تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره الکهف

الجزء الثالث‏

(۱۸) سوره الکهف مکیّه

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم‏

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۱]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْکِتابَ وَ لَمْ یَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (۱)

القرآن له الاعتدال فلم یکن فیه عوج و لا تحریف، و لما کان له الاعتدال الذی هو حفظ بقاء الوجود على الموجود کان له الدیمومیه و البقاء.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۲ الى ۶]

قَیِّماً لِیُنْذِرَ بَأْساً شَدِیداً مِنْ لَدُنْهُ وَ یُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِینَ الَّذِینَ یَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (۲) ماکِثِینَ فِیهِ أَبَداً (۳) وَ یُنْذِرَ الَّذِینَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (۴) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَ لا لِآبائِهِمْ کَبُرَتْ کَلِمَهً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ یَقُولُونَ إِلاَّ کَذِباً (۵) فَلَعَلَّکَ باخِعٌ نَفْسَکَ عَلى‏ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ یُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِیثِ أَسَفاً (۶)

ما أحد أکشف للأمور و أشهد للحقائق و أعلم بالطرق إلى اللّه من الرسل علیهم الصلاه و السلام، و مع هذا ما سلموا من الشئون الإلهیه، فعرضت لهم الأمور المؤلمه النفسیه من رد الدعوه فی وجهه، و ما یسمعه فی الحق تعالى مما نزّه جلاله عنه، و فی الحق الذی جاء به، فقال تعالى لرسوله صلّى اللّه علیه و سلم‏ «فَلَعَلَّکَ باخِعٌ نَفْسَکَ عَلى‏ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ یُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِیثِ أَسَفاً».

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۷]

إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِینَهً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَیُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (۷)

[أحسن زینه]

– إشاره- ما تنعمت الأبصار فی أحسن من زهره الروض، و أحسن زینه على الأرض رجال اللّه، فاجعلهم منتزهک حتى تکون منهم.

 

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۸ الى ۱۰]

وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَیْها صَعِیداً جُرُزاً (۸) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْکَهْفِ وَ الرَّقِیمِ کانُوا مِنْ آیاتِنا عَجَباً (۹) إِذْ أَوَى الْفِتْیَهُ إِلَى الْکَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْکَ رَحْمَهً وَ هَیِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (۱۰)

[الفتوه]

الفتوه لیس فیها شی‏ء من الضعف، إذ هی حاله بین الطفوله و الکهوله، و هو عمر لإنسان من زمان بلوغه إلى تمام الأربعین من ولادته.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۱۱ الى ۱۳]

فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِی الْکَهْفِ سِنِینَ عَدَداً (۱۱) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَیُّ الْحِزْبَیْنِ أَحْصى‏ لِما لَبِثُوا أَمَداً (۱۲) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْکَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْیَهٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً (۱۳)

الفتى هو من آثر أمر ربه على هوى نفسه، و الفتوه أن یؤثر الإنسان العلم المشروع الوارد من اللّه على ألسنه الرسل على هوى نفسه، و على أدله عقله و ما حکم به فکره و نظره، إذا خالف علم الشارع المقرر له- بحث فی الفتوه- الفتیان أهل علم وافر، و هم الذین حازوا مکارم الأخلاق أجمعها، و لا یتمکن أحد أن یکون حاله مکارم الأخلاق ما لم یعلم المحال التی یصرفها فیها و یظهر بها، و لما لم یکن فی وسع الإنسان أن یسع العالم بمکارم أخلاقه، إذ کان العالم کله واقفا مع غرضه أو إرادته، لا مع ما ینبغی، فاختلفت الأغراض و الإرادات و طلب کل صاحب غرض أو إراده فی الفتى أن یعامله بحسب غرضه و إرادته، و الأغراض متضاده، فلما رأینا الأمر على هذا الحد و أنه لا یعمّ، و لم یتمکن عقلا و لا عاده أن یقوم الإنسان فی هذه الدنیا أو حیث کان فی مقام یرضی المتضادین، انبغى للفتى أن یترک هوى نفسه و یرجع إلى خالقه الذی هو مولاه و سیده، و یقول: أنا عبد، و ینبغی للعبد أن یکون بحکم سیده، لا بحکم نفسه و لا بحکم غیر سیده، یتبع مراضیه و یقف عند حدوده و مراسمه، و لا یکن ممن جعل مع سیده شریکا فی عبودیته، فیکون مع سیده بحسب ما یحدّ له، و یتصرف فیما یرسم له، و لا یبالی وافق أغراض العالم أو خالفهم، فإن وافق‏ ما وافق منها فذلک راجع إلى سیده.

و الفتى من وقر الکبیر فی العلم أو فی السن، و الفتى من رحم الصغیر فی العلم أو السن، و الفتى من آثر المکافئ فی السن أو فی العلم، و ینبغی للفتى أن یوفّی السلطان حقه الذی أوجبه اللّه له علیه، و لا یطلب منه حقه الذی جعله اللّه له قبل السلطان، مما له أن یسامحه فیه إن منعه منه، فتوه علیه و رحمه به و تعظیما لمنزلته، إذ کان له أن یطلبه به یوم القیامه، فالفتى من لا خصم له، لأنه فیما علیه یؤدیه، و فیما له یترکه، فلیس له خصم، و الفتى من لا تصدر منه حرکه عبثا جمله واحده، و إن کانت الحرکه فی غیره فلا ینظرها عبثا، فإن اللّه خلقها أی قدّرها، و إذا قدرها فلا تکون عبثا و لا باطلا، فیکون حاضرا مع هذا عند وقوعها فی العالم، فإن فتح له بالعلم فی الحکمه فیها فبخ على بخ، و هو صاحب عنایه، و إن لم یفتح له فی العلم بالحکمه فیها فیکفیه حضوره فی نفسه أنها حرکه مقدره منسوبه إلى اللّه، و أن للّه فیها سرا یعلمه اللّه، فالفتیان هم السلاطین فی صور العبید، یعرفهم الملأ الأعلى، فلیس أحد مما سوى الأنس و الجان إلا و یقول بفضله، إلا بعض الثقلین، فإن الحسد یمنعهم من ذلک، و هم یعاملون الخلق بالإحسان إلیهم مع إساءتهم لهم، فلهم القوه العظمى على نفوسهم حیث لم یغلبهم هواهم، و لا ما جبلت النفس علیه من حب الثناء و الشکر و الاعتراف (راجع سوره الأنبیاء آیه ۶۰) «إِنَّهُمْ فِتْیَهٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ» اعلم أن الإیمان بالربوبیه یزید فی الهدى، و الإیمان باللّه هو الهدى.

 

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۱۴ الى ۱۸]

وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (۱۴) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَهً لَوْ لا یَأْتُونَ عَلَیْهِمْ بِسُلْطانٍ بَیِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ کَذِباً (۱۵) وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما یَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْکَهْفِ یَنْشُرْ لَکُمْ رَبُّکُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ یُهَیِّئْ لَکُمْ مِنْ أَمْرِکُمْ مِرْفَقاً (۱۶) وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ کَهْفِهِمْ ذاتَ الْیَمِینِ وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَ هُمْ فِی فَجْوَهٍ مِنْهُ ذلِکَ مِنْ آیاتِ اللَّهِ مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ یُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِیًّا مُرْشِداً (۱۷) وَ تَحْسَبُهُمْ أَیْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْیَمِینِ وَ ذاتَ الشِّمالِ وَ کَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَیْهِ بِالْوَصِیدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَیْهِمْ لَوَلَّیْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (۱۸)

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۱۷]

وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ کَهْفِهِمْ ذاتَ الْیَمِینِ وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَ هُمْ فِی فَجْوَهٍ مِنْهُ ذلِکَ مِنْ آیاتِ اللَّهِ مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ یُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِیًّا مُرْشِداً (۱۷)

فالکل بیده و إلیه یرجع الأمر کله.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۱۸]

وَ تَحْسَبُهُمْ أَیْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْیَمِینِ وَ ذاتَ الشِّمالِ وَ کَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَیْهِ بِالْوَصِیدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَیْهِمْ لَوَلَّیْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (۱۸)

[ «لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَیْهِمْ لَوَلَّیْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً»]

انظر إلى قوله تعالى لنبیه صلّى اللّه علیه و سلم، الذی لیس من شأنه و لا من شأن الأنبیاء علیهم السلام أن ینهزم، و لا أن یقتل فی مصاف‏ «لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَیْهِمْ لَوَلَّیْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً» فوصفه بالانهزام، و قوله صدق، أ ترى ذلک عن رؤیه أجسامهم؟ أ لیسوا أناسی مثله، فما ینهزم إلا من أمر یرید إعدامه، و لا یملأ مع شجاعته و حماسته رعبا إلا من شی‏ء یهوله، فلو لم یر منهم ما هو أهول مما رآه لیله إسرائه ما امتلأ رعبا مما رآه- و لا یملأ رعبا من صور أجسامهم- فذلک الذی کان یملؤه رعبا، و ما ذکر اللّه إلا رؤیه عینهم، لأنه قال‏ «لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَیْهِمْ» فوصفه بالاطلاع، فهم أسفل منه بالمقام، و مع هذا کان یولی منهم فرارا، خوفا أن یلحق بهم فینزل من مقامه، و یملأ منهم رعبا لئلا یؤثروا فیه، من تأثیر الأدنى فی الأعلى، و من علم الأمر على هذا حقیق علیه أن یولی فرارا و یملأ رعبا، هل رأیتم عاقلا یقف على جرف مهواه إلا و یفر خوفا من السقوط، فانظر فیما تحت هذا النعت الذی وصف اللّه به نبیه لو اطلع على الفتیه، مع علو رتبتهم و شأنهم، فعلوّه أعلى و رتبته أسنى، فعرّفنا اللّه بذلک، ینبهنا على علو رتبه نبینا محمد صلّى اللّه علیه و سلم، و انظر إلى ما ذا ترجع صور العالم هل لأنفسهم أو لرؤیه الناظر، و انظر ما ترى، و اعلم ما تنظر، و کن بحیث تعلم لا بحیث ترى، فإن اللّه ینکر بالرؤیه و لا ینکر بالعلم، فإذا لم ینکر بالرؤیه فبشاهد العلم لم ینکر.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۱۹ الى ۲۲]

وَ کَذلِکَ بَعَثْناهُمْ لِیَتَساءَلُوا بَیْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ کَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا یَوْماً أَوْ بَعْضَ یَوْمٍ قالُوا رَبُّکُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَکُمْ بِوَرِقِکُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِینَهِ فَلْیَنْظُرْ أَیُّها أَزْکى‏ طَعاماً فَلْیَأْتِکُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْیَتَلَطَّفْ وَ لا یُشْعِرَنَّ بِکُمْ أَحَداً (۱۹) إِنَّهُمْ إِنْ یَظْهَرُوا عَلَیْکُمْ یَرْجُمُوکُمْ أَوْ یُعِیدُوکُمْ فِی مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (۲۰) وَ کَذلِکَ أَعْثَرْنا عَلَیْهِمْ لِیَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَهَ لا رَیْبَ فِیها إِذْ یَتَنازَعُونَ بَیْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَیْهِمْ بُنْیاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِینَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَیْهِمْ مَسْجِداً (۲۱) سَیَقُولُونَ ثَلاثَهٌ رابِعُهُمْ کَلْبُهُمْ وَ یَقُولُونَ خَمْسَهٌ سادِسُهُمْ کَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَیْبِ وَ یَقُولُونَ سَبْعَهٌ وَ ثامِنُهُمْ کَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّی أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما یَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِیلٌ فَلا تُمارِ فِیهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَ لا تَسْتَفْتِ فِیهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (۲۲)

  «رَجْماً بِالْغَیْبِ» أی ما هم على تحقیق فیما یخبرون به من عددهم، لأنهم ما شاهدوهم، فهو من رجمات الظنون، و الظن رجم بالغیب، و العلم ما فیه شک و لا ریب، و لهذا جاء بفعل الاستقبال فقال‏ «سَیَقُولُونَ» و أما قوله تعالى‏ «وَ یَقُولُونَ سَبْعَهٌ وَ ثامِنُهُمْ کَلْبُهُمْ» لا یقال ثامن ثمانیه إلا فی الجنس الواحد، فإذا انتفت المثلیه لم یقل فیه: إنه ثامن ثمانیه إذا کان معهم، و إنما یقال: ثامن سبعه، أ لا ترى إلى الکلب لما لم یکن من النوع الإنسانی قالوا «سَبْعَهٌ وَ ثامِنُهُمْ کَلْبُهُمْ»، و لم یقولوا ثمانیه ثامنهم کلبهم، «قُلْ رَبِّی أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما یَعْلَمُهُمْ» یعنی کم عددهم‏ «إِلَّا قَلِیلٌ» إما من شاهدهم ممن لا یغلب علیه الوهم، و إما من أعلمه اللّه بعدتهم، قال ابن عباس رضی اللّه عنهما: أنا من ذلک القلیل الذین یعلمونهم.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۲۳ الى ۲۴]

