تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة التوبة آیه61-129
[سورة التوبة (9): الآيات 61 الى 67]
وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (64) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65)
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (67)
[ «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ»]
«نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ»– الوجه الأول- النسيان: نعت إلهي فنسيهم كما يليق بجلاله.
– الوجه الثاني- «نَسُوا اللَّهَ»: أي أخروا أمر اللّه فلم يعملوا به «فَنَسِيَهُمْ» فأخرهم اللّه في النار حين أخرج منها من أدخله فيها من غيرهم- الوجه الثالث- «فَنَسِيَهُمْ» أي أنه تعالى لما عذبهم عذاب الأبد، و لم تنلهم رحمته تعالى صاروا كأنهم منسيون، عنده، و هو كأنه ناس لهم، أي هذا فعل الناسي، و من لا يتذكر ما هم فيه من أليم العذاب، و ذلك لأنهم في حياتهم الدنيا نسوا اللّه، فجازاهم بفعلهم ففعلهم أعاده عليهم للمناسبة.- الوجه الرابع- من باب الإشارة لا التفسير- «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» أي تركوا حق اللّه، فترك اللّه الحق الذي يستحقونه، فلم يؤاخذهم و لا آخذهم أخذ الأبد، فغفر لهم و رحمهم، و هذا يخالف ما فهمه علماء الرسوم، لأن الناسي هنا إذا لم ينس إلا حق اللّه الذي أمره اللّه بإتيانه شرعا فقد نسي اللّه، فإنه ما شرعه إلا اللّه فترك حق اللّه، فأظهر اللّه كرمه فيه، فترك حقه و لم يكن حق مثل هذا إلا ما يستحقه و هو العقاب، فعفا عنه تركا بترك، مقولا بلفظ النسيان، فأفضل اللّه عليهم منة منه ابتداء، أ لا ترى اللّه يقول في تمام هذه الآية: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» و لم يقل إنهم هم الفاسقون فقوله تعالى: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» ابتداء كلام آخر ما فيه ضمير يعود على هؤلاء المذكورين، و كل منافق فاسق، لأنه خارج من كل باب، فيخرج للمؤمنين بصورة ما هم عليه، و يخرج للكافرين بصورة ما هم عليه.
[سورة التوبة (9): الآيات 68 الى 69]
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوالاً وَ أَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (69)
قال تعالى فيمن يموت و هو كافر «حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ».
[سورة التوبة (9): الآيات 70 الى 72]
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ قَوْمِ إِبْراهِيمَ وَ أَصْحابِ مَدْيَنَ وَ الْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)
جنة عدن أشرف الجنان لأنها قصب الجنة، و القصبة حيث تكون دار الملك، و هي دار تورث من قصدها الإمداد و الفتح في العلم الإلهي، الذي يعطي المشاهدة، فإن بها كثيب المسك الأبيض، و هو موطن الزور الأعظم، و الرؤية العامة، و الكثيب أشرف مكان في جنة عدن التي خلقها اللّه تعالى بيده، دون سائر الجنات، و جعلها له كالقلعة للملك، و جعل فيها الكثيب الأبيض من المسك، التي يتجلى فيها الرب لعباده عند الرؤية، كالمسك بفتح الميم من الحيوان و هو الجلد و هو الغشاء الظاهر للأبصار من الحيوان، و أدار الحق تعالى بجنة عدن سائر الجنات، و بين كل جنة و جنة سور يميزها عن صاحبتها، و سمى كل جنة باسم معناه سار في كل جنة، و إن اختصت هي بذلك الاسم فإن ذلك الاسم الذي اختصت به أمكن ما هي عليه من معناه و أفضله، و الجنات هي جنة عدن، و جنة الفردوس، و جنة النعيم، و جنة المأوى، و جنة الخلد، و جنة السلام، و جنة المقامة و الوسيلة، و هي أعلى جنة في الجنات، فإنها في كل جنة من جنة عدن، إلى آخر جنة فلها في كل جنة صورة، و هي مخصوصة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم وحده، نالها بدعاء أمته حكمة من اللّه، حيث نال الناس السعادة ببركة بعثته و دعائه إياهم إلى اللّه، و تبيينه ما نزّل اللّه إلى الناس من أحكامه جزاء وفاقا، و جعل في كل جنة مائة درجة بعدد الأسماء الحسنى، و الاسم الأعظم المسكوت عنه لوترية الأسماء، و هو الاسم الذي يتميز به الحق عن العالم هو الناظر إلى درجة الوسيلة خاصة، و له في كل جنة حكم، كما له حكم اسم إلهي.
و منازل الجنة على عدد آي القرآن، ما بلغ إلينا منه نلنا تلك المنزلة بالقراءة، و ما لم يبلغ إلينا نلناه بالاختصاص في جنات الاختصاص، كما نلنا بالميراث جنات أهل النار الذين هم أهلها، و أبواب الجنة ثمانية على عدد أعضاء التكليف، و هي العين و الأذن و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و القلب، و قد يقوم الإنسان في زمن واحد بأعمال هذه الأعضاء كلها، فيدخل من أبواب الجنة الثمانية، في حال دخوله من كل باب منها، فإن نشأة الآخرة تشبه البرزخ، و باطن الإنسان من حيث ما هو ذو خيال، و أمّا خوخات الجنة فتسع و سبعون خوخة، و هي شعب الإيمان بضع و سبعون شعبة، و لكل شعبة من الإيمان، طريق إلى الجنة «وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ». راجع سورة 75 آية 23 حديث أبي بكر النقاش.
[سورة التوبة (9): آية 73]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (73)
و ذلك لإظهار عزة الإيمان بعز المؤمن، ثبت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال في غزوة و قد تراءى الجمعان: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأخذه أبو دجانة، فمشى به بين الصفين خيلاء، مظهرا الإعجاب و التبختر، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: هذه مشية يبغضها اللّه و رسوله، إلا في هذا الموطن، و ما أظهر صلّى اللّه عليه و سلم غلظة على أحد إلا عن أمر إلهي حين قيل له: «جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ» فأمر به لما لم يقتض طبعه ذلك، و إن كان بشرا يغضب كما يغضب البشر، و يرضى لنفسه، فقد قدم ذلك دواء نافعا يكون في ذلك الغضب رحمة من حيث لا يشعر بها في حال الغضب، فكان يدل بغضبه مثل دالته برضاه.
[سورة التوبة (9): الآيات 74 الى 75]
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَ ما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (74) وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)
و هو قول ثعلبة بن حاطب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و ما أخبر اللّه تعالى عنه أنه قال إن شاء اللّه، فلو قال: إن شاء اللّه لفعل، ثم، قال تعالى في حقه:
[سورة التوبة (9): آية 76]
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (76)
نزلت في حق ثعلبة لما فرض اللّه الزكاة جاءه مصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يطلب منه زكاة غنمه، فاشتد عليه ذلك بعد ما كان عاهد اللّه كما أخبر اللّه، في قوله: «وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ» الآية فلما رزقه اللّه مالا، و فرض اللّه الصدقة عليه قال ما أخبر اللّه به عنه، و قوله تعالى: «بَخِلُوا بِهِ» هي صفة النفس التي جبلت عليه، فقال: هذه أخية الجزية و امتنع و لم يقبل حكم اللّه، فأطلق عليهم صفة البخل لمنعهم ما أوجب اللّه عليهم في أموالهم، و أخبر اللّه فيه بما قال.
