تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الضّحى
(93) سورة الضّحى مكيّة
[سورة الضحى (93): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ الضُّحى (1) وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى (2)
أي أظلم، فقد يكون الليل و لا ظلمة، فإنه ليس من شرط وجود الليل وجود الظلمة، إنما عين الليل غروب الشمس إلى حين طلوعها، سواء أعقب المحل نور آخر سوى نور الشمس أو ظلمة، فلو كان عين الليل عين الظلمة ما نعته بأنه أظلم.
[سورة الضحى (93): الآيات 3 الى 4]
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى (3) وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4)
الأولى هي الدار الدنيا، و الدار الآخرة هي الآخرة، فكان بين خلق الدنيا و الآخرة تسع آلاف سنة مما تعدون، و لهذا سميت الآخرة آخرة لتأخر خلقها عن خلق الدنيا، و سميت الدنيا الأولى لأنها خلقت قبلها، و قد جعل اللّه للدار الدنيا أمدا معلوما تنتهي إليه، و تنقضي صورتها و تستحيل من كونها دارا لنا، و لم يجعل للآخرة مدة ينتهي إليها بقاؤها، فلها البقاء الدائم،
و إنما قال اللّه تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم «وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى» لأن الآخر ما وراءه مرمى، فهو الغاية فمن حصل في درجته فإنه لا ينتقل، فله الثبوت و البقاء و الدوام، و الأول ليس كذلك، فإنه ينتقل في المراتب حتى ينتهي إلى الآخر و هو الغاية فيقف عنده، فلهذا قال له «وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى» فإن مآل الناس في الآخرة إلى رفع التحجير، و من وجه آخر فإن الماضي و الحال قد حصلا، و المستقبل آت فلا بد منه، فتعلق الهمة به أولى، فإنه إذا ورد عن همة متعلقة به كان لها لا عليها، و إذا ورد عن غير همة متعلقة به كان إما لها و إما عليها،
و إنما أثّر فيه تعلق الهمة أن يكون لها لا عليها، لما يتعلق من صاحب الهمة من حسن الظن بالآتي، و الهمم مؤثرة، فلو كان إتيانه عليه لا له لعاد له لا عليه، و هذه فائدة من حافظ عليها حاز كل نعيم،
[سورة الضحى (93): آية 5]
وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5)
«وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ» هناك «فَتَرْضى» و هو عطاء كن في ظاهر العين، كما هو له في الباطن، فإن الإنسان له في باطنه قوة كن، و ما له منها في ظاهره إلا الانفعال، و في الآخرة يكون حكم كن منه في الظاهر، و أعطاه صفة البقاء و الدوام و النعيم الدائم الذي لا انتقال عنه و لا زوال، و تميز صلّى اللّه عليه و سلّم بهذا المقام عمن قال (وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) فمن عناية اللّه بالرسول المبجل تخليص الاستقبال في قوله «وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى»، حتى لا يعجل، فمن علم أنه لا بد من يومه، فلا يعجل عن قومه، و مما أعطى الحق لرسوله صلّى اللّه عليه و سلّم في الدنيا ليرضيه استقبال الكعبة، قال تعالى (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها).
[سورة الضحى (93): آية 6]
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6)
فلم يذلّك و لا طردك بالقهر ليتمك و كسرك.
[سورة الضحى (93): آية 7]
وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (7)
يقول اللّه تعالى في معرض الامتنان على عبده «وَ وَجَدَكَ ضَالًّا» أي حائرا، ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان «فَهَدى» فأبان لك عن الأمر، و بين لك طريق الهدى من طريق الضلالة، و الهدى هنا هو معرفة ما خلقك من أجله حتى تكون على ذلك، فتكون على بينة من ربك.
[سورة الضحى (93): آية 8]
وَ وَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (8)
أول درجة الغنى القناعة، و الاكتفاء بالموجود، فلا غنى إلا غنى النفس، و لا غني إلا من أعطاه اللّه غنى النفس، فليس الغنى ما تراه من كثرة المال مع وجود طلب الزيادة من رب المال، فالفقر حاكم عليه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [ليس الغنى عن كثرة العرض، و لكن الغنى غنى النفس].