وَ لا تَقُولَنَّ لِشَیْ‏ءٍ إِنِّی فاعِلٌ ذلِکَ غَداً (۲۳) إِلاَّ أَنْ یَشاءَ اللَّهُ وَ اذْکُرْ رَبَّکَ إِذا نَسِیتَ وَ قُلْ عَسى‏ أَنْ یَهْدِیَنِ رَبِّی لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (۲۴)

هذه الآیه مذکوره باللسان العبرانی فی التوراه، فاللّه أخّر الاستثناء، فالمحمدی یؤخره، فإن اللّه أمر محمدا صلّى اللّه علیه و سلم بذلک، و اللّه تعالى یمقت من یقول ما لا یعمل من غیر أن یقرن به المشیئه الإلهیه، فإذا علق المشیئه الإلهیه بقوله أن یعمل فلا یکون ذلک العمل، لم یمقته اللّه، فإن العبد غاب عن انفراد الحق فی الأعمال کلها التی تظهر على أیدی المخلوقین بالتکوین، و أنه لا أثر للمخلوق فیها من حیث تکوینها، و إن کان للمخلوق فیها حکم لا أثر. و لما علم الحق أن هذا لا بد أن یقع من عباده و أنهم یقولون ذلک، شرع لهم الاستثناء الإلهی لیرتفع المقت الإلهی عنهم، و لهذا لا یحنث من استثنى إذا حلف على فعل مستقبل، فإنه أضافه إلى اللّه لا إلى نفسه.

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۲۵]

وَ لَبِثُوا فِی کَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَهٍ سِنِینَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً (۲۵)

ثلاث مائه و تسع سنین قمریه، و هذه تعدل ثلاث مائه سنه شمسیه.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۲۶ الى ۲۸]

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَیْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِیٍّ وَ لا یُشْرِکُ فِی حُکْمِهِ أَحَداً (۲۶) وَ اتْلُ ما أُوحِیَ إِلَیْکَ مِنْ کِتابِ رَبِّکَ لا مُبَدِّلَ لِکَلِماتِهِ وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (۲۷) وَ اصْبِرْ نَفْسَکَ مَعَ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداهِ وَ الْعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَیْناکَ عَنْهُمْ تُرِیدُ زِینَهَ الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِکْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ کانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (۲۸)

[ «وَ اصْبِرْ نَفْسَکَ مَعَ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداهِ …» الآیه]

کان سبب هذه الآیه أن زعماء الکفار من المشرکین کالأقرع بن حابس و أمثاله، قالوا:ما یمنعنا من مجالسه محمد إلا مجالسته لهؤلاء الأعبد، یریدون بلالا و خباب بن الأرت و غیرهما، فکبر علیهم أن یجمعهم و الأعبد مجلس واحد، و کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم حریصا على إیمان مثل هؤلاء، فأمر أولئک الأعبد إذا رأوه مع هؤلاء الزعماء أن لا یقربوه إلى أن یفرغ‏ من شأنهم، أو إذا أقبل الزعماء و الأعبد عنده أن یخلوا لهم المجلس، فأنزل اللّه هذه الآیه غیره لمقام العبودیه و الفقر أن یستهضم بصفه عز و تأله ظهر فی غیر محله، فإن اللّه یغار لعبده المنکسر الفقیر أشد مما یغار لنفسه، و هو من أعظم دلیل على شرف العبوده و الإقامه علیها، فأمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه علیه و سلم بقوله‏ «وَ اصْبِرْ نَفْسَکَ» أن یحبس نفسه مع الأعبد و الفقراء من المؤمنین مثل خباب بن الأرت و بلال و ابن أم مکتوم و غیرهم، فکان صلّى اللّه علیه و سلم إذا رأى هؤلاء الأعبد و أمثالهم أو جالسهم یقول [مرحبا بمن عاتبنی فیهم ربی‏] فکلما جلسوا عنده جلس لجلوسهم، لا یمکن له أن یقوم و لا ینصرف حتى یکونوا هم الذین ینصرفون، و کان صلّى اللّه علیه و سلم یقول: [إن اللّه أمرنی أن أحبس نفسی معهم‏] فکانوا إذا أطالوا الجلوس معه یشیر إلیهم بعض الصحابه مثل أبی بکر و غیره أن یقوموا حتى یتسرح رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم لبعض شئونه، و لما علموا ذلک منه و أنه علیه السلام قد تعرض له أمور یحتاج إلى التصرف فیها، فکانوا یخففون فلا یلبثون عنده إلا قلیلا، و ینصرفون حتى ینصرف النبی صلّى اللّه علیه و سلم لأشغاله، و أبان الحق لرسوله صلّى اللّه علیه و سلم بهذه الآیه أن مقام العبوده هو الذی تدعو له الناس، فإن جمیع النفوس یکبر عندهم رب الجاه و رب المال، لأن العزه و الغنى للّه تعالى، فحیثما تجلت هذه الصفه تواضع الناس و افتقروا إلیها، و لا یفرقون بین ما هو عز و غنى ذاتی و بین ما هو منهما عرضی إلا بمجرد مشاهده هذه الصفه، فإذا حضر ملک مطاع نافذ الأمر و قد جاءک مع عظم مرتبته زائرا، و جاءک فقیر ضعیف فی ذلک الوقت زائرا أیضا فلیکن قبولک على الفقیر و شغلک به إلى أن یفرغ من شأنه الذی جاء إلیه، فما عتب اللّه نبیه سدى، بل أبان و اللّه فی ذلک عن أرفع طریق الهدى، و زجر عن طریق الردى، فقال (کلا إن الإنسان لیطغى أن رآه استغنى) ردعا و زجرا لحاله تحجبک، فإن عزه الإیمان أعلى، و عزه الفقر أولى، فلیکن شأنک تعظیم المؤمن الفقیر على المؤمن الغنی بماله، العزیز بجاهه، المحجوب عن نفسه، فإن الفقیر المؤمن هو مجلى حقیقتک (یا أیها الناس أنتم الفقراء إلى اللّه) و أنت مأمور بمشاهده نفسک حذر الخروج عن طریقها، فالمؤمن الفقیر مرآتک ترى فیه نفسک، و المؤمن الغنی بالمال عنک هو مرآه لک صدئت فلا ترى نفسک فیها، فلا تعرف ما طرأ على وجهک من التغییر.

*و اعلم أن للّه عبادا کانت أحوالهم و أفعالهم ذکرا یتقرب به إلى اللّه، و ینتج من العلم باللّه ما لا یعلمه إلا من ذاقه، فإن کل ما أمر اللّه به نبیه صلّى اللّه علیه و سلم و نهاه عنه کان عین أحوالهم‏ و أفعالهم، مع کون هذه الطائفه التی نزل فیهم هذا القرآن من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم، فما نالوا ما نالوه إلا باتباعه و فهم ما فهموا عنه، و مع هذا عاتب اللّه تعالى نبیه صلّى اللّه علیه و سلم فیهم، فکان صلّى اللّه علیه و سلم إذا حضروا لا تعدو عیناه عنهم، و لما کان دعاؤهم بالغداه و العشی، و هو زمان تحصیل الرزق فی المرزوقین، فکان رزق هؤلاء بالغداه و العشی ما ینتج لهم معرفه وجه الحق فی کل شی‏ء، فلا یرون شیئا إلا و یرون وجه الحق فیه، فیحصل لهم معرفه الوجه الذی کان مرادهم، لأنه تعالى یقول‏ «یُرِیدُونَ وَجْهَهُ» یعنی بذلک الدعاء بالغداه و العشی وجه الحق، لما علموا أن کل شی‏ء هالک إلا وجهه، فطلبوا ما یبقى و آثروه على ما یفنى، فکانوا فی حضره شهود أو طالبین لهذه الحضره، و لذا قال تعالى لرسوله صلّى اللّه علیه و سلم‏ «وَ لا تَعْدُ عَیْناکَ عَنْهُمْ» فکانت عینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم لا تعدوان عنهم إلى غیرهم ما داموا حاضرین، و من هنا قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم فی صفه أولیاء اللّه [و هم الذین إذا رأوا ذکر اللّه‏] لما حصل لهم من نور هذا الوجه الذی هو مراد لهؤلاء، و الأنبیاء و إن شاهدوا هؤلاء فی حال شهودهم للوجه الذی أرادوه من اللّه تعالى بدعائهم، فإنهم من حیث إنهم أرسلوا لمصالح العباد لا یتقیدون بهم على الإطلاق، و إنما یتقیدون بالمصالح التی بعثوا بسببها، فوقتا یعتبون مع کونهم فی مصلحه مثل هذه الآیه، و مثل آیه الأعمى، و من وجه آخر قیل فی هذه الآیه لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم فی حق الأعبد «وَ اصْبِرْ نَفْسَکَ مَعَ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداهِ وَ الْعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجْهَهُ» أی و انظر فیهم صفه الحق، فإنها مطلوبک فی الکون،

فإنی أدعو عبادی بالغداه و العشی و فی کل وقت، أرید وجههم أی ذاتهم أن یسمعوا دعائی فیرجعوا إلیّ‏ «وَ لا تَعْدُ عَیْناکَ عَنْهُمْ» فإنهم ظاهرون بصفتی کما عرفتک‏ «تُرِیدُ زِینَهَ الْحَیاهِ الدُّنْیا» فهذه الزینه أیضا فی هؤلاء و هی فی الحیاه الدنیا فهنا أیضا مطلوبک‏ «وَ لا تُطِعْ» فإنهم طلبوا منه صلّى اللّه علیه و سلم أن یجعل لهم مجلسا ینفردون به معه، لا یحضره هؤلاء الأعبد، فأجابهم حرصا على إیمانهم‏ «مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِکْرِنا» أی جعلنا قلبه فی غلاف فحجبناه عن ذکرنا، فإنه إن ذکرنا علم أن السیاده لنا و أنه عبد، فیزول عنه هذا الکبریاء، و الصفه التی ظهر بها التی عظمتها أنت لکونها صفتی و طمعت فی إزالتها عن ظاهرهم، فإنی أعلمت أنی قد طبعت على کل قلب متکبر جبار فلا یدخله کبر و إن ظهر به‏ «وَ اتَّبَعَ هَواهُ» أی غرضه الذی ظهر به‏ «وَ کانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» أی ما هو نصب عینیه له و هو مشهود له، لا یصرف نظره عنه إلى ما یقول له الحق على لسان‏ رسوله و ما یریده منه، فکان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم إذا أقبل علیه هؤلاء الأعبد قال صلّى اللّه علیه و سلم [مرحبا بمن عتبنی فیهم ربی‏] و یمسک نفسه معهم فی المجلس حتى یکونوا هم الذین ینصرفون، و لم تزل هذه أخلاقه صلّى اللّه علیه و سلم بعد ذلک إلى أن مات، فما لقیه أحد بعد ذلک فحدثه إلا قام معه حتى یکون هو الذی ینصرف، و کذلک إذا صافحه شخص لم یزل یده من یده حتى یکون الشخص هو الذی یزیلها، هکذا رویناه من أخلاقه صلّى اللّه علیه و سلم- فائده- إن کان العبد قوی الإیمان، غیر متبحر فی التأویل، خائضا فی بحر الظاهر، لا یصرفه للمعانی الباطنه صارف، انتفع بالذکرى، فإن تأول تردى و أردى من اتبعه، و کان من الذین اتبعوا أهواءهم، و کان أمر من هذه صفته فرطا فإن النفوس مجبوله على حب إدراک المغیبات، و استخراج الکنوز و حل الرموز، و فتح المغالیق و البحث عن خفیات الأمور و دقائق الحکم، و لا ترفع بالظاهر رأسا، فإن ذلک فی زعمها أبین من فلق الصبح، و من أحکم الظاهر کشف اللّه له عند ذلک فی هذه الظواهر ما لا یخطر بخاطر أحد، و یعظم قدره و تظهر حکمته و کثره خیره، و یعلم الجاهل عند ذلک أنه ما کان یحسبه هینا هو عند اللّه عظیم، فإن الجاهل بالظاهر بالباطن أجهل، فإنه الدلیل علیه، و إن فرط فی تحصیل الأول کان فی تحصیل الآخر أشد تفریطا- نصیحه- الزم باب اللّه و اصبر نفسک مع أحبابه الذین تحقرهم العیون، فذلک الذی رفعهم عند الحق.

