تفسیر ابن عربی سوره الصف

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الصف

(61) سورة الصّفّ مدنيّة

[سورة الصف (61): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)

اعلم أن مقام العزة حاكم على الكل بالقهر و العجز عن بلوغ الغاية فيما قصدوه من الثناء على اللّه، مثل قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [لا أحصي ثناء عليك‏] ما قال ذلك حتى عجز عن‏ بلوغ الغاية التي في نفسه طلبها، فلم تف الجوارح بذلك، و لا ما عندنا من الأسماء الإلهية، فإنه ما يثنى عليه عزّ و جل إلا بأسمائه الحسنى، و لا يعلم منها إلا ما أظهر، و لا يثنى عليه إلا بالكلام بتلك الأسماء و هو الذكر، و لا يكون إلا منه، لا بالوضع منا.

[سورة الصف (61): آية 2]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (2)

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»

[ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ» الآية:]

التأيه على نوعين، تأيّه بالصفة مثل قوله‏ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) و تأيّه بالذات، مثل قوله‏ (يا أَيُّهَا النَّاسُ) و قد يؤيه بأمر، و قد يؤيه بنهي، و التأيه في هذه الآية تأيه إنكار- الوجه الأول- «لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ» و له وجه للأمر و وجه للنهي، كأنه تعالى يقول في الأمر فيه (افعلوا ما تقولون)؛ و في النهي (لا تقولوا على اللّه ما لا تفعلون) فإنكم تمقتون نفوسكم عند اللّه في ذلك أكبر المقت.

– الوجه الثاني- قال تعالى‏ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» و لم يقل الحق: يا أولي الألباب، و لا يا أولي العلم، لأن درجات العقلاء تتفاوت‏ «لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ» فإن العالم العاقل لا يقول ما لا يفعل إلا بالاستثناء، لأنه يعلم أن الفعل للّه لا له، فكأن الحق يقول للمعتزلي الذي يقول بإضافة الفعل إلى نفسه في اعتقاده‏ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ» إن الفعل لكم و ما هو كذلك، فأضفتم إليكم‏ «ما لا تَفْعَلُونَ»، و كبر مقتا منكم عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون.

[سورة الصف (61): آية 3]

كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (3)

و هذه حالة من أمر بالبر غيره و نسي نفسه، و الناس يأخذون في هذه الآية غير مأخذها، فيقولون إن اللّه مقتهم، و ما يتحققون قوله تعالى‏ (عِنْدَ اللَّهِ) أي تمقتون أنفسكم أكبر المقت عند اللّه إذا رجعتم إليه، فتعلق المقت بمن قال خيرا يمكن له فعله فلا يفعله، و ذلك القول الخير لا بد أن يجني ثمرته القائل به، و لا سيما إن أعطى عملا في عامل من عباد اللّه إلا أنه محروم، فما يكبر عند اللّه إلا لكون هذا القائل قال هذا القول و لم يفعل ما قاله إذا اطلع على ما حرم من الخير بترك الفعل، فمقت نفسه أعظم المقت، و لا سيما إذا رأى غيره قد انتفع به عملا، فهو أكبر مقت عنده يمقت به نفسه عند اللّه في شهوده في الآخرة، فهو أكبر مقت عند اللّه من مقت آخر، لا أن اللّه مقته، بل هو يمقت نفسه عند اللّه إذا صار إليه، و للمقت درجات بعضها أكبر من بعض، و هذا من أكبرها عنده، فإن قال القائل ما يعتقد صحته و لم يقل ذلك إيمانا فذلك المنافق، و إن قال ذلك إيمانا و لم يفعل فذلك المفرط، و هو الذي يكبر مقته عند اللّه، لأن إيمانه يعطيه الفعل فلم يفعل.

[سورة الصف (61): آية 4]

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (4)

يريد لا يدخله خلل، فإن الخلل في الصفوف طرق الشيطان، و التراص في سبيل اللّه يطلب الكثرة، فلا يبقى خلل يدخل منه العدو.

[سورة الصف (61): الآيات 5 الى 6]

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (5) وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)

«وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ» فهو صلّى اللّه عليه و سلّم من حيث كونه حامل لواء الحمد أحمد، و من حيث تكرار حمده محمد.

[سورة الصف (61): الآيات 7 الى 10]

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُوَ يُدْعى‏ إِلَى الْإِسْلامِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (10)

لما كان الأمر تجارة تتصف بالربح و الخسران، مدح اللّه المؤمنين بالتجارة، و هو البيع و الشراء في أي شي‏ء كان مما أمر اللّه بالتجارة فيه، قال تعالى‏ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ تِجارَةٍ» فسماها تجارة، لأن التاجر يحمل إلى الناس ما يحتاجون إليه، و الأنبياء عليهم السلام جاءوا من عند اللّه إلى عباد اللّه بما فيه سعادتهم، فأجروا على ذلك الأجر التام، فللمؤمن تجارة في نفس إيمانه، و هي التجارة المنجية من العذاب الأليم، قال تعالى‏ «تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» فقيل: و ما هي؟ فذكر ما هي التجارة فقال:

 

[سورة الصف (61): آية 11]

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)

مع حصول المشقة في ذلك من مفارقة الأهل في دخوله في الإيمان دونهم، و مفارقة الأوطان بالهجرة إلى دار الإسلام، و إنما عدل في هذه الأمور إلى التجارة دون غيرها، فإن القرآن نزل على قرشي بلغة قريش بالحجاز، و كانوا تجارا دون غيرهم من الأعراب، فلما كان الغالب عليهم التجارة كسى اللّه ذات الشرع و الإيمان لفظ التجارة، ليكون أقرب إلى أفهامهم و مناسبة أحوالهم، فالمؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة و البيع فيما ملك بيعه، و ما صرح اللّه فيه بأنه يشتري خاصة، فإن التجارة معاوضة و قبض ثمن، و البيع بيع ما تملكه، و الشراء شراء ما ليس عندك، فلا تسلك من الطرق إلا ما تقع لك فيه المنفعة و الربح فإنها تجارة، و هكذا سماها اللّه.

[سورة الصف (61): الآيات 12 الى 14]

يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَ أُخْرى‏ تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (14)

 

[من نصر دين اللّه فقد نصر اللّه و أدى واجبا:]

أعلم أن من نصر دين اللّه فقد نصر اللّه و أدى واجبا في نصرته، فله أجر النصر و أجر أداء الواجب، بما نواه من امتثال أمر اللّه في ذلك و تعين عليه ذلك، و لو كفاه غيره مئونة ذلك فلا يتأخر عن أمر اللّه، و نصرة اللّه قد تكون بما يعطي من العلم المظهر للحق الدافع للباطل، فهو جهاد معنوي محسوس، فكونه معنويا لأن الباطن يقبله، فإن العلم متعلقه النفس، و أما كونه محسوسا فما يتعلق بذلك من العبارة عنه باللسان أو الكتابة،

فيحصل للسامع، أو الناظر بطريق السمع من المتكلم، أو بطريق النظر من الكتابة. و جهاد العدو نصرة محسوسة، ما هي معنوية، فإنه ما نال العدو من المقاتل له شيئا في الباطن يرده عن اعتقاده، كما ناله من العلم إذا علّمه و أصغى إليه، و وفقه اللّه للقبول و فتح عين فهمه لما يورده عليه العالم في تعليمه، و هي أعظم نصرة، و هو أعظم أنصاري للّه، يقول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم [لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس‏] و قوله تعالى‏ «فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا» بالغلبة و القهر، و هو التأييد الإلهي الذي يقع به ظهورهم على الأعداء، فأيدهم‏ «عَلى‏ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ» على المنازع.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 324

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=