تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة لقمان
(31) سورة لقمان مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة لقمان (31): الآيات 1 الى 10]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (2) هُدىً وَ رَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (6) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)
«كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً» و هو ثقل الأسباب الدنيوية التي تصرفه عن الآخرة.
[سورة لقمان (31): الآيات 8 الى 10]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)
«خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها» الإنسان قطب الفلك و هو العمد، أ لا تراه إذا انتقل من الدنيا خربت، و زالت الجبال و انشقت السماء و انكدرت النجوم، فالإنسان هو العين المقصودة، فهو مجموع الحكم، و من أجله خلقت الجنة و النار، و الآخرة و الأحوال كلها و الكيفيات، و فيه ظهر مجموع الأسماء الإلهية و آثارها،
و هو المكلف المختار، و هو المجبور في اختياره، و له يتجلى الحق بالحكم و القضاء و الفصل، و عليه مدار العالم كله، و من أجله كانت القيامة، و به أخذ الجان، و له سخر ما في السموات و الأرض، ففي حاجته يتحرك العالم كله علوا و سفلا دنيا و آخرة، فالإنسان الكامل عمد السماء الذي يمسك اللّه بوجوده السماء أن تقع على الأرض، فإذا زال الإنسان الكامل و انتقل إلى البرزخ هوت السماء و انشقت «وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» خلق اللّه الأرض مثل الكرة أجزاء ترابية و حجرية، و ضم اللّه بعضها إلى بعض، فلما خلق اللّه السماء بسط الأرض بعد ذلك ليستقر عليها من خلقت له مكانا، و لذلك مادت، فخلق سبحانه الجبال فقال بها عليها دفعة واحدة، فكل ما تراه عاليا شامخا فيها فهو جبل و وتد، ثقّلها اللّه به ليسكن ميدها.
[سورة لقمان (31): آية 11]
هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11)
[الإنسان الكامل قطب الفلك و هو العمد]
إن الخلق يراد به المخلوق في موضع مثل قوله: «هذا خَلْقُ اللَّهِ» فإن الفعل قد يكون نفس المفعول بالشيئية و الأشياء، فقوله تعالى: «هذا خَلْقُ اللَّهِ» أي مخلوق اللّه.
[سورة لقمان (31): آية 12]
وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)
«وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ» و هنا تظهر عناية اللّه بعبده إذا أنزل كل حكمة في موضعها.
[سورة لقمان (31): آية 13]
وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
[الشرك ظلم عظيم لمن اتّخذ إلها من غير دعوى منه]
لما علم لقمان أن الشرك ظلم عظيم للشريك مع اللّه أوصى بها ابنه، فإن اللّه آتاه الحكمة، و تصغير لقمان اسم ابنه تصغير رحمة، و لهذا وصاه بما فيه سعادته إذا عمل بذلك فقال «لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» و ما ظهر هذا الظلم العظيم من موجود إلا من هذا النوع الإنساني، فإنه تقع أمور كثيرة يعظم في النفوس قدرها بحيث لا تتسع النفس لغيرها، و لا سيما في الأمور الهائلة التي تؤثر الخوف في النفوس، و منها الشرك باللّه، فقال تعالى:
«إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» في نفس الموحد، يشاهد عظمته في نفس المشرك لا في نفسه، فيشاهده ظلمة عظيمة، و المشركون هم الذين يجعلون مع اللّه إلها آخر، و هو الظلم العظيم الذي ظلموا به هذا المقول عليه إنه إله مع اللّه، فظلموا اللّه في وحدانية الألوهية له، و ظلموا الشريك في نسبة الألوهية إليه، فاتخاذ الشريك من مظالم العباد؛ فإن من اتّخذ إلها من غير دعوى منه، بل هو في نفسه عبد غير راض بما نسب إليه، و عاجز عن إزالة ما ادّعي فيه، فإنه مظلوم حيث سلب عنه هذا المدعي ما يستحقه، و هو كونه عبدا، فظلمه، فينتصر اللّه له لا لنفسه، فيأخذ اللّه المشركين بظلم الشريك لا بظلمه في أحديته، فإن الذي جعلوه شريكا يتبرأ منهم يوم القيامة، حيث تظهر الحقوق إلى أربابها المستحقين لها.