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۲۹]

وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّکُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْیُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْیَکْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِینَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَ إِنْ یَسْتَغِیثُوا یُغاثُوا بِماءٍ کَالْمُهْلِ یَشْوِی الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً (۲۹)

«وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّکُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْیُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْیَکْفُرْ»– الوجه الأول- أی لا تأخذکم فی اللّه لومه لائم، و هو قوله تعالى‏ (إِنْ عَلَیْکَ إِلَّا الْبَلاغُ) و قوله تعالى‏ (لَیْسَ عَلَیْکَ هُداهُمْ) و (إِنَّکَ لا تَهْدِی مَنْ أَحْبَبْتَ)– الوجه الثانی- و قل الحق من ربکم فمن شاء فلیؤمن، و من شاء اللّه أن یکفر فلیکفر، فإنهم ما یشاءون إلا أن یشاء اللّه رب العالمین، ثم ذکر تعالى ما للظالمین عند اللّه فی الآخره فقال تعالى‏ «إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِینَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها» الآیه- فإذا اجتمع فی مجلس أهل اللّه من هو فقیر ذلیل منکسر و غنی بماله ذو جاه فی الدنیا، أظهر الداعی إلى اللّه القبول و الإقبال على الفقیر أکثر من إظهاره على الغنی ذی الجاه، لأنه المقصود بالأدب الذی أدب اللّه تعالى به نبیه صلّى اللّه علیه و سلم، غیر أن صاحب هذه الصفه یحتاج إلى میزان الحق فی ذلک، فإن غفل عنه کان الخطأ أسرع إلیه من کل شی‏ء، و صوره الوزن فیه أن لا یرى فی نفسه شفوفا علیه، و لا یخاطب الغنی و لا ذا الجاه بصفه قهر تذله، فإنه لا یذل تحتها بل ینفر و یزید عظمه، و إذا رأى من الأغنیاء بالعرض- من جاه أو مال- الفقر و الذله نزولا عن هاتین المرتبتین، وجب على أهل اللّه الإقبال علیهم، قال تعالى:-

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۳۰]

إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِیعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (۳۰)

[تحقیق: إن الله لا یضیع أجر من أحسن عملا]

الإحسان أن تعبد اللّه کأنک تراه أو تعلم أنه یراک، فهذا هو الحد الضابط للإحسان فی العمل، و ما عدا هذا فهو سوء عمل، إما ببذل الوسع فی الاجتهاد فیکون وفّى الأمر حقه، و لکنه أخطأ و هو صاحب عمل حسن، فیکون رؤیه سوء العمل حسنا بعد الاجتهاد، و إما أن یکون فی المشیئه فلا یدری بما یختم له إذا لم یکن عن استیفاء الاجتهاد بقدر الوسع و رآه حسنا عن غیر اجتهاد، فقوله تعالى‏ «إِنَّا لا نُضِیعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا» أحسن عملا هنا من الإحسان، و هو الحضور مع اللّه تعالى فی ذلک العمل، و هو قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم فی الإحسان [أن تعبد اللّه کأنک تراه فإن لم تکن تراه فإنه یراک‏] و ذلک الحضور مع اللّه هو حیاه ذلک العمل، و به سمّی عباده، فالإحسان فی العباده کالروح فی الصور یحییها، و إذا أحیاها لم تزل تستغفر لصاحبها، و لها البقاء الدائم، فلا یزال مغفورا له، فإن اللّه صادق، و قد أخبر أنه لا یضیع أجر من أحسن عملا، و أحسن العمل ما عمل بشرطه و فی زمانه و تمام خلقه و کمال رتبته، و أصحاب هذا المقام- مقام الإحسان- یشرعون فی العمل على الحجاب (اعبد اللّه کأنک تراه) فإذا رأوا المعمول له رأوا العمل صادرا منه فیهم ما هم العاملین، فیخافون من مزله القدم فیما سماه من أفعاله حسنا و سیئا.

– تحقیق- إن اللّه لا یضیع أجر من أحسن عملا، کیف یضیعه و هو الذی شرعه و وعد علیه بالأجر، و وعده صدق؟.

 

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۳۱ الى ۳۲]

أُولئِکَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ یُحَلَّوْنَ فِیها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ یَلْبَسُونَ ثِیاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ مُتَّکِئِینَ فِیها عَلَى الْأَرائِکِ نِعْمَ الثَّوابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (۳۱) وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَیْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَیْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَیْنَهُما زَرْعاً (۳۲)

قصه هذین الرجلین هنا فی الدنیا هو ما قصه الحق فی سوره الکهف، و ذکر حدیثهما فی الآخره فی سوره الصافات (قال قائل منهم: إنی کان لی قرین) إلى آخر الحدیث و فیها ذکر المعاتبه.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۳۳ الى ۳۶]

کِلْتَا الْجَنَّتَیْنِ آتَتْ أُکُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَیْئاً وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (۳۳) وَ کانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ یُحاوِرُهُ أَنَا أَکْثَرُ مِنْکَ مالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً (۳۴) وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِیدَ هذِهِ أَبَداً (۳۵) وَ ما أَظُنُّ السَّاعَهَ قائِمَهً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ رَبِّی لَأَجِدَنَّ خَیْراً مِنْها مُنْقَلَباً (۳۶)

فیقول له صاحبه فی الآخره لما اطلع فرآه فی سواء الجحیم (تاللّه إن کدت لتردین) ورد فی الأخبار الإلهیه الصحاح عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم، عن ربه عزّ و جل فیما یقوله لعبده یوم القیامه [أ ظننت أنک ملاقی‏].

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۳۷ الى ۳۹]

قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ یُحاوِرُهُ أَ کَفَرْتَ بِالَّذِی خَلَقَکَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَهٍ ثُمَّ سَوَّاکَ رَجُلاً (۳۷) لکِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّی وَ لا أُشْرِکُ بِرَبِّی أَحَداً (۳۸) وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَکَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّهَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْکَ مالاً وَ وَلَداً (۳۹)

 

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۴۰ الى ۴۲]

فَعَسى‏ رَبِّی أَنْ یُؤْتِیَنِ خَیْراً مِنْ جَنَّتِکَ وَ یُرْسِلَ عَلَیْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِیداً زَلَقاً (۴۰) أَوْ یُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِیعَ لَهُ طَلَباً (۴۱) وَ أُحِیطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ یُقَلِّبُ کَفَّیْهِ عَلى‏ ما أَنْفَقَ فِیها وَ هِیَ خاوِیَهٌ عَلى‏ عُرُوشِها وَ یَقُولُ یا لَیْتَنِی لَمْ أُشْرِکْ بِرَبِّی أَحَداً (۴۲)

– إشاره- تحفظ من الصاحب فإنه العدو الملازم، فدلّه على الحق و إن ثقل علیه، فیشکر لک عند اللّه.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۴۳ الى ۴۵]

وَ لَمْ تَکُنْ لَهُ فِئَهٌ یَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما کانَ مُنْتَصِراً (۴۳) هُنالِکَ الْوَلایَهُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَیْرٌ ثَواباً وَ خَیْرٌ عُقْباً (۴۴) وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَیاهِ الدُّنْیا کَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِیماً تَذْرُوهُ الرِّیاحُ وَ کانَ اللَّهُ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ مُقْتَدِراً (۴۵)

الاقتدار حکم القادر فی ظهور الأشیاء بأیدى الأسباب، و الأسباب هی المتصفه بکسب القدره، فهی مقتدره أی متعمله فی الاقتدار، و لیس إلا الحق تعالى، فهو المقتدر على کل ما یوجده عند سبب أو بسبب، فاللّه القادر من حیث الأمر، و مقتدر من حیث الخلق، و من وجه آخر، القادر فی مقابله القابل للأثر فیه مع کونه معدوما فی عینه، ففیه ضرب من الامتناع و هی مسأله مشکله، لأن تقدم العدم للممکن قبل وجوده لا یکون مرادا، و لا هو صفه نفسیه للممکن، فهذا هو الإشکال فینبغی أن یعلم، و المقتدر لا یکون إلا فی حال تعلق القدره بالمقدور لأنه تعمل فی تعلق القدره بالمقدور لإیجاد عینه.

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۴۶]

الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِینَهُ الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ الْباقِیاتُ الصَّالِحاتُ خَیْرٌ عِنْدَ رَبِّکَ ثَواباً وَ خَیْرٌ أَمَلاً (۴۶)

جمع المال و البنون زینه الحیاه الدنیا، و الباقیات الصالحات من الخیر عند ربه و هو الثواب، و من الخیر المؤمل و هو المال و البنون، لأنهما من الباقیات الصالحات، أعنی المال و البنین إذا کان المال الصالح و الولد الصالح و العلم الذی ینتفع به، و هو ما سنه من سنه حسنه قال علیه الصلاه و السلام [یموت ابن آدم و ینقطع عمله إلا من ثلاث: صدقه جاریه أو علم یبثه فی الناس أو ولد صالح یدعو له‏].

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۴۷]

وَ یَوْمَ نُسَیِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَهً وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (۴۷)

یکون عموم الحشر لعموم ما ضمنته الدار الدنیا، من معدن و نبات و حیوان و إنس و جان و سماء و أرض.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۴۸]

وَ عُرِضُوا عَلى‏ رَبِّکَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا کَما خَلَقْناکُمْ أَوَّلَ مَرَّهٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَکُمْ مَوْعِداً (۴۸)

أول موقف إذا خرج الناس من قبورهم، یقومون على أبواب قبورهم ألف سنه عراه حفاه جیاعا عطاشا.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۴۹]

وَ وُضِعَ الْکِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِینَ مُشْفِقِینَ مِمَّا فِیهِ وَ یَقُولُونَ یا وَیْلَتَنا ما لِهذَا الْکِتابِ لا یُغادِرُ صَغِیرَهً وَ لا کَبِیرَهً إِلاَّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا یَظْلِمُ رَبُّکَ أَحَداً (۴۹)

فالغافل هو الذی لا حفظ له یحضر له ما فعله، لأنه استولى علیه سلطان الغفله و السهو و النسیان، فیکون الحق یحفظ له أو علیه.

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۵۰]

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِکَهِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِیسَ کانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّیَّتَهُ أَوْلِیاءَ مِنْ دُونِی وَ هُمْ لَکُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِینَ بَدَلاً (۵۰)

الملائکه رسل من اللّه إلى الإنسان، موکلون به حافظون کاتبون أفعالنا، و الشیاطین مسلطون على الإنسان بأمر اللّه، فهم مرسلون إلینا من اللّه، فلما شرّک بینهم فی الرساله أدخل تعالى إبلیس فی الأمر بالسجود مع الملائکه فقال‏ (وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِکَهِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِیسَ) فأدخله معهم فی الأمر بالسجود فصح الاستثناء، و جعله منصوبا بالاستثناء المنقطع، فقطعه عن الملائکه کما قطعه عنهم فی خلقه من نار، «کانَ مِنَ الْجِنِّ» أی من الذین یستترون عن الإنس مع حضورهم معهم فلا یرونهم، کالملائکه، و لیس إبلیس أول الجن بمنزله آدم من الناس، بل هو واحد من الجن، و إن الأول فیهم بمنزله آدم فی البشر إنما هو غیره، و لذلک قال تعالى‏ «إِلَّا إِبْلِیسَ کانَ مِنَ الْجِنِّ» أی من هذا الصنف من المخلوقین، کما کان قابیل من البشر و کتبه اللّه شقیا، فهو أول الأشقیاء من البشر، و إبلیس أول الأشقیاء من الجن‏ «فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» و هو قوله تعالى‏ (إِلَّا إِبْلِیسَ أَبى‏ وَ اسْتَکْبَرَ وَ کانَ مِنَ الْکافِرِینَ) فهو من الفاسقین الخارجین عن أمر اللّه، فسماه کافرا.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۵۱]

ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما کُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّینَ عَضُداً (۵۱)

«ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ» و هو حال الفعل عند تعلق الفاعل بالمفعول، و کیفیه تعلق القدره الأزلیه بالإیجاد الذی حارت فیه المشاهد و العقول، و کل من رام الوقوف نکص على عقبه و رجع إلى مذهبه، و قد قال تعالى فی أنفسهم و أقدسهم حین قال (رب أرنی کیف تحیی الموتى) فلما أراه آثار القدره لا تعلقها عرف کیفیه الأشیاء و التحام الأجزاء حتى قام شخصا سویا، و لا رأى تعلق القدره و لا تحققها، فقد تفرد الحق بسر نشأه خلقه و نشره، فإنه لیس فی حقائق ما سوى اللّه ما یعطی ذلک، فلا فعل لأحد سوى اللّه، فهذه الآیه دلیل على عدم تجلی الحق فی الأفعال، أعنی نسبه ظهور الکائنات عن الذات التی تتکون عنها، فما أشهدهم خلق السموات و لا الأرض و لا خلق أنفسهم، أی صدورها إلى الوجود، أراد حاله الإیجاد، فما شاهد أحد تعلق القدره الإلهیه بالأشیاء عند إیجادها، فإن الخلق یرید به المخلوق فی موضع، مثل قوله (هذا خلق اللّه) و یرید به الفعل فی موضع، مثل قوله‏ «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ» فهنا یرید به الفعل بلا شک، لأنه لیس لمخلوق فعل أصلا، فما فیه حقیقه من اللّه یشهد بها فعل اللّه، و ما لمخلوق مما سوى اللّه و لا العقل الأول أن یعقل کیفیه اجتماع نسب یکون عن اجتماعها عین وجودیه مستقله فی الظهور و غیر مستقله فی الغنى، مفتقره بالإمکان المحکوم علیها به، و هذا علم لا یعلمه إلا اللّه تعالى، و لیس فی الإمکان أن یعلمه غیر اللّه تعالى، و لا یقبل التعلیم، أعنی أن یعلّمه اللّه من شاء من عباده، فأشبه العلم به العلم بذات الحق، و العلم بذات الحق محال حصوله لغیر اللّه، فمن المحال حصول العلم بالعالم أو بالإنسان نفسه أو بنفس کل شی‏ء لنفسه لغیر اللّه، فتفهم هذه المسأله فإنی ما سمعت و لا علمت أن أحدا نبه علیها و إن کان یعلمها، فإنها صعبه التصور، مع أن فحول العلماء یقولون بها و لا یعلمون أنها هی‏ «وَ ما کُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّینَ عَضُداً» یعتضد بهم.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۵۲ الى ۵۴]

وَ یَوْمَ یَقُولُ نادُوا شُرَکائِیَ الَّذِینَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ یَسْتَجِیبُوا لَهُمْ وَ جَعَلْنا بَیْنَهُمْ مَوْبِقاً (۵۲) وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَ لَمْ یَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (۵۳) وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِی هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ کُلِّ مَثَلٍ وَ کانَ الْإِنْسانُ أَکْثَرَ شَیْ‏ءٍ جَدَلاً (۵۴)

الصمت حکمه و قلیل فاعله، فمن تکلم باللّه کانت الحجه له، فإن الحجه البالغه للّه، و من تکلم بنفسه کان محجوبا، کما أن الحق إذا تکلم بعبده کان کلامه ظاهرا بحیث یقتضیه مقام عبده، فإذا رد الجواب علیه عبده به لا بنفسه، و ظهر حکمه على کلام ربه، نادى الحق علیه‏ «وَ کانَ الْإِنْسانُ أَکْثَرَ شَیْ‏ءٍ جَدَلًا» و إن قال الحق، و لکن ما کل حق یحمد،و لا کل ما لیس بحق یذم، فالأدباء یعرفون المواطن التی یحمد فیها الحق فیأتون به فیها، و یعرفون المواطن التی یحمد فیها ما لیس بحق فیأتون به فیها، و یتعلق بذلک تعلق الإراده بالأمر التکلیفی و موافقتها أو عدم الموافقه، و أقوى الجدال ما یجادل به اللّه، و من أراد العصمه من ذلک فلینظر إلى ما شرع اللّه له، و أتى على ألسنه رسله، فیمشی معه حیث مشى و یقف عنده حیث وقف من غیر مزید، و إن تناقضت الأمور و تصادمت فذلک له لا لک، و قل:لا أدری هکذا جاء الأمر من عنده، و ارجع إلیه و قل: رَبِّ زِدْنِی عِلْماً.

 

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۵۵ الى ۵۷]

وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ یُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ وَ یَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِیَهُمْ سُنَّهُ الْأَوَّلِینَ أَوْ یَأْتِیَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (۵۵) وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِینَ إِلاَّ مُبَشِّرِینَ وَ مُنْذِرِینَ وَ یُجادِلُ الَّذِینَ کَفَرُوا بِالْباطِلِ لِیُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَ اتَّخَذُوا آیاتِی وَ ما أُنْذِرُوا هُزُواً (۵۶) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُکِّرَ بِآیاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَ نَسِیَ ما قَدَّمَتْ یَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَکِنَّهً أَنْ یَفْقَهُوهُ وَ فِی آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى‏ فَلَنْ یَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (۵۷)

الإعراض عن الآیات التی نصبها الحق دلائل علیه دلیل على عدم الإنصاف و اتباع الهوى المردی، و هو عله لا یبرأ منها صاحبها بعد استحکامها حتى یبدو له من اللّه ما لم یکن یحتسب، فعند ذلک یرید استعمال الدواء فلا ینفع، کالتوبه عند طلوع الشمس من مغربها.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۵۸ الى ۶۰]

وَ رَبُّکَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَهِ لَوْ یُؤاخِذُهُمْ بِما کَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ یَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (۵۸) وَ تِلْکَ الْقُرى‏ أَهْلَکْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جَعَلْنا لِمَهْلِکِهِمْ مَوْعِداً (۵۹) وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَیْنِ أَوْ أَمْضِیَ حُقُباً (۶۰)

«وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ» و هو صدیقه‏ «لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَیْنِ أَوْ أَمْضِیَ حُقُباً»

[مجمع البحرین‏]

الحقبه السنه، و إنما کان الحوت عند یوشع للمناسبه، لأن یوشع هو ابن نون، و لهذه المناسبه کان الحوت الذی هو النون.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۶۱ الى ۶۲]

فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَیْنِهِما نَسِیا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِیلَهُ فِی الْبَحْرِ سَرَباً (۶۱) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِینا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (۶۲)

و لم یکن قبل ذلک أصابه النصب لیتذکر دلاله الحوت- إشاره- مجمع البحرین إشاره إلى علم الباطن و علم الظاهر.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۶۳]

قالَ أَ رَأَیْتَ إِذْ أَوَیْنا إِلَى الصَّخْرَهِ فَإِنِّی نَسِیتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانِیهُ إِلاَّ الشَّیْطانُ أَنْ أَذْکُرَهُ وَ اتَّخَذَ سَبِیلَهُ فِی الْبَحْرِ عَجَباً (۶۳)

من أدب یوشع فتى موسى إضافه النسیان إلى الشیطان، و ما أضافه إلى اللّه الذی أنساه أن یعرّف موسى علیه السلام بحیاه الحوت، لما أراد اللّه من تمام ما سبق به العلم الإلهی من زیاده الأقدام التی قدر له أن یقطع بها تلک المسافه، و یجاوز المکان الذی کان فیه خضر

[کان الدلیل حوتا]

– إشاره- کان الدلیل حوتا و لم یکن غیر ذلک لأنه من الحیوان الذی یتکون فی الماء، فلیس بینه و بین الأصل واسطه، لأنه سبحانه جعل من الماء کل شی‏ء حی، فهو أصل الحیاه، فکذلک جعله دلیلا على الخضر، إذ کان حیا بما أعطاه اللّه تعالى، لا موت عنده و لا جهل، فکان الدلیل مناسبا للمدلول، و لهذا جعلت حیاته دلیلا على وجود خضر، أی قد وصلت إلى معدن الحیاه- أما اتخاذه البحر مسلکا فهو إشاره لرجوع الأشیاء إلى أصلها.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۶۴]

قالَ ذلِکَ ما کُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً (۶۴)

أی یتبعان الأثر إلى أن عادا إلى المکان.

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۶۵]

فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَیْناهُ رَحْمَهً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (۶۵)

[- تفسیر من باب الإشاره- «فَوَجَدا»]

– تفسیر من باب الإشاره- «فَوَجَدا» تنبیها من اللّه و تأدیبا لموسى علیه السلام لما جاوزه من الحد فی إضافه العلم إلى نفسه بأنه أعلم من فی الأرض فی زمانه، فلو کان عالما لعلم دلاله الحق التی هی عین اتخاذ الحوت سربا، و ما علم ذلک و قد علمه یوشع، و نسّاه اللّه التعریف بذلک لیظهر لموسى علیه السلام تجاوزه الحد فی دعواه و لم یردّ ذلک إلى اللّه فی علمه فی خلقه‏ «فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا» فأضافه إلى نون الجمع و هو خضر، و اسمه بلیا بن ملکان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح علیه السلام، کان فی جیش فبعثه أمیر الجیش یرتاد لهم ماء، و کانوا قد فقدوا الماء، فوقع بعین الحیاه فشرب منه فعاش إلى الآن، و کان لا یعرف ما خص اللّه به من الحیاه شارب ذلک الماء، و الخضر هو الشاب الذی یقتله الدجال فی زعمه لا فی نفس الأمر، و هو فتى ممتلئ شبابا، هکذا یظهر له فی عینیه‏ «آتَیْناهُ رَحْمَهً مِنْ عِنْدِنا» الرحمه تتقدم بین یدی العلم تطلب العبد، ثم یتبعها العلم، فالعلم یستصحب الرحمه بلا شک، فإذا رأیت من یدعی العلم و لا یقول بشمول الرحمه فما هو صاحب علم، و هذا هو علم الذوق لا علم النظر، قال تعالى فی حق عبده خضر «آتَیْناهُ رَحْمَهً مِنْ عِنْدِنا» فقدم الرحمه على العلم، و هی الرحمه التی فی الجبله،

جعلها فیه لیرحم بها نفسه و عباده، فیکون فی حق الغلام رحمه أن حال بینه و بین ما یکتسبه لو عاش من الآثام إذ قد کان طبع کافرا، و أما رحمته بالملک الغاصب حتى لا یتحمل وزر غصب تلک السفینه من هؤلاء المساکین، فالرحمه إنما تنظر من جانب الرحیم بها لا من جانب صاحب الغرض، فإنه جاهل بما ینفعه، و إن أراد اللّه تعالى أنه أعطاه رحمه من عنده أی رحمناه، فأعطیناه هذا العلم الذی ظهر به، و هو ما أعطاه من الفهم، و هو مقام یحصل من وجهین: وجه اختصاص کالخضر و أمثاله من غیر تعمل و کالقائم فی آخر الزمان، و وجه آخر من طریق التعمل طریق الکسب، فقال تعالى فی خضر «وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً» جودا و رحمه من اللّه، فإنه لم یذکر له تعملا فی تحصیل شی‏ء من ذلک، و جعل الکل منه امتنانا و فضلا، فهو علم الوهب لا علم الکسب، فإنه لو أراد العلم المکتسب لقال تعالى:

و علمناه طریق اکتساب العلوم، فالعلم الموهوب هو العلم اللدنی علم الخضر و أمثاله، و هو العلم الذی لا تعمل لهم فیه بخاطر أصلا، حتى لا یشوبه شی‏ء من کدورات الکسب، و النبوات کلها علوم وهبیه، لأن النبوه لیست مکتسبه، فالشرائع کلها من علوم الوهب و کل علم حصل عن دعاء فیه أو بدعاء مطلق فهو مکتسب، و العلم المکتسب لا یصلح إلا للرسل صلوات اللّه علیهم، فإنهم فی باب تشریع الاکتساب، فإذا وقفوا مع نبوتهم لا مع رسالتهم کان حالهم مع اللّه ترک طلب ما سواه، فالکسب هو توفیقه و إلهامه إلى ترک جمیع المعلومات و جمیع العالم من خاطره، و یجلس فارغ القلب مع اللّه بحضور و مراقبه و سکینه و ذکر إلهی باسم اللّه ذکر قلب، و لا ینظر فی دلیل یوصله إلى علمه باللّه، فإذا لزم الباب و أدمن القرع بالذکر علّمه اللّه من لدنه علما، و هذا مقام المقربین و هو بین الصدیقیه و نبوه التشریع، فلم یبلغ منزله نبی التشریع من النبوه العامه، و لا هو من الصدیقین الذین هم أتباع الرسل لقول الرسل، و غیر الرسل من العلماء باللّه مثل الخضر و أمثاله لم یکله إلى عندیته و لا إلى نفسه، بل تولى تعلیمه لیریحه، لما هو علیه من الضعف، و أعطاه هذا العلم من أجل قوله‏ «لَدُنَّا» و الغصن اللدن هو الرطیب، فهی هنا اللین و العطف و هی الرحمه المبطونه فی المکروه، و بهذه الرحمه قتل الغلام و خرق السفینه، و بالرحمه التی فی الجبله أقام الجدار، و أضاف الحق التعلیم إلیه تعالى لا إلى الفکر، فعلمنا أن ثمّ مقاما آخر فوق الفکر یعطی العبد العلم بأمور شتى، یقول عنه بعض العلماء إنه وراء طور العقل، و من العلوم ما یمکن أن یدرکها العقل من حیث الفکر، و منها ما یجوّزها الفکر و إن لم تحصل لذلک العقل من الفکر، و منها ما یجوزها الفکر و إن کان یستحیل أن یعینها الفکر، و منها ما یستحیل عند الفکر و یقبلها العقل من الفکر مستحیله الوجود لا یمکن أن یکون له تحت دلیل الإمکان، فیعلمها هذا العقل من جانب الحق واقعه صحیحه غیر مستحیله، و لا یزول اسم الاستحاله و لا حکم الاستحاله عقلا، قال صلّى اللّه علیه و سلم: [إن من العلم کهیئه المکنون لا یعلمه إلا العلماء باللّه، فإذا نطقوا به لم ینکره إلا أهل الغره باللّه‏] هذا من العلم الذی یکون تحت النطق، فما ظنک بالعلم الخارج عن الدخول تحت حکم النطق، فما کل علم یدخل تحت العبارات و هی علوم الأذواق کلها، و فی هذه الآیه جمع بنون الجمع فی قوله تعالى آتیناه و علمناه ولدنا، أی جمع له فی هذا الفتح العلم الظاهر و الباطن، و علم السر و العلانیه، و علم الحکم و الحکمه، و علم العقل‏

 

 

[استدراک- العلم و سوء الخلق لا یجتمعان‏]

و الوضع، و علم الأدله و الشبه، و من أعطی العلم العام و أمر بالتصرف فیه کالأنبیاء و من شاء اللّه من الأولیاء أنکر علیه، و لم ینکر هذا الشخص على أحد ما یأتی به من العلوم و إن حکم بخلافه، و لکن یعرف موطنه و أین یحکم به، و هذا العلم من الوجه الخاص الذی بین العبد و بین اللّه و هو لکل مخلوق، و هو وجه لا یطلع علیه من العبید نبی مرسل و لا ملک مقرب، و لذلک قال الخضر لموسى علیه السلام: أنا على علم علمنیه اللّه لا تعلمه أنت، لأنه کان من الوجه الخاص الذی من اللّه لعبده، لا یطلع على ذلک الوجه إلا صاحبه، ثم قال له الخضر: و أنت أیضا على علم علمکه اللّه لا أعلمه أنا، فإن کان موسى علیه السلام قد علم وجهه الخاص عرف ما یأتیه من ذلک الوجه، و إن کان لم یعلم ذلک فقد نبهه الخضر علیه لیسأل اللّه فیه- استدراک- اعلم أن العلم و سوء الخلق لا یجتمعان فی موفق، فکل عالم فهو واسع المغفره و الرحمه، و سوء الخلق من الضیق و الحرج و ذلک لجهله، و اعلم أن العلم و إن کان شریفا فإن له معادن، أشرفها ما یکون من لدنه، فإن الرحمه مقرونه به، و لها النفس الذی ینفّس اللّه به عن عباده ما یکون من الشده فیهم، و العبد إذا لزم الخلوه و الذکر، و فرغ المحل من الفکر، و قعد فقیرا لا شی‏ء له عند باب ربه، حینئذ یمنحه اللّه تعالى و یعطیه من العلم به و الأسرار الإلهیه، و المعارف الربانیه التی أثنى اللّه بها على عبده خضر ما یغیب عنده کل متکلم على البسیطه، بل کل صاحب نظر و برهان لیست له هذه الحاله، فإنها وراء النظر العقلی،

[مراتب العلوم‏]

إذ کانت العلوم على ثلاث مراتب- علم العقل- و هو کل علم یحصل لک ضروره أو عقیب نظر فی دلیل، بشرط العثور على وجه ذلک الدلیل، و شبهه من جنسه من عالم الفکر الذی یجمع و یختص بهذا الفن من العلوم، و لهذا یقولون فی النظر: منه صحیح و منه فاسد- و العلم الثانی- علم الأحوال- و لا سبیل إلیها إلا بالذوق، فلا یقدر عاقل على أن یحدّها و لا یقیم على معرفتها دلیلا، کالعلم بحلاوه العسل و مراره الصبر و لذه الجماع و العشق و الوجد و الشوق و ما شاکل هذا النوع من العلوم، فهذه علوم من المحال أن یعلمها أحد إلا بأن یتصف بها و یذوقها، و شبهها من جنسها فی أهل الذوق، کمن یغلب على محله طعمه المره الصفراء، فیجد العسل مرا و لیس کذلک، فإن الذی باشر محل الطعم إنما هو المره الصفراء- و العلم الثالث- علوم الأسرار- و هو العلم الذی فوق طور العقل، و هو علم نفث روح القدس فی الروع، یختص به النبی و الولی،و هو نوعان: نوع منه یدرک بالعقل کالعلم الأول من هذه الأقسام، لکن هذا العالم به لم یحصل له عن نظر، و لکن مرتبه هذا العلم أعطت هذا، و النوع الآخر على ضربین، ضرب منه یلتحق بالعلم الثانی لکن حاله أشرف، و الضرب الآخر من علوم الأخبار و هی التی یدخلها الصدق و الکذب، إلا أن یکون المخبر به قد ثبت صدقه عند المخبر، و عصمته فیما یخبر به و یقوله، کإخبار الأنبیاء صلوات اللّه علیهم عن اللّه، و کإخبارهم بالجنه و ما فیها، فقوله إن ثمّ جنه من علم الخبر،

و قوله فی القیامه إن فیها حوضا أحلى من العسل من علم الأحوال، و هو علم الذوق، و قوله کان اللّه و لا شی‏ء معه و مثله من علوم العقل المدرکه بالنظر، فهذا الصنف الثالث الذی هو علم الأسرار العالم به یعلم العلوم کلها و یستغرقها، و لیس صاحب تلک العلوم کذلک، فلا علم أشرف من هذا العلم المحیط الحاوی على جمیع المعلومات، و ما بقی إلا أن یکون المخبر به صادقا عند السامعین له معصوما، هذا شرطه عند العامه، و أما العاقل اللبیب الناصح نفسه فلا یرمی به، و لکن یقول: هذا جائز عندی أن یکون صدقا أو کذبا، و کذلک ینبغی لکل عاقل إذا أتاه بهذه العلوم غیر المعصوم، و إن کان صادقا فی نفس الأمر فیما أخبر به، و لکن کما لا یلزم هذا السامع له صدقه لا یلزمه تکذیبه، و لکن یتوقف، و إن صدّقه لم یضره، لأنه أتى فی خبره بما لا تحیله العقول، بل بما تجوّزه أو تقف عنده، و لا یهد رکنا من أرکان الشریعه، و لا یبطل أصلا من أصولها،

فإذا أتى بأمر جوزه العقل و سکت عنه الشارع فلا ینبغی لنا أن نرده أصلا، و نحن مخیرون فی قبوله إن کانت حاله المخبر به تقتضی العداله لم یضرنا قبوله، کما تقبل شهادته و نحکم بها فی الأموال و الأرواح، و إن کان غیر عدل فی علمنا فننظر، فإن کان الذی أخبر به حقا بوجه ما عندنا من الوجوه المصححه قبلناه، و إلا ترکناه فی باب الجائزات و لم نتکلم فی قائله بشی‏ء، فإنها شهاده مکتوبه نسأل عنها، قال تعالى: (سَتُکْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ یُسْئَلُونَ) و لو لم یأت هذا المخبر إلا بما جاء به المعصوم فهو حاک لنا ما عندنا من روایه عنه، فلا فائده زادها عندنا بخبره،

و إنما یأتون رضی اللّه عنهم بأسرار و حکم من أسرار الشریعه، مما هی خارجه عن قوه الفکر و الکسب، و لا تنال أبدا إلا بالمشاهده و الإلهام و ما شاکل هذه الطرق، و من هنا تکون الفائده بقوله علیه السلام: [إن یکن من أمتی محدّثون فمنهم عمر] و قوله فی أبی بکر فی فضله بالسر غیره، و لو لم یقع الإنکار لهذه العلوم فی الوجود لم یفد قول أبی هریره [حفظت من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم وعاءین، فأما أحدهما فبثثته، و أما الآخر فلو بثثته قطع منی هذا البلعوم‏] و لم یفد قول ابن عباس حین قال فی قول اللّه عزّ و جل‏ (اللَّهُ الَّذِی خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ یَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَیْنَهُنَّ) لو ذکرت تفسیره لرجمتمونی، و فی روایه لقلتم إنی کافر، و لم یکن لقول الرضی من حفده علی بن أبی طالب رضی اللّه عنه معنى، إذ قال:

یا رب جوهر علم لو أبوح به‏ لقیل لی أنت ممن یعبد الوثنا
و لاستحل رجال مسلمون دمی‏ یرون أقبح ما یأتونه حسنا

فهؤلاء کلهم سادات أبرار فیما أحسب و اشتهر عنهم، قد عرفوا هذا العلم و رتبته و منزله أکثر العالم منه، و أن الأکثر منکرون له، و ینبغی للعاقل العارف أن لا یأخذ علیهم فی إنکارهم، فإنه فی قصه موسى مع خضر مندوحه لهم، و حجه للطائفتین، و إن کان إنکار موسى عن نسیان لشرطه و لتعدیل اللّه إیاه، و بهذه القصه عینها نحتج على المنکرین، لکنه لا سبیل إلى خصامهم. و اعلم أن کل علم إذا بسطته العباره حسن و فهم معناه أو قارب و عذب عند السامع الفهم فهو علم العقل النظری، لأنه تحت إدراکه و مما یستقل به لو نظر، إلا علم الأسرار، فإنه إذا أخذته العباره سمج و اعتاص على الأفهام درکه و خشن، و ربما مجته العقول الضعیفه المتعصبه التی لم تتوفر لتصریف حقیقتها التی جعل اللّه فیها من النظر و البحث، و أما علوم الأحوال فمتوسطه بین علم الأسرار و علم العقول، ثم لتعلم أنه إذا حسن عندک و قبلته و آمنت به فأبشر أنک على کشف منه ضروره و أنت لا تدری، لا سبیل إلا هذا، إذ لا یثلج الصدر إلا بما یقطع بصحته، و لیس للعقل هنا مدخل، لأنه لیس من درکه إلا إن أتى بذلک معصوم، حینئذ یثلج صدر العاقل، و أما غیر المعصوم فلا یلتذ بکلامه إلا صاحب ذوق.