[سورة الضحى (93): آية 9]
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9)
و ذلك في حق الإنسان، فإنه قال له صلّى اللّه عليه و سلّم (أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى) و لذلك قال له «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ»، إذا وجدته فلا تقهره و الطف به و آوه و أحسن إليه، فإن القهر لا يأتي بالرحمة و المودة في قلب المقهور.
[سورة الضحى (93): آية 10]
وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)
[ «وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» الآية- يدخل فيه السائل عن العلم]
سواء كان في القوت المحسوس أو المعنوي، فإن العلم من هذا الباب و يدخل فيه، و الإفادة، فإن الضال يطلب الهداية، و الجائع يطلب الطعام، و العاري يطلب الكسوة التي تقيه برد الهواء و حره و تستر عورته، و الجاني العالم بأنك قادر على مؤاخذته يطلب منك العفو عن جنايته، فاهد الحيران، و أطعم الجائع، و اسق الظمآن، و اكس العريان، فعمم بقوله «وَ أَمَّا السَّائِلَ» و إن كان المقصود في سبب نزولها السؤال في العلم، لأنه تعليم لحال سابق كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو قوله (وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) فقال له «وَ أَمَّا السَّائِلَ» إذا جاءك يسألك فإنما هو بمنزلتك حين كنت ضالا «فَلا تَنْهَرْ» فلا تنهره كما لم أنهرك، و بيّن له كما بينت لك،
و لقد علمنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من هذا الباب في تأديب الصحابة ما يتأدب به في ذلك، و ذلك أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو بين ظهراني أصحابه، فقال [يا رسول اللّه إني أسألك عن ثياب أهل الجنة، أخلق تخلق أم نسيج تنسج؟ فضحك الحاضرون من سؤاله، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و قال: (أ تضحكون أن جاهلا سأل عالما، يا هذا الرجل إنها تشقق عنها ثمر الجنة) فأجابه بما أرضاه،
و علّم أصحابه الأدب مع السائل، فأزال خجله و انقلب عالما فرحا، فقد جرت العادة عند العلماء القاصرين عما ذكرناه أن المتعلم السائل إذا جاء ليسأل العالم عن أمر لا يعلمه، فإن كانت المسألة بالنظر إلى حالة السائل عظيمة قال له: لا تسأل عما لا يعنيك، و هذا ليس قدرك، و تقصر عن فهم الجواب على هذا السؤال، و ليس الأمر كذلك، و لا في نفس الأمر، و إنما القصور في المسئول حيث لم يعلم الوجه الذي تحتمله المسألة بالنظر إلى هذا السائل، فيعلمه به ليحصل له الفائدة فيما سأل عنه،
و يستر عنه الوجوه التي فيها مما لا يحتمله عقله، و لا يبلغ إليه فهمه، فيسر السائل بجواب العالم و يصير عالما بتلك المسألة من ذلك الوجه، و هو وجه صحيح، فما سأل سائل قط في مسئلة ليس فيه أهلية لقبول جواب عنها،
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [إن اللّه أدبني فأحسن تأديبي] فينبغي لنا أن نتبع الآداب الإلهية التي أدب اللّه سبحانه بها أنبياءه، فإن الحائر إذا سأل يسأل إما بحاله و إما بقوله، و العالم بما حار فيه يجب عليه أن يبيّن له ما حار فيه، فإن كان المسئول فيه مما تكون حقيقته الحيرة فيه أبان له هذا العالم أن العلم به أنّه يحار فيه، فأزال عنه الحيرة في الحيرة، و إن كانت من العلوم التي إذا بينت زالت الحيرة فيه و بان بيان الصبح لذي عينين أبانه له فعلمه، فأزال عنه الحيرة، و لا يرده، و لا يقول له: ليس هذا عشك فادرج،
و لا سألت ما لا يعطيه مقامك، فإن الإنسان إذا قال مثل هذا القول لمن سأله عن علم ما فليس بعالم، و هو جاهل المسألة و بالوجه الذي ينبغي من هذه المسألة أن يقابل به هذا السائل، و العلم و سوء الخلق لا يجتمعان في موفق، فكل عالم فهو واسع المغفرة و الرحمة، و سوء الخلق إنما هو من الضيق و الحرج، و أما إذا كان السؤال خطأ فلا يلزم الجواب عنه، فإن سأل سائل ذو وهم: متى كان وجود العالم من وجود الحق؟ قلنا:
متى سؤال زماني، و الزمان من عالم النسب، و هو مخلوق للّه تعالى، لأن عالم النسب له خلق التقدير لا الإيجاد، فهذا سؤال باطل، فانظر كيف تسأل فنهى اللّه نبيه عن انتهار سائل العلم، تعليما لنا، فقال «وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» لأنه قال له (وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) أي حائرا (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ) و قد ورد في الخبر [استوصوا بطالب العلم خيرا، و من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللّه بلجام من نار]،
و من هذه الآية كان سؤال الرجل السلطان أولى من سؤال غير السلطان، لأن وجود الحق أظهر فيه من غيره من السوقة و العامة، و لهذا رفعت الكدية عن الذين يسألون الملوك، فإنهم نواب اللّه، و هم موضع حاجة الخلق، و هم المأمورون أن لا ينهروا السائل، يقول اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو النائب الأكبر «وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ» و لهذا يسأل اللّه تعالى يوم القيامة النواب و هم الرعاة عمن استرعاهم عليه، و يسأل الرعايا ما فعلوا فيهم، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [المسائل كدوح يكدح بها الرجل في وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، و من شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان في أمر لا يجد منه بدا].
[سورة الضحى (93): آية 11]
وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
حتى تبلغ القاصي و الداني، لأنه لما كانت النعم محبوبة لذاتها و كان الغالب حب المنعم حتى قالت طائفة: إن شكر المنعم واجب عقلا، جعل اللّه التحدث بالنعم شكرا، فإذا سمع المحتاج ذكر المنعم مال إليه بالطبع و أحبه، فلذلك أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يتحدث بنعم اللّه عليه، لأن التحدث بنعم اللّه شكر لفظي، لما فيه من الثناء على اللّه، لما يكون منه و بما أنعم به عليه من النعم المعلومة في العرف، من المال و العلم، فإظهار النعم عين الشكر و حقه، و بمثل هذا يكون المزيد، كما يكون بالكفران لها زوال النعم، و الكفران سترها، فإن الكفر معناه ستر، و إذا ذكر العبد ما أنعم اللّه به عليه من النّعم المعروفة في العرف من المال و العلم فقد عرض نفسه ليقصد في ذلك، فيجود به على القاصد،
فيدخل بذلك في الشكر العملي، لأن من النعم ما يكون مستورا لا يعرف صاحبها أنه صاحب نعمة فلا يقصد، فإذا حدث بما أعطاه اللّه و أنعم عليه به قصد في ذلك، فلهذا أمر بالحديث بالنعم، و التحدث بالنعم شكر، و الإعطاء منها شكر، فيجمع بين الذكر و العمل، و من هذا نعلم أن اللّه لا يحب من عباده من يستر نعمه، كانت النعم ما كانت، فما تحدث به لم يستر،
و قال [التحدث بالنعم شكر] و إذا أنعم اللّه على عبده نعمة أحب أن ترى عليه، و نعمه التي أسبغها على عباده ظاهرة و باطنة، و من ستر النعمة فقد كفر بها، و من كفر بها أذاقه اللّه لباس الجوع و الخوف لستر النعم و جحدها و الأشر و البطر بها، و في هذه الآية نص لمن قام الدليل على عصمته، فله أن يثني على نفسه بما أعلمه اللّه أنه عليه من الصفات المحمودة، فإنها من أعظم النعم الإلهية على عبده. قال يوسف عليه السلام (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)
[نصيحة: إذ و لا بد من الحديث فلا تتحدث إلا بنعمة ربك:]
– نصيحة- إذ و لا بد من الحديث فلا تتحدث إلا بنعمة ربك، و أعظم النعم ما أعطيت الأنبياء و الرسل فبنعمهم تحدث.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 513