[سورة التوبة (9): آية 77]
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (77)
فلما بلغه ما أنزل اللّه فيه جاء بزكاته إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فامتنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن يأخذها منه و لم يقبل صدقته إلى أن مات صلّى اللّه عليه و سلم، و سبب امتناعه صلّى اللّه عليه و سلم من قبول صدقته أن اللّه أخبر عنه أنه يلقاه منافقا، و الصدقة إذا أخذها النبي صلّى اللّه عليه و سلم طهره بها و زكاه، و صلى عليه كما أمره اللّه و أخبر اللّه أن صلاته سكن للمتصدق، يسكن إليها، و هذه صفات تناقض النفاق و ما يجده المنافق عند اللّه، فلم يتمكن لهذه الشروط أن يأخذ منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الصدقة لما جاءه بها بعد قوله، و امتنع أيضا بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن أخذها منه أبو بكر و عمر، لما جاء بها إليهما في زمان خلافتهما،
[اخذ عثمان الزكاة من ثعلبة]
فلما ولي عثمان بن عفان الخلافة جاء بها فأخذها منه، متأولا أنها حق الأصناف الذين أوجب اللّه لهم هذا القدر في عين هذا المال، و هذا الفعل من عثمان من جملة ما انتقد عليه، و ينبغي أن لا ينتقد على المجتهد حكم ما أداه إليه اجتهاده، فإن الشرع قد قرر حكم المجتهد، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما نهى أحدا من أمرائه أن يأخذ من هذا الشخص صدقته، و قد ورد الأمر الإلهي بإيتاء الزكاة، و حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في مثل هذا قد يفارق حكم غيره، فإنه قد يختص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بأمور لا تكون لغيره لخصوص وصف، إما تقتضيه النبوة مطلقا أو نبوته صلّى اللّه عليه و سلم، فإن اللّه قال لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم في أخذ الصدقة «تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها» و ما قال: «يتطهرون» و لا «يتزكون بها» فقد يكون هذا من خصوص وصفه، و هو رؤف رحيم بأمته، فلو لا ما علم أن أخذه يطهره و يزكيه بها و قد أخبره اللّه أن ثعلبة بن حاطب يلقاه منافقا، فامتنع أدبا مع اللّه، فمن شاء وقف لوقوفه صلّى اللّه عليه و سلم كأبي بكر و عمر، و من شاء لم يقف كعثمان لأمر اللّه بها العام، و ما يلزم غير النبي صلّى اللّه عليه و سلم أن يطهر و يزكي مؤدي الزكاة بها، و الخليفة فيها إنما هو وكيل من عينت له هذه الزكاة أعني الأصناف الذين يستحقونها، إذ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما نهى أحدا و لا أمره فيما توقف فيه و اجتنبه، فساغ الاجتهاد و راعى كل مجتهد الدليل الذي أداه إليه اجتهاده، فمن خطأ مجتهدا فما وفاه حقه، و إن المخطئ و المصيب منهم واحد لا بعينه.
[سورة التوبة (9): آية 78]
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78)
اعلم أن العلم بالأمر لا يتضمن شهوده فدل أن نسبة رؤيتك الأشياء غير نسبة علمك بها، فالنسبة العلمية تتعلق بالشهادة و الغيب، فكل مشهود معلوم ما شهد منه، و ما كل معلوم مشهود، و ما ورد في الشرع قط أن اللّه يشهد الغيوب، و إنما ورد يعلم الغيوب، و لهذا وصف نفسه بالرؤية فقال: (أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) و وصف نفسه بالبصر و بالعلم،ففرق بين النسب و ميز بعضها عن بعض ليعلم ما بينها، فالغيب أمر إضافي لما غاب عنا، و ما يلزم من شهود الشيء العلم بحده و حقيقته، و يلزم من العلم بالشيء العلم بحده و حقيقته، عدما كان أو وجودا، و الأشياء كلها مشهودة للحق في حال عدمها، و لو لم تكن كذلك لما خصص بعضها بالإيجاد عن بعض، فما هي معدومة للّه الحق من حيث علمه بها.
[سورة التوبة (9): الآيات 79 الى 80]
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (80)
من رحمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم التي أرسل بها أنه قال عند نزول هذه الآية: لأزيدنّ على السبعين أو قال لو علمت أن اللّه يغفر لهم لزدت على السبعين.
[سورة التوبة (9): الآيات 79 الى 80]
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (80)
من رحمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم التي أرسل بها أنه قال عند نزول هذه الآية: لأزيدنّ على السبعين أو قال لو علمت أن اللّه يغفر لهم لزدت على السبعين.
[سورة التوبة (9): الآيات 81 الى 86]
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (83) وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ (84) وَ لا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ (85)
وَ إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَ جاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَ قالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (86)
السورة بالسين هي المنزلة، و سور القرآن منازله، و كما أن لكل سورة آيات كذلك لكل منزلة.
[سورة التوبة (9): الآيات 87 الى 88]
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87) لكِنِ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88)
الخيرات: جمع خيرة و هي الفاضلة من كل شيء، و الفضل يقتضي الزيادة.
[سورة التوبة (9): الآيات 89 الى 91]
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَ قَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)
هذه الآية نص على أن القتال فرض على الأصحاء الذي يجدون ما ينفقون، فالصحة شرط من شروط الجهاد.- إشارة- من وقف مع إلحاق المتمني بالمتصدق الغني، عرف الأمر، فلم يطلب الكثر، فالاستكثار من المال هو الداء العضال، و يبلغ المتمني بتمنيه مبلغ صاحب المال فيما يفعل فيه من الخير من غير كد و لا نصب و لا سؤال و لا حساب، و هم في الأجر على السواء مع ما يزيد عليه من أجر الفقر و الحسرة، و أنّ اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا، و تمنيه من عمله.
[سورة التوبة (9): الآيات 92 الى 93]
وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93)
الطبع النقش الذي يكون في الختم، و الختم هو القفل.
[سورة التوبة (9): الآيات 94 الى 100]
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَ سَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (96) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)
وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)
[الرضا]
اختار الحق من الأحوال الرضى فإنه آخر ما يكون من الحق لأهل السعادة من البشرى، فلا بشرى بعدها، فإنها بشرى تصحب الأبد، كما ورد في الخبر، و هي بشرى بعد رجوع الناس من الرؤية، بل هي من اللّه لهم في الكثيب عند الرؤية في الزور الأعظم، و جناب اللّه أوسع من أن أرضى منه باليسير، فإن متعلق الرضى اليسير و لكن أرضى عنه لا منه، لأن الرضى منه يقطع همم الرجال، فإن اللّه لا يعظم عليه شيء طلب منه، فإن المطلوب منه لا يتناهى، فليس له طرف نقف عنده، فوسّع في طلب المزيد إن كنت من العلماء باللّه، و إذا كان اتساع الممكنات لا يقبل التناهي، فما ظنك بالاتساع الإلهي فيما يجب له؟ فالرضى عنه لا منه، لأن الرضى منه جهل به، و نقص، و يكون الرضى بقضاء اللّه، لا بكل مقضي، فإنه لا ينبغي الرضى بكل مقضي.
[سورة التوبة (9): الآيات 101 الى 102]
وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (101) وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)
اعلم أن الشرط المصحح لقبول جميع الفرائض فرض الإيمان، فما من مؤمن يرتكب معصية ظاهرة أو باطنة إلا و له فيها قربة إلى اللّه، من حيث إيمانه بها بأنها معصية، فلا يخلص لمؤمن عمل سيئ دون أن يخالطه عمل صالح، و لا تخلص له معصية غير مشوبة بطاعة أصلا، و هي طاعة الإيمان بكونها معصية، فيؤجر على الإيمان بها أنها معصية، فهو في مخالفته طائع عاص،
[ «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً»]
قال تعالى: «وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً» فهذا معنى المخالطة فالعمل الصالح هنا الإيمان بالعمل الآخر السيّئ أنه سيّئ. و اعلم أنه من المحال أن يأتي مؤمن بمعصية توعد اللّه عليها فيفزع منها، إلا و يجد في نفسه الندم على ما وقع منه، و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم، الندم توبة، و قد قام به الندم فهو تائب فسقط حكم الوعيد، على عكس قول المعتزلي القائل بإنفاذ الوعيد فيمن مات عن غير توبة، لحصول الندم فإنه لا بد للمؤمن أن يكره المخالفة و لا يرضى بها، و هو في حال عمله إياها، فهو من كونه كارها لها مؤمن بأنها معصية ذو عمل صالح، و هو من كونه فاعلا لها ذو عمل سيّئ، فغايته أن يكون من الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا فقال تعالى عقيب هذا القول: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» و هو سبحانه يعلم ما يجريه في عباده و مع هذا جاء بلفظ الترجي، و قال العلماء:
إن عسى من اللّه واجبة فإنه لا مانع له و التوبة الرجوع فمعناه أن يرجع عليهم بالرحمة و بالمغفرة، و تبديل السيئات و القبول، فيغفر لهم تلك المعصية بالإيمان الذي خلطها به، فإنه وقع الترجي للعبد من اللّه في القبول، و يرزقهم الندم عليها، و الندم توبة، فإذا ندموا حصلت توبة اللّه عليهم، فالمؤمن هنا ذو عمل صالح من ثلاثة أوجه، الإيمان بكونها معصية، و كراهته لوقوعها منه، و الندم عليها، و هو ذو عمل سيّئ من وجه واحد، و هو ارتكابه إياها، و مع هذا الندم فإن الرهبة تحكم عليه، سواء كان عالما بما قلناه أو غير عالم، فإنه يخاف وقوع مكروه آخر منه، و لو مات على تلك الرهبة فإن الرهبة لا تفارقه، و ينتقل تعلقها من نفوذ الوعيد إلى العتاب الإلهي و التقرير عند السؤال على ما وقع منه.
و اعلم أن متعلق عسى هنا رجوعه عليهم بالرحمة، لا رجوعهم إليه، فإنه ما ذكر لهم توبة، و ما ذكر لهم قربة، فما تاب هنا في هذه الآية عليهم ليتوبوا كما قال في موضع آخر: «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا» و إنما هو رجوع بالعفو و التجاوز، فجاء هنا بحكم آخر ما فيه ذكر توبتهم، بل فيه توبة اللّه تعالى عليهم فإنه تعالى تمم الآية بقوله: «إن الله غفور رحيم».
فمن هذه الآية نعلم أن الإيمان أصل، و العمل فرع لهذا الأصل بلا شك، و لهذا لا يخلص للمؤمن معصية أصلا من غير أن يخالطها طاعة، فالمخلط هو المؤمن العاصي، فإن المؤمن إذا عصى في أمر ما، فهو مؤمن بأن ذلك معصية، و الإيمان واجب فقد أدى واجبا، فالمؤمن مأجور في عين عصيانه و الإيمان أقوى.
[سورة التوبة (9): آية 103]
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)
سمي المال مالا لأنه يميل بالنفوس إليه، و إنما مالت النفوس إليه لما جعل اللّه عنده من قضاء الحاجات به، و جبل الإنسان على الحاجة، لأنه فقير بالذات، فمال إليه بالطبع الذي لا ينفك عنه، فقال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ» أي: المال الذي في أموالهم مما ليس لهم، بل هو «صَدَقَةً» مني على من ذكرتهم في كتابي، فأمر اللّه تعالى رسوله و نوابه أن يأخذوا من هذه الأموال مقدارا معلوما، سماه زكاة، يعود خيرها علينا، و سميت صدقة أي ما يشتد عليهم في نفوسهم إعطاؤها، لأن البخل و الشح صفة النفوس التي جبلت عليه.
و لما كان معنى الزكاة التطهير، أي طهارة الأموال، فإنها طهرت أربابها، قال تعالى: «تُطَهِّرُهُمْ» من صفة البخل «وَ تُزَكِّيهِمْ بِها» أي تكثر الخير لهم بها «وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ» أمر الحق نبيه بالصلاة علينا جزاء، كما أمرنا به تعالى من الصلاة على النبي في قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» ثم قال: «إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» فما أعجب القرآن لمن تدبر آياته و تذكر! فصلاته صلّى اللّه عليه و سلم سكن للمتصدق يسكن إليها.
[- إشارة- من كلمة «ما لك»]
– إشارة- «ما لَكَ» نفي من باب الإشارة و اسم من باب الدلالة، و أصليته من اسم المالية- تحقيق- راجع سورة الأحزاب آية 56.
[سورة التوبة (9): آية 104]
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)
العبد إذا رجع إلى الحق بالتوبة، رجع الحق إليه بالقبول، «أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ» و هو رجوعه على عباده بالقبول، فإن اللّه لا يقبل المعاصي و يقبل التوبة و الطاعات، و هذا من رحمته بعباده، فإنه لو قبل المعاصي لكانت عنده في حضرة المشاهدة، كما هي الطاعات، فلا يشهد الحق من عباده إلا ما قبله، و لا يقبل إلا الطاعات، فلا يرى من عباده إلا ما هو حسن محبوب عنده، و يعرض عن السيئات فلا يقبلها «وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ» يأخذ الحق الصدقات بحكم الوكالة، فيربيها و يثمرها، فهو وكيل في حق قوم تبرعا من نفسه رحمة بهم، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم: إن الصدقة تقع بيد الرحمن قبل أن تقع بيد السائل- الحديث، لذلك قال تعالى: «وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ» بقبوله التوبة و الطاعة «الرَّحِيمُ» بعدم مؤاخذته على الذنب.
[سورة التوبة (9): آية 105]
وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
[فسيرى الله اعمالهم]
لكل راء عين تليق به، فيدرك من المرئي بحسب ما تعطيه قوة ذلك العين، فثم عين تعطي الإحاطة بالمرئي، و ليس ذلك إلا اللّه و أما ما يراه الرسول و المؤمنون فليس إلا رؤية خاصة، ليس فيها إحاطة. فيراه الرسول بحسب ما أرسل به، و كذلك المؤمن يراه بقدر ما علم من هذا الرسول، فليست عين المؤمن تبلغ في الرتبة إدراك عين الرسول، فإن المجتهد مخطئ و مصيب، و الرسول حق كله، فإن له التشريع، و هو العين المطلوبة لطالب الدلالة، فإذا قامت صورة العمل نشأة كاملة- كان العمل ما كان من المكلف- يراها اللّه من حيث أراها الرسول و المؤمنين، و من حيث لا يرونها، و يرى المؤمنون ذلك العمل من حيث يرونها، لا من حيث يراها الرسول، و لكل موطن في القيامة يحكم به اللّه فيه «وَ سَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» العالم عالمان ما ثم ثالث: عالم يدركه الحس، و هو المعبر عنه بالشهادة، و عالم لا يدركه الحس، و هو المعبر عنه بعالم الغيب، فإن كان مغيبا في وقت و ظهر في وقت للحس فلا يسمى ذلك غيبا، و إنما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس، لكن يعلم بالعقل، إما بالدليل القاطع، و إما بالخبر الصادق و هو إدراك الإيمان، فالشهادة مدركها الحس، و هو طريق إلى العلم ما هو عين العلم، و ذلك يختص بكل ما سوى اللّه ممن له إدراك حسي، و العلم مدركه العلم عينه.
[سورة التوبة (9): الآيات 106 الى 108]
وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)
[المطهرون]
المطهرون هم الذين طهروا غيرهم كما طهروا نفوسهم، فتعدت طهارتهم إلى غيرهم، فمن منع ذاته و ذات غيره أن يقوم بها ما هو مذموم في حقها عند اللّه فقد عصمها و حفظها و وقاها و سترها عن قيام الصفات المذمومة شرعا بها، فهو مطهر لها بما علمها من علم ما ينبغي، لينفر عنه بنور العلم و حياته ظلمة الجهالة و موتها، فهو محبوب عند اللّه مخصوص بعناية ولاية إلهية و استخلاف، و كل إنسان وال على جوارحه فما فوق ذلك، و قد أعلمه اللّه بما هي الطهارة التي يطهر بها رعاياه.
[سورة التوبة (9): آية 109]
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)
أ فمن أسس بنيانه فقوى أركانه، و أوثق قواعد بنيانه، أمن من الهدم و السقوط، و البيت بيت الإيمان و قد قام على خمسة، سقف و أربعة جدر، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللّه و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و حج البيت من استطاع إليه سبيلا. و الساكن المؤمن، و حشمه و خوله مكارم الأخلاق و نوافل الخيرات.
[سورة التوبة (9): الآيات 110 الى 111]
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)
لما علم اللّه من العباد أنه يكبر عليهم الجهاد بأموالهم و أنفسهم، لدعواهم أن أنفسهم و أموالهم لهم، كما أثبتها الحق لهم، و اللّه لا يقول إلا حقا، فقدم شراء الأموال و الأنفس منهم، حتى يرفع يدهم عنها، فبقي المشتري يتصرف في سلعته كيف شاء، و البائع و إن أحب سلعته فالعوض الذي أعطاه فيها و هو الثمن أحب إليه مما باعه،
[ «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ»]
فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ» و بعد هذا الشراء أمر أن يجاهدوا بها في سبيل اللّه، ليهون ذلك عليهم، فهم يجاهدون بنفوس مستعارة أعني النفوس الحيوانية القائمة بالأجسام، و الأموال المستعارة. فهم كمن سافر على دابة معارة، و مال غيره، و قد رفع عنه الحرج مالكها عند ما أعاره، إن نفقت الدابة، و هلك المال، فهو مستريح القلب، فما بقي عليه مشقة نفسية إن كان مؤمنا، إلا ما يقاسي هذا المركب الحيواني من المشقة، من طول الشقة، و تعب الطريق.
و إن كان في قتال العدو فما ينال من الكر و الفر و الطعن بالأرماح و الرشق بالسهام و الضرب بالسيوف، و الإنسان مجبول على الشفقة الطبيعية، فهو يشفق على مركوبه من حيث أنه حيوان، لا من جهة مالكه، فإن مالكه قد علم منه هذا المعار إليه[1] أنه يريد إتلافه، فذلك محبوب له فلم يبق له عليه شفقة إلا الشفقة الطبيعية، فالنفوس التي اشتراها الحق في هذه الآية إنما هي النفوس الحيوانية، اشتراها من النفوس الناطقة المؤمنة المكلفة بالإيمان، فنفوس المؤمنين الناطقة هي البائعة المالكة لهذه النفوس الحيوانية التي اشتراها الحق منها، لأنها التي يحل بها القتل، و ليست هذه النفوس بمحل للإيمان،
و إنما الموصوف بالإيمان النفوس الناطقة، و منها اشترى الحق نفوس الأجسام فقال: «اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» و هي النفوس الناطقة الموصوفة بالإيمان «أَنْفُسَهُمْ» التي هي مراكبهم الحسية، و هي الخارجة للقتال بهم و الجهاد، و هي التي تدعي الملك، فبقي المؤمن لا نفس له كسائر الحيوان، فلم يبق من يدعي ملكا، فصار الملك للّه الواحد القهار، و زال الاشتراك، فالمؤمن لا نفس له، فلا دعوى له في الملك، فكل مؤمن ادعى ملكا حقيقة فليس بمؤمن، فإن المؤمن باع نفسه، فما بقي له من يدعي، لأن نفسه كانت صاحبة الدعوى، لكونها على صورة من له الدعوى بالملك حقيقة، و هو اللّه تعالى، فاحفظ نفسك يا أخي من دعوى تسلب عنك الإيمان.
فالمؤمن لا نفس له، فليس له في الشفقة عليها إلا الشفقة الذاتية التي في النفس الناطقة على كل حيوان. «وَ أَمْوالَهُمْ» فأفلسهم لأنه حال بينهم و بينها، فلم يبق لهم ما يصلون به إلى المنعة، ببقاء الحياة لبقاء الغذاء الحاصل بالمال. «بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» و هو الثمن فإن المؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة و هو قوله تعالى: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» و البيع فيما ملك بيعه، و هو قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» و جعلها الثمن للحديث الوارد في الخصمين من الظالم و المظلوم، إذا أصلح اللّه بين خلقه يوم القيامة، فيأمر اللّه المظلوم أن يرفع رأسه، فينظر إلى عليين فيرى ما يبهره حسنه، فيقول: يا رب لأي نبي هذا لأي شهيد هذا؟ فيقول اللّه تعالى لمن أعطاني الثمن، قال: و من يملك ثمن هذا؟ قال: أنت بعفوك عن أخيك هذا فيقول: يا رب قد عفوت عنه، فيقول: خذ بيد أخيك فادخل الجنة. و لما أورد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هذا الحديث تلا «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» فإن اللّه يصلح بين عباده يوم القيامة.
«يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ» وجه آخر في هذه المبايعة: وقع البيع بين اللّه و بين المؤمن من كونه ذا نفس حيوانية، فهي التي تدعي الملك، و هي البائعة، فباعت النفس الناطقة من اللّه و ما كان لها مما لها به نعيم من مالها بعوض و هو الجنة، فالبيع و الشراء معاوضة، و السوق المعترك، فاستشهدت فأخذها المشتري إلى منزله و أبقى عليها حياتها حتى يقبض ثمنها الذي هو الجنة، فلهذا قال في الشهداء: إنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين ببيعهم لما رأوا فيه من الربح، حيث انتقلوا إلى الآخرة من غير موت، فالإنسان المؤمن يتنعم من حيث نفسه الحيوانية، بما تعطي الجنة من النعيم، و يتنعم بما يرى مما صارت إليه من النعيم نفسه الناطقة، التي باعها بمشاهدة سيدها، فحصل للمؤمن النعيمان.
فإن الذي باع كان محبوبا له، و ما باعه إلا ليصل إلى هذا الخير الذي وصل إليه، و كانت له الحظوة عند اللّه حيث باعه هذه النفس الناطقة العاقلة. و سبب شراء الحق إياها أنها كانت له بحكم الأصل بقوله: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» فطرأت الفتن و البلايا، و ادعى المؤمن فيها، فتكرم الحق و تقدس، و لم يجعل نفسه خصما لهذا المؤمن، فتلطف له في أن يبيعها منه، و أراه العوض، و لا علم له بلذة المشاهدة، لأنها ليست له، فأجاب إلى البيع فاشتراها اللّه منه، فلما حصلت بيد المشتري، و حصل الثمن تصدق الحق بها عليه امتنانا، لكونه حصل في منزل لا يقتضي له الدعوى فيما لا يملك و هو الآخرة. و قد مثل هذا الذي قلناه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، حين اشترى من جابر بن عبد اللّه بعيره في السفر بثمن معلوم، و اشترط عليه البائع جابر بن عبد اللّه ظهره إلى المدينة، فقبل الشرط المشتري، فلما وصل المدينة، وزن له الثمن، فلما قبضه و حصل عنده و أراد الانصراف أعطاه بعيره و الثمن جميعا، فهذا بيع و شرط، و هكذا فعل اللّه سواء، اشترى من المؤمن نفسه بثمن معلوم و هو الجنة، و اشترط عليه ظهره إلى المدينة، و هو خروجه إلى الجهاد، فلما حصل هناك و استشهد، قبضه الثمن، و رد عليه نفسه، ليكون المؤمن بجميعه متنعما، بما تقبله النفس الناطقة من نعيم العلوم و المعارف، و بما تعمله الحيوانية من المأكل و المشرب و الملبس و المنكح و المركب و كل نعيم محسوس، ففرحت بالمكانة و المكان و المنزلة و المنزل.