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۶۶]

قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُکَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (۶۶)

اعلم أن الأنبیاء أصحاب الشرائع هم أرفع عباد اللّه من البشر، و مع هذا لا یبعد أن یخص اللّه المفضول بعلم لیس عند الفاضل، و لا یدل تمیزه عنه أنه بذلک العلم أفضل منه،قال الخضر لموسى علیه السلام: أنا على علم علمنیه اللّه لا تعلمه أنت، و أنت على علم علمکه اللّه لا أعلمه أنا.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۶۷]

قالَ إِنَّکَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً (۶۷)

ثم أنصفه فی العلم و قال له: یا موسى أنا على علم … الحدیث-.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۶۸]

وَ کَیْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (۶۸)

الخبر الذوق، و هو علم حال لأنه وحی خاص إلهی، لیس للملک فیه وساطه من اللّه، فإن وحی الرسل إنما هو بالملک بین اللّه و بین رسوله، فلا خبر له بهذا الذوق فی عین إمضاء الحکم فی عالم الشهاده، فما تعود الإرسال لتشریع الأحکام الإلهیه فی عالم الشهاده إلا بواسطه الروح الذی ینزل به على قلبه أو فی تمثله، لم یعرف الرسول الشریعه إلا على هذا الوصف لا غیر الشریعه، فإن الرسول له قرب أداء الفرائض و المحبه علیها من اللّه، و ما تنتج له تلک المحبه، و له قرب النوافل و محبتها و ما یعطیه محبتها، و لکن من العلم باللّه لا من التشریع و إمضاء الحکم فی عالم الشهاده، فخرق الخضر السفینه و قتل الغلام حکما، و أقام الجدار مکارم أخلاق عن حکم أمر إلهی، فلم یحط موسى علیه السلام به خبرا من هذا القبیل، فهذا القدر الذی اختص به خضر دون موسى علیه السلام، فلما علم الخضر أن موسى علیه السلام لیس له ذوق فی المقام الذی هو الخضر علیه، قال الخضر لموسى علیه السلام‏ «وَ کَیْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً»، لأنه کان فی مقام لم یکن لموسى علیه السلام فی ذلک الوقت الذی نفاه عنه العدل بقوله، و تعدیل اللّه إیاه بما شهد له به من العلم، مع کون موسى علیه السلام کلیم اللّه، و کما أن الخضر لیس له ذوق فیما هو موسى علیه من العلم الذی علمه اللّه، إلا أن مقام الخضر لا یعطی الاعتراض على أحد من خلق اللّه، لمشاهده خاصه هو علیها، و مقام موسى و الرسل یعطی الاعتراض من حیث هم رسل لا غیر، فی کل ما یرونه خارجا عما أرسلوا به، و دلیل ما ذهبنا إلیه فی هذا قول الخضر لموسى علیه السلام‏ «وَ کَیْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً»، فلو کان الخضر نبیا لما قال له‏ «ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» فالذی فعله لم یکن من مقام النبوه، و قال له فی انفراد کل واحد منهما بمقامه الذی هو علیه [یاموسى أنا على علم … الحدیث‏] فافترقا و تمیزا بالإنکار، و ما رد موسى على الخضر فی ذلک، و لا أنکر علیه فی قوله المذکور فی هذه الآیه، بل.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۶۹]

قالَ سَتَجِدُنِی إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِی لَکَ أَمْراً (۶۹)

[حکمه تأخیر الاستثناء على الفعل‏]

قال ذلک لأنه قال له قبل ذلک (هل أتبعک على أن تعلمنی مما علمت رشدا) و الصبر لا یکون إلا على ما یشق علیه، و أدخل موسى نفسه علیه السلام فی اتباع الخضر و تحت شرطه، و موسى کلیم اللّه و نجیه، و مع هذا لم یصبر لأنه قدم الاستثناء، فلو قدم موسى علیه السلام الصبر على المشیئه کما یفعل المحمدی لصبر و لم یعترض، فإن اللّه قدمه فی الإعلام تعلیما لمحمد صلّى اللّه علیه و سلم فی قوله تعالى: (وَ لا تَقُولَنَّ لِشَیْ‏ءٍ إِنِّی فاعِلٌ ذلِکَ غَداً إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ) فأخر الاستثناء، فمن أراد أن یحصل علم اللّه فی خلقه فلیقف عند ترتیب حکمته فی الأشیاء، و لیقدم ما قدم اللّه و یؤخر ما أخر اللّه، فإذا أخرت ما قدمه أو قدمت ما أخره فهو نزاع خفی یورث حرمانا، فاللّه أخر الاستثناء و قدمه موسى علیه السلام فلم یصبر، فلو أخره لصبر، و الآیه التی ذکرناها أنها نزلت على محمد صلّى اللّه علیه و سلم مذکوره باللسان العبرانی فی التوراه.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۷۰]

قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِی فَلا تَسْئَلْنِی عَنْ شَیْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَکَ مِنْهُ ذِکْراً (۷۰)

کل أمر یقع التعجب منه فإن صاحبه الذی أوجده للتعجب ما أوجده بهذه الحاله إلا لیحدث منه ذکرا لهذا الذی تعجب منه، فلا تستعجل، فإنه لا بد أن یخبره موجده بحدیثه، إلا أن الإنسان خلق عجولا، و ما فی العالم أمر لا یتعجب منه، فالوجود کله عجیب، فلا بد أن یحدث اللّه منه ذکرا للمتعجبین، فالعارفون أحدث اللّه لهم ذکرا منه فی هذه الدار، فعرفوا لما خلقوا له و لما خلق لهم، و العامه تعرف حقائق الأمور فی الآخره، فلا بد من العلم سواء فی الدنیا للعلماء أو فی الآخره للعامه.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۷۱ الى ۷۲]

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَکِبا فِی السَّفِینَهِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً إِمْراً (۷۱) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّکَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً (۷۲)

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۷۳]

قالَ لا تُؤاخِذْنِی بِما نَسِیتُ وَ لا تُرْهِقْنِی مِنْ أَمْرِی عُسْراً (۷۳)

العلم حاکم، فإن لم یعمل العالم بعلمه فلیس بعالم، العلم لا یمهل و لا یهمل، لما علم الخضر حکم، و لما لم یعلم ذلک صاحبه اعترض علیه و نسى ما کان قد ألزمه، فالتزم.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۷۴]

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِیا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَکِیَّهً بِغَیْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً نُکْراً (۷۴)

[من کان وقته الکشف أنکر علیه و لم ینکر هو على أحد]

«لَقَدْ جِئْتَ شَیْئاً نُکْراً» أی ینکره شرعی، فما أنکر موسى علیه السلام إلا بما شرع له الإنکار فیه، و لکن غاب عن تزکیه اللّه لهذا الذی جاء بما أنکره علیه صاحبه، فهو فی الظاهر طعن فی المزکی. و اعلم أنه ما أذهل موسى علیه السلام إلا سلطان الغیره التی جعل اللّه فی الرسل علیهم السلام على مقام شرع اللّه على أیدیهم، فلله أنکروا، و تکرر منه علیه السلام الإنکار مع تنبیه العبد الصالح فی کل مسئله، و یأبى سلطان الغیره إلا الاعتراض، لأن شرعه ذوق له، و الذی رآه من غیره أجنبی عنه، و إن کان علما صحیحا، و لکن الذوق أغلب و الحال أحکم. و اعلم أن الکشف لا ینکر شیئا، بل یقرر کل شی‏ء فی رتبته، من عقل و شرع و ذوق، فمن کان وقته الکشف أنکر علیه و لم ینکر هو على أحد، و من کان وقته العقل أنکر و أنکر علیه، و من کان وقته الشرع أنکر و أنکر علیه، و المحقق ینکر مع الشرع ما ینکره الشرع، لأن وقته الشرع، و لا ینکره کشفا و لا عقلا.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۷۵ الى ۷۷]

قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَکَ إِنَّکَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً (۷۵) قالَ إِنْ سَأَلْتُکَ عَنْ شَیْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِی قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّی عُذْراً (۷۶) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَیا أَهْلَ قَرْیَهٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ یُضَیِّفُوهُما فَوَجَدا فِیها جِداراً یُرِیدُ أَنْ یَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَیْهِ أَجْراً (۷۷)

فکانت الثالثه، و نسی موسى حاله قوله‏ (إِنِّی لِما أَنْزَلْتَ إِلَیَّ مِنْ خَیْرٍ فَقِیرٌ) و ما طلب الإجاره على سقایته مع الحاجه.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۷۸]

قالَ هذا فِراقُ بَیْنِی وَ بَیْنِکَ سَأُنَبِّئُکَ بِتَأْوِیلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَیْهِ صَبْراً (۷۸)

فحصل لموسى علیه السلام مقصوده و مقصود الحق فی تأدیبه، فعلم أن للّه عبادا عندهم من العلم ما لیس عنده.

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۷۹]

أَمَّا السَّفِینَهُ فَکانَتْ لِمَساکِینَ یَعْمَلُونَ فِی الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِیبَها وَ کانَ وَراءَهُمْ مَلِکٌ یَأْخُذُ کُلَّ سَفِینَهٍ غَصْباً (۷۹)

من کلام خضر یعلم أدب الإضافه، فقال‏ «فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِیبَها» لذکره العیب و هو ما یذم، و قال فی الغلام (فأردنا أن یبدلهما) للاشتراک بین ما یحمد و یذم، و قال فی الجدار (فأراد ربک) لتخلیص المحمده فیه، فیکتسب الشی‏ء الواحد بالنسبه ذما، و بالإضافه إلى جهه أخرى حمدا و هو عینه، و تغیر الحکم بالنسبه.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۸۰]

وَ أَمَّا الْغُلامُ فَکانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَیْنِ فَخَشِینا أَنْ یُرْهِقَهُما طُغْیاناً وَ کُفْراً (۸۰)

و قد شهد اللّه للخضر بأنه رحیم، اقتلع رأس الغلام و قال: إنه طبع کافرا، فلو عاش أرهق أبویه طغیانا و کفرا، و انتظم الغلام فی سلک الکفار، فقتله الخضر رحمه به و بأبویه، أما الصبی حیث أخرجه من الدنیا على الفطره فسعد الغلام- و اللّه أعلم- و سعد أبواه.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۸۱]

فَأَرَدْنا أَنْ یُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَیْراً مِنْهُ زَکاهً وَ أَقْرَبَ رُحْماً (۸۱)

الضمیر فی قوله‏ «فَأَرَدْنا» یعود على الخضر و على اللّه، فیعود على اللّه تعالى بما کان فی ذلک القتل من الرحمه بالأبوین و بالغلام، و على الخضر بقتل نفس زکیه بغیر نفس، فظاهره جور، فشرک فی الضمیر بینه و بین اللّه.

 

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۸۲]

وَ أَمَّا الْجِدارُ فَکانَ لِغُلامَیْنِ یَتِیمَیْنِ فِی الْمَدِینَهِ وَ کانَ تَحْتَهُ کَنْزٌ لَهُما وَ کانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّکَ أَنْ یَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ یَسْتَخْرِجا کَنزَهُما رَحْمَهً مِنْ رَبِّکَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِی ذلِکَ تَأْوِیلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَیْهِ صَبْراً (۸۲)

إن وقع الجدار، ظهر کنز الأیتام الصغار، فتحکمت فیه ید الأغیار، و بقی الأیتام الصغار من الفقر فی ذله و صغار «وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِی»– الوجه الأول- یعنی جمیع ما فعله من الأعمال، و کل ما جرى منه، و جمیع ما قال من الأقوال فی العباره لموسى علیه السلام عن ذلک، یعنی أن الحق علمنی الأدب معه، لأنه کان على شرعه من ربه و منهاج، فکان الخضر فی حکمه على شرع رسول غیر موسى، فحکم بما حکم به مما یقتضیه شرع الرسول الذی اتبعه، و من شرع ذلک الرسول حکم الشخص بعلمه، فحکم بعلمه فی الغلام أنه کافر، فلم یکن حکم الخضر فیه من حیث إنه صاحب شرع منزل،

و إنما حکم فیه مثل حکم القاضی عندنا بشرع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم، فنبه الخضر موسى علیه السلام أنه ما فعل الذی فعل عن أمره، فإنه لیس له أمر، و ما هو من أهل الأمر عن طریق الملائکه المخصوصه بالرسل و الأنبیاء، و لو قال الخضر لموسى علیه السلام من أول ما صحبه: ما أفعل شیئا مما ترانی أفعله عن أمری ما أنکره علیه،

– الوجه الثانی- «وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِی» لو لا أن الخضر أمره اللّه أن یظهر لموسى علیه السلام بما ظهر، ما ظهر له بشی‏ء من ذلک، فإنه من الأمناء- الوجه الثالث- «وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِی» فعلم موسى علیه السلام أن فراق الخضر له کان عن أمر ربه، فما اعترض علیه فی فراقه- أدب الإضافه- کل ما ینسب إلى المخلوق من الأفعال فهو فیه نائب عن اللّه، فإن وقع محمودا نسب إلى اللّه لأجل المدح، فإن اللّه یحب أن یمدح، کذا ورد فی الصحیح عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم، و إن تعلق به ذم أو لحق به عیب لم ننسبه إلى اللّه، و کذلک فعل العالم العدل الأدیب، فکنّى عن نفسه فی إراده العیب فقال (فأردت أن أعیبها) و قال فی المحمود (فأراد ربک) فی حق الیتیمین، و قال فی موضع الحمد و الذم (فأردنا) بنون الجمع، لما فیه من تضمن الذم فی قتل الغلام بغیر نفس، و لما فیه من تضمن الحمد فی حق ما عصم اللّه بقتله أبویه، فقال (فأردنا) و ما أفرد و لا عیّن،هکذا حال الأدباء،

[إشاره: سفینتک مرکبک فاخرقه بالمجاهده]

