تفسیر ابن عربی سوره العلق

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة العلق

[سورة العلق (96): الآيات 7 الى 8]

أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏ (7) إِنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الرُّجْعى‏ (8)

(96) سورة العلق مكيّة

[سورة العلق (96): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)

اعلم أن الرحمن خلق الإنسان علمه البيان و هو ما ينطق به اللسان، ثم الرب الأكرم هو.

[سورة العلق (96): آية 4]

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)

ما يخطه البنان، فالإنسان بنيان، صنعة رب كريم و أكرم و رحمان.

[سورة العلق (96): الآيات 5 الى 6]

عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ (6)

أبان اللّه عن أرفع طريق الهدى، و زجر عن طريق الردى، فقال‏ «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏» ردعا و زجرا لحالة تحجبك، فإن عزة الإيمان أعلى، و عزة الفقر أولى، فقال:

[سورة العلق (96): آية 7]

أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏ (7)

و ذلك بأن يغلق اللّه عليه باب العطاء، لما جعل في قلبه من خوف الفقر إن أعطى، فيطغى في غناه في عين فقره، فإن هو أعطى ما به استغنى افتقر فاحتقر، فلا يزال الغني خائفا و لا يزال الفقير طالبا، فالرجاء للفقير فإنه يأمل الغنى، و الخوف للغني فإنه يخاف الفقر.

[سورة العلق (96): آية 8]

إِنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الرُّجْعى‏ (8)

– إشارة- لا راحة مع الخلق، فارجع إلى الحق فهو أولى بك‏

، إن عاشرتهم على ما هم عليه بعدت عنه، فإنهم على ما لا يرضاه، و إن لم تعاشرهم وقعوا فيك، فلا راحة.

[سورة العلق (96): الآيات 9 الى 14]

أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى‏ (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى‏ (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى‏ (12) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (13)

أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى‏ (14)

ما قال اللّه تعالى ذلك توبيخا و تنبيها و عرف بذلك عباده إلا لاختلاف أهل النظر في ذلك، بين أنه يرانا و بين أنا نراه، فالمؤمن على كل حال يعلم بأن اللّه يراه من هذا التعريف،فما عرفهم إلا ليلزموا الحياء منه تعالى في تعدي حدوده، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [استحيوا من اللّه حق الحياء] و من هذه الآية نعلم أن الممكنات و إن كانت لا تتناهى و هي معدومة، فإنها عندنا مشهودة للحقّ عزّ و جل من كونه يرى، فإنّا لا نعلل الرؤية بالموجود، و إنما نعلل الرؤية للأشياء بكون المرئي مستعدا لقبول تعلق الرؤية به، سواء كان معدوما أو موجودا، و كل ممكن مستعد للرؤية، فالممكنات و إن لم تتناه فهي مرئية للّه عزّ و جل، لا من حيث نسبة العلم، بل من نسبة أخرى تسمى رؤية، كانت ما كانت، لذلك لم يقل تعالى هنا:

أ لم يعلم بأن اللّه يعلم؛ و بهذه الآية قصم الظهر و حير العقل، فإنه صلّى اللّه عليه و سلّم قال [إن للّه سبعين حجابا من نور و ظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه‏].

[سورة العلق (96): الآيات 15 الى 19]

كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (15) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ (19)

جاء الأمر بالسجود هنا بعد كلمة ردع و زجر، و هو قوله‏ «كَلَّا» «لا تُطِعْهُ» لما جاء به من لا يؤمن باللّه و اليوم الآخر، يقول له ربه: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ»

[ «كَلَّا لا تُطِعْهُ وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» الآية:]

لما تعتصم مما دعاك إليه فتأمن من غائلة ذلك، و قد جعل اللّه القربة في الصلاة في حال السجود، و ليس الإنسان بمعصوم من الشيطان في شي‏ء من صلاته إلا في السجود، فإنه إذا سجد اعتزل عنه الشيطان يبكي على نفسه، و يقول: أمر ابن آدم بالسجود فله الجنة، و أمرت بالسجود فأبيت فلي النار؛ و إنما أمرت الملائكة و الخلق بالسجود و جعل معه القربة، و قال صلّى اللّه عليه و سلّم [أقرب ما يكون العبد من اللّه في سجوده‏] ليعلموا أن الحق في نسبة الفوق إليه من قوله: (وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) و (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) كنسبة التحت إليه، فإن السجود طلب السفل بوجهه، كما أن القيام يطلب الفوق إذا رفع وجهه بالدعاء و يديه، و قد جعل اللّه السجود حالة القرب من اللّه،

فلم يقيده سبحانه الفوق عن التحت و لا التحت عن الفوق، فإنه خالق الفوق و التحت، فشرع اللّه للعبد السجود، و جعل له فيه القربة، لأنه ربما يتخيل العبد تنزيه الحق عن التحت أن يكون له نسبة إليه، فطلبت الوجوه بالسجود رؤية ربها، لأن الوجوه مكان الأعين، و الأعين محل الأبصار، فطلبه العبد في سجوده ليراه من حيث‏ حقيقته، فإن التحت للعبد لأنه سفل، و نبّه الشرع على ذلك بحديث الهبوط، و هو أنا روينا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: [لو دليتم بحبل لهبط على اللّه‏] فنسبة التحت و الفوق إليه سبحانه على السواء، لا تحده الجهات و لا تحصره، و كل أحد إنما يطلب ربه من حقيقته، و من حيث هو، فنسبة العلو و السفل من اللّه واحدة، فالعلو للّه عرفا و علما، و المعية علما و شرعا لا عرفا، و لما كان السجود في العرف بعدا عما يجب للّه من العلو، أراد اللّه أن يرى حكمه في الغاية و ليس إلا السجود، فمن سجد اقترب من اللّه ضرورة،

فيشهده الساجد في علوه، و لهذا شرع للعبد أن يقول في سجوده [سبحان ربي الأعلى‏] ينزهه عن تلك الصفة، و لما كان السجود حال القربة و صفة المقربين قال له: «اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» يعني اقتراب كرامة و بر و تحف، كما يقول الملك للرجل إذا دخل عليه فحياه بالسجود له بين يديه، فيقول له الملك: أدنه أدنه، حتى ينتهي منه حيث يريد من القربة، فهذا معنى قوله‏ «وَ اقْتَرِبْ» في حال السجود، إعلاما بأنه قد شاهد من سجد له، و أنه بين يديه،

و هو يقول له: اقترب؛ ليضاعف له القربة، كما قال [من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا] فإذا كان اقتراب العبد عن أمر إلهي كان أعظم و أتم في بره و إكرامه، لأنه ممتثل أمر سيده على الكشف و الشهود، و دلّت هذه الآية على أن أول شي‏ء يمنحك السجود هو القربة، ثم بعد ذلك تعطى من مقام القربة ما يليق بالمقربين من الملائكة و النبيين، و ليس في العبادات ما يلحق العبد بمقامات المقربين- و هو أعلى مقام أولياء اللّه من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن- إلا الصلاة، فإن اللّه في هذه الحالة يباهي به المقربين من ملائكته،

و ذلك أنه يقول لهم: يا ملائكتي أنا قربتكم ابتداء و جعلتكم من خواصّ ملائكتي، و هذا عبدي جعلت بينه و بين مقام القربة حجبا كثيرة و موانع عظيمة، من أغراض نفسية و شهوات حسية، و تدبير أهل و مال و ولد و خدم و أصحاب و أهوال عظام، فقطع كل ذلك و جاهد حتى سجد و اقترب فكان من المقربين، فانظروا ما خصصتكم به يا ملائكتي من شرف المقام حيث ما ابتليتكم بهذه الموانع و لا كلفتكم مشاقها، فاعرفوا قدر هذا العبد و راعوا له حق ما قاساه في طريقه من أجلي،

فتقول الملائكة: يا ربنا لو كنا ممن يتنعم بالجنان و تكون محلا لإقامتنا أ لست كنت تعيّن لنا فيها منازل تقتضيها أعمالنا؟ ربنا نحن نسألك أن تهبها لهذا العبد، فيعطيه اللّه ما سألته فيه الملائكة، فانظروا ما أشرف الصلاة، و أفضل ما فيها ذكر اللّه من الأقوال،

و السجود من الأفعال، و فيه العصمة من الشيطان، فإنه لا يفارق المصلي في شي‏ء من أفعال الصلاة إلا في السجود خاصة، لأنه خطيئته، و عند السجود يبكي و يتأسف ثم يعود إلى الإغواء عند الرفع من السجود، و من جهة أخرى، لما كان الإنسان مظهرا للأسماء الإلهية، و كونه على الصورة أعطاه ذلك الرفعة، و لاتصافه بالرفعة أمر بالسجود ليمنحه التقريب، فهذه السجدة سجدة طلب القرب من اللّه‏

[إشارة: الحق قبلة القلب‏]

– إشارة- اعلم أن اللّه تعالى لما خلق العالم جعل له ظاهرا و باطنا، و جعل منه غيبا و شهادة، و كله للّه شهادة و ظاهر، فجعل القلب من عالم الغيب و جعل الوجه من عالم الشهادة، و عيّن للوجه جهة يسجد لها سماها بيته و قبلته، أي يستقبلها بوجهه إذا صلى، و جعل استقبالها عبادة، و جعل أفضل أفعال الصلاة السجود و أفضل أقوالها ذكر اللّه بالقرآن، و عيّن للقلب نفسه سبحانه، فلا يقصد غيره، و أمره أن يسجد له، فإن سجد عن كشف لم يرفع رأسه أبدا من سجدته دنيا و آخرة، و من سجد من غير كشف رفع رأسه، و رفعه المعبر عنه بالغفلة عن اللّه و نسيان اللّه في الأشياء، فمن لم يرفع رأسه في سجود قلبه فهو الذي لا يزال يشهد الحق دائما في كل شي‏ء، فلا يرى شيئا إلا و يرى اللّه قبل ذلك الشي‏ء، و هذه حالة أبي بكر الصديق.

 

 

[شاهد السجدتين‏]

– إشارة- شاهد السجدتين، أنت كل من حيث حقك و حقيقتك، و أنت جزء من حيث أحدهما، فله عليك سجدتان، لكونك على حقيقتين، فاسجد له من حيث كلك سجود العالم كله، فتجدك قد استوفيت حقائق سجودهم في سجدتك، و إن لم تجد ذلك فما سجدت، و اسجد له أيضا السجدة الثانية التي لا تعم، و هو سجود الاختصاص، بما تختص به خاصيتك التي لا مشاركة فيها، و لا يقبل السجود الخاص إلا في الصلاة، و هو سجود القلب، و سجود كل قلب على حدّ علمه، و علمه على حدّ ما يتجلى له، و هاتان السجدتان، خلع الثياب، و تحجير الأسباب، و ذبح النفس، و رمي الكون، و إلا فكيف يصح سجود الاختصاص بوجود الكثرة؟

 

 

– إشارة- «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ»

دعاك إلى الاقتراب الاسم القريب، فإنك المحب ليس الحبيب، و لهذا قال لك‏ «وَ اقْتَرِبْ» و لو كنت محبوبا لقال لك: تقترب؛ فإذا لاحت لك عبوديتك في سجودك، و صحت لك القربة من معبودك، و تحققت كبرياءه فيها، و قلت عند ذلك: نوفيها، غلطت و أصبت، و أحطت و خبتّ، فانظر في علوه، و نزاهته في‏ سموه، و سبحه على قدر ما ظهر، كما شرع و أمر، يبدو لك في هذا الخضوع، ما بدا لك في الركوع، من إعادة التنزيه إليك، و رده عليك‏، و اجتهد في الدعاء، مع أن قبلته في السماء، و قبلتك في سجودك في الأرض، محل الانحطاط و الخفض، لا تجزع أيها الساجد، فإنك لفخذ نقطة الدائرة المشاهد، و هي الغيب الحقيقي، و الإله الخالقي، فمكّن كفيك من الترب، فإنك في محل القرب، فتفطّن لما رمزناه، و فك المعمى الذي ألغزناه،

و اعلم أنك معصوم في سجودك من الشيطان، فإنه قهارة فليس له عليك سلطان، إذا عاين هذه الحال اشتغل بنفسه، و احترق في برج نحسه، و صار شاهدا لك عند ربك بالطاعة، و مشاهدا لما يؤول إليه من الخسران يوم قيام الساعة، و يكفيك هذا القدر في سجودك، فإنه حجابك في استمرار وجودك، جعلنا اللّه و إياكم ممن سجد فوجد، و تهجد فتمجد، بمنه و كرمه.

 

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 525

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=