تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة التّين
(95) سورة التّين مكيّة
[سورة التين (95): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ (1) وَ طُورِ سِينِينَ (2) وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)
وصف الحق البلد بالأمانة فسماه أمينا، و هو أرض ذو جدران و أسوار و تراب و طين و لبن، و أقسم به كما أقسم بغيره تعظيما لمخلوقات اللّه، و تعليما لنا أن نعظم خالقها، و نعظمهابتعظيم اللّه إياها لا من جهة القسم بها؛ فإنه لا يجوز لنا أن نقسم بها، و من أقسم بغير اللّه كان مخالفا أمر اللّه.
[سورة التين (95): آية 4]
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)
أي التقويم الذي خلقه عليه أفضل من كل تقويم، فكلّ موجود على التقويم الذي يعطيه خلقه بقوله تعالى: (أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) و ما صحت هذه الصفة التي فضل بها على غيره إلا بكونه خلقه اللّه على صورته التي خصّه بها، و هي التي أعطته هذه المنزلة، فكان أحسن تقويم في حقه لا عن مفاضلة أفعل من كذا، بل مثل قوله (الله أكبر) لا عن مفاضلة، بل الحسن المطلق للعبد الكامل كالكبرياء المطلق الذي للحق،
فهو أحسن تقويم لا من كذا كما هو الحق أكبر لا من كذا، فالإنسان هو أكمل المكلفين وجودا و أعمه و أتمه خلقا و أقومه، فما فضّل القديم إلا المخلوق في أحسن تقويم، فهو العالم لا بل هو العلّام، مصباح الظلام، معيّن الأيام، الإمام ابن الإمام، المؤتى جوامع الكلم و جميع الأسماء و الكلام، فافصح و أبان لما علمه البيان، و وضع له الميزان، فأدخله في الأوزان، وزان و ما شان، فبالصورة علا و فضل،
و نزل و سفل إذ جار و ما عدل، الأسفل في أسفل سافلين بالطين و الماء المهين، و إن تساووا في النشأة العنصرية بالقرار المكين، و التنقل في الأطوار، و الانحصار خلف الأسوار، بالكل و البعض، و الإبرام و النقض، و التقويض و البناء، و القالة بالثناء، فمحمد و مذمّم، و مؤخر و مقدّم، فالعبد هو المصمت في عبوديته، فإن حاد العبد عن هذه المرتبة بوصف ما رباني، و إن كان محمودا من صفة رحمانية و أمثالها، فقد زال عن المرتبة التي خلق لها، و حرم الكمال و المعرفة باللّه على قدر ما اتصف به من صفات الحق، فليقلل أو يكثر، و اعلم أن للإنسان حالتين: حالة عقلية نفسية مجردة عن المادة، و حالة عقلية مدبرة للمادة، فإذا كان في حال تجريده عن نفسه، و إن كان متلبسا بها حسا فهو على حالته في أحسن تقويم، فإذا قال: اللّه؛ نطق بنطقه جميع العالم من كل ما سوى اللّه، فقامت تسبيحته مقام تسبيح ما ذكرته، فأجره غير ممنون، و فيه قال تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»
[ «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» الآية:]
أبرزه نسخة كاملة جامعة لصور حقائق المحدث و أسماء القديم، أقامه سبحانه معنى رابطا للحقيقتين، و أنشأه برزخا جامعا للطرفين و الرقيقتين، أحكم بيديه صنعته، و حسّن بعنايته صبغته، فكانت مضاهاته للأسماء الإلهية بخلقه، و مضاهاته للأكوان العلوية و السفلية بخلقه، فتميز عن جميع الخلائق بالخلقة المستقيمة و الخلائق، عيّن سبحانه سره مثالا في حضرة الأسرار، و ميز نوره من بين سائر الأنوار، و نصب له كرسي العناية بين حضرتيه، و صرف نظر الولاية و النيابة فيه و إليه، فلو لا ما صح لهذا الإنسان أحسن تقويم،
و فطر على صورة القديم، لما صح عنه وجود خلق، و لا دان له الملأ الأعلى، و لا ظهر بالموقف الأجلى، و لا عنت له وجوه الأملاك، و لا دارت بنفسه أجرام الأفلاك، فاشكر اللّه يا أيها الإنسان على ما خصك به الجواد الرحمن من كمال هذه النصبة، و أوقفك على حقائق هذه النسبة فإن الإنسان ذو نسبتين كاملتين: نسبة يدخل بها إلى الحضرة الإلهية، و نسبة يدخل بها إلى الحضرة الكيانية،
فيقال فيه: عبد من حيث أنه مكلّف و لم يكن ثم كان كالعالم، و يقال فيه: رب من حيث أنه خليفة و من حيث الصورة و من حيث أحسن تقويم، فله الكمال المطلق في الحدوث و القدم، و الحق له الكمال المطلق في القدم، و ليس له في الحدوث مدخل يتعالى عن ذلك، و العالم له الكمال في الحدوث و ليس له في القدم مدخل، فصار الإنسان جامعا، للّه الحمد على ذلك، فما أشرفها من حقيقة، و ما أظهره من موجود، و ما أخسها و ما أدنسها في الوجود، إذا قد كان منها محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و أبو جهل، و موسى عليه السلام و فرعون، فتحقق أحسن تقويم و اجعله مركز الطائعين المقربين، و تحقق أسفل سافلين و اجعله مركز الكافرين الجاحدين، لذلك قال تعالى: «فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» فما بعده أحسن منه.