فتعلمنا قصه الخضر مع موسى علیه السلام أدب الإضافه، فقد أضاف الخضر خرق السفینه إلیه، إذ جعل خرقها عیبا، و أضاف قتل الغلام إلیه، و إلى ربه لما فیه من الرحمه بأبویه، و ما ساءهما من ذلک أضاف إلیه، و أضاف إقامه الجدار إلى ربه لما فیه من الصلاح و الخیر، فقال تعالى عن عبده خضر فی خرق السفینه (فأردت أن أعیبها) تنزیها أن یضاف إلى الجناب العالی ما ظاهره ذم فی العرف و العاده، و قال فی إقامه الجدار لما جعل إقامته رحمه بالیتیمین لما یصیبانه من الخیر الذی هو الکنز (فأراد ربک) یخبر موسى علیه السلام (أن یبلغا أشدهما و یستخرجا کنزهما رحمه من ربک) و قال لموسى علیه السلام فی حق الغلام: إنه طبع کافرا، و الکفر صفه مذمومه، و أراد أن یخبره بأن اللّه یبدل أبویه خیرا منه زکاه و أقرب رحما، فأراد أن یضیف ما کان فی المسأله من العیب فی نظر موسى علیه السلام، حیث جعله نکرا من المنکر، و جعله نفسا زاکیه قتلت بغیر نفس،

قال (فأردنا أن یبدلهما ربهما) فأتى بنون الجمع، فإن فی قتله أمرین: أمر یؤدی إلى الخیر، و أمر إلى غیر ذلک فی نظر موسى و فی مستقر العاده، فما کان من خیر فی هذا الفعل فهو للّه من حیث ضمیر النون، فنون الجمع لها وجهان لما فیها من الجمع، وجه إلى الخیر به أضاف الأمر إلى اللّه، و وجه إلى العیب به أضاف العیب إلى نفسه، و جاء بهذه المسأله و الواقعه فی الوسط لا فی الطرف بین السفینه و الجدار، لیکون ما فیها من عیب من جهه السفینه، و ما فیها من خیر من جهه الجدار، فلو کانت مسأله الغلام فی الطرف ابتداء أو انتهاء لم تعط الحکمه أن یکون کل وجه مخلصا من غیر أن یشوبه شی‏ء من الخیر أو ضده، و بذلک یلی وجه العیب جهه السفینه، و یلی وجه الخیر جهه الجدار فاستقامت الحکمه- إشاره- سفینتک مرکبک فاخرقه بالمجاهده، و إن جعلتها النفس فاخرقها بالریاضات، و غلامک هواک فاقتله بسیف المخالفه، و جدارک عقلک، لا بل الأمر المعتاد فی العموم، فأقمه تستر به کنز المعارف الإلهیه عقلا و شرعا حتى إذا بلغ الکتاب أجله، و هو إذا بلغ عقلک و شرعک فیک أشدهما، و توخیا ما یکون به المنفعه فی حقهما استخرجا کنزهما، فإن الجدار لم یمل إلا عباده لیظهر ما تحته من کنوز المعارف، التی یستغنی بها العارف الواقف، فخلق اللّه الغیره فی صوره الخضر فأقامه من انحنائه، لما علم أن الأهلیه ما وجدت فی ذلک الوقت فی رب المال، فیقع التصرف فیه على غیر وجهه، (و لتعلمن نبأه بعد حین)فلو ظهر اتخذ عبثا و عاثت فیه الأیدی، فسبحان واضح الحکم و ناصب الآیات و مظهر جمال الدلالات.

 

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۸۳ الى ۸۶]

وَ یَسْئَلُونَکَ عَنْ ذِی الْقَرْنَیْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَیْکُمْ مِنْهُ ذِکْراً (۸۳) إِنَّا مَکَّنَّا لَهُ فِی الْأَرْضِ وَ آتَیْناهُ مِنْ کُلِّ شَیْ‏ءٍ سَبَباً (۸۴) فَأَتْبَعَ سَبَباً (۸۵) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِی عَیْنٍ حَمِئَهٍ وَ وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا یا ذَا الْقَرْنَیْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِیهِمْ حُسْناً (۸۶)

«یا ذَا الْقَرْنَیْنِ» أی یا مالک الصفتین، و هما بلوغه المشرق و المغرب.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۸۷ الى ۸۹]

قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ یُرَدُّ إِلى‏ رَبِّهِ فَیُعَذِّبُهُ عَذاباً نُکْراً (۸۷) وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى‏ وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا یُسْراً (۸۸) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (۸۹)

«ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً» أی اقفوا الأسباب.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۹۱ الى ۹۵]

کَذلِکَ وَ قَدْ أَحَطْنا بِما لَدَیْهِ خُبْراً (۹۱) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (۹۲) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَیْنَ السَّدَّیْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا یَکادُونَ یَفْقَهُونَ قَوْلاً (۹۳) قالُوا یا ذَا الْقَرْنَیْنِ إِنَّ یَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِی الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَکَ خَرْجاً عَلى‏ أَنْ تَجْعَلَ بَیْنَنا وَ بَیْنَهُمْ سَدًّا (۹۴) قالَ ما مَکَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیْرٌ فَأَعِینُونِی بِقُوَّهٍ أَجْعَلْ بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَهُمْ رَدْماً (۹۵)

 

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۹۶ الى ۹۸]

آتُونِی زُبَرَ الْحَدِیدِ حَتَّى إِذا ساوى‏ بَیْنَ الصَّدَفَیْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِی أُفْرِغْ عَلَیْهِ قِطْراً (۹۶) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ یَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (۹۷) قالَ هذا رَحْمَهٌ مِنْ رَبِّی فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّی جَعَلَهُ دَکَّاءَ وَ کانَ وَعْدُ رَبِّی حَقًّا (۹۸)

[یأجوج و مأجوج‏]

بعد أن یدرک عیسى ابن مریم علیه السلام الدجال بباب لد فیقتله، یلبث ما شاء اللّه، ثم یوحی اللّه إلیه أن أحرز عبادی إلى الطور، فإنی قد أنزلت عبادا لی لا ید لأحد بقتالهم، و یبعث اللّه یأجوج و مأجوج، و هم کما قال اللّه تعالى‏ (مِنْ کُلِّ حَدَبٍ یَنْسِلُونَ) فیمر أولهم ببحیره طبریه فیشربون ما فیها، ثم یمر بها آخرهم فیقولون: لقد کان بهذه مره ماء، ثم یسیرون إلى أن ینتهوا إلى جبل بیت المقدس، فیقولون: لقد قتلنا من فی الأرض فهلم فلنقتل من فی السماء، فیرمون بنشابهم إلى السماء فیرد اللّه علیهم نشابهم محمرا دما، و یحاصر عیسى ابن مریم و أصحابه، حتى یکون رأس الثور یومئذ خیرا لهم من مائه دینار لأحدکم الیوم، (یعنی الصحابه) فیرغب عیسى ابن مریم إلى اللّه و أصحابه، فیرسل اللّه علیهم النغف فی رقابهم، فیصبحون فرسى موتى کموت نفس واحده، و یهبط عیسى ابن مریم و أصحابه، فلا یجد موضع شبر إلا و قد ملأته زهمتهم و نتنهم و دماؤهم، فیرغب عیسى إلى اللّه و أصحابه، فیرسل اللّه علیهم طیرا کأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم بالمهبل، و یستوقد المسلمون من قسیهم و نشابهم و جعابهم سبع سنین، و یرسل اللّه علیهم مطرا لا یکن منه بیت و لا وبر و لا مدر، فیغسل الأرض و یترکها کالزلفه.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۹۹ الى ۱۰۲]

وَ تَرَکْنا بَعْضَهُمْ یَوْمَئِذٍ یَمُوجُ فِی بَعْضٍ وَ نُفِخَ فِی الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (۹۹) وَ عَرَضْنا جَهَنَّمَ یَوْمَئِذٍ لِلْکافِرِینَ عَرْضاً (۱۰۰) الَّذِینَ کانَتْ أَعْیُنُهُمْ فِی غِطاءٍ عَنْ ذِکْرِی وَ کانُوا لا یَسْتَطِیعُونَ سَمْعاً (۱۰۱) أَ فَحَسِبَ الَّذِینَ کَفَرُوا أَنْ یَتَّخِذُوا عِبادِی مِنْ دُونِی أَوْلِیاءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْکافِرِینَ نُزُلاً (۱۰۲)

 

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۱۰۳ الى ۱۰۴]

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُکُمْ بِالْأَخْسَرِینَ أَعْمالاً (۱۰۳) الَّذِینَ ضَلَّ سَعْیُهُمْ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ هُمْ یَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ یُحْسِنُونَ صُنْعاً (۱۰۴)

و ما أحسنوا صنعا فإنهم ما کانوا على علم، بل ظنوا و حدسوا، فهم الدجاجله و أصحاب الخیالات الفاسده.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۱۰۵]

أُولئِکَ الَّذِینَ کَفَرُوا بِآیاتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِیمُ لَهُمْ یَوْمَ الْقِیامَهِ وَزْناً (۱۰۵)

المشرکون لا قدر لهم و لا یوزن لهم عمل، و لا من هو من أمثالهم، ممن کذب بلقاء اللّه و کفر بآیاته، فإن أعمال خیر المشرک محبوطه، فلا یکون لشرهم ما یوازنه، فقال تعالى‏ «فَلا نُقِیمُ لَهُمْ یَوْمَ الْقِیامَهِ وَزْناً» کما أنهم لم یقیموا للحق هنا وزنا، فعادت علیهم صفتهم، فما عذبهم بغیرهم، فاللّه عزّ و جل لا یقیم للمجرمین یوم القیامه وزنا و لا یعبأ اللّه بهم، من قبورهم إلى جهنم.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۱۰۶ الى ۱۰۷]

ذلِکَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما کَفَرُوا وَ اتَّخَذُوا آیاتِی وَ رُسُلِی هُزُواً (۱۰۶) إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ کانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (۱۰۷)

الجنات کلها منازل حسیه لا معنویه، و لیست المنزله المعنویه لکل شخص إلا ما فی نفس اللّه تعالى.

[سوره الکهف (۱۸): الآیات ۱۰۸ الى ۱۰۹]

خالِدِینَ فِیها لا یَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (۱۰۸) قُلْ لَوْ کانَ الْبَحْرُ مِداداً لِکَلِماتِ رَبِّی لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ کَلِماتُ رَبِّی وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (۱۰۹)

[ «قُلْ لَوْ کانَ الْبَحْرُ مِداداً لِکَلِماتِ رَبِّی …»]

و ذلک لعدم التناهی، فإنه یستحیل أن ینقطع خبر اللّه و إخباره من العالم، إذ لو انقطع‏

 

[شرف العالم بعضه على بعض بالمراتب‏]

لم یبق للعالم غذاء یتغذى به فی بقاء وجوده، و أعیان الموجودات کلها کلمات الحق، و هی لا تنفد، فمخلوقاته لا تزال توجد، و لا یزال خالقا، و لو لا الضیق و الحرج ما کان للنفس الرحمانی حکم، فإن التنفیس هو إزاله عین الحرج و الضیق، و العدم نفس الحرج و الضیق، فإنه یمکن أن یوجد هذا المعدوم، فإذا علم الممکن إمکانه و هو فی حاله العدم کان فی کرب الشوق إلى الوجود الذی تعطیه حقیقیته، لیأخذ نصیبه من الخیر، فنفّس الرحمن بنفسه هذا الحرج فأوجده، فکان تنفیسه عنه إزاله حکم العدم فیه، و کل موجود سوى اللّه فهو ممکن، فله هذه الصفه، فنفس الرحمن هو المعطی صور الممکنات الوجود، کما أعطى النفس الحروف، فالعالم کلمات اللّه من حیث هذا النفس، کما قال تعالى: (وَ کَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْیَمَ) و لیست غیر عیسى علیه السلام، لم یلق إلیها غیر ذلک.