– إشارة- إن من الرحمة التي تتضمنها سورة التوبة و من التنزل الإلهي أن فيها شراء نفوس المؤمنين منهم، بأن لهم الجنة، و أي تنزل أعظم من أن يشتري السيد ملكه من عبده؟ و هل يكون في الرحمة أبلغ من هذا؟ «وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا» يعني الجنة «فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ» من الناس عبيد، و منهم أجراء، و لأجل الإجارة نزلت الكتب الإلهية بها بين الأجير و المستأجر، فلو كانوا عبيدا ما كتب الحق كتابا لهم على نفسه، فإن العبد لا يوقت على سيده، إنما هو عامل في ملكه، و متناول ما يحتاج إليه، فالأجراء هم الذين اشترى الحق منهم أنفسهم و أموالهم بالجنة، وعدا عليه حقا في التوراة و الإنجيل و القرآن «وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ» قال صلّى اللّه عليه و سلم في الصلوات الخمس: فمن أتى بهن لم يضيع من حقهن شيئا كان له عند اللّه عهد أن يدخله الجنة فاستبشروا بيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم.
[سورة التوبة (9): آية 112]
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)
[ «التَّائِبُونَ» الآية]
«التَّائِبُونَ» جمع تائب من رجال و نساء، و هو الراجع إلى اللّه من عين المخالفة، و لو رجع ألف مرة في كل يوم، فما يرجع إلا من المخالفة. و اللّه قابل التوب خاصة. «الْعابِدُونَ» هم أهل الفرائض خاصة، منهم صاحب سبب، و منهم تارك سبب، و هم صلحاء الظاهر و الباطن، قد عصموا من الغل و الحسد و الحرص و الشره المذموم، و صرفوا كل هذه الأوصاف إلى الجهات المحمودة. الثواب لهم مشهود، و القيامة و أهوالها و الجنة و النار مشهودتان، دموعهم في محاريبهم، شغلهم هول المعاد عن الرقاد، ضمروا بطونهم بالصيام، للسباق في حلبة النجاة.
«الْحامِدُونَ» من الرجال و النساء، تولاهم اللّه بعواقب ما تعطيه صفات الحمد، فهم أهل عاقبة الأمور، فالحمد إنما هو للّه خاصة، بأي وجه كان، فالحامدون الذين أثنى اللّه عليهم في القرآن، هم الذين طالعوا نهايات الأمور في ابتدائها، و هم أهل السوابق، فشرعوا في حمده ابتداء بما يرجع إليه سبحانه و تعالى جل جلاله من حمد المحجوبين انتهاء، فهم الحامدون على الشهود بلسان الحق، ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: لا شيء أحب إلى اللّه تعالى من أن يمدح، و اللّه تعالى قد وصف عباده المؤمنين بالحامدين، و ذم و لعن من ذم جناب اللّه، و نسب إليه ما لا يليق به «السَّائِحُونَ» و هم المجاهدون في سبيل اللّه، من رجال و نساء، قال صلّى اللّه عليه و سلم: سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللّه، فالسياحة في هذه الأمة الجهاد، و السياحة المشي في الأرض للاعتبار برؤية آثار القرون الماضية، و من هلك من الأمم السالفة، و لما كان المقصود من الجهاد إعلاء كلمة اللّه، في الأماكن التي يعلو فيها ذكر غير اللّه، ممن يعبد من دون اللّه، جعل النبي صلّى اللّه عليه و سلم سياحة هذه الأمة الجهاد، فإن الأرض و إن لم يكفر عليها و لا ذكر اللّه فيها أحد من البشر، فهي أقل حزنا و هما من الأرض التي عبد غير اللّه فيها و كفر عليها، و هي أرض المشركين و الكفار، فكانت السياحة بالجهاد أفضل من السياحة بغير الجهاد، و لكن بشرط أن يذكر اللّه عليها و لا بد، فإن ذكر اللّه في الجهاد أفضل من لقاء العدو، فيضرب المؤمنون رقابهم، و يضرب الكفار رقاب المؤمنين. و أما السياحة بالجولان في الأرض على طريق الاعتبار و القربة إلى اللّه، لما في الأنس بالخلق من الوحشة، فالسائحون من عباد اللّه يشاهدون من آيات اللّه، و من خرق العوائد ما يزيدهم قوة في إيمانهم و نفسهم و معرفتهم باللّه، و أنسا به و رحمة بخلقه، و شفقة عليهم، فيفتح لهم في بواطنهم في علوم إلهية لا ينالونها إلا في هذه المشاهدة، و ما يحصل لهم من خرق العوائد و الاعتبار، فهم يرون في الأرض من الآيات و العجائب و الاعتبارات ما دعاهم إلى النظر فيما ينبغي لمالك الأرض، فأنار اللّه قلوبهم بأنوار العلوم، و فتح لهم في النظر في الآيات، و هي العلامات الدالة على عظمة من انقطعوا إليه و هو اللّه تعالى. «الرَّاكِعُونَ» من رجال و نساء، هم الذين وصفهم اللّه بالركوع، و هو الخضوع و التواضع للّه تعالى من حيث هويته سبحانه، و لعزته و كبريائه حيث ظهر من العالم، لعلمهم بأنها صفة الحق، لا صفة من تلبس بها، فركعوا للصفة لا للعين، و من هنا تواضع العارفون للجبارين و المتكبرين من العالم للصفة لا لعينهم إذ كان الحق هو مشهودهم في كل شيء.
«السَّاجِدُونَ» من الرجال و النساء، تولاهم اللّه بسجود القلوب، فهم لا يرفعون رءوسهم، لا في الدنيا و لا في الآخرة، و هو حال القربة و صفة المقربين قال تعالى: «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» و قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» يريد الذين لا يرفعون رءوسهم، و لا يكون ذلك إلا في سجود القلب. «الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ» من رجال و نساء، هم الذين تولاهم اللّه بالأمر باللّه، إذ كان هو المعروف، فلا فرق أن تقول الآمرون باللّه أو الآمرون بالمعروف، فهو المعروف الذي لا ينكر بلا خلاف في جميع الملل و النحل و العقول، فالآمرون بالمعروف هم الآمرون على الحقيقة باللّه، فإنه سبحانه إذا أحب عبده كان لسانه الذي يتكلم به، و الأمر من أقسام الكلام، فهم الآمرون به لأنه لسانهم،فهؤلاء هم الطبقة العليا في الأمر بالمعروف، و كل آمر بمعروف فهو تحت حيطة هذا الأمر «وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ» و أعلاهم طبقة الناهون عن المنكر بالمعروف، و المنكر الشريك الذي أثبته المشركون بجعلهم، فلم يقبله التوحيد، و أنكره فصار منكرا من القول و زورا.