[سورة لقمان (31): آية 14]
وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)
[ «أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ» الآية- الأسباب]
«وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ» و قال تعالى: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) على أقل ما يولد من زمن الحمل و يعيش، و هو ستة أشهر حملا و سنتان رضاعا على التمام، و إن أتم الحمل المعتاد في الغالب و هو تسعة أشهر، كانت مدة الرضاع حولين إلا ربع حول، و هي إحدى و عشرون شهرا «أَنِ اشْكُرْ لِي» من الوجه الخاص، فقدم نفسه سبحانه ليعرفك أنه السبب الأول و الأولى، ثم عطف و قال «وَ لِوالِدَيْكَ» و ذلك في مقام إيجاد عين العبد، حيث كان إيجاده عند سبب اجتماع والديه بالنكاح و تعبهما في إيجاده، فقال «وَ لِوالِدَيْكَ» من الوجه السببي و هي الأسباب التي أوجدك اللّه عندها لتنسبها إليه سبحانه، و يكون لها عليك فضل التقدم بالوجود خاصة، لا فضل التأثير، لأنه في الحقيقة لا أثر لها و إن كانت أسبابا لوجود الآثار، فبهذا القدر صح لها الفضل، و طلب منك الشكر، و شكرهما هو أن تنسبهما إلى مالكهما و موجدهما، «أَنِ اشْكُرْ لِي» هو قوله (أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) في قوله (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) «وَ لِوالِدَيْكَ» هو قوله «كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» ففي هذه الآية شكر اللّه حقيقة، و شكر السبب عن أمر اللّه عبادة من حيث أمرهم بشكره قال صلّى اللّه عليه و سلم: [لا يشكر اللّه من لم يشكر الناس] فمن علم أن اللّه هو المعطي لم يشكر غيره إلا بأمره، و لذلك تمم فقال «إِلَيَّ الْمَصِيرُ» فالعامل في الكل حقا و خلقا اللّه، و لذلك قال بعد أن شرك «إِلَيَّ الْمَصِيرُ» فوحد بعد أن شرّك في الشكر.
[سورة لقمان (31): آية 15]
وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)
أمر الإنسان بالإحسان لأبويه و البر بهما، و امتثال أوامرهما ما لم يأمره أحد الأبوين بمخالفة أمر الحق فلا يطيعه، كما قال تعالى: «وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ» فأمر باتباع المنيبين إلى اللّه و مخالفة نفوسهم إن أبت ذلك «إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».
[سورة لقمان (31): آية 16]
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)
[الرزق مضمون و هو لمن يأكله لا لمن يجمعه- تنبيه]
ينبه الحق بهذه الآية على أن الرزق مضمون، لا بد أن يوصله للعبد، فإن رزقه و رزق عياله لا بد أن يأت به اللّه، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها] كما أنه لن تموت نفس حتى يأتيها أجلها المسمى، و سواء كان الرزق قليلا أو كثيرا، فيقول لقمان لابنه: «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» أي أينما كانت مثقال هذه الحبة من الخردل لقلتها بل خفائها «فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ» أي عند ذي قلب قاس لا شفقة له على خلق اللّه، قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)
روي في النبوة الأولى أن للّه تعالى تحت الأرض صخرة صماء، في جوف تلك الصخرة حيوان لا منفذ له في الصخرة، و أن اللّه قد جعل له فيها غذاء، و هو يسبح اللّه و يقول: سبحان من لا ينساني على بعد مكاني؛ يعني من الموضع الذي تأتي منه الأرزاق، لا على بعد مكانها من اللّه «أَوْ فِي السَّماواتِ» بما أودع اللّه في سباحة الكواكب في أفلاكها من التأثيرات في الأركان لخلق أرزاق العالم أو الأمطار أيضا، فإن السماء في لسان العرب: المطر، قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم؛ يعني بالسماء هنا المطر «أَوْ فِي الْأَرْضِ» بما فيها من القبول و التكوين للأرزاق، فإنها محل ظهور الأرزاق، كذلك الكوكب يسبح في الفلك و عن سباحته يكون ما يكون في الأركان الأمهات من الأمور الموجبة للولادة، فأينما كان مثقال هذه الحبة «يَأْتِ بِهَا اللَّهُ» و لم يقل يأت إليها، و من هذا يستدل أن صاحب الرزق من يأكله لا من يجمعه،
فإن اللّه يأتي به، فهو تعالى الآتي برزقك إليك حيث كنت و كان رزقك، فهو يعلم موضعك و مقرك و يعلم عين رزقك «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ» أي هو أخفى أن يعلم و يوصل إليه- أي إلى العلم به- من حبة الخردل «خَبِيرٌ» للطفه بمكان من يطلب تلك الخردلة منه، لما له من الحرص على دفع ألم الفقر عنه، فإن الحيوان ما يطلب الرزق إلا لدفع الآلام لا غير- تنبيه- نبهنا اللّه بهذا التعريف لتأتيه أنت بما كلفك أن تأتيه به، فإنك ترجوه فيما تأتيه به و لا يرجوك فيما أتاك به، فإنه غني عن العالمين و أنت من الفقراء إليه، فإتيانك إليه بما كلفك الإتيان به آكد في حقك أن تأتي به، لافتقارك و حاجتك لما يحصل لك من المنفعة بذلك.