إشارة- إلى الإنسان الكامل الخليفة
بقوله «فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» فقال في معرض التشريف و التنزيه، و التعريف و التنبيه، على التقويم الأكمل الأحسن، و الخلق الأجمل الأتقن، المحفوظ المصون، في الم تنزيل و التين و الزيتون، كأنه يقول عبدي أنت حمدي، و حامل أمانتي و عهدي، أنت طولي و عرضي، و خليفتي في أرضي، و القائم بقسطاس حقي و المبعوث إلى جميع خلقي، عالمك الأدنى، بالعدوة الدنيا و العدوة القصوى، أنت مرآتي، و مجلى صفاتي، و مفصل أسمائي، و فاطر سمائي، أنت موضع نظري من خلقي، و مجتمع جمعي و فرقي، أنت ردائي، و أنت أرضي و سمائي، و أنت عرشي و كبريائي، أنت الدرة البيضاء، و الزبرجدة الخضراء، بك ترديت، و عليك استويت، و إليك أتيت، و بك إلى خلقي تجليت، فسبحانك ما أعظم شانك، سلطانك سلطاني، فكيف لا يكون عظيما؟ و يدك يدي، فكيف لا يكون عطاؤك جسيما؟
لا مثل لك يوازيك، و لا عديل يحاذيك، أنت سر الماء، و سر نجوم السماء، و حياة روح الحياة، و باعث الأموات، أنت جنة العارفين، و غاية السالكين، و ريحان المقربين، و سلام أصحاب اليمين، و مراد الطالبين، و أنس المعتزلين المتفردين المنقطعين، و راحة المشتاقين، و أمن الخائفين، و خشية العالمين، و ميراث الوارثين، و قرة عين المحبين، و تحفة الواصلين، و عصمة اللائذين، و نزهة الناظرين، و ريّا المستنشقين، و حمد الحامدين، أنت درر الأصداف، و بحر الأوصاف، و صاحب الاتصاف، و محل الإنصاف، و موقف الوصاف، و مشرف الأشراف، و سر الأنعام و الأعراف، طوبى لسر وصل إليك، و خر ساجدا بين يديك، له عندي ما خبأته وراء حدي، و قد ناجيتك به في مشهد المطلع، عند ارتقائك عن المحل الأرفع، عبدي أنت سري، و موضع أمري، هذا موقف تعريفك، بعلوك على كل الموجودات و تشريفك، أنت روضة الأزهار، و أزهار الروضات، و مغرب الأسرار، و أسرار المغرب، و مشرق الأنوار، و أنوار المشرق، لولاك ما ظهرت المقامات و المشاهد، و لا وجد المشهود و لا الشاهد، و لا حدّت المعالم و المحامد، و لا ميّز بين ملك و ملكوت، و لا تدرع لاهوت بناسوت، بك ظهرت الموجودات و ترتبت، و بك تزخرفت أرضها و تزينت، عبدي لولاك ما كان سلوك و لا سفر، و لا عين و لا أثر، و لا وصول و لا انصراف، و لا كشف و لا إشراف، و لا مكان و لا تمكين، و لا حال و لا تلوين، و لا ذوق و لا شرب، و لا قشر و لا لب، و لا عبد و لا رب، و لا ذهاب و لا نفس، و لا هيبة و لا أنس، و لا نفس و لا قبس، و لا فرس و لا جرس، و لا جناح و لا رفرف، و لا رياح و لا موقف، و لا معراج و لا انزعاج، و لا تحلي و لا تجلي، و لا وجد و لا وجود، و لا حمد و لا محمود، و لا تداني و لا ترقي، و لا تدلي و لا تلقي، و لا هين و لا لين، و لا غان و لا رين، و لا كيف و لا أين، و لا فتق و لا رتق، و لا ختم و لا ختام، و لا وحي و لا كلام، و لا وميض و لا برق، و لا جمع و لا فرق، و لا إصاخة و لا استماع، و لا لذة و لا استمتاع، و لا سلخ و لا انخلاع، و لا صدق و لا يقين، و لا خفي و لا مبين، و لا مشكاة و لا نور،و لا ورود و لا صدور، و لا ظهر لصفاتي عين، و لا تحقق وصل و لا بين، و لا كان عرش، و لا مهّد فرش، و لا رفع غمام، و لا أحرق اصطلام، و لا كان فناء و لا بقاء، و لا قبض و لا عطاء، إلى غير ذلك من الأسرار، و لا أشرقت الأنوار على الأسرار، و لا جرت بحار الخلق على الأطوار، لولاك ما عبدت، و لا وحدت، و لا علمت، و لا دعوت و لا أجبت، و لا دعيت و لا أجبت، و لا شكرت و لا كفرت، و لا بطنت و لا ظهرت، و لا قدمت و لا أخرت، و لا نهيت و لا أمرت، و لا أعلنت و لا أسررت، و لا أخبرت و لا أوضحت، و لا أشرت، أنت قطب الفلك، و معلم الملك، رهين المحبس، و سلطان المقام الأقدس، أنت كيميائي، و أنت سيميائي، أنت إكسير القلوب، و حياض روض الغيوب، بك تنقلب الأعيان، أيها الإنسان، أنت الذي أردت، و أنت الذي اعتقدت، ربك منك إليك، و معبودك بين عينيك، و معارفك مردودة عليك، ما عرفت سواك، و لا ناجيت إلا إياك.
هذا كله في شرف الإنسان الكامل و إليه يشير ما جاء في الخبر [ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك و خلقتك من أجلي]- يراجع الشرح في كتاب النجاة شرح كتاب الإسراء.
[سورة التين (95): آية 5]
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (5)
– الوجه الأول- فما بعده أسفل منه.– الوجه الثاني- «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» أي هوى به مركب أعماله إلى أسفل سافلين إذا كان عمله فاسدا، و قد كان في أحسن تقويم– الوجه الثالث- «ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ» ليجمع له كمال الصورة بالأوصاف كما ذكر عن نفسه أنه عليه، فأين اتصافه بنفي المثل عن نفسه، من اتصافه بالحد و المقدار، من استواء و نزول و استعطاف و تلطف في خطاب و غضب و رضا، و كلها نعوت المخلوق؟
فنحن بينه و بين معقولية الطبيعة التي أنشأ منها الأجسام الطبيعية، و أنشأ من نسبة توجهه عليها الأرواح المدبرة، و الإنسان ما ذكره اللّه في كتابه في موضع إلا و ذكر عند ذكره صفة نقص تدل على خلاف ما خلق له، لأن اللّه خلق الإنسان في أحسن تقويم، و هو أنه خلقه له، ثم رده إلى أسفل سافلين ليكون له الرقي إلى ما خلقه اللّه له، ليقع الثناء عليه بما ظهر منه من رقيه، فمن الناس من بقي في أسفل سافلين الذي ردّ إليه، و إنما ردّ إليه لأنه منه خلق، و لو لا ذلك لما صح رده، و ليس أريد بأسفل سافلين إلا حكم الطبيعة التي منهانشأ عند ما أنشأ اللّه صورة جسده و روحه المدبرة له، فرده إلى أصل ما خلقه منه، فلم ينظر ابتداء إلا إلى طبيعته و ما يصلح، و أين هو من قوله: بلى، عن معرفة صحيحة. فما أشرف الإنسان من حيث هو مجتمع الموجودات و محل المضاهاة و مرآة المؤمن في الذات و الصفات، و ما أوضعه حيث عمي عن معاينة ما أخفي له من قرة أعين، يا أسفاه ما أشقاه، إذا فاز بلذة سواه.
[سورة التين (95): آية 6]
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)
«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» فإن عمله يصعد به إلى عليين (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) فيكون له أجر غير ممنون، و هو الأجر المكتسب، و لا يكون الأجر إلا مكتسبا، فإن أعطى ما هو خارج عن الكسب لا يقال فيه أجر، بل هو نور و هبات، إذا فهمت ذلك علمت أن الإنسان سر الوجود و روحه و معناه، و هو البداية و النهاية و هو المقصد الأقصى و العمد الذي لا يرى، الممسوك لأجله السموات العلى أن تقع على الأرض، و هو الختم الحافظ للدنيا، و بفكه منها يكون ختما على الآخرة، فقد جمعت صورته من العوالم ما لا يحصى، و من الرقائق و الدقائق و الحقائق ما لا يستقصى، فبه دارت الأفلاك، و له سجدت الأملاك، فما أشرفه إن عرف نفسه، هكذا، فيعرف ربه الغفار، فهو إذا في أحسن تقويم و له أجر غير ممنون، و ما أسخفه إن جهلها فيدعى الظالم الكفار، في لسان الأغيار، و يرد إلى أسفل سافلين، فو اللّه ما سبق مقصر مجدا أبدا.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 520