فإنه سبحانه إذا أحب عبده كان لسانه الذي يتكلم به، و الأمر من أقسام الكلام، فهم الآمرون به لأنه لسانهم،فهؤلاء هم الطبقة العليا في الأمر بالمعروف، و كل آمر بمعروف فهو تحت حيطة هذا الأمر «وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ» و أعلاهم طبقة الناهون عن المنكر بالمعروف، و المنكر الشريك الذي أثبته المشركون بجعلهم، فلم يقبله التوحيد، و أنكره فصار منكرا من القول و زورا.
«وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ» اعلم أن قوله تعالى: «الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ» إطلاق في حقهم و هم على طبقتين: فمنهم من عرف الحدود الذاتية فوقف عندها، و ذلك العالم الحكيم المشاهد صاحب العين السليمة، و منهم من عرف الحدود الرسمية، و لم يعلم الحدود الذاتية، و هم أرباب الإيمان، و منهم من عرف الحدود الرسمية و الذاتية و هم الأنبياء و الرسل و من دعا إلى اللّه على بصيرة من أتباع الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، فهؤلاء هم الأولى بأن يطلق عليهم الحافظون لحدود اللّه الذاتية و الرسمية معا. «وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» الصابرين على ذلك، و هم الذين حبسوا نفوسهم عند الحدود و لم يتعدوها مطلقا.
[سورة التوبة (9): آية 113]
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113)
لأنه قبل التبيين يعذر في استغفاره، و ليس بأصحاب الجحيم إلا أعداء اللّه تعالى الذين هم أهل الجحيم.
[سورة التوبة (9): آية 114]
وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)
إن الرسول إذا تبين له أن شخصا ما عدو للّه تبرأ منه، قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام و أبيه آزر، بعد ما وعظه و أظهر الشفقة عليه لكونه كان عنده في حد الإمكان أن يرجع إلى اللّه و توحيده من شركه، فلما بين اللّه له في وحيه، و كشف له عن أمر أبيه، و تبين إبراهيم عليه السلام أن أباه آزر عدو للّه، تبرأ منه مع كونه أباه، فأثنى اللّه عليه فقال: «فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ» و قد كان إبراهيم في حق أبيه أواها حليما، لا الآن، و قد ورد في الخبر أن إبراهيم يجد أباه بين رجليه في صورة ذيخ، فيأخذه بيده فيرمي به في النار، فانظر ما أثر عند الخليل إيثاره لجناب الحق من عداوة أبيه في اللّه تعالى، فاللّه يجعلنا ممن آثر الحق على هواه، و أن يجعل ذلك مناه، فإن هذا هو ما فعله إبراهيم الخليل عليه السلام في حق أبيه آزر، عند ما تحقق أنه عدو للّه «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» الأواه هو الذي يكثر التأوه لما يشاهده من جلال اللّه، و كونه ما في قوته مما ينبغي أن يعامل به ذلك الجلال الإلهي، و التأوه من نعت المحبين، فيتأوه غيرة على اللّه، و شفقة على المحجوبين، فيتأسف على من حرمه اللّه الشهود، و يتأوه لحبه في محبوبه من أجل ما يراه من عمى الخلق عنه، فإن من شأن المحبة الشفقة على المحبوب. «حَلِيمٌ» ببنية المبالغة، و هي فعيل، و الحلم لا يكون إلا مع القدرة على من يحلم عنه، فالحلم هو الإمهال من القادر على الأخذ، فيؤخر الأمر و يمهل و لا يهمل، فإن صاحب العجز عن إنفاذ اقتداره لا يكون حليما، و لا يكون ذلك حلما، فلا حليم إلا أن يكون ذا اقتدار، فإن العجلة بالأخذ عقيب الجريمة دليل على الضجر، فالحليم هو الذي لا يعجل مع القدرة و ارتفاع المانع، و حلم العبد من العلم الإلهي السابق و لا يشعر به العبد، حتى تقوم به صفة الحلم، فحينئذ يعلم ما أعطاه حكم علم اللّه في حكمه، و لهذا إن تقدمه العلم بذلك لا يسمى حليما على جهة التشريف، فالحق يوصف بالحلم لعدم الأخذ، لا على طريق التشريف، و العبد ينعت بالحلم لعدم الأخذ أيضا و لكن على طريق التشريف، لجهله بما في علم اللّه من ذلك، قبل اتصافه بعدم المؤاخذة و الإمهال من غير إهمال، فشرف الحق بالعلم لا بالحلم، و شرف العبد بالحلم لا بالعلم، لجهله ذلك. فإن علم قبل قيام صفة الحلم به لم يكن الحلم به تشريفا، و لما كانت المخالفة تقتضي المؤاخذة أفسد الحلم حكمها في بعض المذاهب، و لذلك يقال: حلم الأديم إذا فسد و تشقق، و كذلك حلم النوم أفسد المعنى عن صورته، لأنه ألحقه بالحس و ليس بمحسوس، حتى يراه من لا علم له بأصله، فيحكم عليه بما رآه من الصورة التي رآها عليها، و يجيء العارف بذلك فيعبر تلك الصورة إلى المعنى الذي جاءت له، و ظهر بها، فيردها إلى أصلها، كما أفسد الحلم العلم، فأظهره في صورة اللبن، و ليس بلبن، فرده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بتأويل رؤياه إلى أصله و هو العلم فجرد عنه تلك الصورة.
[سورة التوبة (9): آية 115]
وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)
الذي على اللّه إنما هو البيان خاصة، قال تعالى: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ» يضل أي ليحير «قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ» في أخذ الميثاق و الفطرة التي ولدوا عليها، «حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ»
[الهدى التبياني و الهدى التوفيقي]
فإذا أبان لهم حيرهم، فمنهم من حيره بالواسطة فشك في النبوة، و حار فيها، و ما تحقق أن هذا نبي، فتوقف في الأخذ عنه، و منهم من حيره في أصل النبوة هل لها وجود أم لا؟
و منهم من حيره فيما جاء به هذا النبي، مما تحيله الأدلة النظرية، فأورثهم البيان الإلهي هذه الحيرة، و ذلك لعدم الإيمان، فلم يكن لهم نور إيمان يكشف لهم عن حقيقة ما قاله اللّه، و أبان عنه، فلما أبان الحق ما أبانه لعباده فمنهم من رزقه العلم فعمل به، و منهم من حرمه اللّه العلم فضل و حار و شك و ارتاب و توقف، فلا ضلال إلا بعد هداية، فالهدى في هذه الآية يحتمل أن يكون الهدى التبياني، و هو ابتلاء، لا الهدى التوفيقي، و من الهدى التبياني قوله صلّى اللّه عليه و سلم: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، و قوله تعالى: «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ» و الهدى بمعنى البيان، قد يعطي السعادة، و قد لا يعطيها، إلا أنه يعطي العلم و لا بد، أما الهدى التوفيقي فهو الذي يعطي السعادة لمن قام به، و هو قوله تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» و قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ» و هذا هو هدى الأنبياء. فالهدى التوفيقي هدى الأنبياء عليهم السلام «فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» و هو الذي يعطي سعادة العباد و ما توفيقي إلا باللّه.
[سورة التوبة (9): الآيات 116 الى 117]
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (116) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117)
«لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ» قد لا تكون التوبة من ذنب، بل يرجع إلى اللّه في كل حال في كل طاعة، فيرجع بالتائب إلى ربه من طاعة إلى طاعة؛ «وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ» قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إني لأجد نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن، فنفس اللّه عنه بالأنصار، فكانت الأنصار كلمات اللّه، نصر اللّه بهم دينه و أظهره.
[سورة التوبة (9): آية 118]
وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)
«وَ ظَنُّوا» أي علموا و تيقنوا، قال أهل اللسان في ذلك، فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج، أي تيقنوا و اعلموا، فإن الظن لما كانت مرتبته برزخية، لها وجه إلى العلم و نقيضه، ثم دلت قرائن الأحوال على وجه العلم فيه، حكمنا عليه بحكم العلم، و أنزلناه منزلة اليقين، مع بقاء اسم الظن عليه لا حكمه، فإن الظن لا يكون إلا بنوع من الترجيح يتميز به عن الشك، فإن الشك لا ترجيح فيه، و الظن فيه نوع من الترجيح إلى جانب العلم: «أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا» اعلم أن توبة اللّه ابتداء مقرونة بعلى، و توبة الخلق مقرونة بإلى، لأنه المطلوب بالتوبة، فهو غايتها، فرجوع الحق عليهم رجوع عناية محبة أزلية ليتوبوا، فإذا تابوا أحبهم حب من رجع إليه، فهو حب جزاء.
قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ» فهذا الحب ما هو الأول، و للعبد حب آخر زائد على قوله: «وَ يُحِبُّونَهُ» فالأول حب عناية منه ابتداء، فالتوبة عن محبة منتجة لمحبة أخرى منه، فهي بين محبتين متعلقتين بهم من اللّه، و تاب عليهم فكان هو التائب على الحقيقة، و العبد محل ظهور الصفة، فكانت رجعته عليهم في الدنيا ردهم بها إليه، و لذلك قال: «لِيَتُوبُوا» فما رجع إليهم إلا ليرجعوا، و كل معلل علّه الحق فإنه واقع، كما أنه كل ترج من اللّه واقع،فالرجعة الأولى من اللّه على العبد هي التي يعطيه الحق بها الإنابة إليه، فإذا رجع العبد إليه بالتوبة رجع الحق إليه غير الرجوع الأول، و هو الرجوع بالقبول، ثم قال: «أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ» و هو لفظ المبالغة إذ كانت له التوبة الأولى من قوله: «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ» و الثانية من قوله: «لِيَتُوبُوا» فالتوبتان له من كل عبد، فهو التواب لا هم، و وصف اللّه تعالى نفسه بأنه التواب، فما تاب من تاب و لكن اللّه تاب «الرَّحِيمُ» الذي يرجع على عبده في كل مخالفة بالرحمة له، فيرزقه الندم عليها، و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم: [الندم توبة] فيتوب العبد بتوبة اللّه عليه، فلو لا توبة اللّه عليهم ما تابوا، و التوبة الرجوع، فاللّه أكثر رجوعا إلى العباد من العباد إليه، لأن برجوعه تعالى إلى العباد يبقي عليهم الوجود بالحفظ الإلهي، و هو التواب بالرجوع عليهم بقبول التوبة، الرحيم بعدم المؤاخذة على الذنب- راجع البقرة آية 37- نصيحة- عليك بالالتجاء إلى من تعرف أنه لا يقاوم فإنه يحميك.
[سورة التوبة (9): الآيات 119 الى 120]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)
[موعظة- نصب الأبدان]
«وَ لا نَصَبٌ»– موعظة- نصب الأبدان من همم النفوس في المعقول و المحسوس.
[سورة التوبة (9): الآيات 121 الى 122]
وَ لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً وَ لا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (121) وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)
[الجهاد من فروض الكفاية]
الجهاد من فروض الكفاية إذا قام به من يقع به الغناء سقط عن الباقي، لقوله تعالى:
«وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً» و إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما خرج قط إلى غزو عدو إلا و ترك بعض الناس في المدينة «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» الفقه في الدين هو استخراج الحكم في مسئلة من نص ورد في الكتاب أو السنة، يدخل الحكم في هذه المسألة في مجمل ذلك الكلام، و لا يحتاج إلى قياس في ذلك، فإن الدين قد كمل و لا تجوز الزيادة فيه كما لم يجز النقص، فالفقه على الحقيقة هو الفهم الذي أعطاه اللّه عبده في القرآن، كما قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: ما هو إلا فهم يؤتيه اللّه من شاء من عباده في هذا القرآن، لذلك قال تعالى: «وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» فأقامهم مقام الرسول صلّى اللّه عليه و سلم في التفقه في الدين و الإنذار، و هو الذي يدعو إلى اللّه على بصيرة كما يدعو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على بصيرة، لا على غلبة ظن، كما يحكم عالم الرسوم، فشتان بين من هو فيما يفتي به و يقوله على بصيرة منه في دعائه إلى اللّه و على بينة من ربه، و بين من يفتي في دين اللّه بغلبة الظن.
[سورة التوبة (9): آية 123]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)
هذا هو الجهاد الذي فرضه اللّه تعالى المعين و يعصي الإنسان بتركه لا بد من ذلك، و يؤخذ من هذه الآية إشارة إلى الجهاد الأكبر و هو جهاد الهوى، فإنه أكبر الأعداء إليك الذين يلونك، فإنه بين جنبيك، و لا أكفر من النفوس بنعم اللّه، فإنها في كل نفس تكفر نعمة اللّه عليها من بعد ما جاءتها، و لا يلي الإنسان أقرب إليه من نفسه، و جهاد النفس أعظم من جهاد العدو، لذلك قال عليه السلام: [إن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر] لأن الإنسان لا يخرج إلى جهاد العدو إلا بعد جهاد نفسه، و جهاد العدو قد يقع من العبد للرياء و السمعة و الحمية، و جهاد النفس أمر باطن لا يطلع عليه إلا اللّه، فحظ كل موفق من هذه الآية أن ينظر إلى نفسه الأمارة بالسوء، التي تحمله على كل محظور و مكروه و تعدل به عن كل واجب و مندوب، للمخالفة التي جبلها اللّه عليها، و هي أقرب الكفار و الأعداء إليه، فإذا جاهدها و قتلها أو أسرها حينئذ يصح له أن ينظر في الأغيار على حسب ما يقتضيه مقامه، فإنك إذا جاهدت نفسك هذا الجهاد خلص لك الجهاد الآخر في الأعداء، الذي إن قتلت فيه كنت من الشهداء الأحياء، فالهوى هو أقرب الكفار إليك، فاشتغل به و إلا اشتغل بك فيهدم دينك.
[سورة التوبة (9): آية 124]
وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)
«وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ» و هي واحدة و لكن الأمزجة مختلفة «فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» بورود العافية عليهم، و الإيمان عين واحدة و زيادته أو كثرته إنما هي في ظهوره في المواطن المختلفة، مثل الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج إلخ. و هو في نفسه لا يتكثر، و لهذا قال تعالى فيمن قال: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ) أولئك هم الكافرون حقا فنفى عنهم الإيمان كله.
[سورة التوبة (9): آية 125]
وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ (125)
[مرض القلوب]
«وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» و هو الشبه المضلة القادحة في الأدلة و في الإيمان، تحول بين العقل من العاقل و بين صحة الإيمان الذي له تعلق بوجود الحق و تعلق بتوحيد الحق، فالذي حال مرضه العقلي بينه و بين صحة الإيمان بوجود الحق فقد حال بينه و بين العلم لضروري، فإن العلم بوجود الصانع عند ظهور الصنعة للناظر ضروري، و إن لم يعلم حقيقة الصانع و لا ماهيته و لا ما يجب أن يكون عليه و يجوز و يستحيل إلا بعد نظر فكري و إخبار إلهي نبوي، فهذا مرض لا طب فيه، و من فقد العلم الضروري كان بمنزلة المريض الذي قد استفرغ المرض نفسه بحيث لا يعلم أنه مريض و لا ما هو فيه لأنه لا عقل له، و أما الذي معه الإيمان أو العلم الضروري بوجود الحق الخالق فمرضه عدم اعتقاد صحة التوحيد و عدم القبول من الشارع ما جاء به من صفات الحق، فإن توحيد الحق يدرك بالإيمان و يدرك بالنظر «فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ» لأنهم على مزاج لا يصلح إلا للنار «فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» أي الصفقة من قوله تعالى و اشتروا الضلالة بالهدى، و هي السورة المنزلة فلا بد من الزوائد في الفريقين.
[سورة التوبة (9): الآيات 126 الى 128]
أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَ لا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (127) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128)
[ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ»]
حفظ اللّه علينا «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» إلى آخر السورة بشهادة خزيمة، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أقامه في شهادته مقام رجلين، فحكم بشهادته وحده، إذ لم يقبل الجامع للقرآن آية منه إلا بشهادة رجلين فصاعدا إلا هذه الآية، فإنها ثبتت بشهادة خزيمة وحده رضي اللّه عنه، و شهد اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم بحرصه على نجاة أمته فقال: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» أي عنادكم يعز عليه للحق المبين «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» في أن تسلموا و تنقادوا إلى ما فيه سعادتكم و هو الإيمان باللّه و ما جاء من عند اللّه، فمدح اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه و سلم بالحرص على ما تسعد به أمته، فالأوصاف الجبلية في الإنس و الجان مثل الحسد و الغضب و الحرص و الجبن و البخل، و ما كان في الجبلة فمن المحال عدمه إلا أن تنعدم العين الموصوف بها،
و لما علم الحق أن إزالتها من هذين الصنفين من الخلق لا يصح زوالها عيّن لها مصارف يصرفها فيها فتكون محمودة إذا صرفت في الوجه الذي أمر الشارع أن تصرف فيه وجوبا أو ندبا، و تكون مذمومة إذا صرفت في خلاف المشروع، فقال تعالى: «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» و من ذلك حرصه على إسلام عمه أبي طالب إلى أن قال له: قلها في أذني حتى أشهد لك بها،لعلمه بأن شهادته مقبولة و كلامه مسموع «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ»: «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» و من ذلك حرصه على إسلام عمه أبي طالب إلى أن قال له: قلها في أذني حتى أشهد لك بها،لعلمه بأن شهادته مقبولة و كلامه مسموع «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» فوصف النبي صلّى اللّه عليه و سلم بالرحمة، و هي رحمة فطر عليها زائدة على الرحمة التي بعث بها، و هي قوله تعالى: (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) و ما من أحد من الأمة إلا و هو مؤمن باللّه، و من وجه آخر قيده بالإيمان و لم يقيد الإيمان فهذا تقييد في إطلاق، فإنه قال في الإيمان إنه مؤمن صاحبه بالحق و الباطل، و من كونه صلّى اللّه عليه و سلم بالمؤمنين رءوفا رحيما أن أبان لأمته عن صورة تجلي الحق لعباده بقول ما قاله نبي لأمته قبله،
كما جاء في حديث الدجال- مسئلة- الاتصاف بأوصاف الحق تعالى التي بها يكون إلها واجب شرعا و عقلا اجتناب هذه الأسماء الإلهية معنى و إن أطلقت لفظا ينبغي أن لا تطلق لفظا على أحد إلا تلاوة، فيكون الذي يطلقها تاليا حاكيا كما قال تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» فسماه عزيزا رءوفا رحيما فنسميه بتسمية اللّه إياه و نعتقد أنه صلّى اللّه عليه و سلم في نفسه مع ربه عبد ذليل خاشع أواه منيب، فإطلاق الألفاظ التي تطلق على الحق من الوجه الصحيح الذي يليق بالجناب الإلهي لا ينبغي أن تطلق على أحد من خلق اللّه إلا من حيث أطلقها الحق لا غير و إن أباح ذلك، فإن أطلقها العبد على من أطلقها عليه الحق أو الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، فيكون هذا المطلق تاليا أو مترجما ناقلا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في ذلك الإطلاق، و من الورع أن لا يطلق على أحد ممن ليس بنبي و لا رسول اللفظ الذي اختصوا به، فيطلق على الرسل الذين ليسوا برسل اللّه لفظة الورثة و المترجمين، فيقال من السلطان الفلاني إلى السلطان الفلاني ترجمان يقول كذا.
و كذا، فلا يطلق على المرسل و لا المرسل إليه اسم الملك ورعا و أدبا مع اللّه، و يطلق عليه اسم السلطان، فإن الملك من أسماء اللّه، فيجتنب هذا اللفظ أدبا و حرمة و ورعا، و يقال السلطان، إذ كان هذا اللفظ لم يرد في أسماء اللّه، و يطلق على الرسول الذي جاء من عنده اسم الترجمان و لم يطلق عليه اسم الرسول، لأنه أطلق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فيجعل من خصائص النبوة و الرسالة أدبا مع رسل اللّه عليهم السلام، و إن كان هذا اللفظ أبيح و لم ينه عنه فلزوم الأدب أولى- إشارة- التوحيد في الإله، من حيث ما هو إله، لا من حيث الأسماء فإنها للعبيد و الإماء، بها يكون التحقق، و هي المراد بالتخلق، قد قال في الكتاب الحكيم عن رسوله الكريم، إنه بالمؤمنين رءوف رحيم، و قال سبحانه عن نفسه في كلامه القديم، إن اللّه بكم لرؤف رحيم، فقد عرفنا، بأنه وصف نفسه بما وصفنا، فلو لا صحة القبول منا، ما أخبر بذلك عنا، و خبره صدق، و قوله حق، فالمشاركة في الصفات، دليل على تباين الذوات، فالحق تعالى يرى صورته في مرآة الإنسان الكامل، و معنى يرى صورة الحق فيه إطلاق جميع الأسماء الإلهية عليه، كما جاء في الخبر فبهم تنصرون و اللّه الناصر، و بهم ترزقون و اللّه الرازق، و بهم ترحمون و اللّه الراحم، و قد ورد في القرآن فيمن علمنا كماله و اعتقدنا ذلك فيه أنه بالمؤمنين رؤف رحيم، فالتخلق بالأسماء، يقول به جميع العلماء.
[سورة التوبة (9): آية 129]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)
«فَإِنْ تَوَلَّوْا» عما دعوتموهم إليه «فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ» أي في اللّه الكفاية يكفيني أمرهم
[توحيد الاستكفاء]
«لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» و هذا هو التوحيد الحادي عشر، و هو توحيد الاستكفاء، و هو من توحيد الهوية لما قال تعالى: «وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى» فأحالنا علينا بأمره فبادرنا لامتثال أمره، فمنا من قال التعاون على البر و التقوى أن يرد كل واحد صاحبه إلى ربه في ذلك، و يستكفي به فيما كلفه، و هو قوله: (و استعينوا بالله) خطاب تحقيق «عليه توكلت» التوكل اعتماد القلب على اللّه تعالى مع عدم الاضطراب عند فقد الأسباب الموضوعة في العالم، التي من شأن النفوس أن تركن إليها، فإن اضطرب فليس بمتوكل، و هو من صفات المؤمنين «وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» فإذا كان رب العرش و العرش محيط بعالم الأجسام و أنت من حيث جسميتك أقل الأجسام فاستكف باللّه، الذي هو رب مثل هذا العرش، و من كان اللّه حسبه انقلب بنعمة من اللّه و فضل لم يمسسه سوء، و جاء في ذلك بما يرضي اللّه، و اللّه ذو فضل عظيم على من جعله حسبه.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج2، ص: 293