[سورة لقمان (31): الآيات 17 الى 18]
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18)
فإنه لا يظهر بهذه الصفة إلا من هو جاهل، فإنه لا يخلو أن يفتخر على مثله أو على ربه و خالقه، فإن افتخر على مثله فقد افتخر على نفسه، و الشيء لا يفتخر على نفسه، ففخره و اختياله جهل، و محال أن يفتخر على خالقه، لأنه لا بد أن يكون عارفا بخالقه أو غير عارف بأن له خالقا، فإن عرف و افتخر عليه فهو جاهل بما ينبغي أن يكون لخالقه من نعوت الكمال، و إن لم يعرف كان جاهلا، فما أبغضه اللّه إلا لجهله، فإن الجهل مذموم.
[سورة لقمان (31): الآيات 19 الى 20]
وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ (20)
«أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ» من ملك و كوكب سابح في فلك، فمن الملائكة الموكل بالوحي و الإلقاء، و منهم الموكل بالأرزاق، و منهم الموكل بقبض الأرواح، و منهم الموكل بإحياء الموتى، و منهم الموكل بالاستغفار للمؤمنين و الدعاء لهم، و منهم الموكلون بالغراسات في الجنة جزاء لأعمال العباد، «وَ ما فِي الْأَرْضِ» و ما بينهما من الخلق جميعا منه، قال تعالى في سورة الجاثية (وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فأدخل الحق العالم كله أجمع تحت تسخير هذا الإنسان الأرفع، فما من ملأ أعلى إلا به مستعل، و ما من ملأ أدنى إلا يتضرع إليك و يبتهل، فهم بين مستغفر لك و مصلّ عليك، و ملك سلام يوصله من الحق تعالى إليك، و إذا كان السيد الحق يصلي عليك فكيف بملائكته؟ و إذا كان ناظرا إليك فما ظنك بخليقته؟
و ما من فاكهة و نعمة عند تناهيها إلا متضرعة لك خاضعة أن تؤدي لك ما أودع اللّه من المنافع فيها، فما في الوجود كله حقيقة و لا دقيقة إلا و منك إليها و منها إليك رقيقة، فانظر أين مرتبتك في الوجود؟ فالعالم كله على الحقيقة أيها الإنسان تحت تسخيرك، إذ سلم من نظرك و تدبيرك، فإن كل شيء خلقه اللّه للإنسان و من أجله و سخر له، لما علم اللّه من حاجته إليه، فهو فقير إلى كل شيء ليس له غنى عنه،
و لذلك استخدم اللّه له العالم كله، فما من حقيقة صورية في العالم الأعلى و الأسفل إلا و هي ناظرة إلى هذا الإنسان نظر كمال، أمينة على سر أودعها اللّه إياه لتوصله إليه «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً» كل نعم اللّه عظيمة ظاهرة و باطنة، فظاهرة ما شوهد منها، و باطنة ما علم و لم يشهد، و ظاهرة التعظيم عرفا و باطنة التعظيم عند أهل اللّه و أهل النظر المستقيم مما ليس بعظيم في الظاهر، فلا أرى شيئا ليس عندي بعظيم، لأني انظر بعين اعتناء اللّه به حيث أبرزه في الوجود،
فأعطاه الخير، فليس عندنا أمر محتقر، فالكل نعمته ظاهرة و باطنة، و قد أسبغها على عباده، و كم من نعمة للّه أخفاها شدة ظهورها، و استصحاب كرورها على المنعم عليه و مرورها، و من النعم الباطنة المعارف و العلم به.
[سورة لقمان (31): الآيات 21 الى 22]
وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (21) وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَ إِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22)
«وَ مَنْ يُسْلِمْ» و هو الإسلام و الانقياد الذاتي للعبد، لأنه تعالى قال «وَجْهَهُ» و وجه الشيء حقيقته و ذاته «إِلَى اللَّهِ» و جاء هنا بالاسم اللّه، لأن اللّه قد عصم هذا الاسم أن يسمى به غير اللّه، فلا يفهم منه عند التلفظ به و عند رؤيته مرقوما إلا هوية الحق لا غير «وَ هُوَ مُحْسِنٌ» أي فعل ذلك عن شهود منه، لأن الإحسان أن ترى ربك في عبادتك،فإن العبادة لا تصح من غير شهود، و إن صح العمل فالعمل غير العبادة، فإن العبادة ذاتية للخلق، و العمل عارض من الحق عرض له، فتختلف الأعمال منه و فيه و العبادة واحدة العين «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى» أي التي لا تتصف بالانخرام، فكان عمل العبد في مقام الشهود من حيث قوله تعالى: [كنت سمعه و كنت بصره و كنت يده] و قوله تعالى: (وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى) فأرجع الحق هذا التفصيل كله إلى عين واحدة فقال: «وَ إِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ».
[سورة لقمان (31): الآيات 23 الى 26]
وَ مَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (24) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)
«إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» أي المثنى عليه بالغنى، لأن صفة الغنى لا شيء أعلى منها، و هي صفة ذاتية للحق تعالى.
[سورة لقمان (31): آية 27]
وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)
[ما هي كلمات اللّه؟]
سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا: إنا أوتينا التوراة فيها موعظة و تفصيل كل شيء، فلا حاجة إلى ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه و سلم؛ فأنزل اللّه تعالى «وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ …» الآية، أي لو كان كلّ ما في الأرض من الأشجار تفيد من كلام اللّه تعالى ما أفادته شجرة موسى صلّى اللّه عليه و سلم ما نفدت كلمات اللّه و لا حصل الاستغناء عنها.
و اعلم أن الممكنات هي كلمات اللّه التي لا تنفد، و هي تحدث أي تظهر دائما، فالوجود و الإيجاد لا يزال دائما، فمخلوقاته لا تزال توجد و لا يزال خالقا. و ليست كلمات اللّه سوى صورالممكنات و هي لا تتناهى، و ما لا يتناهى لا ينفد و لا يحصره الوجود، من حيث ثبوته لا ينفد، فإن خزانة الثبوت لا تعطي الحصر، فإنه ليس لاتساعها غاية تدرك، فكلما انتهيت في وهمك في اتساعها إلى غاية فهو من وراء تلك الغاية، و من هذه الخزانة تظهر كلمات اللّه في الوجود على التتالي و التتابع أشخاصا بعد أشخاص، و كلمات إثر كلمات، و البحار و الأقلام من جملة الكلمات، و المادة التي ظهرت فيها كلمات اللّه التي هي العالم هي نفس الرحمن، و لهذا عبّر عنه بالكلمات،
فقيل في عيسى عليه السلام: إنه كلمة اللّه، و صدرت هذه الكلمات عن تركيب يعبر عنه في اللسان العربي بلفظة كن، فكلمات اللّه كلها عن كلمة اللّه كن، و عنها تنشأ الكائنات، و قد أخبر اللّه أنه ما من شيء يريد إيجاده إلا يقول له كن، و جاء بلفظة كن لأنها لفظة وجودية، فنابت مناب جميع الأوامر الإلهية، فتظهر أعيان الكلمات و هو المعبر عنها بالعالم بكلمة كن، فالكلمة ظهورها في النفس الرحماني، و الكون ظهورها في العماء، فيما هو للنفس يسمى كلمة و أمرا، و بما هو في العماء يسمى كونا و خلقا و ظهور عين؛ فكلمات اللّه لا تنفد و هي أعيان موجوداته، و الوجود كله كلمات اللّه التي لا تنفد أبدا.
و اعلم أن فائدة الكلام الإفهام بالمقاصد للسامعين، و الأحوال مفهمة و هي الكلام، و لا يخلو موجود أن يكون على حال ما، فحاله عين كلامه، لأنه المفهم الذي ينظر إليه ما هو عليه في وقته، فلا لسان أفصح من لسان الأحوال، و قرائن الأحوال تفيد العلوم التي تجيء بطريق العبارات، و العبارات من جملة الأحوال، فانطلق في الاصطلاح اسم الكلام على العبارات.
[سورة لقمان (31): الآيات 28 الى 29]
ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَ أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)
[ «كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» الآية]
راجع سورة الحج آية- 61- «كُلٌّ» يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه، فإنه تعالى قال: «يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» فإذا بلغ جريانه الأجل زال جريانه و إن بقي عينه. و اعلم أن اللّه تعالى جعل لكل صورة في العالم أجلا تنتهي إليه في الدنيا و الآخرة،إلا الأعيان القابلة للصور فإنه لا أجل لها، بل لها منذ خلقها اللّه الدوام و البقاء، قال تعالى:
«كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» فجاء بكل و هي تقتضي الإحاطة و العموم، و قد قلنا: إن الأعيان القابلة للصور لا أجل لها، فبما ذا خرجت عن حكم «كُلٌّ»؟ قلنا: ما خرجت و إنما الأجل الذي للعين إنما هو ارتباطها بصورة من الصور التي تقبلها، فهي تنتهي في القبول لها إلى أجل مسمى، و هو انقضاء زمان تلك الصورة، فإذا وصل الأجل المعلوم عند اللّه في هذا الارتباط انعدمت الصورة و قبلت العين صورة أخرى، فقد جرت الأعيان إلى أجل مسمى في قبول صورة ما، كما جرت الصورة إلى أجل مسمى في ثبوتها لتلك العين الذي كان محل ظهورها،
فقد عم الكل الأجل المسمى، فقد قدر اللّه لكل شيء أجلا، في أمر ما ينتهي إليه، ثم ينتقل إلى حالة أخرى يجري فيها أيضا إلى أجل مسمى، فإن اللّه خلّاق على الدوام مع الأنفاس، فمن الأشياء ما يكون مدة بقائه زمان وجوده و ينتهي إلى أجله في الزمان الثاني من زمان وجوده، و هي أقصر مدة في العالم، و فعل اللّه ذلك ليصح الافتقار مع الأنفاس من الأعيان إلى اللّه تعالى، فلو بقيت زمانين فصاعدا لاتصفت بالغنى عن اللّه في تلك المدة،
و هذه مسئلة يقول بها الأشاعرة من المتكلمين، و موضع الإجماع من الكل في هذه المسألة التي لا يقدرون على إنكارها الحركة، إلا طائفتين: من يجعل الحركة نسبة لا وجود لها و هو الباقلاني من المتكلمين، و أصحاب الكمون و الظهور القائلون به، و إن قال القائلون بالكمون و الظهور بذلك فإنهم تحت حيطة «كُلٌّ» بهذا المذهب، فإنه قد جرى في كمونه إلى أجل مسمى،
و هو زمان ظهوره، فقد انقضت مدة كمونه، و لا يلزم من جريانهم إلى الأجل أن المراد عدمهم، بل يجوز أن يكون له العدم، و يجوز أن يكون الانتقال مع بقاء العين الموصوفة بالجري، و يجوز أن يكون منه أجل يعدمه، و منه ما يكون له أجل بانتقاله يعدمه، و هو الذي نذهب إليه و نقول به، فإنه لا بد لكل شيء من غاية، و الأشياء لا يتناهى وجودها فلا تنتهي غاياتها، فاللّه يجدد في كل حين أشياء، و كل شيء له غاية تلك الغاية أجله المسمى، فليس الأجل إلا لأحوال الأعيان، و الأعيان غايتها عين لا غاية.
[سورة لقمان (31): آية 30]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)
«أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ» في شأنه و ذاته عما يليق بسمات الحدوث و صفات المحدثات «الْكَبِيرُ» بما نصبه المشركون من الآلهة، و لهذا قال الخليل في معرض الحجة على قومه، مع اعتقاده الصحيح أن اللّه هو الذي كسر الأصنام المتخذة آلهة حتى جعلها جذاذا، مع دعوى عابديها بقولهم (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) فنسبوا الكبر له تعالى على آلهتهم، فقال إبراهيم عليه السلام (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) فلو نطقوا لاعترفوا بأنهم عبيد، و أن اللّه هو الكبير العلي العظيم.
[سورة لقمان (31): آية 31]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31)
«لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ» آياته هي الدلائل عليه، و لما كانت الدار دار بلاء لا يخلص فيها النعيم عن البلاء وقتا واحدا، و أقله طلب الشكر من المنعم بها عليها، و أي تكليف أشق منه على النفس؟ يؤيد ذلك قوله تعالى في حق راكب البحر «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» إذا اشتد الريح عليه و برد، فبما فيها من النعمة يطلب منه الشكر عليها، و بما فيها من الشدة و الخوف يطلب منه الصبر.
[سورة لقمان (31): الآيات 32 الى 33]
وَ إِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَ اخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَ لا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)
يا ربنا أسمعتنا فسمعنا، و أعلمتنا فعلمنا، فاعصمنا، و تعطف علينا، فالمنصور من نصرته، و المؤيد من أيدته، و المخذول من خذلته، فإنه لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.
[سورة لقمان (31): آية 34]
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
قوله تعالى «وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ» فإنه الخالق ما فيها و هو قوله تعالى (يَعْلَمُ السِّرَّ)* فإن السر النكاح.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 372