[سوره الکهف (۱۸): آیه ۱۱۰]

قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ یُوحى‏ إِلَیَّ أَنَّما إِلهُکُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ کانَ یَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْیَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَ لا یُشْرِکْ بِعِبادَهِ رَبِّهِ أَحَداً (۱۱۰)

ما تمیز العالم إلا بالمراتب، و ما شرف بعضه على بعضه إلا بها، و من علم أن الشرف للرتب لا لعینه لم یغالط نفسه فی أنه أشرف من غیره، و إن کان یقول إن هذه الرتبه أشرف من هذه الرتبه، و لما کانت الخلافه ربوبیه فی الظاهر لأنه یظهر بحکم الملک، فیتصرف فی الملک بصفات سیده ظاهرا، و إن کانت عبودیته له مشهوده فی باطنه، فلم تعم عبودیته عند رعیته الذین هم أتباعه، و ظهر ملکه بهم و باتباعهم و الأخذ عنه، فکان فی مجاورتهم بالظاهر أقرب، و بذلک المقدار یستتر من عبودیته، لذلک کثیرا ما ینزل فی الوحی على الأنبیاء «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ» فکانت هذه الآیه دواء لهذه العله، و بهذا المقدار کانت أحوال الأنبیاء و الرسل فی الدنیا البکاء و النوح، فإنه موضع تتقى فتنته، فقال الکامل صلّى اللّه علیه و سلم:

«إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ» عن أمر اللّه، قیل له: قل، فقال، و بهذا علمنا أنه عن أمر اللّه، لأنه نقل الأمر إلینا کما نقل المأمور، و کان هذا القول دواء للمرض الذی قام بمن عبد عیسى علیه السلام من أمته، و کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم یقول لنا کثیرا فی هذا المقام فی حق نفسه و تعلیما لنا «إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ» فلم یر لنفسه فضلا علینا، أی حکم البشریه فیّ حکمها فیکم،

 

[إشاره: لم أمر الحق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم أن یقول‏ «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ»]

فکان ذلک من التأدیب الإلهی الذی أدب اللّه تعالى به نبیه علیه السلام فیما أوحى به إلیه، فقال صلّى اللّه علیه و سلم: [إنما أنا بشر أغضب کما یغضب البشر] یعنی لنفسه و لحق غیره، [و أرضى کما یرضى البشر] یعنی لنفسه و لغیره، و یعنی أن أغضب علیهم و أرضى لنفسی [اللهم من دعوت علیه فاجعل دعائی علیه رحمه له و رضوانا] ثم ذکر المرتبه و هو قوله‏ «یُوحى‏ إِلَیَّ» و لما کان صلّى اللّه علیه و سلم لم تؤثر فیه المراتب إذا نالها، قال و هو فی المرتبه العلیا [أنا سید الناس‏] و فی روایه [أنا سید ولد آدم یوم القیامه و لا فخر] فنفى أن یقصد بذلک الفخر، لأنه ذکر الرتبه التی لها الفخر الذی هو صلّى اللّه علیه و سلم مترجم عنها و ناطق بلسانها، فذکر رتبه الشفاعه و المقام المحمود، فالفخر للرتبه و لا فخر بالذات إلا للّه وحده، فلم تحکم فیه المرتبه،

و قال فی کل وقت و هو فی مرتبه الرساله و الخلافه «إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ»، فلم تحجبه المرتبه عن معرفه نشأته، و سبب ذلک أنه رأى لطیفته ناظره إلى مرکبها العنصری و هو متبدد فیها، فشاهد ذاته العنصریه، فعلم أنها تحت قوه الأفلاک العلویه، و رأى المشارکه بینها و بین سائر الخلق الإنسانی و الحیوانی و النبات و المعادن، فلم یر لنفسه من حیث نشأته العنصریه فضلا على کل من تولد منها، و أنه مثل لهم و هم أمثال له، فقال: «إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ» ثم رأى افتقاره إلى ما تقوم به نشأته من الغذاء الطبیعی کسائر المخلوقات الطبیعیه، فعرف نفسه فقال:

[یا أبا بکر ما أخرجک، قال: الجوع، قال: و أنا أخرجنی الجوع‏] فکشف عن حجرین قد وضعهما على بطنه یشد بهما أمعاءه- إشاره- کان علیه السلام نائب الحق، فهو وجهه فی العالم، فکان الحق یقول له: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ» أی استتر بعبودیتک، و لا تظهر مکانتک عندی. و اعلم أن جمیع ما سوى اللّه یمکن حصرهم فی الأجناس الآتیه، و هم الملک و الفلک و الکوکب و الطبیعه و العنصر و المعدن و النبات و الحیوان و الإنسان، و ما من صنف ذکرناه من هؤلاء الأصناف إلا و قد عبد منهم أشخاص، فمنهم من عبد الملائکه، و منهم من عبد الکواکب، و منهم من عبد الأفلاک، و منهم من عبد العناصر، و منهم من عبد الأحجار، و منهم من عبد الأشجار، و منهم من عبد الحیوان، و منهم من عبد الجن و الإنس، فالمخلص فی العباده التی هی ذاتیه له أن لا یقصد إلا من أوجده و خلقه، و هو اللّه تعالى، فتخلص له هذه العباده و لا یعامل بها أحدا ممن ذکرناه، أی لا یراه فی شی‏ء فیذل له،

و اعلم أنه ما من شی‏ء فی الکون إلا و فیه ضرر و نفع، فاستجلب بهذه الصفه الإلهیه نفوس المحتاجین إلیه لافتقارهم إلى المنفعه و دفع المضار، فأداهم ذلک إلى عباده الأشیاء و إن لم یشعروا، و لما علم اللّه ما أودعه فی خلقه، و ما جعل فی الثقلین من الحاجه إلى ما أودع اللّه فی الموجودات و فی الناس بعضهم إلى بعض قال: «فَمَنْ کانَ یَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ» فذکر لقاء اللّه لیدل على حاله الرضى من غیر احتمال، کما ذکره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم و ذلک فی الجنه، فإنها دار الرضوان، فما کل من لقی اللّه سعید «فَلْیَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً» أی لا یشوبه فساد، و الصالح الذی لا یدخله خلل، فإن ظهر فیه خلل فلیس بصالح، و لیس الخلل فی العمل و عدم الصلاح فیه إلا الشرک، فقال: «وَ لا یُشْرِکْ بِعِبادَهِ رَبِّهِ أَحَداً» أی لا یذل إلا اللّه لا لغیره، لأنه إذا لم یر شیئا سوى اللّه و أنه الواضع أسباب المضار و المنافع، لجأ إلى اللّه فی دفع ما یضره و نیل ما ینفعه من غیر تعیین سبب، و نکر «أَحَداً» فدخل تحته کل شی‏ء له أحدیه، و عم کل ما ینطلق علیه اسم أحد، و هو کل شی‏ء فی عالم الخلق و الأمر، و عم الشرک الأصغر، و هو الشرک الذی فی العموم، و هو الربوبیه المستوره المنتهکه، فی مثل فعلت و صنعت و فعل فلان و لو لا فلان، فهذا هو الشرک المغفور،

فإنک إذا راجعت أصحاب هذا القول فیه رجعوا إلى اللّه تعالى، و الشرک الذی فی الخصوص، فهم الذین یجعلون مع اللّه إلها آخر، و هو الظلم العظیم، قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم: [إن اللّه إذا کان یوم القیامه ینزل إلى العباد لیقضی بینهم و کل أمه جاثیه، فأول من یدعى به رجل جمع القرآن و رجل قتل فی سبیل اللّه و رجل کثیر المال، فیقول اللّه للقارئ: أ لم أعلمک ما أنزلته على رسولی؟ قال: بلى یا رب، قال: فما ذا عملت فیما علمت؟ قال: کنت أقوم به آناء اللیل و آناء النهار، فیقول اللّه له: کذبت، و تقول الملائکه له: کذبت، و یقول اللّه: إنما قرأت لیقال فلان قارئ فقد قیل ذلک، و یؤتى بصاحب المال فیقول اللّه له: أ لم أوسع علیک حتى لم أدعک تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى یا رب، قال: فما ذا عملت فیما آتیتک؟ قال: کنت أصل الرحم و أتصدق، فیقول اللّه له: کذبت، و تقول له الملائکه: کذبت، و یقول اللّه له: بل أردت أن یقال فلان جواد فقیل ذلک، و یؤتى بالذی قتل فی سبیل اللّه فیقول اللّه: فیما ذا قتلت؟

فیقول: أمرت بالجهاد فی سبیلک فقاتلت حتى قتلت، فیقول اللّه له: کذبت، و تقول له الملائکه: کذبت، و یقول اللّه له: بل أردت أن یقال فلان جری‏ء فقد قیل ذلک، ثم ضرب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم على رکبه أبی هریره و قال یا أبا هریره أولئک الثلاثه أول من یسعربهم النار یوم القیامه] فکان أبو هریره إذا حدث بهذا الحدیث یغشى علیه، یقول اللّه تعالى: «فَمَنْ کانَ یَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْیَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا یُشْرِکْ بِعِبادَهِ رَبِّهِ أَحَداً» و جاء فی الحدیث الغریب الصحیح [من عمل عملا أشرک فیه غیری فأنا منه بری‏ء و هو للذی أشرک‏] فنکر تعالى العمل و ما خص عملا من عمل، و الضمیر فی فیه یعود على العمل، و الضمیر فی منه یعود على الغیر الذی هو الشریک، و ضمیر هو یعود على المشرک- تحقیق إخلاص العمل للّه من الشرک‏

[- الإخلاص فی العمل‏]

– الإخلاص فی العمل هو أن تقف کشفا على أن العامل ذلک العمل هو اللّه، کما هو فی نفس الأمر، أی عمل کان ذلک العمل، مذموما أو محمودا أو ما کان، فذلک حکم اللّه تعالى فیه ما هو عین العمل، لذلک فإن اللّه لا یتبرأ من العمل فإنه العامل بلا شک، فإخلاص العمل للّه هو نصیب اللّه من العمل، لأن الصوره الظاهره فی العمل إنما هی فی الشخص الذی أظهر اللّه فیه عمله، فیلتبس الأمر للصوره الظاهره، و الصوره الظاهره لا تشک أن العمل بالشهود ظاهر منها، فهی إضافه صحیحه، فإن البصر لا یقع إلا على آله و هی مصرّفه لأمر آخر، لا یقع الحس الظاهر علیه، بدلیل الموت و وجود الآله و سلب العمل، فإذن الآله ما هی العامل، و الحس ما أدرک إلا الآله، فکما علم الحاکم أن وراء المحسوس أمرا هو العامل بهذه الآله و المصرف لها، المعبر عنه عند علماء النظر العقلی بالنفس العامله الناطقه و الحیوانیه، فقد انتقلوا إلى معنى لیس هو من مدرکات الحس، فکذلک إدراک أهل الکشف و الشهود- فی الجمع و الوجود- فی النفس الناطقه ما أدرک أهل النظر فی الآله المحسوسه سواء، فعرفوا أن ما وراء النفس الناطقه هو العامل، و هو مسمى اللّه، فالنفس فی هذا العمل کالآله المحسوسه سواء، و متى لم یدرک هذا الإدراک فلا یتصف عندنا بأنه أخلص فی عمله جمله واحده، مع ثبوت الآلات و تصرفها لظهور صوره العمل من العامل، فالعالم کله آلات الحق فیما یصدر عنه من الأفعال، قال صلّى اللّه علیه و سلم فیما صح عنه: [أ تدرون ما حق اللّه على العباد، قالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: إن حق اللّه على العباد أن یعبدوه و لا یشرکوا به شیئا، ثم قال: أ تدرون ما حقهم علیه إذا فعلوا ذلک، أن یدخلهم الجنه] فنکر صلّى اللّه علیه و سلم بقوله شیئا لیدخل فیه جمیع الأشیاء، و هو قوله تعالى‏ «فَمَنْ کانَ یَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْیَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا یُشْرِکْ بِعِبادَهِ رَبِّهِ أَحَداً»– وجه آخر فی تفسیر قوله تعالى فی هذه الآیه،

کأنه تعالى یقول: إن الحق لا یعبد من حیث أحدیته، لأن الأحدیه تنافی وجود العابد، فکأنه یقول: لا یعبد إلا الرب من حیث ربوبیته، فإن الرب أوجدک، فتعلق به و تذلل له و لا تشرک الأحدیه مع الربوبیه فی العباده، فتتذلل لها کما تتذلل للربوبیه، فإن الأحدیه لا تعرفک و لا تقبلک، فیکون تعبد فی غیر معبد، و تطمع فی غیر مطمع، و تعمل فی غیر معمل، و هی عباده الجاهل، فنفى عباده العابدین من التعلق بالأحدیه، فإن الأحدیه لا تثبت إلا للّه مطلقا، و إنما ما سوى اللّه فلا أحدیه له مطلقا، فهذا هو المفهوم من هذه الآیه عندنا من حیث طریقنا فی تفسیر القرآن، و یأخذ أهل الرسوم فی ذلک قسطهم أیضا تفسیرا للمعنى، فیحملون الأحد المذکور على ما اتخذوه من الشرکاء، و هو تفسیر صحیح أیضا، فالقرآن هو البحر الذی لا ساحل له، إذ کان المنسوب إلیه یقصد به جمیع ما یطلبه الکلام من المعانی بخلاف کلام المخلوقین.

رحمه من الرحمن فى تفسیر و اشارات القرآن، ج‏۳، ص: ۳۸

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *