجاز القرآن لمعرفتهم بمواقع الخطاب، (211)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 305
الصورة في حديث أبي سعيد رضي اللّه عنه زيادة أيضا، و هو من الأحاديث المتشابهة، و مرجعها إلى الآيات و الأحاديث المحكمة، فاعلم أن للصورة التي يأتي فيها ربنا تعالى يوم القيامة مظهرا و حقيقة، فالحقيقة هي الظلة في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ» فعلم بذلك أن مظاهر تجليه لعباده هى ظلل غمامه، و حقائق هذه الظلل آياته التي تعرف لخلقه فيها بواسطة أنبيائه صلوات اللّه عليهم و سلم، و قد ثبت في الصحيح تشخيص حقائق آياته كالظلل، ففي مسلم و غيره من حديث أبي أمامة رضي اللّه عنه، و حديث النواس بن سمعان رضي اللّه عنه، أن القرآن يوم القيامة يأتي، تقدمه البقرة و آل عمران كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان، و من المعلوم أن كلامه سبحانه صفته، و صفته لا تفارقه، فإذا ثبت إتيانها في صور ظلل الغمام، ثبت إتيانه تعالى، و في مسلم و غيره أن أسيد بن حضير رضي اللّه عنه قرأ سورة الكهف ليلة، فجالت فرسه، فإذا مثل الظلة فوق رأسه فيها أمثال السرج، فسأل النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فقال: إن السكينة تنزلت للقرآن، و في رواية الترمذي مع القرآن، و في رواية، تلك الملائكة كانت تسمع لك، و ذلك كله موافق لآية البقرة، و نفرة الفرس دليل على أنها ظلة محسوسة، و قد ثبت رؤيا النبي صلّى اللّه عليه و سلم للظلة و تأويل أبي بكر لها بالإسلام، و ذلك كله يحقق أن حقائق الظلل هي آيات اللّه تعالى و شرائعه، و هي من الروح الأصلي الذي هو منشأ عالم الأمر، و هو مصباح روح التوحيد، قال تعالى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) الآية، و قال تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) و بهذا الروح يتجلى سبحانه لعباده بأسمائه و صفاته المحكمة و المتشابهة، و الظلة قسمان: ظلة عذاب، و ظلة رحمة، فظلة العذاب كظلة قوم شعيب صلّى اللّه عليه و سلم في قوله تعالى: (فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) و قد ضرب اللّه تعالى المثل بذلك بالقرآن في قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ) الآية، و أما ظلة الرحمة، فهي آياته المقتضية للرحمة النازل غيثها على قلوب المؤمنين، كما صح في صحيح مسلم و البخاري و غيره قوله صلّى اللّه عليه و سلم: (إن مثلي و مثل ما بعثت به من الهدى و العلم كمثل غيث
______________________________
«هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ» في هذه الآية إشعار بقرب قيام الساعة، و بأن هذا القرآن و شرع الإسلام ما بقي بعده كتاب ينزل و لا شرع، و لا نبي بعد رسول اللّه
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 306
أصاب أرضا) الحديث، فهذا هو مظهر الحقيقة، و أما مظهر الصورة فهو العمل، و قد ثبت تشخص الأعمال بصور شتى، و قد صح تمثيل الموت بصورة الكبش، و تمثيل المال بالشجاع الأقرع و غيره، و تمثيل الملائكة صلى اللّه عليهم و سلم بالآدميين، و السنة مشحونة بنحو ذلك، و من المعلوم أن الأعمال أعراض، فإذا ثبت ظهورها و تمثلها بصور الجواهر و الأجسام مع القطع بأنها ليست جسما و لا جوهرا، فإن الملائكة صلوات اللّه و سلامه عليهم ليسوا بآدميين، فعلى مثل ذلك قس إتيان ربنا سبحانه في صور الأعمال، و أنه لا يلزم من إتيانه في صور الأعمال أن يكون تعالى له صورة، و لا يلزم من نسبتها و إضافتها إليه أن تكون ذاتية له، كما ثبت نسبة اليدين و الرجلين إلى جبريل عليه السلام في حديث عمر رضي اللّه عنه عند مسلم و غيره في قوله: (طلع علينا رجل شديد بياض الثياب) إلى قوله: (فأسند ركبتيه)- الحديث-، و من المعلوم أن الركبتين و اليدين التي جاء بها جبريل صلوات اللّه عليه و سلامه جسمانيات، و ليست ذاتية له، و بهذا تعلم أن رؤية العباد لربهم تعالى يوم القيامة مختلفة النعيم، فكل يراه في صورة عمله على حسب مراقبته و إخلاص توجهه إليه، و صدقه في إقباله عليه، و تلك الصور حقائق آيات من آيات أسمائه و صفاته تعالى و أخلاقه، فما من آية منها تخلّق بها العبد في الدنيا إلا و قد تعرف اللّه تعالى إليه بها، أما قوله صلّى اللّه عليه و سلم في حديث الرؤية: (فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفون) أي في ظلة آيات العذاب و مظهر الأعمال السيئة، فيقولون: (نعوذ باللّه منك) أي فيستعيذون باللّه من تلك الصورة كما كانوا في الدنيا ينكرونها و يستعيذون منها، و أما قوله:
(فيأتيهم في الصورة التي يعرفون) أي في مظهر أعمال البر، و ظلة صفة الرحمة و النبوة التي كانت تحيي قلوبهم بغيث الهدى و العلم، فيقولون: (أنت ربنا) يعرفونه بواسطة تعرفه لهم في الدنيا، تحقيقا لقوله صلّى اللّه عليه و سلم: (أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة)، أما صفة الرؤية فقد جاء في غير ما آية، و في أحاديث منها في هذا الحديث قوله صلّى اللّه عليه و سلم: (هل تمارون في رؤية القمر و في رؤية الشمس) و إذا ثبت تجليه تعالى في صورة روح الشريعة لم يبق في رؤيته إشكال، و إنما عبر بالوجه و القمر عن حقيقة الوجه و هو نور التوحيد،
______________________________
صلّى اللّه عليه و سلم يرفع حكمه، فقال: «هَلْ يَنْظُرُونَ» أي ينتظرون «إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ» جمع ظلة و هو الطاق، و هو قيام الساعة، فما ينتظر غيرها، و هو قوله: (وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 307
و اختلاف الروايتين يجوز أن يكون تنبيها على اختلاف درجة الرؤيتين في نعيم الرؤية، و يجوز أن يكون باعتبار الرؤية في البرزخ و الآخرة، فإن البرزخ كالليل و آيته القمر، و الآخرة كالنهار و آيته الشمس، و قوله: (ليس دونها سحاب) فيه تربية لأهل المراقبة، و ذلك لأن غالب أهل المراقبة لا يشهدون بقلوبهم عند العبادة و المراقبة إلا ظلل آيات الشريعة، و يحجبون بسحابها عن شهود وجه ربهم تعالى، و هو نور توحيده، فإذا كان يوم القيامة كشف الغطاء و احتد البصر، فيرون وجه ربهم سبحانه كشمس لا دونها سحاب الأعمال و لا ظلل غمام الشرائع، بل هو أقرب إليهم من أعمالهم. «وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» خاصة اللّه تعالى أمرهم بالأدب في كل ما يلقي إليهم على توقيت أنفاسهم، عند أخذهم منه تعالى بالحضور مع اللّه تعالى، و كذلك إذا ردوا الأمور إليه، يردونها محلاة بالأدب الإلهي، و اعلم يا أخي أن الناس إذا قاموا من قبورهم و أراد اللّه أن يبدل الأرض غير الأرض، و تمد الأرض بإذن اللّه، و يكون الجسر دون الظلمة، فيكون الخلق عليه عند ما يبدل اللّه الأرض كيف يشاء، فيمدها مد الأديم و يزيد في سعتها ما يشاء أضعاف ما كانت، ثم يقبض سبحانه السماء فيطويها بيمينه كطي السجل للكتب، ثم يرميها على الأرض التي مدها، فيقفون منتظرين ما يصنع اللّه بهم، فإذا وهت السماء نزلت ملائكتها على أرجائها، فيرى أهل الأرض خلقا عظيما أضعاف ما هم عليه عددا، فيتخيلون أن اللّه نزل فيهم لما يرون من عظم المملكة مما لم يشاهدوه من قبل، فيقولون: أ فيكم ربنا؟ فتقول الملائكة: سبحان ربنا ليس فينا و هو آت، فتصف الملائكة صفا مستديرا على نواحي الأرض محيطين بالعالم، الإنس و الجن، و هؤلاء هم عمار السماء الدنيا، ثم ينزل أهل السماء الثانية بعد ما يقبضها اللّه أيضا و يرمي بكوكبها في النار، و هم أكثر عددا من السماء الأولى، فتقول الخلائق: أ فيكم ربنا؟ فتفزع الملائكة من قولهم، فيقولون: سبحان ربنا ليس هو فينا و هو آت، فيفعلون فعل الأولين من الملائكة، يصطفون خلفهم صفا ثانيا مستديرا، ثم ينزل أهل السماء الثالثة و يرمي بكوكبها في النار، فتقول الخلائق: أ فيكم ربنا؟ فتقول الملائكة: سبحان ربنا ليس هو فينا و هو آت، فلا يزال الأمر هكذا سماء بعد سماء، حتى ينزل أهل السماء السابعة، فيرون
______________________________
السماء بالغمام) أي عن الغمام، فذلك إتيان اللّه إلى عباده للفصل و القضاء «و الغمام» الضباب شبه السحاب، و الظلل جمع ظلة، و هو ما يظلهم من ذلك، أي طاقات من الغمام ظليلة،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 308
خلقا أكثر من جميع من نزل، فتقول الخلائق: أ فيكم ربنا؟ فتقول الملائكة: سبحان ربنا قد جاء ربنا و إن كان وعد ربنا لمفعولا، فيأتي اللّه في ظلل من الغمام و الملائكة، و على المجنبة اليسرى جهنم، و يكون إتيانه إتيان الملك، فإنه يقول: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و هو ذلك اليوم فسمي بالملك، و يصطف الملائكة عليهم السلام سبعة صفوف محيطة بالخلائق، فإذا أبصر الناس جهنم لها فوران و تغيظ على الجبابرة المتكبرين، فيفرون، الخلق بأجمعهم منها لعظيم ما يرونه خوفا و فزعا، و هو الفزع الأكبر، إلا الطائفة التي لا يحزنهم الفزع الأكبر، فتتلقاهم الملائكة (هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) فهم الآمنون مع النبيين على أنفسهم، غير أن النبيين تفزع على أممها للشفقة التي جبلهم اللّه عليها للخلق، فيقولون في ذلك اليوم:
سلّم سلّم، و كان اللّه قد أمر أن تنصب للآمنين من خلقه منابر من نور متفاضلة بحسب منازلهم في الموقف، فيجلسون عليها آمنين مبشرين، و ذلك قبل مجيء الرب تعالى، فإذا فرّ الناس خوفا من جهنم و فرقا لعظيم ما يرون من الهول في ذلك اليوم، يجدون الملائكة صفوفا لا يتجاوزونهم، فتطردهم الملائكة وزعة الملك الحق سبحانه و تعالى إلى المحشر، و تناديهم أنبياؤهم: ارجعوا ارجعوا، فينادي بعضهم بعضا، فهو قول اللّه تعالى فيما يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: (إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من اللّه من عاصم) و الرسل تقول: اللهم سلّم سلّم، و يخافون أشد الخوف على أممهم، و الأمم يخافون على أنفسهم، و المطهرون المحفوظون الذين ما تدنست بواطنهم بالشبه المضلة، و لا ظواهرهم أيضا بالمخالفات الشرعية، آمنون يغبطهم النبيون في الذي هم عليه من الأمن، لما هم النبيون عليه من الخوف على أممهم، فينادي مناد من قبل اللّه، يسمعه أهل الموقف، لا يدرون أو لا أدري هل ذلك نداء الحق سبحانه بنفسه، أو نداء عن أمره سبحانه، يقول في ذلك النداء: (يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا و طمعا و مما رزقناهم ينفقون) فيؤتى بهم إلى الجنة، ثم يسمعون من قبل الحق نداء ثانيا: (أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه، و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار، ليجزيهم اللّه
______________________________
فيقول: هل ينتظرون إلا أن يأتيهم اللّه بعذاب من عنده في ظلل من الغمام، تحمل العذاب كما تحمل المطر، كما كان في إهلاك عاد حين رأوا السحابة السوداء قد طلعت، و كانوا مقحطين،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 309
أحسن ما عملوا و يزيدهم من فضله) فيؤمر بهم إلى الجنة، ثم يسمعون نداء ثالثا: (يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه، ليجزي الصادقين بصدقهم) فيؤمر بهم إلى الجنة، فبعد هذا النداء يخرج عنق من النار، فإذا أشرف على الخلق و له عينان و لسان فصيح يقول: (يا أهل الموقف إني وكلت منكم بثلاث) كما كان النداء الأول ثلاث مرات لثلاث طوائف من أهل السعادة، و هذا كله قبل الحساب، و الناس وقوف قد ألجمهم العرق، و اشتد الخوف و تصدعت القلوب لهول المطلع، فيقول ذلك العنق المستشرف من النار عليهم (إني وكّلت بكل جبار عنيد) فيلقطهم من بين الصفوف كما يلقط الطائر حب السمسم، فإذا لم يترك أحدا منهم في الموقف نادى نداء ثانيا: (يا أهل الموقف إني وكلت بمن آذى اللّه و رسوله) فيلقطهم كما يلقط الطائر حب السمسم من بين الخلائق، فإذا لم يترك منهم أحدا نادى ثالثة: (يا أهل الموقف إن وكلت بمن ذهب يخلق كخلق اللّه) فيلقط أهل التصاوير و هم الذين يصورون صورا في الكنائس لتعبد تلك الصور، و الذين يصورون الأصنام، و هو قوله: (أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) فكانوا ينحتون لهم الأخشاب و الأحجار ليعبدوها من دون اللّه، فهؤلاء هم المصورون فيلقطهم من بين الصفوف كما يلقط الطير حب السمسم، فإذا أخذهم اللّه عن آخرهم، بقي الناس و فيهم المصورون الذين لا يقصدون بتصويرهم ما قصده أولئك من عباداتها، حتى يسألوا عنها لينفخوا فيها أرواحا تحيا بها و ليسوا بنافخين، كما ورد في الخبر في المصورين، فيقفون ما شاء اللّه ينتظرون ما فعل اللّه بهم، و العرق قد ألجمهم، قال علي
______________________________
فسروا بذلك و استبشروا و قالوا: (هذا عارض ممطرنا) لكون الغيث أبدا يستلزم الغمام، فقال تعالى: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ) و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذا رأى ذلك، يتغير و يدخل و يخرج، فإذا نزل الغيث و علم أنه رحمة سكن، فإذا رأى الناس ظلل الغمام التي هي مظنة الخير و الرحمة يستبشرون، فتبدو لهم منها من البأس و الشدة ما لم يكونوا يحتسبون (وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) و هو قوله في هذه الآية «وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ». و قوله: «وَ الْمَلائِكَةُ» بالرفع و الجر، فمن جر عطف على الغمام، فتكون الملائكة الموكلون بما ذكرناه من بأس اللّه، فإن هذه الآية آية وعيد و تهديد، و من رفع فمثل قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ) و الأولى
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 310
ابن أبي طالب رضي اللّه عنه[1] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إن في القيامة لخمسين موقفا، كل موقف منها ألف سنة، فأول موقف إذا خرج الناس من قبورهم يقومون على أبواب قبورهم ألف سنة عراة حفاة جياعا عطاشا، فمن خرج من قبره مؤمنا بربه مؤمنا بنبيه، مؤمنا بجنته و ناره، مؤمنا بالبعث و القيامة، مؤمنا بالقضاء و القدر خيره و شره، مصدقا بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلم من عند ربه، نجا و فاز و غنم و سعد، و من شك في شيء من هذا بقي في جوعه و عطشه و غمه و كربه ألف سنة، حتى يقضي اللّه فيه بما شاء، ثم يساقون من ذلك المقام إلى المحشر، فيقفون على أرجلهم ألف عام في سرادقات النيران في حر الشمس، و النار عن أيمانهم، و النار عن شمائلهم، و النار من بين أيديهم، و النار من خلفهم، و الشمس من فوق رءوسهم، و لا ظل إلا ظل العرش، فمن لقي اللّه تبارك و تعالى شاهدا له بالإخلاص، مقرا بنبيه صلّى اللّه عليه و سلم، بريئا من الشرك و من السحر، و بريئا من إهراق دماء المسلمين، ناصحا للّه و لرسوله، محبا لمن أطاع اللّه و رسوله، مبغضا لمن عصى اللّه و رسوله، استظل تحت ظلّ عرش الرحمن، و نجا من غمه، و من حاد عن ذلك و وقع في شيء من الذنوب بكلمة واحدة، أو تغير قلبه أو شك في شيء من دينه، بقي ألف سنة في الحر و الهم و العذاب حتى يقضي اللّه فيه بما يشاء، ثم يساق الخلق إلى النور و الظلمة، فيقيمون في تلك الظلمة ألف عام، فمن لقي اللّه تبارك و تعالى لم يشرك به شيئا، و لم يدخل في قلبه شيء من النفاق، و لم يشك في شيء من أمر دينه، و أعطى الحق من نفسه، و قال الحق، و أنصف الناس من نفسه، و أطاع اللّه في السر
______________________________
في هذا الإتيان أنه للفصل و القضاء، فيتضمن الرحمة للمؤمنين لما في الغمام من الغيث، و يتضمن
______________________________
(1) هذا الحديث الوارد بطوله هنا، و تتمته في تفسير قوله تعالى: (وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها) يقول فيه الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي رضي اللّه عنه، حدثنا شيخنا القصار بمكة سنة تسع و تسعين و خمسمائة، تجاه الركن اليماني من الكعبة المعظمة، و هو يونس بن يحيى بن الحسين بن أبي البركات الهاشمي العباسي، من لفظه و أنا أسمع، قال:
حدثنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر المعروف بابن الخياط المغربي، قال: قرئ على أبي سهل محمود بن عمر بن إسحاق العكبري و أنا أسمع، قيل له حدثكم رضي اللّه عنكم، أبو بكر محمد بن الحسن النقاش؟ فقال: نعم حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين ابن علي الطبري المروزي، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي أبو عبد اللّه، قال: حدثنا سلمة بن صالح، قال: أنا القاسم بن الحكم عن سلام الطويل، عن غياث بن المسيب عن عبد الرحمن بن غنم و زيد بن وهب، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: كنت جالسا عند علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و عنده عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه، و حوله عدة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقال علي رضي اللّه عنه- الحديث.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 311
و العلانية، و رضي بقضاء اللّه، و قنع بما أعطاه اللّه، خرج من الظلمة إلى النور في مقدار طرفة العين، مبيضا وجهه، قد نجا من الغموم كلها، و من خالف في شيء منها بقي في الغم و الهم ألف سنة، ثم خرج منها مسودا وجهه، و هو في مشيئة اللّه يفعل به ما يشاء، ثم يساق الخلق إلى سرادقات الحساب، و هي عشر سرادقات، يقفون في كل سرداق منها ألف سنة، فيسأل ابن آدم عند أول سرداق منها عن المحارم، فإن لم يكن وقع في شيء منها جاز إلى السرادق الثاني، فيسأل عن الأهواء فإن كان نجا منها جاز إلى السرادق الثالث، فيسأل عن عقوق الوالدين، فإن لم يكن عاقا جاز إلى السرادق الرابع، فيسأل عن حقوق من فوض اللّه إليه أمورهم، و عن تعليمهم القرآن، و عن أمر دينهم و تأديبهم، فإن كان قد فعل جاز إلى السرادق الخامس، فيسأل عما ملكت يمينه، فإن كان محسنا إليهم جاز إلى السرادق السادس، فيسأل عن حق قرابته، فإن كان أدى حقوقهم جاز إلى السرادق السابع، فيسأل عن صلة الرحم، فإن كان وصولا لرحمه جاز إلى السرادق الثامن، فيسأل عن الحسد، فإن لم يكن حاسدا جاز إلى السرادق التاسع فيسأل عن المكر، فإن لم يكن مكر بأحد جاز إلى السرادق العاشر، فيسأل عن الخديعة، فإن لم يكن خدع أحدا نجا و نزل في ظل عرش اللّه تعالى قارة عينه فرحا قلبه ضاحكا فوه، و إن كان قد وقع في شيء من هذه الخصال بقي في كل موقف منها ألف عام جائعا عاطشا حزنا مغموما مهموما لا ينفعه شفاعة شافع، ثم يحشرون إلى أخذ كتبهم بأيمانهم و شمائلهم، فيحبسون عند ذلك في خمسة عشر موقفا، كل موقف منها ألف سنة، فيسألون في أول موقف منها عن الصدقات و ما فرض اللّه عليهم من أموالهم، فمن أداها كاملة جاز إلى الموقف الثاني، فيسأل عن قول الحق و العفو عن الناس، فمن عفا عفا اللّه عنه و جاز إلى الموقف الثالث، فيسأل عن الأمر بالمعروف، فإن كان آمرا بالمعروف جاز إلى الموقف الرابع، فيسأل عن النهي عن المنكر، فإن كان ناهيا عن المنكر جاز إلى الموقف الخامس، فيسأل عن حسن الخلق، فإن كان حسن الخلق جاز إلى الموقف السادس، فيسأل عن الحب في اللّه و البغض في اللّه، فإن كان محبا في اللّه مبغضا في اللّه جاز إلى الموقف السابع، فيسأل عن مال الحرام، فإن لم يكن أخذ شيئا جاز إلى الموقف الثامن، فيسأل عن شرب الخمر، فإن لم يكن شرب من الخمر
______________________________
البأس للكافرين لما يتضمن من الصواعق و الرعود القواصف و البروق الخواطف و الرياح
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 312
شيئا جاز إلى الموقف التاسع، فيسأل عن الفروج الحرام، فإن لم يكن أتاها جاز إلى الموقف العاشر، فيسأل عن قول الزور، فإن لم يكن قاله، جاز إلى الموقف الحادي عشر، فيسأل عن الأيمان الكاذبة، فإن لم يكن حلفها جاز إلى الموقف الثاني عشر، فيسأل عن أكل الربا، فإن لم يكن أكله جاز إلى الموقف الثالث عشر، فيسأل عن قذف المحصنات، فإن لم يكن قذف المحصنات أو افترى على أحد جاز إلى الموقف الرابع عشر، فيسأل عن شهادة الزور، فإن لم يكن شهدها جاز إلى الموقف الخامس عشر، فيسأل عن البهتان، فإن لم يكن بهت مسلما مر فنزل تحت لواء الحمد و أعطي كتابه بيمينه و نجا من غم الكتاب و هوله و حوسب حسابا يسيرا، و إن كان قد وقع في شيء من هذه الذنوب ثم خرج من الدنيا غير تائب من ذلك بقي في كل موقف من هذه الخمسة عشر موقفا ألف سنة في الغم و الهول و الهم و الحزن و الجوع و العطش حتى يقضي اللّه عزّ و جل فيه بما يشاء، ثم يقام الناس في قراءة كتبهم ألف عام، فمن كان سخيا قد قدم ماله ليوم فقره و حاجته و فاقته، قرأ كتابه و هون عليه قراءته، و كسي من ثياب الجنة، و توج من تيجان الجنة، و أقعد تحت ظل عرش الرحمن آمنا مطمئنا، و إن كان بخيلا لم يقدم ماله ليوم فقره و فاقته، أعطي كتابه بشماله، و يقطع له من مقطعات النيران، يقام على رءوس الخلائق ألف عام في الجوع و العطش و العري و الهم و الغم و الحزن و الفضيحة حتى يقضي اللّه عزّ و جل فيه بما يشاء، ثم يحشر الناس إلى الميزان، فيقومون عند الميزان ألف عام، فمن رجح ميزانه بحسناته فاز و نجا في طرفة عين، و من خف ميزانه من حسناته و ثقلت سيئاته حبس عند الميزان ألف عام في الغم و الهم و الحزن و العذاب و الجوع و العطش حتى يقضي اللّه فيه بما يشاء، ثم يدعى بالخلق إلى الموقف بين يدي اللّه في اثني عشر موقفا، كل موقف منها مقدار ألف عام، فيسأل في أول موقف عن عتق الرقاب، فإن كان أعتق رقبة أعتق اللّه رقبته من النار و جاز إلى الموقف الثاني، فيسأل عن القرآن و حقه و قراءته، فإن جاء بذلك تاما جاز إلى الموقف الثالث، فيسأل عن الجهاد، فإن كان جاهد في سبيل اللّه محتسبا جاز إلى الموقف الرابع، فيسأل عن الغيبة، فإن لم يكن اغتاب جاز إلى الموقف الخامس، فيسأل عن النميمة، فإن لم يكن نماما جاز إلى الموقف السادس، فيسأل عن الكذب، فإن لم يكن كذابا جاز إلى الموقف السابع، فيسأل عن طلب العلم، فإن
______________________________
الزعازع، و الملائكة بالبشرى للفريقين، ففريق تبشره بعذاب أليم، و فريق تبشره بنعيم مقيم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 313
كان طلب العلم و عمل به جاز إلى الموقف الثامن، فيسأل عن العجب، فإن لم يكن معجبا بنفسه في دينه و دنياه أو في شيء من عمله جاز إلى الموقف التاسع، فيسأل عن التكبر، فإن لم يكن تكبر على أحد جاز إلى الموقف العاشر، فيسأل عن القنوط من رحمة اللّه، فإن لم يكن قنط من رحمة اللّه جاز إلى الموقف الحادي عشر، فيسأل عن الأمن من مكر اللّه، فإن لم يكن أمن من مكر اللّه جاز إلى الموقف الثاني عشر، فيسأل عن حق جاره، فإن كان أدى حق جاره أقيم بين يدي اللّه تعالى قريرا عينه، فرحا قلبه، مبيضا وجهه كاسيا ضاحكا مستبشرا، فيرحب به ربه و يبشره برضاه عنه، فيفرح عند ذلك فرحا لا يعلمه أحد إلا اللّه، فإن لم يأت بواحدة منهن تامة و مات غير تائب حبس عند كل موقف ألف عام حتى يقضي اللّه عزّ و جل فيه بما يشاء، ثم يؤمر بالخلائق إلى الصراط، فينتهون إلى الصراط و قد ضربت عليه الجسور على جهنم، أدق من الشعر و أحدّ من السيف، و قد غابت الجسور في جهنم مقدار أربعين ألف عام، و لهيب جهنم بجانبها يلتهب، و عليها حسك و كلاليب و خطاطيف، و هي سبعة جسور، يحشر العباد كلهم عليها، و على كل جسر منها عقبة مسيرة ثلاثة آلاف عام، ألف عام صعود، و ألف عام استواء، و ألف عام هبوط، و ذلك قول اللّه تعالى عزّ و جل: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) يعني على تلك الجسور، و ملائكته يرصدون الخلق عليها، ليسأل العبد عن الإيمان باللّه فإن جاء به مؤمنا مخلصا لا شك فيه و لا زيغ جاز إلى الجسر الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الرابع، فيسأل عن الصيام، فإن جاء به تاما جاز إلى الجسر الخامس، فيسأل عن حجة الإسلام، فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر السادس، فيسأل عن الطهر فإن جاء به تاما جاز إلى الجسر السابع، فيسأل عن المظالم، فإن كان لم يظلم أحدا جاز إلى الجنة، و إن كان قصّر في واحدة منهن حبس على كل جسر منها ألف سنة حتى يقضي اللّه عزّ و جل فيه بما يشاء، و اعلم أن القيامة أمر محقق موجود حسي مثل ما هو الإنسان في الدنيا، و الحشر المحسوس في الأجسام المحسوسة و الميزان المحسوس و الصراط المحسوس و النار و الجنة المحسوستين، كل ذلك حق و أعظم في القدرة، فإذا قام الناس، و مدت الأرض، و انشقت السماء، و انكدرت النجوم، و كورت
______________________________
«وَ قُضِيَ الْأَمْرُ» بين الفريقين فريق في الجنة و فريق في السعير «وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» (212)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 314
الشمس، و خسف القمر، و حشرت الوحوش، و سجرت البحار، و زوجت النفوس بأبدانها، و نزلت الملائكة على أرجائها، أعني أرجاء السموات، و أتى ربنا في ظلل من الغمام، و نادى المنادي: يا أهل السعادة، فأخذ منهم الثلاث الطوائف الذين ذكرناهم، و خرج العنق من النار فقبض الثلاث الطوائف التي ذكرناهم، و ماج الناس، و اشتد الحر، و ألجم الناس العرق، و عظم الخطب، و جل الأمر، و كان البهت فلا تسمع إلا همسا، و جيء بجهنم، و طال الوقوف بالناس و لم يعلموا ما يريد الحق بهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:
فيقول الناس بعضهم لبعض، تعالوا ننطلق إلى أبينا آدم فنسأله أن يسأل اللّه لنا أن يريحنا مما نحن فيه فقد طال وقوفنا، فيأتون إلى آدم، فيطلبون منه ذلك، فيقول آدم: إن اللّه قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، و لن يغضب بعده مثله، و ذكر خطيئته، فيستحي من ربه أن يسأله، فيأتون إلى نوح بمثل ذلك، فيقول لهم مثل ما قال آدم، و يذكر دعوته على قومه و قوله و لا يلدوا إلا فاجرا كفارا، ثم يأتون إلى إبراهيم عليه السلام بمثل ذلك، فيقولون له مثل مقالتهم لمن تقدم، فيقول كما قال من تقدم، و يذكر كذباته الثلاث، ثم يأتون إلى موسى و عيسى و يقولون لكل واحد من الرسل مثل ما قالوه لآدم، فيجيبونهم مثل جواب آدم، فيأتون إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم و هو سيد الناس يوم القيامة، فيقولون له مثل ما قالوا للأنبياء، فيقول محمد صلّى اللّه عليه و سلم: أنا لها، و هو المقام المحمود الذي وعده اللّه به يوم القيامة، فيأتي و يسجد و يحمد اللّه بمحامد يلهمه اللّه تعالى إياها في ذلك الوقت، لم يكن يعلمها قبل ذلك، ثم يشفع إلى ربه أن يفتح باب الشفاعة للخلق، فيفتح اللّه ذلك الباب، فيأذن في الشفاعة للملائكة و الرسل و الأنبياء و المؤمنين، فبهذا يكون سيد الناس يوم القيامة، فإنه شفع عند اللّه أن تشفع الملائكة و الرسل، و مع هذا تأدب صلّى اللّه عليه و سلم و قال: أنا سيد الناس، و لم يقل سيد الخلق فتدخل الملائكة في ذلك، مع ظهور سلطانه في ذلك اليوم على الجميع، و ذلك أنه صلّى اللّه عليه و سلم جمع له بين مقامات الأنبياء عليهم السلام كلهم، و لم يكن ظهر له على الملائكة ما ظهر لآدم عليه السلام من اختصاصه بعلم الأسماء كلها، فإذا كان في ذلك اليوم، افتقر الجميع من الملائكة و الناس من آدم فمن دونه في فتح باب الشفاعة و إظهار ما له من الجاه عند اللّه، إذ كان القهر الإلهي و الجبروت الأعظم قد أخرس الجميع، و كان هذا المقام مثل مقام آدم عليه السلام و أعظم،
______________________________
«سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ». يقول اللّه لنبيه: سل بني إسرائيل كم، و إن كانت
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 315
في يوم اشتدت الحاجة فيه، مع ما ذكر من الغضب الإلهي الذي تجلى فيه الحق في ذلك اليوم، و لم تظهر مثل هذه الصفة فيما جرى من قضية آدم، فدل بالمجموع على عظيم قدره صلّى اللّه عليه و سلم، حيث أقدم مع هذه الصفة الغضبية الإلهية على مناجاة الحق فيما سأل فيه، فأجابه الحق سبحانه، و علقت الموازين، و نشرت الصحف، و نصب الصراط، و بدئ بالشفاعة، فأول ما شفعت الملائكة، ثم النبيون، ثم المؤمنون، و بقي أرحم الراحمين، و هنا تفصيل عظيم يطول الكلام فيه، فإنه مقام عظيم، غير أن الحق يتجلى في ذلك اليوم فيقول: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، حتى تبقى هذه الأمة و فيها منافقوها، فيتجلى لهم الحق في أدنى صورة من الصور التي كان تجلى لهم فيها قبل ذلك، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا، فيقول لهم جل و تعالى: هل بينكم و بينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها بتلك العلامة، فيقولون:
أنت ربنا، فيأمرهم بالسجود، فلا يبقى من كان يسجد للّه إلا سجد، و من كان يسجد اتقاء و رياء جعل اللّه ظهره طبقة نحاس، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، و ذلك قوله:
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ) يعني في الدنيا، و الساق التي كشفت لهم عبارة عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة، فإذا وقعت الشفاعة و لم يبق في النار مؤمن شرعي أصلا، و لا من عمل عملا مشروعا من حيث ما هو مشروع بلسان نبي، و لو كان مثقال حبة من خردل فما فوق ذلك في الصغر إلا خرج بشفاعة النبيين و المؤمنين، و بقي أهل التوحيد الذين علموا التوحيد بالأدلة العقلية و لم يشركوا باللّه شيئا، و لا آمنوا إيمانا شرعيا، و لم يعملوا خيرا قط من حيث ما اتبعوا فيه نبيا من الأنبياء، فلم يكن عندهم ذرة من إيمان فما دونها، فيخرجهم أرحم الراحمين و ما عملوا خيرا قط، يعني مشروعا من حيث ما هو مشروع، و لا خير أعظم من الإيمان و ما عملوه، و هذا حديث عثمان بن عفان في صحيح مسلم بن الحجاج، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: من مات و هو يعلم- و لم يقل يؤمن- أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة، و لا قال يقول، بل أفرد العلم، ففي هؤلاء تسبق عناية اللّه في النار، فإن النار بذاتها لا تقبل تخليد موحد للّه بأي وجه كان- إشارة- قرأ
______________________________
تحتمل أن تكون خبرية و لكن الاستفهام فيها أظهر، فإن قوله: «سَلْ» يطلبها، و السؤال
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 316
بعضهم «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي» إشارة إلى قوله صلّى اللّه عليه و سلم: (خلق اللّه آدم على صورته) و قوله صلّى اللّه عليه و سلم عن أولياء اللّه: (إذا رأوا ذكر اللّه).
[سورة البقرة (2): آية 211]
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211)
«وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ» و هي ما بشّرنا به من عموم مغفرته «مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ» فمن هنا و إن كانت شرطا ففيها رائحة الاستفهام، و قال في الجواب: «أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» و لم يقل فإن اللّه يعاقب من بدل نعمة اللّه، فهو كما قال شديد العقاب في حال العقوبة، فما ثم من يقدر يبدل نعمة اللّه من بعد ما جاءته، فيبدل نعمة اللّه بما هو خير منها بحسب الوقت، فإن الحكم له، قال تعالى: (لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ) و هي أعيان العالم، و إنما التبديل للّه لا لهم، فقوله فيمن بدل نعمة اللّه من بعد ما جاءته إنه شديد العقاب، أي يسرع تعالى إلى من هذه صفته بالعقاب، و هو أن يعقبه فيما بدله أن التبديل للّه عزّ و جل ليس له، فيعرفه أنه بيده ملكوت كل شيء، فإن اللّه ما قرن بهذا العقاب ألما، و متى لم يقرن الألم بعذاب أو عقاب فله محمل في عين الأمر المؤلم، فإنه لا يخاف إلا من الألم، و لا يرغب إلا في الالتذاذ خاصة، هذا يقتضيه الطبع الذي وجد عليه من يقبل الألم و اللذة.
[سورة البقرة (2): آية 212]
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212)
عليه.
______________________________
استفهام، و هو استفهام تقرير، يقول: سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آيات النعم، و قد ذكرناها فيما تقدم، من تظليل الغمام و إهلاك عدوهم و غير ذلك، فإذا أخبروك بما أنعمت عليهم، و أقروا عندك بذلك و اعترفوا فقل لهم: «وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ» أي من حق نعمة اللّه الشكر عليها، فمن بدله بكفرها «فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» على ذلك، و وجه آخر «كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ» على صدقك في كتبهم و على ألسنة رسلهم، و هي نعمة مني عليهم، حيث
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 317
[سورة البقرة (2): آية 213]
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
… «فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ» بشارة الأنبياء متعلقة بالعمل المشروع، و هو أنه من عمل كذا كان له كذا في الجنة، أو نجاه اللّه من النار بعمل كذا، هذا لا يكون إلا
______________________________
أقمت لهم البينات على طريق هداهم، «وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ» أي من بعد ما علمها و تحققها، مثل قوله: (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ) فإن اللّه يعاقبهم على ذلك أشد العقوبة، و إذا كانت «كَمْ» خبرية، يقول: يا محمد «سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ» ثم يخبره سبحانه فيقول له: «كَمْ آتَيْناهُمْ» يا محمد، أي أعطيناهم «مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ» فإنك إذا سألتهم يقولون ذلك مثل ما أخبرتك، و يكون قوله: «وَ مَنْ يُبَدِّلْ» إخبارا لمحمد عليه السلام أن الأمر في كل من بدل نعمة اللّه كذا، أو يكون على جهة أن يعرفهم بذلك إذا سألهم و اعترفوا بنعم اللّه (213) «زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا» لا فاعل إلا اللّه تعالى قال تعالى: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) تنبيه أن يعتقد ذلك و أنه من قضائه و قدره، إذ كل شيء بيده، ثم قال: (زين لهم الشيطان أعمالهم) تنبيه على الأدب، و يضاف إلى الشيطان إذ جرى عليه لسان الذم من اللّه تعالى تنزيها لجنابه، و ذلك بحسب المخاطبين فإن كان في العقد خلل أضيف التزيين إلى اللّه ليثبت في قلبه اعتقاد كل شيء بيده، و الخير و الشر من اللّه، و إن كان [العقد] سالما أضاف مثل ذلك إلى الشيطان أو إلى نفسه، ثم جعل مرتبة ثالثة في ذلك، فبنى منه فعل ما لم يسم فاعله فقال: (أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) و قال: «زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا» و لم يذكر من زينها لهم، فهي حالة وسط بين العقد و الأدب، فإذا لم يترجح عند المتكلم أحد الجانبين قال بهذه الصفة، لقرينة الحال، حيث يجمع المجلس المخاطبين الوجهين معا، فلا يكون إنكار، فإن كل واحد يأخذه على حاله في الوقت، فقال: «زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا» أي نعيم الدنيا، و طلبوا المثابرة عليه، فإنه من حسن عنده شيء رغب في تحصيله و التكثر منه، و سفّه غيره في ترك طلبه إياه، فإذا رأى من يزهد فيما
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 318
للرسل، و كذلك الإنذار في مخالفة اللّه تعالى و أوامره، أما قوله تعالى: «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ» اعلم أن اللّه اصطفى من كل جنس نوعا، و من كل نوع شخصا، و اختاره عناية منه بذلك المختار، أو عناية بالغير بسببه، فاختص اللّه من أيام الأسبوع يوم العروبة، و هو يوم الجمعة، و عرف الأمم أن للّه يوما اختصه من هذه السبعة الأيام، و لما ذكر اللّه شرف هذا اليوم للأمم و لم يعينه، وكلهم اللّه في العلم به لاجتهادهم، فاختلفوا فيه، فقالت النصارى: أفضل الأيام و اللّه أعلم هو يوم الأحد، فاتخذوه عيدا،
______________________________
استحسنه بما زين له سخر منه، فقال تعالى: «وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا» حيث يعيبون عليهم ما هم فيه من نعيم الدنيا، فيقولون: [لا عقل لهم] مستهزءين بهم، فقال تعالى: «وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» ففيه تحريض للمؤمن على التقوى، حتى لا يشاركونهم يوم القيامة في شيء من النار، فلو قال: [و الذين آمنوا فوقهم يوم القيامة] لكان الكافر إذا رأى المؤمنين الذين أوبقتهم الذنوب حتى أوردتهم النار إلى أن يشفع فيهم فيخرجون، لم يكن يصدق عندهم قوله: [و الذين آمنوا فوقهم يوم القيامة] فذكر المتقين الذين يحشرون يوم القيامة إلى الرحمن وفدا، فيعلمون عند ذلك صدق اللّه في صفة المتقي، إذ لا طريق له إلى النار، ثم قال: «وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» أي هذا المتقي أيضا قد يكون له حظ عظيم من الدنيا، و لا سيما كملك سليمان و يوسف و داود و ما فتح اللّه به على محمد صلى اللّه عليهم أجمعين، و لا أحاسبهم عليها، كما ورد في الحديث أن من أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، و من فسره على التقدير، أي بغير تقدير، فليس بشيء، فإن اللّه يقول: (وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ) (وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) و لا تقتضي الألوهية أن تكون الأمور جزافا، تعالى اللّه عن ذلك، فهذا معنى «وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» و إن قلنا معناه بغير تقدير، فيكون عند المرزوق، و إن كان يقول اللّه: هذا الرزق معلوم القدر عندنا، فما أعلمنا المرزوق بذلك، فمعناه بغير تقدير عنده، و الأول أولى و أمدح بالمتقي (214) «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً» كان حرف وجودي، يقول إن الناس أوجدهم على الفطرة و كلهم أقروا بوجود اللّه، ثم اختلفوا بعد ذلك بحسب ما ظهر لكل واحد منهم عند ما بحث و فكر في معرفة من استند إليه في وجوده، فاختلفت الفرق في ذلك، و كل ذهب إلى ما أفضاه نظره، فمنهم المصيب و منهم المخطئ «فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ» بالكتب «مُبَشِّرِينَ» لمن أصاب الحق في نظره «وَ مُنْذِرِينَ» من أخطأ أن يرجع إلى الصواب، و عينت الأنبياء لهم ذلك «وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ» الكتب
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 319
و قالت: هذا هو اليوم الذي أراده اللّه، و لم يقل لهم نبيهم في ذلك شيئا، و لا علم لنا هل أعلم اللّه نبيهم بذلك أم لا، فإنه ما ورد بذلك خبر، و قالت اليهود: بل ذلك اليوم السبت، فإن اللّه فرغ من الخلق يوم العروبة و استراح يوم السبت، و استلقى على ظهره و وضع إحدى رجليه على الأخرى و قال أنا الملك، قال اللّه تعالى في مقابلة هذا الكلام و أمثاله: (وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)* فقالت اليهود: يوم السبت هو اليوم الذي أراده اللّه بأنه أفضل أيام الأسبوع، فاختلفت اليهود و النصارى، و جاءت هذه الأمة، فجاء جبريل إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم بيوم الجمعة في صورة مرآة مجلوة فيها نكتة، فقال له: هذا يوم الجمعة، و هذه النكتة ساعة فيه لا يوافقها عبد مسلم و هو يصلي إلا غفر اللّه له «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ» فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: فهدانا اللّه لما اختلفت فيه أهل الكتاب، و أضاف الهداية إلى اللّه، و سبب فضله أنه اليوم الذي خلق اللّه فيه هذه النشأة الإنسانية التي خلق المخلوقات من يوم الأحد إلى يوم الخميس من أجلها، فلا بد أن يكون أفضل الأوقات، و لا تعرف الساعة التي فيه إلا بإعلام اللّه، و هذه الساعة في يوم الجمعة كليلة القدر في السنة سواء، فيوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس، فما بيّنه اللّه لأحد إلا لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، لمناسبته الكمالية، فإنه أكمل الأنبياء، و نحن أكمل الأمم، و سائر الأمم و أنبيائها ما أبان الحق لهم عنه. لأنهم لم يكونوا من المستعدين له، لكونهم دون درجة الكمال، أنبياؤهم دون محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و أممهم دوننا في الكمال، فيوم الجمعة هو آخر أيام الخلق و فيه خلق من خلقه اللّه على صورته و هو آدم، فبه ظهر كمال إتمام الخلق و غايته، و به ظهر أكمل المخلوقات و هو الإنسان و هو آخر المولدات،
______________________________
ليحكموا بها بين الناس فيما اختلفوا فيه، فيكون الحاكم اللّه بينهم في ذلك، ثم إنهم اختلفوا في الكتاب خلافا آخر، فمنهم من صدق به و منهم من كذب به جهلا، و منهم من كذب به بغيا و حسدا كيف أنزل على شخص منهم بعينه دون غيره، و هم مشتركون في الجنس الإنساني، و الذين صدقوا به اختلفوا فيما يتضمنه، فمنهم من آمن به كله، و منهم من آمن ببعضه و كفر ببعضه، و انقسم هذا المخلط قسمين: منهم من كفر ببعضه جهلا بمعناه و قلة فهم، و منهم من كفر ببعضه بغيا و حسدا كما قلنا، مثل كفرهم بما جاء في التوراة من ذكر القرآن و نبوة محمد و ملة إبراهيم، و الذين آمنوا على قسمين: منهم من اجتهد فأخطأ في بعض المسائل كيوم الجمعة الذي فرضه اللّه عليهم كما فرضه علينا، فقالت اليهود السبت و قالت النصارى الأحد، و هدى اللّه المؤمنين لما اختلفوا
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 320
و أطلق اللّه على هذا اليوم اسما على ألسنة العرب في الجاهلية و هو لفظ العروبة، أي هو يوم الحسن و الزينة، فلم يكن في الأيام أكمل من يوم الجمعة، فإن فيه ظهرت حكمة الاقتدار بخلق الإنسان فيه، فلما كان أكمل الأيام و خلق فيه أكمل الموجودات خصه بالساعة التي ليست لغيره من الأيام، و الزمان كله ليس سوى هذه الأيام، فلم تحصل هذه الساعة لشيء من الزمان إلا ليوم الجمعة، و كان خلق الإنسان في الساعة المذكورة المخصصة من يوم الجمعة، فإنها أشرف ساعاته، فالحمد للّه الذي اصطفانا و هدانا إلى يوم الجمعة و خصنا بساعته، فإنه من أعظم الهداية التي هدى اللّه إليها هذه الأمة خاصة، فإنه اليوم الذي اختلفوا فيه، فيوم الجمعة أشرف أيام الأسبوع، و شرفه ذاتي لعينه، و لا يفاضل بيوم عرفة و لا غيره، فإن فضل يوم عرفة و عاشوراء لأمور عرضت، إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض، و لهذا شرع الغسل، و هو فرض عندنا ليوم الجمعة لا لنفس الصلاة، فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة فلا خلاف أنه أفضل بلا شك.
______________________________
فيه من ذلك فأصبنا يوم الجمعة، و أصبنا ملة إبراهيم و أصبنا الإيمان باللّه و ملائكته و كتبه و رسله من غير أن يفرق بين أحد منهم، فقال تعالى مخبرا: «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً» أي على أمر واحد فاختلفوا «فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ» مرغبين و مخوفين «وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ» الحق المنزل في الكتاب. «بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» ليبين الصواب عند من هو منهم من الخطأ، ثم اختلف في الكتاب من أنزل إليهم من الأمم، فقال: «وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ» يقول: المعجزات و الدلائل على أن هذا الكتاب هو من عند اللّه «بَغْياً» حسدا «بَيْنَهُمْ» كيف أنزل الكتاب على فلان و لم ينزل على فلان، كما قالوا في القرآن (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) فذكر الطائفة التي علمت و جحدت، و الطائفة التي جاءها الدليل فلم تعقله «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» المؤمنين من أهل الكتاب و منا «لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ» أي بإعلامه إيانا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم «وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» منا و منهم «إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» إلى الطريق الذي يهدي إلى الحق الذي فيه سعادتهم عند اللّه (215) «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ» نزلت لما أصيب المسلمون يوم أحد تعزية للنبي صلّى اللّه عليه و سلم و المؤمنين، بما أصاب الأمم المؤمنين قبلهم من الشدة و البلاء، فقال لما ذكر أنهم
[سورة البقرة (2): الآيات 214 الى 216]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)
«وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً» و هو ما لا يوافق الغرض، فإن أكثر الناس يسأل نيل ما
______________________________
مهتدون إلى الإيمان «أَمْ حَسِبْتُمْ» لكونكم مؤمنين «أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ» من غير ابتلاء و امتحان «وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ» يصبكم «مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ» شبه الذين خلوا من الأمم «مَسَّتْهُمُ» الضمير يعود على الذين خلوا «الْبَأْساءُ» شدة القتل «وَ الضَّرَّاءُ» ما يضرهم من البلاء الواقع بهم من الأعداء «وَ زُلْزِلُوا» أي أرجفوا في قلوبهم بالمخاويف، من قصد العدو و نكايتهم و منازلتهم فيشتد عليهم ذلك «حَتَّى» إلى أن «يَقُولَ الرَّسُولُ» المبعوث إليهم «وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» لشدة ما مسهم من الضر و الإرجاف «مَتى نَصْرُ اللَّهِ» أي متى يأتي نصر اللّه الذي وعدنا من قوله (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) فقال اللّه لهم «أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» إتيانه إليكم، بشرى لهم و تسكين لما وقع في قلوبهم من الخوف أن تعلو […]، إذ المؤمن الحقيقي غائب عن نفسه بإيثار جانب ربه في إعلاء كلمته و إعزازها، و لما كانت لا تعلو و لا تظهر إلا بظهور المؤمنين و سلامتهم و قوتهم و بقائهم، كان سؤالهم في حصول العافية لهم تبعا، فأيقن الصحابة عند ذلك و من يأتي بعدهم من المؤمنين إلى يوم القيامة أنه سبحانه لا بد أن يبتلي عباده، فإنه خبّر و خبره صدق، قال تعالى: (الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ) و مثل هذه الآيات (216) «يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ» الآية، قال تعالى: (و أنفقوا) فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم «ما ذا يُنْفِقُونَ» فقال اللّه تعالى: «قُلْ» يا محمد «ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ» فبيّن أن النفقة من
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 322
له فيه غرض من اللّه، فإذا لم يفعله اللّه له يكره العبد ذلك الترك من اللّه، و يقول: لعل اللّه جعل لي في ذلك خيرا من حيث لا أشعر، و هو قوله تعالى: «وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ» و من هنا يعلم فضل الحاصل على الفائت في حقك إذا كان فيه سعادتك، و لا فضل للفائت على الحاصل إذا كان الفائت مطلوبك و لو حصل لك أشقاك و أنت لا تعلم، فكان الفضل فيه في حقك فوته، فإن بفوته سعدت، و هذا لا يكون إلا لمن أسعده اللّه.
______________________________
المال الذي هو الخير، كما قال: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) أي مالا، ف» أعطوه «للوالدين و الأقربين» أي صلوا به أرحامكم «وَ الْيَتامى» الذين لا مال لهم «وَ الْمَساكِينِ» الذين يسكنون إليكم لحاجتهم و إن لم يسألوا «وَ ابْنِ السَّبِيلِ» يريد الضيف و تزويد المسافر الذي هو عابر سبيل، ثم قال: «وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ» فالخير هنا كل معروف و كل عمل محمود شرعا «فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» أي بقدره و منزلته، ليكون الجزاء مطابقا له، يقول «عَلِيمٌ» بالإنفاق و بالخير الذي وقع فيه الفعل، و بالمنفق عليهم من الأصناف، فإنه لكل حال جزاء معين، فللإنفاق جزاء من حيث ما هو إنفاق مأمور به وجوبا أو ندبا، و للمنفق منه جزاء يخصه، كما قال: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) فكان ابن عمر يشتري السكر و يتصدق به و يقول إني أحبه، و له من جهة المنفق عليه جزاء مخصوص يفضل بعضه على بعض، فليس الإنفاق على ذوي الأرحام كغيرهم، فإنها صدقة و صلة، و صدقة الرجل على نفسه أفضل منها على زوجه، و نفقته على زوجه أفضل منها على ولده، و على ولده أفضل منها على خادمه، و على الصالحين من المساكين أفضل منها على من ليس بصالح، و في هذه الآية باب من أجاب بأكثر مما سئل عنه، كان السائل عمرو بن الجموح، قيل نزلت قبل آية الزكاة، و على أي وجه كان، فالمراد بها نفقة التطوع (217) «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ» الآية، أخبر تعالى في هذه الآية أنه أعلم بمصالح عباده، و أنهم لا يعلمون ذلك، و أنه لا يكلف عباده إلا بما هو الأصلح لهم في سعادتهم، و لا يترك ما يترك من التكاليف إلا كذلك، لعلمه سبحانه بذلك و لطفه بعباده، ففى هذه الآية تحريض للمسلمين على الرضا بما يقضيه اللّه لهم، خيرا إما عاجلا و إما آجلا، فلا ينبغي للمؤمن أن يكره شيئا من ذلك، قال تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ» أي أمر تكرهونه لما فيه من بذل المال و النفس «وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً» مما كلفكم فعله «وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» عند اللّه مثل هذا إما عاجلا فالغنيمة و التشفي من نكاية العدو، و إما آجلا فالأجر و إن استشهد فأجر الشهادة «وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً» و هو ترك ما
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 323
[سورة البقرة (2): آية 217]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217)
«حَتَّى يَرُدُّوكُمْ» يعني في الفتنة «عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا» فأضاف الدين إليهم «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ» قال صلّى اللّه عليه و سلم: من بدل دينه فاقتلوه، فاختلف الناس
______________________________
كلفكم فعله «وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ» عند اللّه، و منه هذا إما عاجلا فما ذكرناه و إما آجلا فما ذكرناه «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ» ما في ذلك من الخير و الشر «وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» و تتضمن هذه الآية فرض القتال و هو قوله: «كُتِبَ» أي فرض، و قد وردت الأوامر الإلهية بذلك، فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) و قال: (انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا) و قال: (وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) و الضمير في «عَلَيْكُمُ» يعود على الرجال الأحرار، فإنه لا خلاف في ذلك، البالغين العقلاء لارتفاع التكليف عن غير البالغ بحديث [رفع القلم عن ثلاث فذكر منهم الصبي و المجنون]، الأصحاء الذين يجدون ما ينفقون لقوله: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ)، الذين لا عذر لهم من حق يجب عليهم القيام به، و هو من فروض الكفاية، إذا قام به من يقع به الغناء سقط عن الباقي، لقوله: (وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) و أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما خرج قط إلى غزو عدو إلا و ترك بعض الناس في المدينة، و يتعلق بهذه الآية أحكام كثيرة هي مذكورة في القرآن، نتكلم عليها في أماكنها، مثل معرفة المحارب الذي أمرنا بقتاله، و معرفة ما يجوز من النكاية في صنف صنف من أهل الحرب مما لا يجوز، و شروط جواز الحرب و الثبات، و الفرار فيه و المهادنة، و لما ذا نحاربهم، و ما يتفرع على هذا من المسائل، و لها مواضع في القرآن تأتي إن شاء اللّه (218) «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ» الآية، سأل في ذلك من كان بمكة من المسلمين غير المهاجرين قبل الفتح بسبب
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 324
في اليهودي إن تنصر، و النصراني إن تهود، هل يقتل أم لا؟ و لم يختلفوا فيه إن أسلم، فإنه صلّى اللّه عليه و سلم ما جاء يدعو الناس إلا إلى الإسلام، و جعل بعض العلماء أن هذا تبديل مأمور به، و ما هو عندنا كذلك، فإن النصراني و أهل الكتاب كلهم إذا أسلموا ما بدلوا دينهم، فإنه من دينهم الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم و الدخول في شرعه إذا أرسل و أن رسالته عامة، فما بدل أحد من أهل الدين دينه إذا أسلم، و ما بقي إلا المشرك، فإن ذلك ليس بدين مشروع و إنما هو أمر موضوع من عند غير اللّه، و اللّه ما قال إلا «مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ» و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: من بدل دينه، و إنما لم يسم الشرك دينا لأن الدين الجزاء، و لا جزاء في الخير للمشرك على الشرك أصلا، لا فيما سلف و لا فيما بقي، فما أراد بالدين إلا الذي له جزاء في الخير و الشر، ما هو الدين الذي هو العادة، فهو الدين المشروع الذي العادة جزء منه، و قوله: «عَنْ دِينِهِ» الأوجه أن يكون الضمير في الهاء هنا يعود على ما هو عليه في ضمير المخاطب «مِنْكُمْ» سواء، و إن جاز أن يكون ضمير الهاء يعود على اللّه، لكن الأصل في الضمائر كلها عودها على أقرب مذكور إذا عريت عن قرائن الأحوال.
______________________________
طرأ، من بعث بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلى نخلة إلى المشركين، فأصابوا منهم، و ذلك في رجب و هو من الأشهر الحرم، فعاب ذلك المشركون على المسلمين حيث أباح القتال في شهر حرام، فلما وصل الخبر إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم نزلت هذه الآية «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ» أي عن القتال فيه فقال اللّه لرسوله «قُلْ» لهم يا محمد «قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ» يعني ما أردتموه من قتالكم لنا في ذي القعدة لما صددتمونا «وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» و عن المسجد الحرام الذي كان منكم لنا «وَ كُفْرٌ بِهِ» أي كفركم فيه «وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ» أي إخراجكم لنا و للمؤمنين من أهل الحرم من الحرم، كل ذلك «أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ» من قتالنا إياكم في الشهر الحرام «وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ» إما يريد الشرك و إما يريد ما امتحنوا به من كان عندهم من المؤمنين و عذبوهم على الإسلام، كخباب بن الأرت و بلال و غيرهما، يقول: ذلك أكبر من القتل فيه، فهذا تقرير و تقريع كيف أنكرتم علينا أمرا هو بالنسبة إلى ما فعلتموه أنتم و ما تفعلونه كلا شيء، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم «وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا» و حتى هنا للعلة و السبب، كما تقول: جئتك حتى تعطيني، أي العلة في مجيئي إليك العطاء، ثم أخبر اللّه المؤمنين فقال: «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ» أي من يرجع لأجل الفتنة عن دينه، أي عن إيمانه و تصديقه، فإنه يقول: (إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان) «فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ» أي و يبقى
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 325
[سورة البقرة (2): الآيات 218 الى 219]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
– راجع إيجاز البيان- كل مسكر حرام، فالحكم التحريم، و العلة الإسكار، فالحكم أعم من العلة الموجبة التحريم، فإن التحريم قد يكون له سبب آخر غير السكر في أمر آخر، و السكران هو الذي لا يعقل و هو مذهب أبي حنيفة، و هو الصحيح في حد
______________________________
على ردته إلى حين موته، فإنه يموت كافرا «فَأُولئِكَ» إشارة لمن ارتد من المؤمنين «حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ» أي بطل ما كانوا يرجون من الثواب على أعمالهم في الآخرة التي عملوها في الدنيا في حال الإسلام بالردة إلى الكفر، فالعامل في الدنيا إنما هو أعمالهم، و العامل في الآخرة حبطت، يقول: «وَ أُولئِكَ» الإشارة إليهم «أَصْحابُ النَّارِ» أهل النار «هُمْ فِيها خالِدُونَ» فيها معمول لخالدين، و هنا تفصيل في ردتهم، هل رجعوا عن توحيد اللّه أو عن الإيمان بما جاء من عنده؟ و لكل ردة مما ذكرناه حكم خاص و عذاب خاص ليس للآخر، و القتال في الأشهر الحرم مختلف فيه بين العلماء، فإن اللّه يقول «قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ» فجعل ذلك من الكبائر و به قال عطاء، و احتج المبيح لذلك بغزوة حنين و الطائف و أوطاس و بيعة الرضوان على القتال، و ذلك في شوال و بعض ذي العقدة، و هو متأخر عن تحريم القتال فيه بلا شك (219) «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» الآية، في هذه الآية تحريض لمن في مكة من المسلمين على الهجرة و الجهاد في سبيل اللّه للمؤمنين، فقال «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا» و لم يقل [و هاجروا] فيه تنبيه على من هاجر من دار الحرب و آثر جوار المسلمين و جاهد في سبيل اللّه مع المؤمنين «أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ» بأن يرزقهم الإيمان فيؤمنوا بطول مجالسة المؤمنين و معاشرتهم «وَ اللَّهُ غَفُورٌ» ما كان منهم من الخطايا في كفرهم «رَحِيمٌ» حيث منّ عليهم بالإيمان و المغفرة كما فعل بالمؤمنين، و هذا الوجه سائغ في الآية، و في استعانة المؤمنين في القتال بالكفار خلاف، و أنهم إن قاتلوا من غير استعانة من المؤمنين بهم بل تطوعا من أنفسهم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 326
السكر، و لكن من شيء يتقدم هذا السكران قبل سكره من شربه طرب و ابتهاج، و هو الذي اتخذه غير أبي حنيفة في حد السكر، و هو ليس بصحيح، فكل مسكر بهذه المثابة فهو الذي يترتب عليه الحكم المشروع، فإن سكر من شيء لا يتقدم سكره طرب لم يترتب
______________________________
فلا خلاف أعرف في ذلك، ثم ليعلم أنه ما من طائفة من الكفار و المشركين إلا و هي ترجو رحمة اللّه، إلا المعطلة و القائلين بأن اللّه لا يعلم الجزئيات، قال المشركون: (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) فهم يرجون القرب من اللّه، و قربه سبحانه رحمته بخلقه في الدار الآخرة، و قد يكون قوله: «وَ الَّذِينَ هاجَرُوا» تأكيد التشريف بالذكر، لأن هاجر واصلة الذين، إذ كانت من الأسماء النواقص، المهاجرة المتاركة عن عداوة و شحناء و زهد، من هجر فلان فلانا لشيء وقع بينهما، فهو ترك خاص، و الجهاد مأخوذ من الجهد و هو المشقة، فأثنى اللّه على هؤلاء المؤمنين بهجرتهم أوطانهم و ديارهم و أهليهم إلى دار الإيمان و إخوانهم من المؤمنين، إيثارا لجناب اللّه حتى تعز كلمة اللّه و تعلو، و جاهدوا ذوي أرحامهم من آبائهم و أبنائهم و إخوانهم في سبيل اللّه أي في طريق اللّه، رجاء رحمة اللّه أن تصيبهم، فأخبر اللّه تعالى أنه غفور رحيم، فقوله «رَحِيمٌ» تحقيق لرجائهم أنه ينيلهم رحمته، و زادهم الغفران لما وقع منهم و يقع من الزلل، زيادة في كرم الكريم أن يعطي فوق المأمول و المرجو منه (220) «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» الخمر معروف، و الميسر القمار كله، و منه المراهنة و المخاطرة، إلا ما أباحه الشرع في سباق الخيل و الرمي، و ما عدا ذلك فهو حرام، حتى اللعب بالجوز و الكعاب. في هذه الآية تحريم الخمر و القمار الذي هو الميسر، و ذلك أن الحل و الحرمة و الإثم و غير الإثم و جميع الأحكام لا تتعلق بأعيان الأشياء، و إنما تتعلق بأفعال المكلفين، فالخمر ليس عين الذنب و الإثم و لا الميسر، و لكن الإثم استعمال ذلك و هو شرب الخمر، و هو فعل المكلف، فقول اللّه تعالى: «فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ» أي في استعمالهما، و إذا فعل الإنسان ما وجب عليه أو ما أبيح له لا يقال إنه أثم بهذا الفعل، و لا خلاف في ذلك، و إنما يأثم في الشرع إذا فعل فعلا حرم الشرع عليه ذلك الفعل، فكان قوله تعالى: «فِيهِما إِثْمٌ» نص في التحريم في الاستعمال، و ما خص شيئا من شيء، و أما من يجعل الإثم اسما من أسماء الخمر و يحتج بقول الشاعر:
| شربت الإثم حتى ضل عقلي | كذاك الإثم يذهب بالعقول | |
فلا ننكر أن تسمى إثما، فإن وضع الأسماء غير ممنوع إلا في أسماء اللّه، و لكن كلامنا في الإثم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 327
عليه حكم الشرعة لا بحد و لا بحكم، و الحاكم إذا كان شافعيا و جيء إليه بحنفي قد شرب النبيذ الذي يقول بأنه حلال، فإن الحاكم من حيث ما هو حاكم و حكم بالتحريم في النبيذ يقيم عليه الحد، و من حيث إن ذلك الشارب حنفي و قد شرب ما هو حلال له شربه في علمه لا تسقط عدالته فلم يؤثر في عدالته، و أما أنا لو كنت حاكما ما حددت حنفيا على
______________________________
المذكور في هذه الآية، و بطلان من يحتج بذلك في هذه الآية من وجهين: الوجه الواحد أنه أدخل الميسر في الإثمية، و لا يسمى الميسر إثما كما سموا الخمر، و الوجه الثاني أنك إذا فسرت الإثم بأنه اسم الخمر، فكأنه يقول يسألونك عن الخمر قل فيه خمر، نعم إن يتوجه أن يريد اللّه بالإثم اسم الخمر في قوله: (إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ) فقد يكون هنا الإثم اسم الخمر، و الصحيح أنه كل ما يأثم به فاعله من المكلفين، ثم أنه أكد ذلك بقوله: «كَبِيرٌ» فجعله من الكبائر، و العجب ممن يقول ما ورد في القرآن تحريمها! و أي شيء أبين من هذا، و قوله:
«وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ» أما في الميسر فمعلوم، فإن الغالب في القمار ينتفع به بلا شك مما يحصل له من مال غيره أو أهله أو عقاره، و أما الخمر فبوجهين: الوجه الواحد ما يحصل من ثمنها و إن كان حراما و لا يجوز له استعماله، و لكن لا شك أنه انتفع به عاجلا في نيل أغراضه، و لا يلزم من ذلك أنه فعل ما يجوز أو ما لا يجوز، ذلك حكم شرعي، و هذا انتفاع عقلي، معلوم ذلك ضرورة، و أما الوجه الآخر من المنافع فتعرفه الأطباء، فإنهم أطبقوا على الثناء عليها بالمنافع التي أودع اللّه فيها، و نحن نجوز التداوي بها و العدول إليها في الأمراض الشديدة التي لا يقوم فيها بدلها من غيرها، و الذي يحتج علينا بقوله عليه السلام: [إن اللّه ما جعل شفاء أمته فيما حرم عليها] فصحيح ذلك، و لكن المضطر ما هو محرم عليه استعمال ما اضطر إليه، ثم أنه زاد بالتكرار تأكيد الإثم فزاد تأكيد التحريم، فقال: «وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» فإن نفع الخمر في بيعها و في دفع المرض باستعمالها و لو كانت حراما شرعا على المضطر، فكيف و الأمر بخلافه، و أما الإثم فيتعلق بها من جهتين: الواحدة شربها، و الجهة الأخرى ما يستلزمها عند أخذها بالعقول من الآثام الكبائر كالقتل و الزنا و الكفر و شتم ما أمر اللّه بتعظيمه، و قس على ذهاب العقل كل رذيلة، ثم ما ينضاف إلى ذلك مما يدخل شارب الخمر من العجب و الكبرياء في نفسه و الخيلاء، كما قال بعضهم:
| فإذا سكرت فإنني | رب الخورنق و السرير | |
| و إذا صحوت فإنني | رب الشويهة و البعير | |
فلهذا قال: «وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» و أما الميسر ففعله إثم نفسه، ثم يتضمن آثاما و محرمات، فإنه إذا وقعت المغالبة، لا بد أن يجد المغلوب في نفسه موجدة على غالبه فيؤديه ذلك إلى السب،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 328
شرب النبيذ ما لم يسكر، فإن سكر حددته لكونه سكرانا من النبيذ، فالحنفي مأجور ما عليه إثم في شربه النبيذ و في ضرب الحاكم له، و ما هو في حقه إقامة حد عليه، و إنما هو أمر ابتلاه اللّه به على يد هذا الحاكم الذي هو الشافعي، كالذي غصب ماله غير أن الحاكم هنا أيضا غير مأثوم لأنه فعل ما أوجبه عليه دليله أن يفعله، فكلاهما غير مأثوم عند اللّه- راجع المائدة آية (90)-.
______________________________
و التسابب إذا فحش أدّى إلى ذكر محرمات كبائر، و أدّى إلى المؤاخذة بالأيدي من الضرب و الجراحة، فكان الإثم أكبر من المنفعة بلا شك، و الميسر قد يكون مأخوذا من اليسر و اليسار، فإن كان من اليسر فهو من يسر، يقال: يسرته إذا قامرته، و هو أخذ مال من قامرته بيسر من غير تعب، و من جعله من اليسار، قال: يكثر يساره بما يأخذه ممن يقامره، و كذلك اسم الخمر من خمرت الشيء إذا غطيته، و الخمر تغطي عن شاربها عقله، يقال نزلت هذه الآية في عبد اللّه ابن عبد الرحمن بن عوف و عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و نفر من الأنصار، و ذلك أن الرجل كان يقول في الجاهلية: أين أصحاب الجزور؟ فيقوم نفر فيشترون الجزور بثمن معلوم، فيجعلون لكل رجل منهم سهما، ثم يقترعون، فمن خرج سهمه تبرأ من الثمن، حتى يبقى آخرهم رجلا فيكون ثمن الجزور كله عليه وحده، و لا يكون له نصيب في الجزور، و يقتسم الجزور بقيتهم بينهم، و هذا نوع من أنواع القمار، و هذا كانت تسميه العرب الميسر، و الأزلام قداحه واحده زلمة، و سيأتي تفسيره إن شاء اللّه في المائدة «وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» العفو من الأضداد، ينطلق على القليل و الكثير، و كالقرء ينطلق على الطهر و الحيض، و الجون على الأبيض و الأسود، فإذا كان مما ينطلق على الشيء و ضده فنجمع بينهما بأمر و نقول: الإنفاق من فضل المال قل ذلك الفضل أو كثر فهو العفو، فيكون رحمة بالمنفق و المنفق عليه، فكان السؤال هنا عن قدر ما ينفق، و السؤال في الأول من أي شيء ينفق، و اختلف السؤالان في المعنى بالجواب لا بنفس السؤال، و فهمهما المسئول بقرائن الأحوال، و لهذا كان علم الصحابة بالأحكام أتم من علم التابعين و غيرهم، لمشاهدة القرآن عند نزول الحكم من اللّه، فيفهمون منه ما لا نفهم فيعملون بمقتضى ذلك، و نحن نعمل بمقتضى التأويل بحسب ما يعطيه الكلام معرى عن القرينة، إلا أن تنقل القرينة كما نقل الحكم، و وجه آخر عندي فيه، و هو أن يكون من العافية، كما قال عليه السلام في الدعاء: [اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني] أي تجاوز، و ذلك أن النبي عليه السلام كان يكره لأصحابه أن يسألوه لئلا يفترض عليهم ما يعجزون عن القيام به، و قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ) و قال عليه السلام: [إنما أهلك من كان قبلكم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 329
[سورة البقرة (2): آية 220]
فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
«فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ» الذي يقوم عليه الدليل أن كل ما سوى اللّه حادث و لم يكن ثم كان، فينفي الدليل كون ما سوى اللّه في كينونة الحق الواجب الوجود لذاته، فدوام الإيجاد للّه تعالى، و دوام الانفعال للممكنات، و الممكنات هي العالم، فلا يزال التكوين على الدوام، و الأعيان تظهر على الدوام، فلا يزال امتداد الخلا إلى غير نهاية لأن أعيان الممكنات توجد إلى غير نهاية و لا تعمر بأعيانها إلا الخلا، لأنه ما يمكن أن يعمر الملأ، لأن الملأ هو العامر فلا يعمر في ملا، و ما ثم إلا ملا أو خلا، فالعالم في تجديد أبدا، فالآخرة لا نهاية لها، و لو لا نحن ما قيل دنيا و لا آخرة، و إنما كان يقال ممكنات وجدت و توجد كما هو الأمر، فلما عمرنا نحن من الممكنات المخلوقة أماكن معينة إلى أجل مسمى من حيث ظهرت أعياننا و نحن صور من صور العالم، سمينا ذلك الموطن دار الدنيا، أي القريبة التي عمرناها في أول وجودنا لأعياننا، و قد كان العالم و لم نكن نحن، مع أن اللّه تعالى جعل لنا في عمارة الدنيا آجالا ننتهي إليها ثم ننتقل إلى موطن آخر يسمى آخرة، فيها ما في هذه الدار الدنيا و لكن متميز بالدار كما هو هنا متميز بالحال، و لم يجعل لإقامتنا في تلك الدار الآخرة أجلا تنتهي إليه مدة إقامتنا، و جعل تلك الدار محلا للتكوين دائما أبدا إلى غير نهاية، و بدّل الصفة على الدار الدنيا فصارت بهذا التبديل آخرة و العين واحدة.
______________________________
كثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم] فلما سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن قدر ما ينفقون، قال اللّه له: «قُلْ» لهم «الْعَفْوَ» أي أن يتجاوزوا عن هذا السؤال لئلا يفرض عليهم ما يشق عليهم، إذ كان يمكن أن يقول لهم: انفقوا أموالكم كلها و اخرجوا عنها، ثم قال: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» (221) «فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ» متعلق في الدنيا و الآخرة على وجه بإثمهما، و على وجه بيبيّن، و على وجه بقوله تتفكرون، يقول: و إثمهما في الدنيا و الآخرة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 330
[سورة البقرة (2): آية 221]
وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَ يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)
مسمى النكاح قد يكون عقد الوطء، و قد يكون عقدا و وطأ معا، و قد يكون وطأ
______________________________
أكبر من نفعهما في الدنيا، فإن الآخرة ليس لها تعلق بمنافعهما، يقول: كذلك يبين أي يظهر لكم الآيات- جميع ما تقدم من الدلالات فيما مضى من ذلك في هذه السورة- في الدنيا لتؤمنوا، و الآخرة لمن لم يتبينها هنا، لعلكم تتفكرون في الدنيا و أحوالها و فنائها فتزهدون فيها، و الآخرة و ما أعد فيها للعصاة و الطائعين من عباده، فترغبون فيها بالأعمال الموصلة إلى النجاة من عذابها و الحصول على نعيمها، ثم قال: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ، وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» السائل هنا ثابت بن رفاعة الأنصاري، سأله عن خلط مال اليتيم بماله، فإنهم كانوا على ذلك، فلما نزلت (وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)* و نزلت (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) عزل كل من كان عنده يتيم ماله عن ماله، في طعامه و شرابه و جميع مصالحه، فشق ذلك عليهم، و ربما صار في ذلك تبذير لمال اليتيم، فسألوا النبي صلّى اللّه عليه و سلم عن ذلك، فأنزل اللّه «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى» فقال اللّه: «قُلْ» لهم «إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ» أي اعملوا معهم ما يكون لهم فيه مصلحة و توفير لأموالهم و حفظها، فإن كان ذلك الصلاح في مخالطتهم في الأكل و الشرب و ما تمس حاجة الإنسان إليه و مصاهرتهم و إنكاحهم و نكاحهم فخالطوهم، فإنهم إخوانكم في الدين، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ» هذا مثل قوله: (وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) يقول من أفسد منكم في مال اليتيم فأنا أعلمه، و المعنى أجازيه على ذلك، و كذلك المصلح «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ» يقول لفرض عليكم في ذلك ما يشق عليكم بما فيه مصلحة لليتيم و مشقة شديدة عليكم، من العنت و هو الشيء الشاق على الإنسان فعله «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» أي غالب لمن خالف أمره و تعدى على مال يتيم عنده «حَكِيمٌ» يقول: فيما كلفكم مما
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 331
و يكون نفس الوطء عين العقد، لأن الوطء لا يصح إلا بعقد الزوجين، و العقد عبارة عما يقع عليه رضى الزوجين، و جعل اللّه الكفاءة في النكاح بالدين «وَ يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» اعلم أن الإنسان قد أودع اللّه فيه علم كل شيء، ثم حال بينه و بين أن يدرك ما عنده مما أودع اللّه فيه، و ما هو الإنسان مخصوص بهذا وحده، بل العالم كله على هذا، و هو من الأسرار الإلهية التي ينكرها العقل و يحيلها جملة واحدة، و قربها من الذوات الجاهلة في حال علمها قرب الحق من عبده، و مع هذا القرب لا يدرك و لا يعرف إلا تقليدا، و لو لا إخباره ما دل عليه عقل، و هكذا جميع ما لا يتناهى من المعلومات التي يعلمها، هي كلها في الإنسان و في العالم بهذه المثابة من القرب، و هو لا يعلم ما فيه حتى يكشف له عنه مع الآنات، و لا يصح فيه الكشف دفعة واحدة، لأنه يقتضي الحصر، و قد قلنا إنه لا يتناهى، فليس يعلم إلا شيئا بعد شيء إلى ما لا يتناهى، فكل ما يعلمه الإنسان دائما و كل موجود فإنما هو تذكر على الحقيقة و تجديد ما نسيه، فإن الخلق أنساهم اللّه ذلك العلم كما أنساهم شهادتهم بالربوبية في أخذ الميثاق مع كونه قد وقع، و قد عرفنا ذلك بالإخبار الإلهي، فعلم الإنسان دائما إنما هو تذكر، فمنا من إذا ذكّر تذكر أنه قد كان علم ذلك المعلوم و نسيه، و منا من لا يتذكر ذلك مع إيمانه به إذ قد كان يشهد بذلك، و يكون في حقه ابتداء علم، و لو لا أنه عنده ما قبله من الذي أعلمه و لكن لا شعور له بذلك، و لا يعلمه إلا من نوّر اللّه بصيرته، فإن الإنسان عالم بجميع الأمور الحقية من حيث روحه المدبر، و هو لا يعلم أنه يعلم، فهو بمنزلة الساهي و الناسي، و الأحوال و المقامات و المنازل تذكّره.
______________________________
تعاملون به اليتامى و فيما لم يكلفكم من ذلك، إذ كان الحكيم واضع الأمور في مواضعها (222) «وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ» نهانا اللّه عن نكاح المشركات، و النهي محمول على التحريم حتى تخرجه عن ذلك قرينة حال، كما أن الأمر محمول على الوجوب، و لما قال: «وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ» فمن تأكد عنده النهي بقوله: «وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ» تقوى عنده التحريم، و التحريم ضد الحل، كما قال تعالى لنبيه عليه السلام: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) تقوية للحكم بتحريم ذلك عليه، و يخرج قوله: «وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ» مخرج العلة للتحريم، و من فهم من قوله: «خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ» المفاضلة و الأولوية عدل عن نهي التحريم إلى الكراهة و الأولى، و يؤيد التحريم قوله: (وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) و يؤيده
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 332
[سورة البقرة (2): آية 222]
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
«وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً» فيتأذى الرجل بالنكاح في دم الحيض، و أما الاستحاضة فلا تمنع من الصلاة و لا من الوطء فالرجل لا يتأذى بالنكاح في دم الاستحاضة و إن كان عن مرض، و دم النفاس حكمه حكم دم الحيض، و كلاهما له زمان و مدة في الشرع، و دم الاستحاضة ما له مدة يوقف عندها، و الحيض يمنع من الصلاة و الصيام و الوطء و الطواف «فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ» و لا يجتنب من الحائض إلا موضع الدم خاصة «وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» بسكون الطاء و ضم الهاء مخففا، و قرئ بفتح الطاء و الهاء مشددا، و لذلك قال بجواز وطء الحائض قبل الاغتسال و بعد الطهر المحقق على قراءة من خفف، و من قائل بعدم جوازه على قراءة من شدد و هو محتمل، و بالأول أقول، و من أتى امرأته و هي حائض فهو عاص و لا كفارة عليه «فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» إن اللّه يحب التوابين، التوبة المشروعة هي التوبة من المخالفات، و التوبة الحقيقية هي التبري من الحول و القوة بحول اللّه و قوته، فليست التوبة
______________________________
(وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) فيلحق بالنكاح الفاسد الذي لا ينعقد معه النكاح، فإن اللّه قد أحبط عمله في الدنيا بقوله: (وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ)* و قال فيمن يموت و هو كافر:
(حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ)* و قال: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) كسائر العبادات من الصوم و الصلاة، لم يكن ذلك عملا مشروعا لعدم المصحح و هو الإيمان، و النكاح من جملة العبادات المشروعة، و المشرك هو الذي يجعل مع اللّه إلها آخر سواء كان من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب، و إذا كان أهل الكتاب هم الذين أنزل إليهم الكتاب و جاءهم الرسول بذلك و كانوا كافرين بكتابهم و أمرنا اللّه بقتالهم حتى يعطوا الجزية، فيجوز لنا نكاح بناتهم بقوله: (وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) و نمنع من ذلك بقوله: (وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) على من يحمل النهي هنا على التحريم، و قوله: (وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) على أظهر
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 333
المشروعة إلا الرجوع من حال المخالفة إلى حال الموافقة، فاللّه يحب التوابين الذين يكثرون الرجوع إليه في كل حال يرضيه، فالتوابون هم الراجعون من اللّه إلى اللّه، و أما من رجع إليه من غيره فهو تائب خاصة، فإنه لا يرجع إليه من غيره من هذه صفته إلا إلى عين واحدة، و من يرجع منه إليه فإنه يرجع إلى أسماء متعددة في عين واحدة، و ذلك هو المحبوب، و من أحبه اللّه كان سمعه و بصره و يده و رجله و لسانه، و اللّه سبحانه وصف نفسه بالتواب لا التائب، فالتواب صفة الحق تعالى و من أسمائه عزّ و جل، فما أحب اللّه إلا اسمه و صفته، و أحب العبد لا تصافه بها على حد ما أضافها الحق إليه، و ذلك أن الحق يرجع على عبده في كل حال يكون العبد عليه مما يبعده من اللّه، و هو المسمى ذنبا و معصية و مخالفة، فإذا أقيم
______________________________
الوجهين، فإن النص عزيز في ذلك، و في قوله: «وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ» مثل ذلك، غير أنه في هذه الآية أن ولي المرأة أحق بتزويجها منها، إذ رجح إنكاح الولي بكونه ذكره، و لو اعتبر ولايتها لنفسها لنصب التاء، و بينهما من الفرق أن نكاح المرأة المشركة فيه إعلاء كلمة اللّه على كلمة الكفر لما للرجل عليها من الحكم و الولاية، و في نكاح المشرك عكس ذلك على السواء، فيجوز نكاح المشركة و لا يجوز إنكاح المشرك، و قوله: «وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ» و لو أعجبكم في الحسن و المال و الجاه و شرف النسب و قوله «أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ» أي إلى الأعمال المؤدية إلى النار، أما في حق الرجل فإنه الأقوى و الضعف الذي في النساء، و أما من جانب المرأة فلما يتعلق بقلب الرجل من حبها، و الحب يعمي و يصم، فقد تدعوه إلى دينها فيجيب، و قد رأينا ذلك و رويناه «وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ» أي إلى أسباب ما يوجب الجنة و المغفرة من اللّه، و نكاح المسلمة و إنكاح المسلم من الأسباب المعينة على طاعة اللّه، و قوله: «بِإِذْنِهِ» أي بما أمر اللّه كل واحد من الزوجين أن يأمر الآخر به من الخير المؤدي إلى السعادة و قال: «وَ يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ» أي ما نصب من الأدلة على ذلك «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ما أعطاهم الفكر الصحيح و العقل الموافق لما جاءت به الشرائع من الدلالات، فإنه ما جاء بما تحيله العقول، بل ما تجيزه، فنصب الآيات على ترجيح أحد الممكنين بالوقوع، فهذا معنى قوله: «يَتَذَكَّرُونَ» فهو خطاب خاص لذوي الألباب، و ما خاطب اللّه في القرآن إلا أولي الألباب و أولي النهى، قوله: (223) «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً» الآية، يقول: «وَ يَسْئَلُونَكَ» يا محمد عن وطئ النساء في موضع الحيض في حال الحيض، فقل لهم: «هُوَ أَذىً» أي هو مما تتأذون بفعله، و قد يخرج مخرج العلة في تحريم الوطء، و يحتمل
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 334
العبد في حق من أساء إليه من أمثاله و أشكاله فرجع عليه بالإحسان إليه و التجاوز عن إساءته فذلك هو التواب، ما هو الذي رجع إلى اللّه، فاللّه معنا على كل حال كما قال: (وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) فإذا كنت من التوابين على من أساء في حقك، كان اللّه توابا عليك فيما أسأت من حقه، فرجع عليك بالإحسان، فهكذا تعرف حقائق الأمور و تفهم معاني خطاب اللّه عباده، فهو يحب التوابين و هو التواب، فإنه رأى نفسه فأحبها، لأنه الجميل فهو يحب الجمال، فالتواب من البشر ينتقل في الآنات مع الأنفاس من اللّه إلى اللّه بالموافقات لا يكون إلا كذلك، لا أنه الراجع من المخالفة إلى الطاعة، فإن التائب راجع إليه من عين المخالفة و لو رجع ألف مرة في كل يوم، فما يرجع إلا من المخالفة إلى عين واحدة، و التواب ليس كذلك، فالتواب هو المجهول في الخلق، لأنه محبوب، و المحب غيور على محبوبه فستره عن عيون الخلق، فهم العرائس المخدرات خلف حجاب الغيرة، و التوابون أحباب اللّه بنص كتابه الناطق بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، و جاء ذكره لهذه المحبة في التوابين عقب ذكر الأذى الذي جعله في المحيض للمناسبة، و كذلك قال عليه السلام: إن اللّه يحب كل مفتن تواب، أي مختبر، يريد أن يختبره اللّه بمن يسيء إليه من عباد اللّه، فيرجع عليهم بالإحسان إليهم في مقابلة إساءتهم، و هو التواب، لا أن اللّه يختبر عباده بالمعاصي، حاشا اللّه أن يضاف إليه مثل هذا «وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» التطهير صفة تقديس و تنزيه، و تطهير العبد هو أن يميط عن نفسه كل أذى لا يليق به أن يرى فيه، و إن كان محمودا بالنسبة إلى غيره و هو مذموم شرعا بالنسبة إليه، فإذا طهر نفسه من ذلك أحبه اللّه تعالى، كالكبرياء و الجبروت و الفخر و الخيلاء و العجب، فمن طهر ذاته عن أن
______________________________
معنيين: أحدهما يتعلق بالطب، أي يتأذى فاعله في نفسه، و الثاني أنه أذى عند اللّه من حيث حرّمه، و قد يكون المعنيان مقصودين في الخطاب «فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ» وقت إتيانه و في محله «وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ» فيه كناية عن الجماع «حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ» الذي ينبغي في الكلام أن لا يقدر فيه المحذوف إلا عند الحاجة إليه و لا بد لاختلال المعنى، و أن لا ينتقل في الكلمة من الحقيقة إلى المجاز إلا بعد استحالة حملها على الحقيقة، فنقول: المعنى «حَتَّى يَطْهُرْنَ» أي حتى يغتسلن بالماء بعد انقطاع الدم، و هو فعل ينطلق عليه اسم الطهارة، و المفهوم الثاني الاغتسال المشروع الذي يبيح الصلاة فعله، و لا يحمل «حَتَّى يَطْهُرْنَ» على انقطاع الدم، فإن الفعل إذا
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 335
ترى عليه هذه النعوت في غير مواطنها فهو متطهر و يحبه اللّه، كما نفى محبته عن كل مختال فخور، فالمتطهرون هم الذين تولاهم الحق من اسمه القدوس بتطهيره، فتطهيرهم ذاتي لا فعلي، و هي صفة تنزيه و هو تعمل في الطهارة ظاهرا و في الحقيقة ليس كذلك، و لهذا أحبهم اللّه فإنها صفة ذاتية له يدل عليها اسمه القدوس، فأحب نفسه، و الصورة فيهم مثل الصورة في التوابين، و لهذا قرن بينهما في آية واحدة، فعيّن محبته لهم ليعلم أن صفة التوبة ما هي صفة التطهير، و جاور بينهما لأحدية المعاملة من اللّه في حقهما من كونه ما أحب سوى نفسه، و المتطهر هو الذي تطهر من كل صفة تحول بينه و بين دخوله على ربه، و منها الطهارة للصلاة، و طهارة القلب بصفات العبودة، و هي حالة مكتسبة يتعمل لها الإنسان فإن التفعل تعمل الفعل، ثم الكلام في التعمل في ذلك على صورة ما ذكرناه في التواب سواء.-
[المرأة و الدم]
إشارة و اعتبار- المرأة تقابل النفس في الاعتبار، و قد أجمعوا على أن الكذب حيض النفوس، فليكن الصدق على هذا طهارة النفس من هذا الحيض، و هو الكذب على اللّه تعالى و الكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و كل كذب متعمد يؤذي، و كما أن الحيض يمنع من الصلاة و الصوم و الطواف و الجماع فاعتباره الكذب في المناجاة و هو أن تكون في الصلاة بظاهرك و تكون مع غير اللّه في باطنك، و الكذب في الصوم هو عدم إمساك النفس عن الكذب، أما الكذب في الطواف فعبارة عن الكذب إلى غير نهاية لأنه دوران، فهو الإصرار على الكذب، أما اعتبار الكذب في الجماع هو إذا كانت المقدمات كاذبة خرجت النتيجة عن أصل فاسد، و أما اعتبار مباشرة الحائض، فقد قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: أ يزني المؤمن؟
قال: نعم، قيل: أ يشرب المؤمن؟ قال: نعم، قيل: أ يسرق المؤمن؟ قال: نعم، قيل له: أ يكذب المؤمن؟ قال: لا، فأكد أن تجتنب النفس في أفعالها الكذب على اللّه و على رسوله، و الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، و من عود نفسه الكذب على الناس يستدرجه الطبع حتى يكذب على اللّه، فإن الطبع يسرقه، و أما استحاضة النفس فهو الكذب لعلة إذا كان المراد به دفع مضرة عمّن ينبغي دفعها عنه بذلك الكذب، أو استجلاب
______________________________
أضيف إلى المكلف فلا يضاف إليه إلا إذا كان هو الفاعل له، هذا هو الحقيقة، و انقطاع الدم ليس من فعل المكلف، و الاغتسال بالماء على الوجهين من فعل المكلف، و إذا حملنا «يَطْهُرْنَ» على انقطاع الدم يحتاج أن نتكلف الحذف في الكلام، فيكون التقدير حتى يطهرن و يتطهرن «فَإِذا تَطَهَّرْنَ»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 336
منفعة مشروعة مما ينبغي أن يظهر مثل هذا بها و بسببها، فيكون قربة إلى اللّه، حتى لو صدق في هذا الموطن كان بعدا عن اللّه، فكان في عدم منع وطء المستحاضة إشارة إلى أنه لا يمتنع تعليم من تعلم منه أن لا يكذب إلا لسبب مشروع و علة مشروعة، فإن ذلك لا يقدح في عدالته، بل هو نص في عدالته. و أما الاعتبار في الاغتسال من الحيض، فيجب تطهير القلب من لمة الشيطان [الحيض ركضة من الشيطان] إذا نزلت به و مسه في باطنه، و تطهيرها بلمة الملك.
[سورة البقرة (2): الآيات 223 الى 224]
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)
لا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم فإن اللّه لا يرحم و لا يزكي من حلف باللّه كاذبا فلا تدخل ابتداء في اليمين، فإنك إن دخلت في اليمين راعيته، و أوجبت عليك حقا لم يجب عليك،
______________________________
و إن لم يكن كذلك دالا، فليس من كلام العرب أن تقول: [لا أعطيك ثوبا حتى تركب، فإذا دخلت السوق أعطيتك ثوبا] و الذي تقوله العرب [فإذا ركبت أعطيتك ثوبا] و تكلف الحذف مع الاستغناء عنه تحكم على كلام اللّه، فيكون المفهوم من يطهرن هو المفهوم بعينه من يتطهرن على المعاني الثلاثة التي ذكرناها، و هو انقطاع الدم أو غسل موضع الحيض بالماء أو الاغتسال المبيح للصلاة، و هذا هو موضع اجتهاد المجتهد، و يعمل بحسب ما يترجح عنده، ثم قال: «فَإِذا تَطَهَّرْنَ» على ما قدمناه «فَأْتُوهُنَّ» كناية عن الجماع، «مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ» بإتيان المرأة إذا طهرت من الحيض في محل المحيض، ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ» يريد الذين يرجعون إلى اللّه و إلى رسوله فيما يتنازعون فيه، فيرجعون إلى حكم اللّه، ثم قال «وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» يقول: الذين فعلوا الطهارة، و هو استعمال الماء على ما ذكرناه قبل، فأوجب محبته للمتصفين بهاتين الصفتين: التوبة و التطهير، و قد يكون من حيث ما أمركم اللّه متعلقا بقوله:
«فَاعْتَزِلُوا» التقدير: و لا تقربوهن من حيث أمركم اللّه باعتزالهن في المحيض حتى يطهرن، و قد يتعلق بتقربوهن (224) «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» الآية، كناية عن الجماع
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 337
و خشي عليك الحنث.
______________________________
في غاية الحسن بضرب من التشبيه، و لما كان المقصود من الحرث بذر الحب في الأرض ليخرج من ذلك ما تقع به المنفعة، و كان المراد من النكاح في الدنيا التناسل لإبقاء النوع، أنزل ذلك منزلة الحرث، فيكون الأوجه على هذا المعنى المفهوم من التشبيه في قوله: «أَنَّى شِئْتُمْ» كيف شئتم من الاختلاف في هيئات الجماع في موضع البذر، و مع هذا فقوله: «أَنَّى شِئْتُمْ» فهو لفظ يصلح أن يكون موضع كيف و أين و حيث، و قد اختلف الناس في هذه المسألة أعني وطئ المرأة الحلال في الدبر، فمنهم من أباحه و منهم من حرمه، و الأصل إباحة الأشياء، و من ادعى تحجير ما أباحه اللّه فعليه بالدليل على ذلك، و ما ورد في تحريمه و لا في تحليله شيء يصح جملة واحدة على تعيينه غير الأصل المرجوع إليه العام في كل شيء و هو الإباحة، و قوله: «وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» يؤيد أنه أراد النكاح في الفرج فإنه من أحسن ما يقدمه الإنسان لنفسه عند ربه ولده، إن مات قبله كان له فرطا و إن مات الوالد دعا له ولده، و قد ورد الخبر في الأمرين معا، فيمن قدم ولده أو ترك ولدا بعده، ثم قال: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» أن تعدلوا أو تخالفوا ما أمرناكم به أو نهيناكم عنه فيما تقدم من الأحكام من الوطء و صورته، و النكاح و الإنكاح، و اليتامى، و الإنفاق، و الخمر و الميسر، و القتال في الأشهر الحرم، ثم قال: «وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ» فيسألكم عن ذلك كله، ففيه إنذار و تخويف و تحريض على فعل الخير، و الوقوف عند ما أمر اللّه به أو نهى عنه، ثم قال:
«وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» في مقابلة الإنذار جعل البشرى للمؤمنين العاملين بما آمنوا به، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم سئل عن الإيمان فقال: شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و أن يؤدوا الخمس من المغنم، و نهاهم عن الدّباء و الحنتم و المزفت و النقير، و قال:احفظوه و أخبروا به من وراءكم، ففسر الإيمان بالأفعال، و هو الذي أراد بالمؤمنين هنا، زيادة على التصديق، لأن البشرى الواردة في القرآن للمؤمنين مقرونة بالأعمال الصالحة، مثل قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى) و قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ) فما بشر إلا العاملين بما آمنوا به، قوله تعالى: (225) «وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» قوله عرضة من قول القائل اعترضني الشيء دون كذا، أي حال بيني و بين الوصول إليه، كأنه يقول: و لا تجعلوا أيمانكم باللّه تعترض بينكم و بين فعل الخير، فتقول: لو لا أني حلفت باللّه أني لا أوليك برا لأوليتك، فنهى اللّه عن ذلك، و ذلك أنه لما كان اللّه قد شرع لعباده أن يأتوا بمكارم الأخلاق و كره لهم سفسافها، فأمرهم بأفعال البر
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 338
[سورة البقرة (2): آية 225]
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)
لا قسم إلا باللّه، و ما عدا ذلك من الأقسام فهو ساقط ما ينعقد به يمين في المقسوم عليه، و لهذا قال تعالى: «لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ» و اللغو الساقط، فمعناه لا يؤاخذكم اللّه بالأيمان التي أسقط الكفارة فيها إذا حنثتم «وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
______________________________
و التقوى و الإصلاح بين الناس و العدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و كان الناس إذا غضبوا يحلفون باللّه لا يفعلون مع فلان خيرا و لا يولونه إحسانا و لا برا، و إن كان في إصلاح بين اثنين يحلف الرجل باللّه لا يصلح بينهما، و يقول: و اللّه لا اتقيت اللّه فيك، فأنزل اللّه تعالى «وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ» باسمه، يقول: قوة و تقوية على ترك فعل الخير الذي أمركم اللّه بفعله، فإذا قيل لك افعل هذا الخير، تقول: قد حلفت باللّه أن لا أفعل ذلك، فشرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في ذلك أن يكفر عن يمينه و ليأت الذي هو خير، و قد أنزل اللّه في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه و كان ينفق على مسطح- رجل من قرابته- و يحسن إليه، فبلغ أبا بكر أنه شارك أهل الإفك فيما تحملوه، فحلف أبو بكر أن لا يحسن إليه، فأنزل اللّه إليه (وَ لا يَأْتَلِ) أي لا يحلف (أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ) من له مال رزقه اللّه (وَ السَّعَةِ) يعني في الرزق (أَنْ يُؤْتُوا) يعطوا (أُولِي الْقُرْبى) ذوي الرحم (وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ* وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) فرد أبو بكر رضي اللّه عنه على مسطح نفقته و أجراه على عادته، و قوله: «أَنْ تَبَرُّوا» معناه أن لا تبروا، فحذف لدلالة الكلام عليه، قال امرؤ القيس: [فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا] أراد لا أبرح، فحذف لا لدلالة الكلام عليه، و العرضة القوة و الشدة، و قد قيل هو من عرضت العود على الإناء إذا غطيته به خوفا أن يصل إلى الإناء شيء، فجعلته حاجزا، فكأنه يقول: و لا تجعلوا أيمانكم باللّه عرضة، أي حاجزا بينكم و بين فعل الخير «وَ اللَّهُ سَمِيعٌ» ما تحلفون به «عَلِيمٌ» بما تقصدونه بأيمانكم، قوله تعالى: (226) «لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ» يقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل لغو، أي ساقط، فكل يمين أسقط الشرع الكفارة و الإثم على الحالف فتلك اليمين لغو، لأن الشارع ألغاها و ما اعتد بها و أسقط الحكم بالمؤاخذة عن الحالف بها، فقال تعالى:
«لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ» أي لا يعاقبكم بالكفارة و الإثم، و قوله: «بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ» أي بما أسقطنا الحكم فيه من الأيمان بالمؤاخذة و إذا تقرر هذا، فنقول: إن لغو الأيمان عند العلماء بالشريعة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 339
وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ» الحليم هو القادر على الأخذ فيؤخر الأمر، و يمهل العبد و لا يهمله، و إنما يؤخره لأجل معدود و لا يمحوه، لأنه يبدله بالحسنى فيكسوه حلة الحسن و هو هو بعينه، ليظهر فضل اللّه و كرمه على عبيده، و لهذا وصف الذنوب بالمغفرة و هي الستر، و ما وصفها بذهاب العين، و إنما يسترها بثوب الحسن، لهذا قال: «وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ» و لا حليم إلا أن يكون ذا اقتدار، فإن صاحب العجز عن إنفاذ اقتداره لا يكون حليما.
______________________________
على قسمين: منها مقصودة و غير مقصودة و مشتبهة، فغير المقصودة منها هو الذي يجري على ألسنة الناس من قولهم، باللّه، و لا و اللّه، من غير قصد لليمين بقلبه للعادة التي استصحبوها في كلامهم، فهذه اليمين لغو، و بذلك فسرته عائشة، و أما اليمين الأخرى المشتبهة فيمين المحرج و الغضبان، فقد تشبه أن تكون مقصودة و أن تكون غير مقصودة، فجعلها القاضي إسماعيل من لغو اليمين، و أما الأيمان المقصودة فمنها أن يحلف الحالف أن الأمر كذا و لا يعلم أن الأمر في نفسه على خلاف ما حلف عليه، فهذا من لغو اليمين عند مالك و غيره، و منها أن يحلف أن يفعل معصية، فهذه اليمين لغو عند ابن عباس، و من لغو اليمين أن يحلف على ما لا يملك عند ابن عباس أيضا، و منها أن يحلف أنه يفعل ما له أن يفعل، فلم يفعل، و رأى ترك الفعل خيرا له، فليكفر عن يمينه و يفعل الذي هو خير، و جعل ابن عباس هذا النوع من لغو اليمين، و أما يمين المكره و ذلك أن يلزمه ذو سلطان يمينا لم يلزمها الشرع إياه، فالظاهر أن الشرع يلغي هذه اليمين و لا يجب عليه إبرارها، و لا يعتبر هنا نية المستحلف، إذ لا حق له في استحلافه شرعا، و هي على نية الحالف، و لنا في هذا اليمين نظر، و هو إن حلف من هذه صورته على نية المستحلف لزمته و لم تكن لغوا، لأنه ألزم نفسه ما لم يلزمه الشرع، فقد أوجب على نفسه، و إن حلف على غير نية المستحلف فهي لغو لا يلزمه فيها حكم، ثم قال: «وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ» أي يلزمكم الكفارة و الإثم «بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ» أي بما تعمدت قلوبكم اليمين عليه و هو باطل، يقول: و لكن يعاقبكم إذا قصدتم باليمين قطع حق يجب عليكم أداؤه، أنه ليس كذلك أو هو كذلك، و أنت تعلم أنك كاذب في يمينك، فهذا هو اليمين التى شرع فيها الكفارة، إلا عند بعض الناس، فإنه لا كفارة في اليمين الغموس و هي هذه، ثم قال: «وَ اللَّهُ غَفُورٌ» لما وقع منكم من الأيمان لغوا و عقدا، حيث أسقط المؤاخذة في اللغو و شرع الكفارة في الأخرى، و قوله: «حَلِيمٌ» أي من حلمه ما عجل عليكم بالعقوبة و أمهلكم لتتوبوا على قول من لا يرى الكفارة، و على قول من يرى الكفارة في اليمين الغموس ليكون حليما، حيث جعل الكفارة برفع العقوبة و لم يؤاخذكم بما فعلتموه من إسقاط حرمة اسم اللّه،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 340
[سورة البقرة (2): الآيات 226 الى 227]
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)
لما علم سبحانه أن الافتراق لا بد منه لكل مجموع مؤلف لحقيقة خفيت عن أكثر الناس، شرع الطلاق رحمة بعباده ليكونوا مأجورين في أفعالهم، محمودين غير مذمومين إرغاما للشياطين، و مع هذا فقد ورد في الخبر النبوي أنه صلّى اللّه عليه و سلم قال: ما خلق اللّه حلالا أبغض إليه من الطلاق.
______________________________
حيث حلفتم به كاذبين و أنتم تعلمون أنه يعلم منكم خلاف ما حلفتم عليه، و أما إضافة الأيمان إلينا فيدل ظاهرا على كل ما نحلف به عرفا و شرعا مما يسمى يمينا عندنا، إلا أن يخرج الشرع من ذلك شيئا مثل قوله: [لا تحلفوا بآبائكم] و قوله: [من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت] و لا أعرف في صفة الأيمان المعتبرة يمينا متفقا عليها إلا اليمين باللّه، فانقسمت الأيمان إلى قسمين:
إلى ما يجوز أن يحلف به، و إلى ما لا يجوز أن يحلف به، و ما من قسم جوزته طائفة إلا و منعته أخرى، من الحلف باللّه و بأسمائه و بصفاته و بأفعاله و ما عظمه الشرع، و ما عندنا نص أن اللّه أقسم بشيء دون نفسه، و لكن ثم ظواهر، و سيرد الكلام في الأيمان إن شاء اللّه في سورة المائدة، ثم قال من الأيمان: (227) «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» الإيلاء اليمين يقال:
آليت على الشيء آلية إذا حلفت عليه، و الإيلاء المعلوم في هذه الآية أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته سواء كان على غضب أو غير غضب، فإن العلماء اختلفوا في ذلك، فقال ابن عباس لا إيلاء إلا بغضب، و الأوجه أن لا يعتبر في الإيلاء موجب، و لا يعتبر فيه إلا العزم على ترك الجماع، و سواء كان بيمين أو بغير يمين، فإن كان بيمين وفاء كفر، و إن كان بغير يمين وفاء لم يكفر، فليس لليمين هنا حكم إلا الكفارة، و إنما جاءت لفظة الإيلاء إذ كان الغالب أن لا يقع مثل هذا من الرجل إلا بيمين، و قد يقع في الغالب عن الغضب، و لهذا اعتبره ابن عباس، و أما قوله:
«تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» فهو حكم من اللّه تعالى لا يزاد فيه، فمن زاد فيه فقد شرع ما لم يأذن به اللّه، و سواء قيد المولي مدة هي الأربعة أشهر أو أكثر أو أطلقها، فإنها لا تبلغ إلا أربعة أشهر خاصة، لأنه قال: «تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ» يعني فيها أي في هذه المدة، يقول: رجعوا، و لا بد من الجماع في الرجوع فإن لم يجامع فالإيلاء باق على حكمه، لأن الإيلاء و العزم وقع على ترك الجماع، فلا تكون الفيئة إلا بوقوعه، و المفهوم من الشرع في تعيين مدة الإيلاء إنما هو
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 341
[سورة البقرة (2): آية 228]
وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
[ «وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ»]
القرء من ألفاظ الأضداد، ينطلق على الحيض و الطهر … «وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» اعلم أن الإنسانية لما كانت حقيقة جامعة للرجل و المرأة، لم يكن للرجال على النساء درجة
______________________________
رفع الضرر عن المرأة و رعاية المصلحة لها، فإن ورد حكم من الشارع يناقض هذه المصلحة في بعض ما في هذه المسألة من الأحكام وقفنا عنده في ذلك، و اعتبرنا المصلحة و رفع الضرر فيما عدا ذلك الوجه الذي ورد فيه الحكم، ثم إن كان الإيلاء بيمين معتبرة في الشرع فسبيلها عندنا سبيل الأيمان، فإن كان الإيلاء بيمين غير مشروعة، فلا إيلاء فلا كفارة لو وقع الفيء منه، و بقي الحكم ينسحب على العزم إلى آخر المدة ما لم يجامع، فإذا انقضت المدة المشروعة و ما فاء طلقت و لا عدة عليها إن كانت قد حاضت في تلك المدة ثلاث حيض، و إن انتقص من ذلك شيء أتمته بعد الطلاق، إذ كانت العدة مشروعة هنا لبراءة الرحم، و هذه وجدت مع ما انضاف إلى ذلك من المصلحة المعتبرة في هذه المسألة، فترجح هنا على من يرى أن العدة عبادة غير معللة، فإن الإيلاء يشبه طلاق الرجعة، و المدة في الإيلاء تشبه العدة في الطلاق الرجعي، و يكون الطلاق بائنا بعد انقضاء المدة لما فيه من المصلحة للمرأة، و وجود الضرر لو كان رجعيا، لما يبقى له من الحكم عليها، و العزم على الطلاق أن لا يفيء في تلك المدة، فإن العازم على عدم الفيئة يحدث نفسه بالطلاق، و إن أوقع الحديث فلا شك أن اللّه سميع حديثه في نفسه، فهذا قوله:
(و إن عزموا الطلاق فإن الله سميع) بما يحدث به نفسه من ذلك (عَلِيمٌ) بما قصده و نواه من ذلك، و الحر و العبد في هذه المسألة في الحكم سواء، و ما من وجه ذهبنا إليه إلا و فيه خلاف بين العلماء، و الذي يتعلق بهذه الآية من الترجمة قوله: «لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ» أي يحلفون «مِنْ نِسائِهِمْ» من أجل نسائهم أن لا يجامعوهن «تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» تنتظر به انقضاء هذه المدة «فَإِنْ فاؤُ» أي رجعوا إما في الأربعة أشهر أو عند انقضائها يحتمل فيه الوجهان «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» أي
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 342
من حيث الإنسانية، ففضل الذكور على الإناث مفاضلة عرضية لا ذاتية، و إنما كانت الدرجة هي أن حواء منفعلة عن آدم مستخرجة متكونة من الضلع القصير، و المنفعل لا يقوى قوة الفاعل، فقصرت بذلك أن تلحق بدرجة من انفعلت عنه، فلا تعلم من مرتبة الرجل إلا حد ما خلقت منه و هو الضلع، فقصر إدراكها عن حقيقة الرجل، فبهذا القدر يمتاز الرجال عن النساء، و لهذا كانت النساء ناقصات العقل عن الرجال، لأنهن ما يعقلن
______________________________
غفور لما وقع منهم من الإيلاء إذ كان مكروها، فإنه مناقض لقوله تعالى: (لِتَسْكُنُوا إِلَيْها) فكأن المولي لما لم يعتبر العلة التي لها كان التزويج، كره له ذلك، و ضرب له أجل، و غفر اللّه له برجوعه عن ذلك، فكان رحيما به من حيث أنه تعالى غفر له، و رحيما بالمرأة حيث رد عليها زوجها بالعطف، و لم يكن الإيلاء مكروها في حق النبي عليه السلام لأنه الأسوة، فأجراه اللّه عليه لتبيين الحكم في ذلك، و أنه لا يأتي مكروها يكرهه اللّه و إن كرّهه الناس (228) «وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ» يقول: فإن رجح الطلاق على الفيئة «فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ» يحتمل التلفظ بالطلاق أو حديث النفس به، و لذلك اشترط بعضهم التلفظ بالطلاق و حينئذ يقع، و أنه لا يقع بانقضاء المدة عنده و لا بالعزم، فإن العزم غير مسموع، لكن قوله: «عَلِيمٌ» قد يكون بما عزم عليه من الطلاق بترك الفيئة في هذه المدة، فتطلق بالانقضاء، و يكون سميع إن تكلم بالطلاق، مع الخلاف الذي بين أهل النظر في معنى السميع، فأتى سبحانه بالاسمين جميعا لوجود الحالتين، قوله: (229) «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» هذا عام في كل حرة مدخول بها مطلقة تحيض، فتخرج من هذه الآية من المطلقات اليائسة، و التي لم تبلغ المحيض، و الحامل، و الأمة، و غير المدخول بها، و المرتفعة الحيض في سن الحيض، و المستحاضة، و المرتابة بالحمل لحس تجده في بطنها، و غير المرتابة و هي التي عرفت سبب انقطاع دمها من مرض أو جماع، و المطلقة التي تتربص ثلاثة قروء هي ما ذكرنا، و لكل جنس مما خرج عن هذا عدة من المطلقات، و قوله: «يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ» يلبثن بغير نكاح، أي لا يتزوجن «ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» يعني هذه المدة، و اختلف الناس في القرء في هذه الآية، فطائفة قالت أراد الأطهار، و أخرى قالت الحيض، و الأظهر أنه الحيض لقوله عليه السلام: [دعي الصلاة أيام أقرائك] و قد روي عدة الأمة حيضتان، و القرء في اللسان من الأضداد، يقال للحيض و الطهر، و يقوي من يقول إنه الحيض قوله: (وَ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) فأقام الأشهر مقام الحيض، و هذا ظاهر ليس بنص، و أيضا فإن استبراء الرحم إنما يقع بالحيض، و الظاهر في العدة أنها لاستبراء الرحم و قد نقل عن
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 343
إلا قدر ما أخذت المرأة من خلق الرجل في أصل النشأة، و أما النقصان في الدين فيها فإن الجزاء على قدر العمل، و العمل لا يكون إلا عن علم، و العلم على قدر قبول العالم، و قبول العالم على قدر استعداده في نشأته، و استعدادها ينقص عن استعداد الرجل لأنها جزء منه، فلا بد أن تتصف المرأة بنقصان الدين عن الرجل، و قد تبلغ المرأة من الكمال درجة الرجل، غير أن الغالب فضل عقل الرجل على عقل المرأة، لأنه عقل عن اللّه قبل عقل المرأة لأنه تقدمها في الوجود، و الأمر الإلهي لا يتكرر، فالمشهد الذي حصل للمتقدم لا سبيل أن يحصل للمتأخر، فالمرأة أنقص درجة من الرجل، و تلك درجة الإيجاد لأنها وجدت عنه، فإن اللّه لما خلق آدم و كان قد سبق في علم الحق إيجاد التوالد و التناسل- و النكاح في هذه الدار إنما هو لبقاء النوع- استخرج من ضلع آدم من القصيرى حواء، فقصرت بذلك عن درجة الرجل كما قال تعالى، فما تلحق بالرجال أبدا، فآدم أصل لحواء، فصح للأب الأول الدرجة عليها لكونه أصلا لها، فالدرجة درجة الانفعال فإنها لما انفعلت عنه كان له عليها درجة السبق، و كل أنثى من سبق ماء المرأة ماء الرجل و علوه على ماء الرجل، هذا هو الثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فاعلم ذلك، فللرجال عليهن درجة فإن الحكم لكل أنثى بماء أمها، و هنا سر عجيب دقيق روحاني من أجله كان النساء شقائق الرجال، فخلقت المرأة من شق
______________________________
العرب أقرأت المرأة إذا حاضت، و امرأة مقرئ، و قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أي لاستقبال عدتهن، و الطلاق المشروع لا يكون إلا في طهر لم تجامع فيه، فإذا طلق فيه كانت الأطهار غير كاملة، و لا بد أن تكون الثلاثة قروء كاملة، فيتقوى من هذا المجموع أنها الحيض، فإن قيل:
يقال ثلاثة قروء تجوّزا و إن لم تكمل، قلنا: لا نرجع من الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، و هم بلا شك يعتدون بالطهر الذي يطلق فيه، و لقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و أنا بمكة في المنام سنة تسع و تسعين و خمسمائة، و هو عليه السلام في الحرم، فكنت أقول: يا رسول اللّه إن اللّه يقول: «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» و هو من الأضداد، و أنت أعلم بما أراد اللّه بالقرء في هذه الآية، إذ أنت أعلم بما أنزل اللّه عليك، فقال: إذ فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء و كلوا مما رزقكم اللّه، فكنت أقول له: يا رسول اللّه إذن هو الحيض، فتبسم و قال: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء و كلوا مما رزقكم اللّه، قلت: فإذن هو الحيض يا رسول اللّه، فتبسم و قال: إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء و كلوا مما رزقكم اللّه، فقلت له: فإذن هو الحيض يا رسول اللّه، فتبسم و ما زاد على ذلك، و كنت أفهم منه في ذلك الوقت أنه يريد بقوله إذا فرغ قرؤها إذا انقطع عنها الدم فأفرغوا
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 344
الرجل، فهو أصلها، فله عليها درجة السببية لأنها عنه تولدت، فلم تزل الدرجة تصحبه عليها في الذكورة على الأنوثة، و إن كانت الأم سببا في وجود الابن فابنها يزيد عليها بدرجة الذكورة لأنه أشبه أباه من جميع الوجود، فلا تقل هذا مخصوص بحواء، فكل أنثى كما أخبرتك من مائها أي من سبق مائها و علوه على ماء الرجل، و كل ذكر من سبق ماء الرجل و علوه على ماء الأنثى، فليست المرأة بكفء للرجل، فإن المنفعل ما هو كفؤ لفاعله، و حواء منفعلة عن آدم فله عليها درجة الفاعلية، فليست له بكفء من هذا الوجه، و لقوله تعالى:
«وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» و لم يجعل عيسى عليه السلام منفعلا عن مريم حتى لا يكون الرجل منفعلا عن المرأة كما كانت حواء عن آدم، فتمثل لها جبريل أو الملك بشرا سويا، و قال لها: (أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) فوهبها عيسى عليه السلام، فكان انفعال عيسى عن الملك الممثل في صورة الرجل، و إن كان لمريم درجة فعلى عيسى لا على الرجال، فالدرجة لم تزل باقية، و أما قوله صلّى اللّه عليه و سلم: كمل من الرجال كثيرون و من النساء مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعون، فاجتمع الرجال و النساء في درجة الكمال، فاعلم أن فضل الرجال بالأكملية لا الكمالية، فإن كملا بالنبوة فقد فضل الرجال بالرسالة
______________________________
عليها الماء، أي مروها بالغسل، و كلوا مما رزقكم اللّه كناية عن الجماع، بيّن في هذا الحديث صحة مذهب من يقول إن الحائض إذا طهرت لا يقربها زوجها إلا بعد استعمال الماء، و يرجحه قول المخالف، و يريد به الاغتسال المشروع بقوله عليها، و لا خلاف أنه الأولى عند الكل، و بالجملة إن الآية مجملة لا يظهر فيها ترجيح، و إنما يطلب الدليل من جهة أخرى، قال أحمد بن حنبل: الأكابر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقولون الأقراء هي الحيض، و مما يؤيد عندي أنها الحيض قوله تعالى في هذه الآية: «وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ» فإن الذي خلق اللّه في أرحامهن إنما هو الدم، و الطهر عبارة عن عدم الدم، و لا يقال خلق اللّه العدم، لأن العدم لا شيء، و هذا من بعض وجوه ما يحتمله لفظ الآية، فكأنه يريد إذا طلقن حرم اللّه عليهن أن يكتمن أزواجهن الحيض و يقلن قد طهرت استعجالا للطلاق لما له عليها من حكم الرجعة في زمان العدة، و هذا التأويل في الآية ظاهر، و يريد أيضا كتمان الولد، تكتم حملها لئلا يضن بالطلاق، و هذا الوجه أيضا سائغ في الآية، ثم قال: «إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» يقول:
لا يفعلن ذلك إن كن يؤمن باللّه، أي يصدقن بأن اللّه يؤاخذهن على ذلك و يعاقبهن في الدار الآخرة، فإنه من صدّق باليوم الآخر و أن اللّه له فيه حكم على عباده و أنه مسئول، لا يقدم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 345
و البعثة، و لم يكن للمرأة درجة البعثة و الرسالة، فالمرأة ناقصة عن الرجل بالدرجة التي بينهما، و إن كملت المرأة فما كمالها كمال الرجل لأجل تلك الدرجة، فمن جعل الدرجة كون حواء وجدت من آدم فلم يكن لها ظهور إلا به فله عليها درجة السببية فلا تلحقه فيها أبدا، و هذه قضية في عين، و نقابلها بمريم في وجود عيسى، فإذا الدرجة ما هي سبب ظهورها عنه و إنما المرأة محل الانفعال و الرجل ليس كذلك، و محل الانفعال لا يكون له رتبة أن يفعل، فلها النقص «وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» يضع الأمور مواضعها و ينزلها منازلها- إشارة- لا تسبقك الإناث إلى الحق، فينلن ذكوريتك و تنال أنوثتهن.
______________________________
على مثل هذا، و هذه الآية من أصعب شيء على من يرى أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن الشرط إذا انتفى انتفى المشروط، و الإقرار بما في أرحامهن شرط في وجود الإيمان، و قد انتفى بالكتمان فينتفي الإيمان، ثم قال: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» الظاهر من هذا الكلام أن للمرأة حقا في الرجعة، فإذا أبت الرجعة و هي في العدة رجح الشارع إرادة زوجها رجعتها على إباءتها في ذلك، أي في زمان العدة، و قوله: «إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» يعني البعولة إن أراد الزوج بالرجعة إصلاحا، فإن أراد ضرارا بها فهو آثم عند اللّه، كما أنها إن كتمت ما خلق اللّه في رحمها لأن تضر زوجها بقطع ما له من الحق في ذلك، فهي تأثم في ذلك، فهذا في مقابلة ذلك، و إرادته الإصلاح أو غير الإصلاح شيء في نفس الزوج لا يعلمه إلا اللّه، فيحكم له بالمراجعة ظاهرا كما يحكم لها إن كتمت بعدم المراجعة ظاهرا، و اللّه يتولى السرائر، البعل زوج المرأة و يجمع على بعول و بعولة و قوله: «وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» يقول: و لهن من الحقوق الواجبة على أزواجهن بالشرع مثل الذي لأزواجهن عليهن من الحقوق الواجبة، و المثلية في الوجوب لا فيما يجب من الأفعال، و قوله: «بِالْمَعْرُوفِ» أي بما لا ينكره الشرع، فلا تكلفه ما لم يجوز لها الشرع تكليفه، و لا يكلفها الزوج ما لم يجوز له الشرع أن يكلفها، و قوله:
«وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» و هي كون أمرها بيده و حكمه عليها بما ألقى اللّه بيده من ذلك «وَ اللَّهُ عَزِيزٌ» أي غالب لمن نازعه فيما أمر به و تعدى حدوده، المرأة بالكتمان و الرجل بالإضرار، و قوله:
«حَكِيمٌ» أي عليم بتعيين ما ينبغي أن يعاقب به من يفعل هذا الفعل المعين، يقول: (230) «الطَّلاقُ» الذي يملك الرجل به الرجعة «مَرَّتانِ» لأن الثالثة لا يملك رجعتها فيه و لا بعده إلا حتى تنكح زوجا غيره، و ترضى برجوعها إليه «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ» في نفس الطلاق الرجعي لأن أمرها بيده، متى شاء راجعها، فله أن يعاشرها و يعاملها في ذلك الحال بالمعروف، لا بما
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 346
[سورة البقرة (2): آية 229]
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)
من قال بالرجعة بعد ما طلق فما طلق، و كان صاحب شبهة فيما نطق أنه به تحقق، و إن لم يكن كذلك فهو أخرق، الطلاق الرجعي رحمة بالجاهل الغبي، و لو قلنا في الرجال
______________________________
لا يجيز له الشرع أن يعاملها به و ينكر عليه، و قوله: «أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» و هي الطلقة الثالثة، يقول: و إن عجز عن المعروف في الإمساك لأسباب يعرفها من جهته فليسرحها بإحسان، فمن الإحسان أن لا يخالعها بشيء يأخذه منها، و يستحي من اللّه تعالى في تسريحها فلا يرزؤها في شيء من نفسها بضرب و غيره و عرضها بكلام قبيح يسمعها، و مال بشيء يأخذه منها مما وهبها إياه أو استحقته عليه، و قال عليه السلام: [الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه] فلهذا فسرناه هنا بالحياء من اللّه (أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) و من إحسانه إليها في هذا التسريح أن يترك لها حقا يستوجبه عليها، أو يدفع لها شيئا من عنده تستعين به في زمان عدتها فضلا منه، و كل ذلك من مكارم الأخلاق الذي بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ليتمها، أو يريد بقوله: «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ» أي بعد أن يراجعها «أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» في وقوع الطلاق بعد المراجعة، و إنما جعلنا هذا التفسير في الثالثة من أجل فاء التعقيب من قوله: «فَإِمْساكٌ» بعد قوله: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) و إنما من حيث المعاملة، فهذا يلزمه شرعا في الطلقة الأولى، و قوله: «وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» يقول: و حرمت عليكم، إذ كان ضد الحل الحرمة، لا من أجل قوله: «لا» و إنما ذلك من أجل الفعل الذي دخل عليه النهي و قوله: «أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» يقول: وهبتموهن شيئا، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، و أما الصداق و ما ألزمه الشرع من الكسوة و النفقة فذلك حق لها، و قد نال منها العوض لذلك، فإذا حرم عليه أن يأخذ ما وهبها منها مع أنه يمكن أن يعود في هبته لقلة مروءته و خساسة نفسه و أن له في ذلك حقا ما لم تكافيه على ذلك بقيمته، فمن باب الأحرى و الأولى أن يحرم عليه و لا يحل له أن يأخذ مما أعطاها من صداق و إنفاق يلزمه
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 347
بالرجعة في الطلاق، خرقنا في ذلك ما جاء به أهل اللّه من الاتفاق، فإنه نكاح جديد و لذلك يحتاج إلى شهود أو ما يقوم مقام الشهود، من حركة لا تصح إلا من مالك غير مطلق، و كذا هو عند كل محقق … «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»
[من يتعدى حدود اللّه فقد ظلم نفسه]
– إشارة- من يتعدى حدود اللّه فقد ظلم نفسه، لأن لنفسه حدا تقف عنده، و هي
______________________________
لقبوله العوض، فكان كالبيع، و العوض لا يمكن رده لأنه الاستمتاع بوطئها، فأخذ ذلك منها من أكل المال بالباطل إلا أن تطيب له نفسا بشيء منه، قال تعالى: (وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) و ذاك الإفضاء لا يصح فيه الرجوع فلا يصح أيضا في المعوّض منه، و مع هذه الوجوه يسوغ أن يريد بقوله: «وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» أي كل ما وصل إليها منه من صداق و غيره، و قوله تعالى: «إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ» يقول: إلا أن يخاف كل واحد منهما أن يتعدى حدود اللّه في معاشرة صاحبه، المرأة تخاف من النشوز و ما في ضمنه، و الرجل يخاف أن يتعدى فيها حد اللّه الذي أمره بالوقوف عنده، و بالمجموع يجوز الاختلاع بما آتاها «فَإِنْ خِفْتُمْ» الضمير يعود على الحكام أو الذين يفتون في الدين من العلماء، لئلا يحجروا عليهما ذلك، و إن لم يكن لهم ذكر و لكن يعرف بقرينة الحال يقول:
فإن خفتم «أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ» بالمعاشرة «فَلا جُناحَ» أي لا إثم و لا حرج «عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» أن تعطيه و أن يأخذ منها، فإن خافت هي و لم يخف الرجل ذلك فلا حرج عليها في البذل، و يبقى الرجل فإن نوى بذلك الإحسان إليها في أخذه ذلك ليعصمها مما يخاف من الوقوع فيه من فساد آخرتها، جاز له أخذه و لا جناح عليه، و إن طلقها لا إلى عوض فهو أولى به، و أبرأ لذمته و أرفع للحرج عنه، و كذلك في الجانب الآخر مثله سواء، و هذا النوع من فراق يسمى الخلع، و هو بذل المرأة للرجل العوض على طلاقها، فإن بذلت كل ما أعطاها عوضا كان خلعا، و إن كان بعضه كان صلحا، و إن كان أكثره كان فدية، و إن كان إسقاطه عنه كان مباداة، هذا اصطلاح الفقهاء، و حكم الكل حكم الخلع، و هل هذا النوع من فراق يسمى طلاقا فيعتد به في الثالثة؟ أو يكون فسخا فلا يعتد به و تجوز له المراجعة من غير أن تنكح زوجا غيره؟ و هل تلزمها العدة أم لا؟ و الظاهر أن العدة تلزمها فإن العدة من حكم النكاح لا من حكم الطلاق، و في ذلك خلاف بين العلماء، و إنما رجحنا كون العدة من حكم النكاح لأن غير المدخول بها إذا طلقت لا عدة عليها، و لو كانت العدة من حكم الطلاق أوجب اللّه العدة عليها، لأن الطلاق موجود و النكاح غير موجود، و هذا النوع من الفراق بائن و لا بد، سواء كان فسخا أو طلاقا، من أجل ما افتدت به، و أنه لو ملك رجعتها مع أخذ مالها ارتفعت الفائدة في حقها، فلا بد أن
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 348
عليه في نفسها، و ذلك الحد هو عين عبوديتها، و حدّ اللّه هو الذي يكون له، فإذا دخل العبد في نعت الربوبية و هو اللّه فقد تعدى حدود اللّه، و من يتعدّ حدود اللّه فأولئك هم الظالمون، لأن حد الشيء يمنع ما هو منه أن يخرج منه و ما ليس منه أن يدخل فيه.
[سورة البقرة (2): الآيات 230 الى 231]
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)
«وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» و من ظلم نفسه كان لغيره أظلم … «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
______________________________
يكون بائنا، ثم قال: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها» يريد بحدود اللّه ما نصبها من الأحكام «فَلا تَعْتَدُوها» أي لا يحلل ما حرم اللّه و لا يحرم ما أحل اللّه، ثم قال: «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» على قدر ما تعدى منها، فإن تعدى منها ما يرجع لنفسه كان ظالما لنفسه، و إن تعدى منها ما يرجع إلى غيره كان ظالما لغيره و لنفسه، ثم قال: (231) «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» يحتمل أن يريد بقوله: «فَإِنْ طَلَّقَها» يقول: فإن وقع ما ذكرناه من الفداء فقد طلقت بعد طلقتين، فلا تحل له حتى تعقد على زوج آخر غيره، و يحتمل أن لا يعتبر الخلع و لا يجعله طلاقا و أنه يجوز له مراجعتها إذا خالعها بعد التطليقتين، و يعتبر صريح الطلاق، يقول: فإن طلقها قبل أن يراجعها برضاها أو بعد مراجعته إياها برضاها، فإنها بائن بالفداء، فإنها تقع ثالثة إذ كانت بعد تطليقتين و لكن إذا تلفظ في الخلع بالطلاق أو ينويه طلاقا و يجعله مثل الكنايات فلا تحل له، أي هي حرام عليه حتى تتزوج بغيره، فهل تحل بمجرد العقد على الزوج الآخر للأول أم لا؟ فظاهر الآية جواز ذلك، فإن العقد نكاح، و به قال ابن المسيب،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 349
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» فيعمل بعلمه، فما علم أنه يكون كونه، و ما علم أنه لا يكون لم يكونه، فكان عمله بعلمه.
______________________________
و الذي يشترط الوطء في ذلك يفتقر إلى نص من الشرع، و قد ورد في ذلك حديث و لكن فيه نظر من حيث أنه قضية في عين، و تتضمن هذه الآية صحة نكاح المحلل، فإنه أرسله مطلقا من غير تقييد، و يخرج قول النبي عليه السلام: [لعن اللّه المحلل و المحلل له] مخرج اللغو في الأيمان، إذ كانت اللعنة بمعنى البعد، فكأنه قال: لعن اللّه، أي أبعد اللّه، المحلل و المحلل له، لما في ذلك من عدم الغيرة و قلة المروءة، فلا يريد به الجزم بالدعاء عليهما، و لا الإخبار عن اللّه أنه أبعدهما من رحمته، و الأظهر أنه بعد من المروءة و الغيرة المستحسنة في الرجال، و لهذا جوز نكاحه من جوزه، و هو الأوجه في المسألة، إذ كانت لعنة المؤمن حرام، و النبي أبعد من كل ما ينهى عنه، فإنه اتقى للّه، و قد روينا عن الحسن بن علي رضي اللّه عنهما أنه قال لامرأة مطلقة بالثلاث: يا فلانة و هل تستحلي بأحد أفضل مني، فتبسمت، فلو فهم من لعنة النبي عليه السلام ما فهم من لم يجوز ذلك لكان الحسن أبعد منه رضي اللّه عنه، قال تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) و هو من أهل البيت بلا شك، و قد أخبر اللّه أنه طهرهم و أذهب عنهم الرجس، و خبره صدق، و هذا يدل على عصمة أهل البيت في حركاتهم و حفظ اللّه لهم في ذلك و ليس ذلك لغيرهم، فقد رأى الحسن نكاح التحليل «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا» يقول: فإن طلقها الزوج الذي وقع بنكاحه الإحلال، فللزوج الأول أن يراجعها و لها أن تراجعه «إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ» أي إن غلب على ظنهما أن كل واحد منهما يقوم بحق اللّه فيما أوجبه اللّه عليه في معاشرة صاحبه، إذ كان سبب الخلع الخوف من ذلك قال: «وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» يعني مواقع الكلام و البيان، ثم قال: (232) «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» يقول: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ» فإن أراد الطلقة التي يملك فيها الرجعة إلا أنه لم يراجعها حتى انقضت عدتها على اختلاف أحوال النساء في العدة، مثل اليائسة و الحائض و التي لم تحض بعد و غيرهن، و قد يريد في الطلاق البائن الذي لا يراجعها إلا برضاها أو المحلّلة إذا انقضت عدتها من الثاني، كل ذلك سائغ في تأويل هذه الآية، و في الكلام حذف، و هو فراجعتموهن بعد فراغ الأجل «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» أي بما أمر اللّه أن تمسك به، و إن لم تطق على ذلك فقد جعل لك سراحها فقال: «أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» أي لا تسرحوهن بما لم يأمر به اللّه فهو قوله:
(فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ) ثم قال: «وَ لا تُمْسِكُوهُنَ
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 350
[سورة البقرة (2): الآيات 232 الى 233]
وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
«لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها» النفس هنا عبارة عن إكمال الحس، لأن النفس المعنوية
______________________________
ضِراراً لِتَعْتَدُوا» نهى اللّه الرجل أن يمسك المرأة و يضاررها في ذلك ليعتدي عليها، إما مناكدة منه و رغبة في أذاها، فقد تعدى فيها حد اللّه، و إما يقصد بإضرارها لتختلع و يأخذ بذلك طائفة من مالها، فقد تعدى حد اللّه في ذلك، فإنه حرام عليه أخذه، و إنما يحل من ذلك ما تعطيه على الخوف من جهتها أن تتعدى في زوجها حد اللّه، قال: «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ» يعني الإمساك على الإضرار «فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» بما تأخذ المرأة من حسنات الرجل لذلك، أو يحمل نفسه من أوزارها، و على الوجهين فهو ظالم نفسه، ثم قال: «وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً» أي ما نصب لكم فيما أنزل عليكم من الدلالات على مؤاخذته إياكم على مثل هذا الفعل «هُزُواً» يعني لا تبالون به و تتأولونه على غير وجهه، و أما الاستهزاء على غير وجه التأويل فهو كفر يناقض الإيمان و استخفاف بحق اللّه نعوذ باللّه من ذلك، ثم قال: «وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» فيما أحله لكم من نيل شهواتكم و استمتاعكم بطيبات رزق اللّه الذي رزقكم، و اذكروا أيضا «وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 351
لا كلفة عليها إلا إذا كانت صاحبة غرض، فكلفت بما لا غرض لها فيه، و لهذا لم يعذر
______________________________
مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ» على جهة الوعظ لكم لتزدجروا و تنتهوا و تقفوا عند حدوده، ثم قال: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» في ذلك أي في كل ما ذكرناه «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ» تعملونه و تضمرونه في قلوبكم من خير و شر «عَلِيمٌ» وعيد من اللّه و تعليم و تنبيه و تذكرة، ثم قال:
(233) «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ» يقول: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ» بانقضاء العدة على كل وجه كما تقدم «فَلا تَعْضُلُوهُنَّ» يخاطب من يخاطب المرأة من عائلته من أوليائها، يقول: لا تمنعوهن «أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ» أن ترجع إلى زوجها إذا تراضيا على ذلك بالمعروف، فهو أحق بها من غيره، و في هذه الآية دليل على أن تنكح المرأة نفسها، و قوله: «بِالْمَعْرُوفِ» يعني: «إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ» بما تجيزه الشريعة من ذلك، أي على الوجه المشروع، ثم قال: «ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» الإشارة بذلك لقوله: (تَعْضُلُوهُنَّ) و لقوله: (بِالْمَعْرُوفِ) في هذه الآية، العضل في اللسان الأمر الذي لا يطاق لشدته على النفوس، و منه الداء العضال و هو الذي لا يطاق علاجه، يقال عضل الفضاء بالجيش أي ضاق عنه لكثرته فلا يسعه، و عضلت المرأة إذا نشب الولد في رحمها لضيق المخرج، و أعضل الأمر إذا اشتد، يقول: و هذا الوعظ المنزل من اللّه لا يقبله إلا من كان منكم يؤمن باللّه، أي يصدق باللّه، إنه عليم بما يكون منكم و قادر على مؤاخذتكم على ذلك «وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» يقول: و يصدق بأن ثمّ يوما بعد انقضاء الدنيا، يأخذ اللّه فيه من الظالم للمظلوم، و قوله: «ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ» أي لا تعضلوهن، و في حق الزوجين أزكى و أطهر إن تراضيا بالمعروف «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» أي و اللّه يعلم ما ينفعكم عنده فيأمركم به، و ما يضركم عنده فينهاكم عنه «وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ذلك، ففي هذا رد على الفلاسفة حيث يزعمون أنهم عالمون بذلك من غير ورود وحي من اللّه، و أن ذلك من مدارك العقول، و عند المعتزلة أن بعض ذلك من مدارك العقول، و بعضه لا يدرك إلا بإعلامه لاشتباهه علينا، فنفى الحق ذلك بقوله: «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» نزلت هذه الآية في معقل ابن يسار حين عضل أخته، و قيل في جابر بن عبد اللّه حين عضل بنت عمه (234) «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» أمر خرج مخرج الخبر، يقول: حق على الوالدة رضاع ولدها، و الذي يقول إنه لا يجب عليها ذلك لقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) و أنه إنما يجب على المولود له و هو الأب، يقول: بإيجابه إذا لم يقبل غير ثدي أمه، أو يكون الوالد معسرا، فالقرآن أوجب الرضاعة على الأم و أوجب على الأب نفقة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 352
الإنسان من حيث نفسه، و يعذر من حيث حسه، لخروج ذلك عن طاقته في المعهود.
______________________________
الأم و كسوتها ما دامت ترضعه، و ذلك بالمعروف، و هو أن لا تكلفه إلا على قدر ما يجده، و لا تضاره و لا يضارها في الولد، بأن تكلفه من أجل ولدها فوق استطاعته أو ترميه له، و يضارها الأب بأن يأخذه منها بعد تألفه بها لتسقط عنه بذلك النفقة و ما يجب لها، و كل ضرر يتعلق بسبب الولد من كل واحد منهما بصاحبه، و قوله: «حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» يقول: سنتين، و قوله:
«كامِلَيْنِ» رفعا للتجوز الذي يدخل الكلام في ذلك، تقول في بعض اليوم الثاني ما رأيت فلانا منذ يومين من قبل أن ينقضي اليوم الثاني، فإذا قال: «كامِلَيْنِ» رفع هذا الالتباس، و لذلك قال: «لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» و العامل في قوله: «لِمَنْ» يرضعن فما أوجب سبحانه إتمام الرضاعة له، ثم قال: «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ» يريد الأب دون الأم، فإن الولد للأب، و يقوي هذا قول من يقول من العلماء بهذا الشأن من الحكماء، إن ماء المرأة لا يتكون منه ولد و إنما ذلك من ماء الرجل، و التكوين للمولود من ماء الرجل، و كون المولود ذكرا أو أنثى أو خنثى إنما ذلك راجع إلى سبق أحد الماءين بحيث يعلو أحدهما الآخر، فإن علا ماء الرجل أذكر، و إن علا ماء المرأة أنث، و إن تساويا كان الخنثى، و تساويهما أن يحصلا معا في الرحم من غير سبق واحد منهما، فكان هذا المقدار مؤثرا في الذكورية و الأنوثة، و هما عرضان لا في عين التكوين، فلهذا أضيف إلى الأب، و إذا أضيف الولد إلى أمه فمن كونه يكون في رحمها، و كان غذاؤه منها في مدة كونه في بطنها، و إنما أمهات الناس أوعية و مستودعات، و للأبناء آباء، «رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» و قوله:
«وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» أحسن التأويلات فيه أن يكون المعنى بالوارث الولد إذا مات أبوه، أنفق عليه مما يرثه من أبيه من ماله، و قوله: «مِثْلُ ذلِكَ» أي مثل ما كان يجب على الأب من النفقة و الكسوة لمن يرضعه، و قوله: «فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما» يقول: فإن أراد والداه بعد أن عرفا التحديد على أكمل الوجوه بذكر الحولين لمن أراد تتميم الرضاعة، يقول: فإن تراضيا و تشاورا على فصاله، أي فطامه من الرضاعة، فلا جناح عليهما، و سبب ذلك أن الأم أعلم بمصالح الطفل الصغير و تربيته، فينبغي أن لا يكون الفصال إلا بعد مشورتها و مشورة الأب و رضاه لما يلزمه على ذلك، فإذا رأيا الزيادة أصلح بالطفل زادا، أو النقص من الحولين اتفقا على ذلك، للحق الذي لكل واحد منها في الولد، قال تعالى: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) على أقل ما يولد من زمن الحمل و يعيش و هو ستة أشهر حملا، و سنتان رضاعا على التمام، و إن أتم الحمل المعتاد في الغالب و هو تسعة أشهر، كانت مدة الرضاعة حولين
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 353
[سورة البقرة (2): الآيات 234 الى 235]
وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)
… «وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا» عبر عن النكاح بالسر في اللسان لما فيه من الأسرار المكتومة المستورة «إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ» العقد عبارة عما يقع عليه رضا الزوجين …. «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» الحق له الاقتدار التام، لكن من نعوته الإمهال و الحلم و التراخي بالمؤاخذة لا الإهمال، فإذا أخذ لم يفلت، و زمان عمر
______________________________
إلا ربع حول و هي إحدى و عشرون شهرا، و رفع اللّه الإثم عن الأبوين في الزيادة و النقص عن التحديد الذي حد اللّه من النقص و التمام «وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ» الآية، يقول:
إن امتنعت الأم عن رضاع ولدها إما إباية أو لعذر قام بها، من انقطاع لبن أو فساده لمرض يخاف على الصبي إن شرب منه، فأردتم أن تسترضعوا من يرضع أولادكم من النساء و هي الظئر، فحذف أحد المفعولين «فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» يقول: فلا حرج عليكم في ذلك «إِذا» شرط، «سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ» و التسليم الإعطاء بسهولة و الانقياد إلى ذلك، و منه (أسلمت وجهي إليك) يقول: إذا قبضتم الظئر ما آتيتم القدر الذي تعطونها من الأجرة على ذلك «بِالْمَعْرُوفِ» بالوجه المشروع من السماحة في العطاء و المبادرة إليه من غير نقص مما وقع عليه الاتفاق بينكم من غير مطل «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» فيما أمركم به و نهاكم عنه في كل ما تقدم ذكره «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ» من ذلك «بَصِيرٌ» أي عالم يراكم كما قال تعالى: (الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ) و قال: (أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) ثم قال تعالى: (235) «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ» الآية،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 354
الحياة الدنيا زمان الصلح و استدراك الفائت و الجبر بمن قام بمصالح الأمور المرضية عند اللّه تعالى المسماة خيرا الموافقة لما نزلت به الشرائع، فهو حليم لا يعجل لعدم المؤاخذة مع الاقتدار، فإمهاله العبد المستحق للأخذ إلى زمان الأخذ، حبس عن إرسال الأخذ في زمان الاستحقاق، فكل عبد استحق العقاب على مخالفته لما جاء الرسول إليه به فقد أمهله
______________________________
يقول: و الذين يموتون منكم، خطابا للرجال، و يتركون أزواجا في عصمة نكاحهم، و هي المرأة الحرة التي عقد عليها و دخل، ثم مات عنها و هي في نكاحه، فأمرها اللّه أن تحبس نفسها عن النكاح و عن الزينة، و هي الإحداد أربعة أشهر و عشرة أيام، فقال تعالى: «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» يقول: إذا انقضت عدتهن التي ذكرناها «فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» يخاطب الحكام و المسلمين، أي لا حرج فيما فعلن في أنفسهن من نكاح أو زينة «بِالْمَعْرُوفِ» على الحد المشروع، و في هذه الآية أيضا دليل على إنكاحها نفسها، لأنه أضاف الفعل إليها، و لم يقل فيما أمرن أن يفعلن في أنفسهن، فيكون الخطاب للأولياء «وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» من جميع أعمالكم، تنبيه من اللّه أن لا يتصرفوا و لا يعملوا إلا على حد ما شرع لهم سبحانه، و قوله:
«وَ عَشْراً» يريد الليالي، فحذف الهاء و كانت الأيام تبعا، فإن الليل في حساب العرب مقدم على النهار (236) «وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ» يقول: و لا حرج عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء من غير تصريح بلفظ يدل على النكاح، لا صريحا و لا كناية للمرأة التي في العدة، و لكن يقول لها كلاما يفهم بقرينة الحال- لا من نفس ما تكلم به دون القرينة- أنه يريد نكاحها، فتمسك نفسها عليه إن وقع لها في ذلك غرض، و كذا فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، ذكر لأم سلمة و هي في عدتها مكانته من اللّه عزّ و جل و ما شرفه اللّه على سائر خلقه، فكان ذلك خطبة، فلما انقضت عدتها تزوج بها، و قوله: «أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ» يريد بذلك ما سترتم في نفوسكم من إرادتكم بذلك التعريض نكاح المرأة، و حدثتم به أنفسكم، لا إثم عليكم في ذلك «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ» يقول: إن الإنسان من جبلته أنه لا يخلو و لا ينفك أن يحدث نفسه في نفسه بما يشتهي و يريد فعله قبل أن يفعله، فرفع اللّه عن عباده الإثم في ذلك، ثم حذف (فاذكروهن) لدلالة الكلام عليه، و جاء بحرف الاستدراك الدال على المحذوف، فقال: «وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا» أي لا تذكروا لهن في التعريض لفظة جماع و لا نكاح، و لا تكنوا عن ذلك و قد يحتمل أن يريد بالسر هنا ضد العلانية، لأن التستر بالكلام في مثل هذا يدل على أنه ربما يقول ما يفحش سماعه، و لذلك استثنى استثناء متصلا فقال: «إِلَّا أَنْ تَقُولُوا»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 355
اللّه و ما أخذه، و هو تحت حكم سلطان الاسم الحليم، فهو كالمهمل فلا يدري هل تسبق له العناية بالمغفرة و العفو قبل إقامة الحد الإلهي عليه بالحكم، أو يؤخذ فيقام عليه حدود جناياته إلى أجل معلوم، فإنه في علم اللّه السابق إما مغفور له و إما مؤاخذ بما جنى على نفسه، فهو على خطر و على غير علم بما سبق له في الكتاب الماضي الحكم، و كفى بالترقب للعارف العاصي الممهل الذي هو في صورة المهمل عذابا في حقه، لأنه لا يدري ما عاقبة الأمر فيه.
[سورة البقرة (2): الآيات 236 الى 237]
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)
الفضل في البذل، و البذل في الفضل، و في الأصل من الفضل.
______________________________
سرا معها «قَوْلًا مَعْرُوفاً» يريد قولا غير منكور شرعا في هذا الموطن، ثم قال:
«وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» لما كان العزم على الشيء يؤذن بوقوع المعزوم عليه، و النهي إنما ورد في وقوع عقد النكاح في العدة، نهينا عن العزم الذي هو سبب، فكان من باب الأحرى و الأولى النهي عن وقوع المعزوم عليه، و قوله: «حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» و هو انقضاء العدة، و قوله: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ» إذا أضمرتم فيها ما نهاكم اللّه عنه أن تضمروه، و هو العزم هنا ليس في الآية غير ذلك، قال تعالى: «فَاحْذَرُوهُ» أي خافوه و اتقوه أن يؤاخذكم بذلك، قال تعالى: «وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ»* و لست أعرف في القرآن و لا في السنة مؤاخذة على إرادة النفس إلا هذا و قوله تعالى: (وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) و هي أشد من هذا، إذ كان العزم خصوص وصف في الإرادة، ثم قال: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ» أي يستركم و يستر عليكم، فلا يؤاخذكم بذلك عاجلا، فتتخيلوا أنه يسامحكم فيما
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 356
[سورة البقرة (2): آية 238]
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238)
جعل اللّه هذه الآية بين آيات نكاح و طلاق و عدة وفاة تتقدمها و تتأخر عنها و غير ذلك مما لا مناسبة في الظاهر بينهما و بين الصلاة، و إن آية الصلاة لو زالت من هذا الموضع
______________________________
كان منكم من ذلك، فذلك من مكره الخفي في عباده الذي لا يشعر به، و لا يريد هنا غفران الذنب إزالة المؤاخذة في الدنيا و الآخرة، فإنه قال في إثره تأكيدا له: «حَلِيمٌ» و الحليم هو الذي يمهل و يؤخر العقوبة و لا يهمل مع وجود القدرة على ذلك، و لا يلزم من حلمه في الوقت التجاوز عن الذنب مطلقا و إن كان، فنبهنا سبحانه بقوله: «حَلِيمٌ» ما أراد بالمغفرة هنا، ثم قال: (237) «لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ» الآية، يقول لا إثم عليكم في الطلاق قبل الدخول، و كنى بقوله: «تَمَسُّوهُنَّ» عن الجماع «أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً» يقول: و لم تسمّوا لهن صداقا، فأمرنا سبحانه و أوجب علينا إذا طلقنا المرأة على هذه الحال «وَ مَتِّعُوهُنَّ» أن نمتعها بشيء ندفعه لها من ذهب أو ثياب أو شيء تنتفع به على قدر جدة الرجل و عدم جدته، فقال:
«عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ» أي من وسع اللّه عليه رزقه «وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ» هو الذي ضيق عليه رزقه «مَتاعاً» أي يمتعها بذلك، و قوله: «بِالْمَعْرُوفِ» باء السبب، أي بسبب أنه شرع لكم، و قوله: «حَقًّا» أي واجبا «عَلَى الْمُحْسِنِينَ» أي على ما من اعتقد أن اللّه يراه و يعلم سره و نجواه، و يظهر في هذه الآية أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، فإنه ما أوجبه إلا على من يعتقد أن اللّه يراه، و من لا يعتقد ذلك فليس بمؤمن، سأل جبريل النبي صلّى اللّه عليه و سلم عن الإحسان، فقال:
أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، و هذا لا يقول به أهل الجاهلية الجهلاء من العرب، و من يقول من أهل النظر من الفلاسفة إن اللّه لا يعلم الجزئيات، و كان هذا الذي فرض اللّه لغير المدخول بها من المتعة لمن لم يفرض لها صداقا، و نصف المهر لمن فرض لها صداقا و طلقها قبل الدخول بها، إنما ذلك في مقابلة ما نالها من الضرر زمان عقده عليها، فمنع العقد بينها و بين أن تتصرف في نفسها و منافعها بحكم التزويج، فكانت تنال في تلك المدة راحة من غيره، فجعل سبحانه هذا القدر عوضا من ذلك، فقد روي أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قبل من واحد فلسا في المتعة، و قال:
إنما أردت بذلك إحياء سنة، إذ كان قدر المنفعة بالفلس خسيس، و لم يكن في وسع الزوج أكثر من ذلك، ثم قال: (238) «وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» الآية، يقول: و إن طلقتم النساء اللاتي عقدتم عليهن من قبل أن تمسوهن، كناية عن الجماع، أو كناية
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 357
و اتصلت الآية التى بعدها بالآيات التي قبلها لظهر التناسب لكل ذي عينين، ففي ظاهر الأمر أن هذا ليس موضعها، و ما في الظاهر وجه مناسب للجمع بينها و بين ما ذكرناه، و قد جعل اللّه ذلك موضعها لعلمه بما ينبغي في الأشياء، فإن الحكيم من يعمل ما ينبغي لما ينبغي كما ينبغي، و إن جهلنا نحن صورة ما ينبغي في ذلك فالمناسبة ثمّ و لكن في غاية الخفاء، فإن أمعنت النظر وجدت أن هناك مناسبة بين الصلاة و النكاح، فإن الصلاة تقع بين طرفي إحرام و تحليل، و كذلك النكاح يقع بين طرفي تحليل و تحريم، فكانت المناسبة بين الصلاة و النكاح كونهما بين طرفي تحريم و تحليل، متقدم أو متأخر، فكانت المناسبة بين هذه الآيات
______________________________
عن الدخول بها و إن لم يقربها، فالشرع يحكم بالصداق، و لا يدينوه في ذلك لو أنكر المسيس، فهذا شيء لا يعلمه إلا الزوج و الزوجة، و لا شك أن المسيس إنما يكنى به عن الجماع، و لذلك قال اللّه: «وَ أَنْ تَعْفُوا» عن أخذ نصف الصداق «أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» لأنه ما نال منها ما فرض الصداق من أجله، فكأنه مال لا عن معاوضة، و إن عفت المرأة عن ذلك، فإن الرجل يتعين عليه أن يمتعها و يلحقها بمن لم يفرض لها صداق، و إن كان لا يجب ذلك عليه، و لكنه خير مندوب إليه، إذ كانت الهبة على الإطلاق مشروعة، فكيف إذا اقترن بذلك شبهة حق بدخوله بها و إن لم يمسها، و تورعت المرأة في إسقاط ذلك الحق عنه، و ليس للذي بيده عقدة النكاح بعد الدخول بها أن يعفو عن ذلك إلا حتى يتيقن من ذلك ما تيقنت المرأة، و هو عدم المنفعة و التلذذ بها من كل وجه، من عناق و تقبيل و ما في ضمن من ذلك، فقال: «وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ» أي تدخلوا بهن «وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً» صداقا معينا «فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ» يجب عليكم إعطاؤه لها، فإنه مثل المتعة في الوجوب، غير أن المتعة على قدر حال الزوج من الجدة، و في هذا الموضع لما ألزم نفسه بتعيين الصداق، ألزمه الحق مما ألزم نفسه نصف ذلك، لكونه حجر عليها التصرف في نفسها، و فرض لها النصف و لكونه ما نال منها شيئا أسقط عنه النصف، فكان المهر لمنفعته بها و حجره عليها، فلما سقط أحد الأمرين قسم الصداق على ذلك، و لما كان المعتبر و الركن الأعظم من النكاح الجماع و لم يقع، رجح اللّه العفو عن أخذ ما عينه من نصف الصداق لها على أخذه، من عفا الشيء إذا ذهب رسمه، فهذا معنى قوله: «وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» و قوله: «وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» يؤيد ما ذهبنا إليه أن يهبها الزوج شيئا إذا هي عفت عن أخذ النصف الذي أعطاها اللّه، فيكافئها الزوج على ذلك بشيء سماه اللّه (الْفَضْلَ) فقال:و لا تتركوا «الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» أي كما تفضلت عليك بترك نصف الصداق الذي كان لها
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 358
«حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ» و ليس سوى هذه الخمس الموقتة المعينة المكتوبة «وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى»– راجع إيجاز البيان- «وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ» القيام تعظيم للّه و لقيوميته التي لا تنبغي إلا له امتثالا لأمره «قانِتِينَ» خاضعين طائعين، فالقنوت لا يكون إلا للّه، أي من أجله لا من أجل أجر أو أمر آخر، فإنه أعظم من الأجر، لذلك لم يسم أجرا على
______________________________
أخذه فأحسن أنت إليها مكافأة على ذلك «إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» أي يرى لكم ذلك، و يتوجه في قوله: «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» يريد الزوج إذا أعطاها الصداق كله عند عقد النكاح عليها ثم طلقها، فله أن يطالبها بنصف المهر، فقال له اللّه: «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» عن مطالبتها بالنصف، و قوله: «أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» من أنها استحقت ذلك بالعقد، و وقع الطلاق من الزوج لا من جهتها، فخفف اللّه عن الزوج و نبهه اللّه سبحانه على أن الإفضال ترك ما أباح له أخذه، إذ كان له في ترك ذلك الأجر عند اللّه، و يكون قوله: «وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» ما كان من فضل الزوجة حيث رضيت به و أجابته إلى مراده إذ كان هو الطالب و الخاطب لها، فأسعفته في ذلك و قضت حاجته، و أن الرجل بطلاقه إياها كسر قلبها و خجلها عند أهلها، فرجح له ترك النصف الذي أباح له أخذه على أخذه، فضلا منه عليها في مقابلة فضلها عليه في إجابتها، فقال له: لا تنس ذلك الفضل و اجعل الجزاء عليه ترك ما أبيح لك أخذه، ثم قال تعالى:
(239) «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى» المحافظة على الصلاة أن يؤتى بها في أوقاتها قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) و أن يؤتى بها أيضا على أكمل هيئاتها، من إتمام الركوع و السجود و القيام و الجلوس و ما شرع الشارع من هيئاتها، كما ورد في الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: [صلوا كما رأيتموني أصلي] و تعليمه الصلاة للرجل الذي دخل عليه في المسجد فصلى، فقال له عليه السلام: [ارجع فصل فإنك لم تصل] و فيه قال الرجل: [ما أحسن غير هذا] و فيه أنه صلّى اللّه عليه و سلم لما علمه الصلاة قال له: [كبر ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم اجلس، فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك] و من المحافظة على الفرائض، منها أن يؤتى بها في المساجد في الجماعة، و من المحافظة عليها الاستكثار منها، فإن النبي عليه السلام يقول أيضا في الصحيح: [أول ما ينظر فيه يوم القيامة من عمل العبد الصلاة، فإن كانت تامة كتبت له تامة، و إن كان انتقص منها شيئا قال:
انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه] و قال تعالى: (وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) و من المحافظة على الصلاة النافلة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قضى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الظهر بعد العصر و بيّن أنهما تلك الركعتان إذ كان الوفد شغله
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 359
القنوت، فالقيام للّه، نعت الحليم الأواه، لو لا قيامه ما رمي في النار، و لا انخرقت العادة في الأبصار، هي نار في أعين الأنام، و هي على الخليل برد و سلام، فهو عندهم في عذاب مقيم، و هو في نفسه في جنة و نعيم، لما هبت عليه الأنفاس، كان كأنه في ديماس.
______________________________
عنهما، فأمرنا اللّه تعالى بالمحافظة على الصلوات و ما خص فرضا من نفل و رغبنا فيها فقد يكون قوله: «وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى» الفريضة من هذه الصلوات، فإن صلاة الفرض بلا خلاف أفضل من صلاة النافلة، فأكد بذكرها المحافظة عليها، لأن السؤال عنها يقع يوم القيامة، و أمر بالمحافظة على النوافل في التكثير منها و حسن إقامتها، لما كان يكمل الفرائض منها بما فيها من الفرائض و السنن، و هذا غير بعيد في التأويل، و قد يمكن أن يريد بالصلاة الوسطى صلاة واحدة مخصوصة من الفرائض كما قد ذكر الناس، و ما من صلاة من الخمس إلا و قد روي أنها الوسطى، و لم يرد في ذلك نص يرفع الإشكال فيها، و كذلك اختلفوا في الوسطى، هل هو من الوسط الذي هو الشيء بين الشيئين أو هو من الفضل؟ فإن كان من الوسط، فأحسن الوجوه فيها أنها المغرب، فإن أول صلاة صلاها الظهر، فيكون المغرب وسطا بلا شك، و ليس في الصلوات وتر إلا المغرب، و قد ورد في الخبر الصحيح أن اللّه وتر يحب الوتر، فهي وسط في الترتيب، و هي أفضل من طريق الوترية، و قد يتوجه على مذهب أبي حنيفة رضي اللّه عنه أن تكون صلاة الوتر، إذ كانت عنده واجبة، فهي دون الفرض و فوق النفل، فهي وسط بينهما، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: [إن اللّه قد زادكم صلاة إلى صلاتكم] و هي الوتر، فأضافها إلى ما فرضه علينا من الصلاة، و قال:
[أوتروا يا أهل القرآن] و ما نص على حفظ صلاة مما سوى الخمس و لا حافظ هو على ما نقل أكثر من الوصية و حفظه على صلاة الوتر، و جعلها وتر صلاة الليل كما جعل المغرب وتر صلاة النهار، و قد يتوجه في ذلك أن تكون صلاة الجمعة لما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم من الوعيد بالحرق بالنار في الدنيا على من تخلف عنها، و مما يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه تعالى يريد بالصلاة الوسطى صلاة الفرض، قوله يوم الخندق: [شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر] و ما شغلوه إلا عن صلاة العصر، فذكر الصلاة المفروضة، و اتفق أن كانت صلاة العصر، فتحقق النص في الفرض، و لم يتحقق في تعيين العصر، و لكنه محتمل، و في مصحف عائشة «حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر» فهذا أيضا يقوي ما ذهبنا إليه، فجعل المحافظة على الصلوات مطلقا نفلها و فرضها، ثم قال: «وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى» [فأكد المحافظة على صلاة الفرض خصوصا، ثم قال: «و صلاة العصر»][1] فأكد المحافظة على العصر
______________________________
(*) هذه العبارة ساقطة في الأصل
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 360
[1] (*) هذه العبارة ساقطة في الأصل