تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة مريم
(19) سورة مريم مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة مريم (19): الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)
[ذكر الرحمة العبد]
في هذه الآية الرحمة هي التي تذكر العبد ما هو يذكرها، فتعطيه بذكره حقيقة ما فيها لأنها تطلب منه التعشق بها، فإنه لا ظهور لها إلا به، فهي حريصة على مثل هذا، و هذه الآية تعريف إلهي بوجوب حكم الرحمة فيمن تذكره من عباده سبحانه و تعالى، و جاء زكريا لا لخصوص الذكر، و إنما ساقته عناية العبد، فإنها ما ذكرته إلا لكونه عبدا له تعالى في جميع أحواله، فأي شخص أقامه اللّه في هذا المقام فبرحمته به أقامه لتذكره رحمة ربه عنده تعالى، فحال عبوديته هو عين رحمته الربانية التي ذكرته، فأعلمت ربها أنها عند هذا العبد، فأي شيء صدر من هذا الشخص فهو مقبول عند اللّه تعالى، و من هذا المقام يحصل له من اللّه ما يختص به مما لا يكون لغيره، و هو الأمر الذي يمتاز به و يخصه، فإنه لا بد لكل مقرّب عند اللّه من أمر يختص به.
[سورة مريم (19): آية 3]
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3)
لما كانت مريم محررة للّه، حاملة لروح اللّه، محلا لكلمة اللّه، مثنيا عليها بكلام اللّه، مبرأة بشهادة ما سقط من التمر في هزها جذع النخلة اليابس و نطق ابنها في المهد بأنه عبد اللّه، فكانت للّه و باللّه و عن اللّه، لهذا غبطها زكريا نبي اللّه، فتمنى مثلها على اللّه، فنادى ربه نداء خفيا.
[سورة مريم (19): آية 4]
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)
الاشتعال اسم مخصوص و نعت من نعوت أحوال النار المركبة، فاستعير للشيب في قوله تعالى: «وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً».
[سورة مريم (19): آية 5]
وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)
فقدم زكريا الحق على ذكر ولده.
[سورة مريم (19): آية 6]
يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
فأكرمه اللّه بأن قضى حاجته، و سماه بصفته حتى يكون اسمه تذكارا لما طلب منه نبيه زكريا، لأنه عليه السلام آثر بقاء ذكر اللّه في عقبه، إذ الولد سر أبيه، فقال «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» و ليس موروث في حق هؤلاء إلا مقام ذكر اللّه و الدعوة إليه.
[سورة مريم (19): آية 7]
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)
[اسم يحيى (ع)]
أنزل الحق تعالى يحيى عليه السلام منزلته في الأسماء: فلم يجعل له من قبل سميا، و خصه بأن لم يجعل له سميا من قبل من أنبياء اللّه، و هو و إن كان في العالم يحيى كثير، إلا أن له مرتبة الأولية في هذا الاسم، فبه يحيا كل من يحيا من الناس من تقدم و من تأخر، فإن اللّه ما جعل له من قبل سميا، فكل يحيى تبع له، فبظهوره لا حكم لهم، و بعد ذلك وقع الاقتداء به في اسمه ليرجع إليه، و سماه اللّه يحيى، أي يحيا به ذكر زكريا، فجمع بين حصول الصفة و بين الاسم العلم، و ما جمع اللّه لأحد قبل يحيى بين ذلك إلا لزكريا عناية منه. و لما سلّط عليه الجبار عدوه فقتله، و ما حماه منه و لا نصره باقتراح بغيّ على باغ، فإنه أراد بقاءه حيا فقتله شهيدا، فأبقى حياته عليه، فجمع له بين الحياتين فسماه يحيى، و أثرت فيه همة أبيه لما أشرب قلبه من مريم، و كانت منقطعة من الرجال فجعله حصورا بهذا التخيل، و جاء في الخبر أن اللّه يأتي بالموت يوم القيامة فيوضع بين الجنة و النار ليراه هؤلاء و هؤلاء و يعرفون أنه الموت، في صورة كبش أملح، فيذبحه يحيى عليه السلام خاصة، و ذلك من سرّ اسمه، فإن الموت ضد له و لا يبقى معه، و الدار دار الحيوان فلا بد من إزالة الموت، فلا مزيل له سوى يحيى.
[سورة مريم (19): آية 8]
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)
[تعجب زكريا (ع)]
ليس أعجب من حال زكريا عليه السلام، و هو الذي ظهر فيه سلطان الإنسانية حين يقول (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) فما سأل حتى تصور الوقوع، فأين هذه الحالة من قوله «رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا» فإن لم يكن ثمّ قرينة حال جعلته أن يقول مثل هذا حتى يقال له في الوحي.
[سورة مريم (19): آية 9]
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً (9)
«قالَ» له في الوحي «كَذلِكَ» اللّه يفعل ما يشاء، فيكون قصد إعلام اللّه بذلك حتى يعلم غيره أن اللّه يفعل ما يشاء في المعتاد أن يخرقه كما وقع، و إن كان ذلك القول الذي قال زكريا عليه السلام من نفسه فقد أعطته الإنسانية قوتها، فإن الإنسان بذاته كما ذكره اللّه في كتابه، فما ذكره اللّه في موضع إلا و ذكر عند ذكره صفة نقص تدل على خلاف ما خلق له «قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ» أي قدّرتك «مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً» المقصود هو شيئية الوجود لأنه جاء بلفظة تك، و هي حرف وجودي فنفاه بلم، أي ما كانت لك شيئية الوجود، و هي على الحقيقة شيئية الظهور، فإياك أن تتوهم أن هذا الخطاب لزكريا في حق نفسه لإبطال المعنى فيه،
فإن خلق ابنه أعجب من خلقه في حكم العادة، لأن زكريا عليه السلام قد أظهر العلة، فلو أحاله على خلق نفسه لما أتاه بأعجب مما تعجب منه، و إنما أشار إليه بذلك أن ينظر في أول موجود، و هي الحقيقة الإنسانية قبل كل شيء، و هي أم الأشياء كلها و ليست من شيء، و هي سبب كل شيء، و ليست مسببة لشيء، و لهذا قال له «وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً» فإن هذا الخلق الترابي الآدمي مسبب عن أشياء، قال اللّه تعالى في خلق الجسد الآدمي (خلقكم من تراب) ثم قال (من طين) و هو خلط الماء و التراب، و قال (من حمأ مسنون) و هو المتغير الريح و هو جزء الهواء، و قال (من صلصال كالفخار) و هو جزء النار، فهذه أمهات الجسد الآدمي، و هي كثيرة، فلا يصح على هذا قوله «وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً» فإنه قد كان شيئا و انتقل في أطوار العالم من شكل إلى شكل حتى صار على هذه الصفة، فقوله على ما تعطيه الحقائق و يعظم التعجب عند زكريا عليه السلام «وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً»
إنما يشير إلى البروز الأول من غير شيء، لأن زكريا عليه السلام إنما تعجب من بشراه له تعالى بيحيى على كبره و امرأته عاقر، فذكر له ما هو أعجب من ذلك و هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فإن النقلة في مراتب الوجود من وجود إلى وجود باختلاف الأحوال أهون من إبراز المعدوم، فلهذا كان أعجب مما تعجب منه زكريا، و من هذا تعجبت امرأة إبراهيم عليه السلام حين بشرت باسحاق عليه السلام، فقالت (يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) فشرّك اللّه تعالى بين المرأة و الرجل في هذا التعجب، فشرّك بينهما في العلم، لأن التعجب على قدر العلم، ف «لَمْ تَكُ شَيْئاً» يعني و لم تك موجودا، فظهر لعينه و إن كان في شيئية ثبوته ظاهرا متميزا عن غيره بحقيقته، و لكن لربه لا لنفسه، يقول لزكريا عليه السلام:
فكن معي في حال وجودك من عدم الاعتراض في الحكم و التسليم لمجاري الأقدار كما كنت في حال عدمك. و يقول للإنسان: ينبغي لك أن تكون و أنت في وجودك من الحال معي كما كنت و أنت في حال عدمك من قبولك لأوامري و عدم اعتراضك. يأمره بالوقوف عند حدوده و مراسمه، فيتكلم حيث رسم له أن يتكلم، و يتكلم بما أمره به أن يتكلم- راجع آية 21-.
[سورة مريم (19): الآيات 10 الى 11]
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا (11)
أمر اللّه تعالى زكريا عليه السلام بصمت ثلاثة أيام، و أن يأمر قومه بالذكر بكرة و عشية، ليسوي بذلك بين ظاهره مع وجود باطنه فيحيا، و يستعين بذكر قومه لمناسبتهم إياه إذ كانوا لا يصلحون للصمت، فالذكر أولى بهم.
[سورة مريم (19): آية 12]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)
يعني حكم الإمامة و هو مقام الإمامة مع تسميته صبيا، فإن الصبي من صبا أي مال، و بذلك سمي الصبي صبيا لميله إلى حكم الطبيعة و نيل أغراضه، فهو مائل إلى شهواته، و الحكم هو القضاء المحكوم به على المحكوم عليه، و لما كان الناس إنما يستغربون الحكمة من الصبي الصغير دون الكبير، لأنهم ما عهدوا إلا الحكمة الظاهرة عن التفكر و الروية، و ليس الصبي في العادة بمحل لذلك، فيقولون إنه ينطق بها فتظهر عناية اللّه بهذا المحل الظاهر، فزاد يحيى بأنه على علم بما نطق به علم ذوق، لأن مثل هذا في هذا الزمان و السن لا يصح أن يكون إلا ذوقا، فآتاه اللّه الحكم صبيا و هو حكم النبوة التي لا تكون إلا ذوقا، فيحيى آتاه اللّه الحكم صبيا و لم يجعل له من قبل سميا.
[سورة مريم (19): الآيات 13 الى 15]
وَ حَناناً مِنْ لَدُنَّا وَ زَكاةً وَ كانَ تَقِيًّا (13) وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (14) وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)
شهادة إلهية مقطوع بها عناية من غير تعمل، و قد قال عيسى عليه السلام (و السلام علي يوم ولدت) فسلّم بالتعريف، و هنا سلّم الحق على يحيى عليه السلام بالتنكير، و التنكير أعم، فاعلم أن التعريف الذي جاء به عيسى ما هو تعريف عين بل هو تعريف جنس، فلا فرق بينه بالألف و اللام و بين عدمهما، فعيسى و يحيى في السلام على السواء كما هما في الصلاح كذلك، فإن اللّه تعالى قال عن يحيى عليه السلام (وَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) فعيّنه في النكرة، و قال في عيسى (و من الصالحين) فعيّنه في النكرة.
[سورة مريم (19): الآيات 16 الى 17]
وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (17)
جبريل عليه السلام هو الذي تمثل لمريم بشرا سويا عند إيجاد عيسى عليه السلام في حضرة الخيال المحسوس يقظة، فانتقل حكم البشر إلى الروح لما ظهر بصورة البشر، فأعطى الولد الذي هو عيسى، و ليس ذلك من شأن الأرواح، و لكن انتقل حكم الصورة إليها بقبوله للصورة. و اعلم أن الأرواح لها اللطافة، فإذا تجسدت و ظهرت بصورة الأجسام كثفت في عين الناظر إليها، و الأجسام لها الكثافة شفافها و غير شفافها، فإذا تحولت في الصور في عين الرائي أو احتجبت مع الحضور فقد تروحنت، أي صار لهم حكم الأرواح في الاستتار، و أما سبب كثافة الأرواح و هي من عالم اللطف فلكونهم خلقوا من الطبيعة،
و إن كانت أجسامهم نورية فمن نور الطبيعة كنور السراج، فلهذا قبلوا الكثافة، فظهروا بصور الأجسام الكثيفة، كما أثر فيهم الخصام حكم الطبيعة لما فيها من التقابل و التضاد، فمن هذه الحقيقة التي أورثتهم الخصومة تجسدوا في صور الأجسام الكثيفة، و أما الكثيف يرجع لطيفا فسببه التحليل، فإن الكثائف من عالم الاستحالة، و كل ما يقبل الاستحالة يقبل الصور المختلفة و المتضادة، و الأرواح لا تتشكل إلا فيما تعلمه من الصور، و لا تعلم شيئا منها إلا بالشهود، فكانت الأرواح تتصور في كل صورة في العالم إلا في صورة الإنسان قبل خلق الإنسان، فإن الأرواح و إن كان لها التصور فما لها القوة المصورة كما للإنسان، فإن القوة المصورة تابعة للفكرة التي هي صفة للقوة المفكرة، فالتصور للأرواح من صفات ذات الأرواح النفسية لا المعنوية، لا لقوة مصورة تكون لها، إلا أنها و إن كان لها التصور ذاتيا فلا تتصور إلا فيما أدركته من صور العالم الطبيعي، و قوله تعالى «فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا» تنبيها على المباشرة، فإنه لا يوجد أحد من بني آدم إلا عن مباشرة، فكان الروح واسطة بينه تعالى و بين مريم في إيجاد عيسى
[دقيقة: لم غلب على أمة عيسى القول بالصورة]
– دقيقة- لما كان وجود عيسى عليه السلام عن تمثل روح في صورة بشر و لم يكن عن ذكر بشري، لهذا غلب على أمة عيسى ابن مريم دون سائر الأمم القول بالصورة، فيصورون في كنائسهم مثلا و يتعبدون في أنفسهم بالتوجه إليها، فإن أصل نبيهم عليه السلام كان عن تمثل، فسرت تلك الحقيقة في أمته إلى الآن.
[سورة مريم (19): آية 18]
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)
لما تمثل جبريل لمريم عليها السلام بشرا سويا، تخيلت أنه يريد مواقعتها، فاستعاذت منه، استعاذت بجمعية منها ليخلصها اللّه منه لما تعلم أن ذلك مما لا يجوز.
[سورة مريم (19): آية 19]
قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19)
«قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ» جئت «لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا» تمثل الملك لمريم بشرا سويا و جعله الحق تعالى روحا، إذ كان جبريل روحا، فوهبها عيسى عليه السلام، فكان انفعال عيسى عن الملك الممثل في صورة الرجل، و لذلك خرج على صورة أبيه، إذ كل مؤثّر أب و كل مؤثّر فيه أم، و المتولد من ذلك يسمى ابنا و مولدا، فخرج عيسى ذكرا بشرا روحا، فجمع بين الصورتين اللتين كان عليهما أبوه الذي هو الملك، فإنه روح في عينه بشر من حيث تمثله في صورة البشر، فما تكون عيسى إلا عن اثنين، فجبريل وهب لمريم عيسى في النفخ كما ينفخ الروح في الصورة عند تسويتها، فصورة عيسى مثل تجسد الأرواح لأنه عن تمثل، فلو تفطنت لخلق عيسى لرأيت علما عظيما تقصر عنه أفهام العقلاء، و هو التحاق البشر بالروحاني و التحاق الروحاني بصورة البشر، فخرج عيسى على صورة جبريل في المعنى و الاسم و الصورة، ففي الصورة كان بشرا لتمثل جبريل في صورة البشر، و في الاسم فإن عيسى سمي روحا و جبريل من أسمائه الروح، و في المعنى فكان يحيي الموتى كما يحيي جبريل.
[سورة مريم (19): آية 20]
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)
فإن الخصم يقول لا ولد إلا من والد، و لا بيضة إلا من دجاجة، فأراهم اللّه تعالى عيسى حجة عليهم، و لذلك كان آية.
[سورة مريم (19): آية 21]
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (21)
[نقصان المرأة عن الرجل في العلم بالأحدية الذاتية]
لما كانت أحدية اللّه ذاتية لا نسبة بينها و بين طلب الممكنات، و من المحال أن يعقل العقل وجود العالم من هذه الأحدية التي لها الغنى عن العالمين، وجب عليه أن يرجع إلى النظر فيما يطلبه الممكن من وجود من له هذه الأحدية، فنظر فيه من كونه إلها يطلب المألوه، و هو تركيب الأدلة و ترتيبها، و لما كان يجب على الرجل الجمع بين العلم بتلك الأحدية و بين العلم بكونه إلها، فقال تعالى لزكريا عليه السلام «كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً» فتعدد الأحكام على المحكوم عليه مع أحدية العين إنما ذلك راجع إلى نسب و اعتبارات، فعين الممكن لم تزل و لا تزال على حالها من الإمكان، فلم يخرجها كونها مظهرا حتى انطلق عليها الاتصاف بالوجود عن حكم الإمكان فيها، فإنه وصف ذاتي لها، و الأمور لا تتغير عن حقائقها لاختلاف الحكم عليها لاختلاف النسب، لذلك قال «وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً» فنفى الشيئية عنه و أثبتها له، و العين هي العين لا غيرها، فأحاله إلى النظر و الاستدلال، و لم يقل ذلك للمرأة و هي مريم، بل قال لها (كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) فإن المرأة تنقص عن الرجل في العلم بالأحدية الذاتية، فلم يكلفها النظر في الجمع بينها و بين العلم باللّه من كونه إلها، بل قال لها (وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا) مع أنه متعين على مريم العلم بالأحدية الذاتية و علم الأحدية الإلهية التي هي أحدية الكثرة، فإنها ممن تحصّل له درجة الكمال.
[سورة مريم (19): آية 22]
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (22)
جسم عيسى متكون من ماء أمه مريم، و ينكر ذلك الطبيعيون و يقولون إنه لا يتكون من ماء المرأة شيء، و ذلك ليس بصحيح.
[سورة مريم (19): آية 23]
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23)
[مده حمل عيسى (ع)]
عيسى عليه السلام لم يلبث في البطن اللبث المعتاد، فإنه لم ينتقل في أطوار النشأة الطبيعية بمرور الأزمان المعتادة، بل كان انتقاله يشبه البعث، أعني إحياء الموتى يوم القيامة في الزمان القليل على صورة ما جاءوا عليها في الزمان الكثير. و اعلم أنه لا عذاب على النفوس أعظم من الحياء، حتى يود صاحب الحياء ان لم يكن شيئا كما قالت الكاملة «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا» قالت ذلك و هي بريئة في نفس الأمر عند اللّه، حياء من الناس، لما علمت من طهارة بيتها و آبائها، فخافت من إلحاق العار بهم من أجلها، فهذا حياء من المخلوق كيف نسبوا إليها ما لا يليق ببيتها و لا بأصلها، فبرأها اللّه مما نسبوا إليها لما نالها من عذاب الحياء من قومها، فإن عيسى عليه السلام هو عين الكلمة التي ألقاها اللّه إلى مريم، لا غير ذلك، و لا علمت غير ذلك، فلو كانت الكلمة الإلهية قولا من اللّه و كلاما لها مثل كلامه لموسى عليه السلام لسرت و لم تقل «يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا» فلم تكن الكلمة الإلهية التي ألقيت إليها إلا عين عيسى روح اللّه و كلمته، و هو عبده، فنطق عيسى ببراءة أمه في غير الحالة المعتادة ليكون آية، فنفّس اللّه عن أمه بنطقه ما كان أصابها من كلام أهلها بما نسبوها إليه مما طهرها اللّه عنه.
[سورة مريم (19): الآيات 24 الى 25]
فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (25)
فكان ذلك شهادة مبرئة لمريم عليها السلام بما سقط من الثمر في هزها جذع النخلة اليابس و نطق ابنها في المهد بأنه عبد اللّه، و هما شاهدان عدلان عند اللّه، إذ أكثر الشرع في الحكومة بشاهدين عدلين: و لا أعدل من هذين و قام الشاهد الأول بهز الجذع للمناسبة الموجودة، فإن النخل لا ينتج إلا بتذكير، فلما هزت الجذع اليابس أنتج من غير تذكير للحين، كما فعل بعيسى عليه السلام، و أما الشاهد الثاني فهو نطق عيسى في المهد، شاهد ثان على أهل الجحد.
[سورة مريم (19): الآيات 26 الى 28]
فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (27) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)
[ «يا أُخْتَ هارُونَ»]
«يا أُخْتَ هارُونَ» المقصود هنا هارون عليه السلام، و قولهم «يا أُخْتَ هارُونَ» فإن مريم أخت له دينا و نسبا، فإذا قيل إنه ما هو أخوها لأن بينهما زمانا طويلا، قلنا: أ لا ترى إلى قوله تعالى (وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً)* ما هذه الأخوة؟ أ ترى هو أخو ثمود لأبيه و أمه فهو أخوهم؟ فسمى القبيلة باسم ثمود، و كان صالح من نسل ثمود، فهو أخوهم بلا شك، ثم جاء بعد ذلك بالدين، أ لا ترى أصحاب الأيكة لما لم يكونوا من مدين، و كان شعيب من مدين، فقال في شعيب أخو مدين (و إلى مدين أخاهم شعيبا) و لما جاء ذكر أصحاب الأيكة قال (إذ قال لهم شعيب) و لم يقل أخاهم، لأنهم ليسوا من مدين و شعيب من مدين.
[سورة مريم (19): آية 29]
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
عدلت مريم عليها السلام إلى الإشارة من أجل أهل الإفك و الإلحاد، فإن الإشارة لا تكون إلا بقصد المشير بذلك أنه يشير، لا من جهة المشار إليه، و الإشارة إيماء، جاءت به الأنباء فهي إشارة على رأس البعد، و هي على قسمين: إشارة تقتضي البعد، و تبلغ ما لا يبلغ الصوت، و إشارة تقتضي القرب و لكن بحضور ثالث أو أكثر، فالبعد الذي فيه، كون الأغيار حاضرين، فأشارت إليه متكلة عليه، فبرأتها شهادته مما قيل، و تلي ذلك في كل جيل، في قرآن و زبور و توراة و إنجيل «قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» لما عندهم من حكم المواطن، و آتى اللّه تعالى عيسى عليه السلام الحكم صبيا، و هو حكم النّبوة التي لا تكون إلا ذوقا، فمن حكمه أن حكم في مهده على مرأى من قومه الذين افتروا في حقه على أمه مريم، فبرأها اللّه بنطقه و بحنين جذع النخلة إليه، و من حكمه عليه السلام.
[سورة مريم (19): آية 30]
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا (30)
لما كان عيسى عليه السلام قد آتاه اللّه الحكم صبيا و هو رضيع في المهد، فقد أيده ببيان ذلك، فنطق عليه السلام في المهد بالإقرار و الجحد، و بدأ عليه السلام في نطقه بالعبودية، فقال لقومه في براءة أمه لما علم من نور النبوة التي في استعداده أنه لا بد أن يقال فيه إنه ابن اللّه، فقال عن نفسه إخبارا بحاله مع اللّه «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ» فبدأ في أول تعريفه و شهادته في الحال الذي لا ينطق مثله في العادة، فما أنا ابن لأحد، فأمي طاهرة بتول، و لست بابن للّه، كما أنه لا يقبل الصاحبة لا يقبل الولد، و لكني عبد اللّه مثلكم، فحكم على نفسه بالعبودية للّه، و ما قال ابن فلان لأنه لم يكن ثمّ «آتانِيَ الْكِتابَ» فحصل له إنجيله قبل بعثه، فكان على بينة من ربه، فحكم بأنه مالك كتابه الإلهي «وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا» فنطق بنبوته في وقتها عنده و في غير وقتها عند الحاضرين، لأنه لا بد له في وقت رسالته أن يعلم بنبوته كما جرت عادة اللّه في الأنبياء قبله، و حكم بأن النبوة بالجعل لئلا يتخيل أن ذلك بالذات، بل هو اختصاص إلهي.
[سورة مريم (19): آية 31]
وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31)
فلما أبان عن أنه أوتى مقام الإمامة مع تسميته صبيا، قال «وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً» أي محلا و علامة على زيادات الخير عندكم، و خصني بزيادة لم تحصل لغيري، و تلك الزيادة ختمه للولاية، و نزوله في آخر الزمان و حكمه بشرع محمد صلّى اللّه عليه و سلم حتى يكون يوم القيامة ممن يرى ربه الرؤية المحمدية في الصورة الإلهية «أَيْنَ ما كُنْتُ» في المهد و غيره، و يعني في كل حال من الأحوال، ما تختص البركة بسببي فيكم في حال دون حال من دنيا و آخرة، فإنه ذو حشرين يحشر في صف الرسل و يحشر معنا في أتباع محمد صلّى اللّه عليه و سلم «وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ» المفروضة في أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم أن أقيمها، لأنه جاء بالألف و اللام فيها «وَ الزَّكاةِ» أيضا كذلك، و أراد بالوصية بالصلاة و الزكاة العبادة، كما تدل على العمل هي على العبادة أدل، لأنها تفتقر في كونها عبادة إلى بيان، و إذا أريد بها العمل احتيج إلى تعيين ذلك العمل و بيان صورته، حتى يقيم نشأته هذا المكلّف به «ما دُمْتُ حَيًّا» زمان التكليف و هو الحياة الدنيا، فأراد ما دام في عالم التكليف و التشريع، يعني حياة التكليف في ظاهر الأمر عند السامعين، و عندنا أنه لما أوصاه بالصلاة و الزكاة و هي العبادة، دل على أنه لا يزال حيا أينما كان، و إن فارق هذا الهيكل بالموت فالحياة تصحبه، لأنها صفة نفسية له، و لا سيما و قد جعله روح اللّه.
[سورة مريم (19): آية 32]
وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (32)
[قول عيسى عليه السلام: «وَ السَّلامُ عَلَيَّ …»]
ثم ذكر عليه السلام أنه بر بوالدته أي محسن إليها، فأول إحسانه أنه برأها مما نسب إليها في حالة لا يشكون في أنه صادق في ذلك التعريف، فمن بره بها كونه برأها مما نسب إليها بشهادته، و أخبر أنه شق في خلقه، فإن لأمه عليه ولادة لما كانت محل تكوينه، و ذلك بقوله «وَ بَرًّا بِوالِدَتِي» و لم يقل: برا بوالديّ، فأخبر أنه شق أي من أنثى فقط، فقلت نسبته العنصرية، و أتى عليه السلام في كل ما ادعاه ببنية الماضي ليعرف السامع بحصول ذلك كله عنده و هو صبي في المهد، و قد ذكر أنه آتاه الكتاب و الحكمة، و لكن غاب عن أبصار الناس إدراك الكتاب الذي آتاه حتى ظهر في زمان آخر، و أما الحكمة فظهر عينها في نفس نطقه بمثل هذه الكلمات و هو في المهد، و هو يريد بلفظ الماضي الحال و الاستقبال، فما كان منه في الحال فنطقه شهادة ببراءة أمه، و تنبيها و تعليما لمن يريد أن يقول فيه إنه ابن اللّه، فنزه اللّه، و هو نظير براءة أمه مما نسبوا إليها، فهو في جناب الحق تنزيه و في جناب الأم تبرئة، و يدل لفظ الماضي فيه «و أينما كنت» أن يكون له التعريف بذلك من اللّه، ثم تمم فقال «وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا» إذ لا يكون ذلك ممن يكون إلا بالجهل، و الجهل فيه إنما هو من قوة سلطان ظلمة العنصر، و يريد بقوله «وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً» فإن الجبروت و هو العظمة يناقض العبودة و هو قوله (إني عبد اللّه) و يريد أيضا بقوله «وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً» أي لا أجبر الأمة التي أرسل إليها بالكتاب و الصلاة و الزكاة، إنما أنا مبلغ عن اللّه لا غير، ثم قال معرّفا عن أمر إلهي.
[سورة مريم (19): آية 33]
وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)
قول عيسى عليه السلام أكمل في الوصلة ممن قيل فيه (و سلام عليه يوم ولد) و هو يحيى، فهذا مقام أول لهذا المقام الثاني، فإن يحيى من الحياة، و هي مسخرة لعيسى عليه السلام فإنه كان يحيي الموتى، لهذا قلنا فيه أعلى في قوله «وَ السَّلامُ عَلَيَّ» فعرّف عليه السلام بما له قبل فطامه، و حكم على نفسه بالاستقامة قبل استحكامه، و شهد لنفسه بقبول الوصية الإلهية، بالصلاة النورية و الزكاة البرهانية، و سلم على نفسه في الثلاثة الأحوال، فإنه لما كان عليه السلام في المهد دلالة على براءة أمه مما نسب إليها لم يترجم عن اللّه إلا هو بنفسه، فقال «وَ السَّلامُ عَلَيَّ» يعني من اللّه، لعلمه بمرتبته من ربه و حظه «يَوْمَ وُلِدْتُ» بما نطقت فيكم به من أني عبد اللّه، فسلمت من انتساب وجودي إلى سفاح أو نكاح، و يعني له السلامة في ولادته من تأثير العبد المطرود الموكل بالأطفال عند الولادة، حين يصرخ الولد إذا وقع من طعنته، فلم يكن لعيسى عليه السلام صراخ، بل وقع ساجدا للّه تعالى «وَ يَوْمَ أَمُوتُ» يكذّب من يفتري عليه أنه قتل، فلم يقل و يوم أقتل، فكأنه يقول: فأسلم من وقوع القتل الذي ينسب إلي من يزعم أنه قتلني، و هو قول بني إسرائيل (إنا قتلنا المسيح ابن مريم) فأكذبهم اللّه فقال (و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم) فقال لهم إن السلام عليه يوم يموت سالما من القتل، إذ لو قتل قتل شهادة، و الشهيد حيّ غير ميت، و لا يقال فيه إنه ميت كما ورد عندنا النهي في ذلك، و كذلك لم يزل الأمر، فأخبر أنه يموت و لا يقتل، فذكر السلام عليه يوم يموت «وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» ثم ذكر أن السلام عليه يوم يبعث حيا في القيامة الكبرى، أكّد موته، و القيامة موطن سلامة الأبرياء من كل سوء، مثل الأنبياء و غيرهم من أهل العناية، فهو صاحب سلامة في هذه المواطن كلها، و ما ثم موطن ثالث، ما هي إلا حياة دنيا و حياة أخرى بينهما موت، ثم نزه نفسه تعالى عما قاله أهل الضلالة من الضلال، فقال.
[سورة مريم (19): الآيات 34 الى 36]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)
[سورة مريم (19): الآيات 37 الى 39]
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38) وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَ هُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39)
إن اللّه يظهر الموت و إن كان نسبة يوم القيامة في صورة كبش أملح، و ينادي يا أهل الجنة فيشرئبون، و ينادي يا أهل النار فيشرئبون، و ليس في النار في ذلك الوقت إلا أهلها الذين هم أهلها، فيقال للفريقين أ تعرفون هذا؟- و هو بين الجنة و النار- فيقولون: هو الموت، و يأتي يحيى عليه السلام و بيده الشفرة فيضجعه و يذبحه، و ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت، و يا أهل النار خلود فلا موت، و ذلك هو يوم الحسرة، فأما أهل الجنة إذا رأوا الموت سروا برؤيته سرورا عظيما، و يقولون له بارك اللّه لنا فيك، لقد خلصتنا من نكد الدنيا و كنت خير وارد علينا، و خير تحفة أهداها الحق إلينا، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم يقول: [الموت تحفة المؤمن] و أما أهل النار إذا أبصروه يفرقون منه و يقولون له: لقد كنت شر وارد علينا، حلت بيننا و بين ما كنا فيه من الخير و الدعة، ثم يقولون له: عسى تميتنا فنستريح مما نحن فيه، فذبح الموت أعظم حسرة، و ذبحه لتنقطع الكرّة،
[يوم الحسرة]
و إنما سمي يوم الحسرة، لأنه حسر للجميع أي ظهر عن صفة الخلود الدائم للطائفتين، ثم تغلق أبواب النار غلقا لا فتح بعده، و تنطبق النار على أهلها و يدخل بعضها في بعض ليعظم انضغاط أهلها فيها، و يرجع أسفلها أعلاها و أعلاها أسفلها، و ترى الشياطين و الناس فيها كقطع اللحم في القدر إذا كان تحتها النار العظيمة، تغلي كغلي الحميم، فتدور بمن فيها علوا و سفلا، كلما خبت زدناهم سعيرا بتبديل الجلود، و قد يكون يوم الحسرة يوم القيامة يوم يقول الشقي: يا حسرتا على ما فرطت، فهو يوم الحسرة أي يوم الكشف لإظهاره ما كان يخفى و يبطن، لأنه من حسرت الثوب عني فظهر ما تحته أي أزلته، أو من حسرت عن الشيء إذا كشفت عنه، فكأنه يقول: يا ليتني حسرت عن هذا الأمر في الدنيا فأكون على بصيرة من أمري، فإن أحدا لا يؤاخذه على ما جناه سوى ما جناه، فهو الذي آخذ نفسه فلا يلومن إلا نفسه، و من أحوال ذلك اليوم أن المؤمن الذي لا علم له و هو من أهل الجنة، يرى منازل العلماء باللّه فيتحسر و يندم، فيعمد اللّه إلى من هو من أهل النار من العلماء فيخلع عنه ثوب علمه و يكسوه هذا المؤمن ليرقى به في منزلة ذلك العلم من الجنة، لأنه لكل علم منزلة في الجنان لا ينزل فيها إلا من قام به ذلك العلم، لأن العلم يطلب منزلته من الجنان، و العالم الذي كان له هذا العلم هو من أهل النار الذين هم أهلها، و العلم لا يقوم بنفسه فينزل بنفسه في تلك المنزلة، فلا بد له من محل يقوم به، فيخلعه اللّه على هذا المؤمن السعيد الذي لا علم له فيرقى به العلم إلى منزلته، فما أعظمها من حسرة، فإن اللّه لا يبقي في الدنيا عند الموت عند أهل النار الذين هم أهلها سوى العلم الذي يليق أن يكون عليه أهل النار، و ما عدا ذلك من العلوم التي لا تصلح أن تكون إلا لأهل الجنة، يدخل اللّه بها على العالم به في الدنيا أو عند الاحتضار شبهة يخطرها له تزيله عن العلم أو تحيره، ثم يموت على ذلك، و كان ذلك في نفس الأمر علما، فهذا الصنف من العلم هو الذي يخلع على أهل الجنان إذا لم يتقدم لهم علم به في الدنيا، و يطمع فيه من قد كان علمه من أهل النار فيقام عليه الحجة بأنه مات على شبهة.
[سورة مريم (19): آية 40]
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها وَ إِلَيْنا يُرْجَعُونَ (40)
فهو تعالى الوارث إذا مات من عليها، فإنه إذا وقعت الفرقة بين المالك و المملوك فهو الوارث لهما، فقال تعالى «إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها» عينا و حكما، فأما في العين فقوله «وَ إِلَيْنا يُرْجَعُونَ» و على الحقيقة ما ورث إلا الوجود الذي يتجلى فيه لمن ظهر من خلقه، و هو صور الممكنات و أعراضها، لأن الوارث لا يكون مع وجود الموروث عنه و بقائه، و إنما يكون بعد انتقاله و عدمه من هذا الموطن، و هو اتصافه بالعدم، و ليس ذلك إلا للصور و الأعراض، فهو وارث على الدوام.
[سورة مريم (19): آية 41]
وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (41)
[صفة الصدّيق]
من صفة الصدّيق: سلامة العقل و الفكر الصحيح و الخيال الصحيح و الإيمان بصدق المخبر و إن أحاله العقل الذي ليس بسليم، و النبي صديق لما يخبر به الروح.
[سورة مريم (19): آية 42]
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42)
فهي شهادة بقصور نظره و عقله.
[سورة مريم (19): الآيات 43 الى 44]
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (43) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44)
فلو علم أن في الرحمة ما يوجب النقمة لما عصاه، فما عصي إلا الرحمن، لأن كل اسم يعمل على شاكلته، فما أعلم الأنبياء بربهم.
[سورة مريم (19): آية 45]
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45)
فإن قلت: كيف قرن إبراهيم الخليل العذاب بالرحمن هنا و الاسم الرحمن لا يقتضيه في الظاهر؟ فاعلم أنه أشار له إلى الاسم الذي هو أبوه معه في الحال، فإنه الرحمن بلا شك، لحصول العافية و الخير و الرزق و الصحة الذي هو فيه و عليه، و المعنى الآخر في مساق هذ الاسم مع العذاب، مثل رحمة الطبيب بصاحب الأكلة فهو يعذبه في الوقت بقطع العضو الذي فيه الأكلة رحمة به حتى يحيا، و من رحمته نصب الحدود في الدنيا لتكون طهارة إلى الأخرى، و هكذا في كل دار إن نظرت بعين التحقيق و الرحمة الإلهية الموضوعة يصحبها في العبد العزة و السلطان، فهي لا عن شفقة، و الرحمة الطبيعية عنها تكون الشفقة، و لو لم تصحب الرحمة الإلهية العزة و تتنزه عن الشفقة ما عذب اللّه أحدا، فالرحمن لا يعطي ألما موجعا إلا أن يكون في طيه رحمة يستعذبها من قام به ذلك الألم، كشرب الدواء الذي يتضمن العافية استعماله، فانظر ما ألطف توصيل الحق بشارته لعباده في حال الشدة و الرخاء، فإنه سبحانه ما اختار كلمة العذاب ليعبر بها عن الآلام إلا لما يؤول إليه أمر أصحابه فيستعذبه في آخر الحال، و لذلك سماه عذابا، و إنما يستعذبه في آخر الأمر لكونه ذكّره بربه، فإن الإنسان إذا أصابه الضر و انقطعت به الأسباب- و هو أشد العذاب- ذكر ربه فرجع إليه مضطرا لا مختارا، فيستعذب عند ذلك الأمر الذي رده إلى اللّه و ذكّره به و أخرجه عن حكم غفلته، و نسيانه، فسماه عذابا، فهو اسم مبشر لمن حلّ به بالرحمة أنها تدركه، فما أعلم الأنساء بربهم.
[سورة مريم (19): الآيات 46 الى 52]
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47) وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (49) وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)
وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا (51) وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا (52)
كلم اللّه تعالى موسى من وراء حجاب من الشجرة من جانب الطور الأيمن له، لأنه لو كلمه من الأيسر الذي هو جهة قلبه ربما التبس عليه بكلام نفسه، فجاءه الكلام من الجانب الذي لم تجر العادة أن تكلمه نفسه منه، ثم إن اللّه تعالى يقول في حق موسى عليه السلام معرفا إيانا «وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ» فجعل النداء من الطور لانحنائه، لأنه خرج في طلب النار لأهله لما كان فيه من الحنو عليهم، الذي أورثه الانحناء على من خلق من الانحناء و هي أهله، لأنها خلقت بالأصالة من الضلع، و الضلع له الانحناء «وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا»
[- نصيحة- إذا ناجيت ربك فلا تناجه إلا بكلامه]
– نصيحة- إذا ناجيت ربك فلا تناجه إلا بكلامه، و احذر أن تخترع كلاما من عندك تناجيه به، فإنه لا يسمعه منك و لا تسمع له إجابة، فتحفظ فإن ذلك مزلة قدم.
[سورة مريم (19): آية 53]
وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (53)
«وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا» يعني لموسى «أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» فالوهب هو العطاء لمجرد الإنعام، و هو الذي لا يقترن به طلب معاوضة، و هو العطاء من الواهب على جهة الإنعام لا يخطر له خاطر الجزاء عليه من شكر و لا غيره، فإن اقترن به طلب شكر جزاء فليس بوهب، فالحق تعالى هو الوهاب على الحقيقة في جميع أنواع عطائه.
[سورة مريم (19): الآيات 54 الى 56]
وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا (54) وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (56)
إدريس عليه السلام كان نبيا و لم يجىء له نص في القرآن برسالته، بل قيل فيه صديقا نبيا، فكان عليه السلام من الأنبياء الذين بعثوا قبل نوح عليه السلام الذي هو أول رسول أرسل، و يقال إن إدريس عليه السلام أول من كتب بالقلم من بني آدم، فأول إمداد القلم الأعلى له عليه السلام، كان قد أسري به إلى أن بلغ السماء السابعة فصارت السموات كلها في حوزته، و لما علم إدريس عليه السلام بالعلم الذي أوحاه اللّه إليه أن اللّه تعالى قد ربط العالم بعضه ببعضه، و سخر بعضه لبعضه، و رأى أن عالم الأركان مخصوص بالمولدات، رأى اجتماعات الكواكب و افتراقها في المنازل و اختلاف الكائنات و اختلاف الحركات الفلكية، و رأى السريعة و البطيئة،
و عرف أنه مهما جعل سيره و سفره مع البطيء أن السريع يدخل تحت حكمه، فإن الحركة دورية لا خطية، فلا بد أن يرجع عليه دور الصغير السريع، فيعلم من مجاورة الهبط فائدة المسرع، فلم ير ذلك إلا في السماء السابعة، فأقام عندها ثلاثين سنة يدور معها في نطع فلك البروج في مركز تدوير وكيلها، و في الفلك الحامل لفلك التدوير، و الفلك الحامل لأفلاك التداوير و هو الذي يدور به فلك البروج، فلما عاين ما أوحى اللّه في السماء، و عاين أن الكواكب قريبة الاجتماع في برج السرطان، فعلم أنه لا بد أن يكون اللّه ينزل ماء عظيما و طوفانا عاما لما تحققه من العلم، و مشى مع دقائق الفلك فعلم الجمل و التفصيل، ثم نزل فاختص من أبناء دينه و شرعه. ممن عرف أن فيه ذكاء و فطنة، فعلّمهم ما شاهد و ما أودع اللّه من الأسرار في هذا العلم،
و أنه من جملة ما أوحى اللّه في هذه السموات أنه يكون طوفان عظيم و يهلك الناس و ينسى العلم، و أراد بقاء هذا العلم على ما يأتي بعدهم، فأمر بنقشها في الصخور و الأحجار، و كان عليه السلام يقول: بالخرق، و لو لا الخرق ما رفع مكانا عليا، و كان عليه السلام نبيا يدعو إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد، فإن التوحيد ما أنكره أحد، فإن مقالات الأنبياء في الحق لم تختلف، لأنهم ما قالوا عن نظر و إنما قالوه عن الواحد، و لهذا ما دعوا الناس إلا إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد، و من تكلم في الحق من نظره ما تكلم في محظور فإن الذي شرع لعباده توحيد المرتبة، و ما ثمّ إلا من قال بها، و ما أخذ المشركون إلا بالوضع من حيث كذبوا في أوضاعهم و اتخذوها قربة و لم ينزلوها منزلة صاحب تلك الرتبة الأحدية، ثم رفعه اللّه المكان العلي فنزل بفلك الشمس، و هو الفلك الرابع وسط الأفلاك السماوية و هو القلب، لأن فوقه خمس كور و تحته مثل ذلك، فقال تعالى:
[سورة مريم (19): آية 57]
وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (57)
[إدريس عليه السلام ما مات إلى الآن]
«وَ رَفَعْناهُ» أي إدريس «مَكاناً عَلِيًّا» و هي السماء الرابعة، و سميت بذلك لكونها قلبا، أي قلب الأفلاك، فهي قلب السموات و قطبها، فهو مكان عال بالمكانة، و ما فوقه و إن كان دونه فهو أعلى بالمسافة و بالنسبة إلى رءوسنا، فأراد الحق علو مكانة المكان، فلهذا المكان من المكانة رتبة العلو، فإدريس عليه السلام ما مات إلى الآن، بل رفعه اللّه مكانا عليا، فهو في السماء الرابعة حيث الشمس، و نسبة إدريس عليه السلام مع الشمس كون الشمس في الوسط و مدار الأسفل و الأعلى عليها، و هي بمنزلة القطب فناسبها بذلك، و هو أول من خط بالقلم، فله الرفعة في الكتابة و التعبير فكان منزلته في العلو منزلة القلم الذي لا أعلى منه.
[سورة مريم (19): آية 58]
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَ إِسْرائِيلَ وَ مِمَّنْ هَدَيْنا وَ اجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا (58)
هذه السجدة سجدة إنعام رحماني، و هي سجدة النبيين المنعم عليهم، فهذا بكاء فرح و سرور و آيات قبول و رضى، فإن اللّه قرن هذا السجود بآيات الرحمن، و الرحمة لا تقتضي القهر و العظمة، و إنما تقتضي اللطف و العطف الإلهي، فدمعت عيونهم فرحا بما بشرهم اللّه من هذه الآيات، فالصورة صورة بكاء لجريان الدموع، و الدموع دموع فرح لا دموع ترح و كمد و حزن، لأن مقام الاسم الرحمن لا يقتضيه.
[سورة مريم (19): الآيات 59 الى 61]
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلاَّ مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61)
«جَنَّاتِ عَدْنٍ» و هي جنة الإقامة «الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ» و الموعد ما وقع عليه الوعد، و هو مقام اللطف «عِبادَهُ» مقام العبودية بإضافة الاختصاص، «بِالْغَيْبِ» يريد مقام الإيمان، و قد يريد بالغيب حالة أوان أخذ الميثاق على النفوس، فكان غيبا أي في عالم الأمر و الملكوت «إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا» حقا و صدقا.
[سورة مريم (19): آية 62]
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا (62)
فجعل الجنة محلا للزمان المعروف عند العرب مثل الدنيا، فإن لأهل الجنة مقادير يعرفون بها انتهاء مدة طلوع الشمس إلى غروبها في الدنيا، و إن لم يكن في الجنة شمس، فالحركة- التي كانت تسير بالشمس فيظهر من أجلها طلوعها و غروبها- موجودة في الفلك الأطلس الذي على الجنة، و هو سقفها، و الحركة بعينها فيه موجودة، و لأهل الجنة كشف و رؤية إلى المقادير التي فيه المعبر عنها بالبروج، فإن ذلك الفلك هو السماء الذي أقسم اللّه به في قوله (وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) فيعلمون بها حدّ ما كان عليهم في الدنيا مما يسمى بكرة و عشيا، و كان لهم في هذا الزمان في الدنيا حالة تسمى الغداء و العشاء، فيتذكرونها هنالك، فيأتيهم اللّه عند ذلك برزق يرزقهم فيها كما قال «وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا» و هو رزق خاص في وقت خاص معلوم عندهم، و ما عدا ذلك فأكلهم دائم لا ينقطع، و الدوام في الأكل إنما هو عين النعيم مما يكون به الغذاء للجسم، فأهل الجنة يأكلون و يشربون عن شهوة لالتذاذ لا عن جوع، و الصبوح شرب الغداة، و الغبوق شرب العشى، و أما أهل النار فقد وصفهم اللّه بالأكل و الشرب في النار عن جوع و عطش.
[سورة مريم (19): آية 63]
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63)
[ثلاث جنات]
لأهل السعادة ثلاث جنات: جنة أعمال، و جنة اختصاص، و جنة ميراث، فينزل أهل الجنة في الجنة على قدر أعمالهم، و لهم جنات الميراث و هي التي كانت لأهل النار لو دخلوا الجنة، و لهم جنات الاختصاص. يقول اللّه تعالى «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا» فهذه الجنة التي حصلت لهم بطريق الورث من أهل النار الذين هم أهلها، إذ لم يكن في علم اللّه أن يدخلوها، و لم يقل في أهل النار إنهم يرثون من النار أماكن أهل الجنة لو دخلوا النار، و هذا من سبق الرحمة بعموم فضله سبحانه، فما نزل من نزل في النار من أهلها إلا بأعمالهم، و لهذا يبقى فيها أماكن خالية، و هي الأماكن التي لو دخلها أهل الجنة عمروها، فيخلق اللّه خلقا يعمرونها، على مزاج لو دخلوا به الجنة تعذبوا،
و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم [فيضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط] أي حسبي حسبي، فإنه تعالى يقول لها: هل امتلأت، فتقول: هل من مزيد، فإنه قال للجنة و النار: لكل واحدة منكما ملؤها، فما اشترط لهما إلا أن يملأهما خلقا، و ما اشترط عذاب من يملأها بهم و لا نعيمهم، كما ورد في الخبر أنه يبقى أيضا في الجنة أماكن ما فيها أحد، فيخلق اللّه خلقا للنعيم يعمرها بهم، و هو أن يضع الرحمن فيها قدمه، و ليس ذلك إلا في جنات الاختصاص، فمن كرمه أنه تعالى ما أنزل أهل النار إلى على قدر أعمالهم خاصة- نصيحة- لا تحزن على ما يفوتك من جنة الميراث فإنه ما فيها تقصير، و إنما ينبغي لك أن تحزن على ما يفوتك من جنة الأعمال، و لا تعتمد إلا على جنة الاختصاص فإنها مثل التوفيق للأعمال الصالحة في هذه الدار، لا تنال إلا بالعناية لا بالاكتساب.
[سورة مريم (19): آية 64]
وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)
[تنزل الأرواح و استنزالها]
«وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» أي بإذن اللّه، و هو قول جبريل، فإن الخاصية لا تؤثر في الملائكة، و لا تنزل بها، و ذلك لمانع إلهي قوي يقتضيه مقام الأملاك، أما أرواح الكواكب فتستنزل بالأسماء و البخورات و أشباه ذلك، و كذلك الأرواح النارية، أما من كان تنزله بأمر ربه لا تؤثر فيه الخاصية، فإن العالم النوراني خارجون عن أن يكون للعالم البشري عليهم تولية، فكل منهم على مقام معلوم عيّنه له ربه، فما يتنزل إلا بأمر ربه، فمن أراد تنزيل واحد منهم فيتوجه في ذلك إلى ربه، و ربه يأمره و يأذن له في ذلك إسعافا لهذا السائل، أو ينزله عليه ابتداء، و قول جبريل لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم هو ما قال له الحق أن يقول لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم عن ربه، و لهذا جعله من القرآن، و هو حكاية اللّه عن جبريل، و جبريل هو الذي نزل به، و ما أخرجه نزوله به و الحكاية عنه عن أن يكون قرآنا، فكان جبريل يحكي عن اللّه تعالى ما حكى اللّه تعالى عن جبريل أن لو قال لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم ذلك لقاله له على هذا الحد في عالم الشهادة «وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» فيما شاهده من قول جبريل لمحمد عليهما السلام و هم أعيان ثابتة في حال عدمهم و خطاباتهم، أعيان ثابتة في حال عدمهم له،
فهو الإشارة إليه بقوله «نَسِيًّا» فكانت الحكاية أمرا محققا عن وجود للّه محقق لا يتصف بالحدوث، ثم حدث الوجود لتلك الأعيان، فأخبرت بما كان منها قبل كونها مما شاهده الحق و لم تشهده لعدم وجودها في عينها، و من ذلك نعلم أن المعلم على الحقيقة هو اللّه تعالى، و رجوع التعليم بالواسطة و غير الواسطة إلى الرب، و لذلك قال الملك «وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» «وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» أي لا ينسى، كان صلّى اللّه عليه و سلم يقول [اتركوني ما تركتكم] و قال [لو قلت نعم- للسائل عن الحج كلّ عام- لوجبت] و كانت الأحكام تحدث بحدوث السؤال عن النوازل، فكان غرض النبي صلّى اللّه عليه و سلم حين علم ذلك أن يمتنع الناس عن السؤال و يجرون مع طبعهم، حتى يكون الحق هو الذي يتولى من تنزيل الأحكام ما شاء، فكانت الواجبات و المحظورات تقل، و تبقى الكثرة من قبيل المباحات التي لا يتعلق بها أجر و لا وزر، فأبت النفوس ذلك و أن تقف عند الأحكام المنصوص عليها، فأثبتت لها عللا و جعلتها مقصودة للشارع، و طردتها و ألحقت المسكوت عنه في الحكم بالمنطوق به بعلة جامعة بينهما اقتضاها نظر الجاعل المجتهد، و لو لم يفعل لبقي المسكوت عنه على أصله من الإباحة و العافية، فكثرت الأحكام بالتعليل و طرد العلة و القياس و الرأي و الاستحسان، «وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا».
[سورة مريم (19): الآيات 65 الى 67]
رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَ اصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) وَ يَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً (67)
«أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ»
[أودع اللّه في الإنسان علم كل شيء]
الإنسان عالم بالذات إلا أنه ينسى، فكل علم يحصل له إنما هو تذكّر، و لا يشعر به أنه تذكر إلا أهل اللّه، فإن اللّه أودع في الإنسان علم كل شيء، ثم حال بينه و بين أن يدرك ما عنده مما أودع اللّه فيه، و لقد خاطب الحق الإنسان وحده في هذه الآية لأنه المعتبر الذي وجد العالم من أجله، و إلا فكل ممكن بهذه المثابة، فما هو الإنسان مخصوص بهذا وحده بل العالم كله على هذا، و هو من الأسرار الإلهية التي ينكرها العقل و يحيلها جملة واحدة، و قربها من الذوات الجاهلة في حال علمها قرب الحق من العبد،
و هو قرب لا يدرك و لا يعرف إلا تقليدا، و لو لا إخباره ما دل عليه عقل، فكل ما يعلمه الإنسان دائما- و كل موجود- فإنما هو تذكر على الحقيقة و تجديد ما نسيه، و ليس المحال تعلق العلم بما لا يتناهى، و إنما المحال دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تعلق العلم به، فإن الخلق أنساهم اللّه ذلك كما أنساهم شهادتهم بالربوبية في أخذ الميثاق مع كونه قد وقع، و عرفنا ذلك بالإخبار الإلهي، فعلم الإنسان دائما إنما هو تذكّر، فمنّا من إذا ذكرته تذكّر أنه قد كان علم ذلك المعلوم و نسيه، و منا من لا يتذكر ذلك مع إيمانه به أنه قد كان يشهد بذلك، و يكون في حقه ابتداء علم، و لو لا أنه عنده ما قبله من الذي أعلمه، و لكن لا شعور له بذلك، و لا يعلمه إلا من نور اللّه بصيرته «أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» و كل ممكن بهذه المثابة، و لكن الإنسان هو المعتبر الذي وجد العالم من أجله. و من وجه آخر أنه ما ادعى أحد الألوهية سواه من جميع المخلوقات،
و أعصى الخلائق إبليس، و غاية جهله أنه رأى نفسه خيرا من آدم لكونه من نار، لاعتقاده أنه أفضل العناصر، و غاية معصيته أنه أمر بالسجود لآدم فتكبر في نفسه عن السجود لآدم لما ذكرناه و أبى، فعصى اللّه في أمره فسماه اللّه كافرا، فإنه جمع بين المعصية و الجهل، و الإنسان ادعى أنه الرب الأعلى، فلهذا خص بالخطاب في قوله «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ» أي قدّرناه في حال شيئيته المتوجه عليها أمرنا إلى شيئية أخرى، لقوله تعالى (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ) يعني في حال عدمه (أن نقول له كن فيكون) و كن كلمة وجودية من التكوين، فسماه شيئا في حال لم تكن فيه الشيئية المنفية بقوله «وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» نبهه على أصله، فأنعم عليه بشيئية الوجود، فأحاله على هذه الصفة أن يكون مستحضرا لها، فإن اللّه لما امتن علينا بالاسم الرحمن، و تولانا منه سبحانه ابتداء الرحمة،
أخرجنا من الشر الذي هو العدم إلى الخير الذي هو الوجود، و لهذا امتن اللّه تعالى بنعمة الوجود فقال «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» يريد منك في شيئيتك أن تكون معه كما كنت و أنت لا هذه الشيئية، فالمراد من كل ما سوى اللّه أن يعبد اللّه، فإن الإنسان لما قال منكرا (أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) أحاله اللّه تعالى على نشأته الأولى، فقال «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» و هذا فيه وجهان: الوجه الواحد، أن هذا الذي يقال له الإنسان لم يك قبل ذلك إنسانا، فشيئا هنا معناه إنسانا، كما تقول في جسد الإنسان إذا مات إنه إنسان بحكم المجاز، أي قد كان إنسانا، فإنه لا يتغذى و لا يحس و لا ينطق، و متى بطلت الأوصاف الذاتية بطل الموصوف، فقد كان الإنسان قبل أن يطلق عليه اسم إنسان ترابا و ماء و هواء و نارا و روحا قدسيا إلهيا، و قد كان دما ثم انتقل نطفة و هي نشأة الأين، و قد كان ذلك الدم برّا و لحما و شحما و فاكهة و غير ذلك من المطعومات، فقد كان الإنسان أشياء لكن لم يكن إنسانا.
و الوجه الآخر، أن يكون قد أحاله على حقيقته الأولى التي هو فيها الإنسان بالقوة، و هو أول البدء، و هو شيء من لا شيء و لا كان شيئا، و أحاله في هذه الآية على النظر الفكري الذي يستدل به على معرفة الفاعل- نصيحة- اعلم أنه ما يكون منك و لا تمتحن و تختبر حتى تمكّن من نفسك و تجعل قواك لك، و يسدل الحجاب بينك و بين ما هي الأمور عليه، حتى ترى ما يستخرج منك، هذه هي الفتنة، فإذا أراد الرجل التخلص من هذه الورطة، فلينظر إلى الأصل الذي كان عليه قبل الفتنة، و قد أحالك اللّه عليك إن تفطنت بقوله «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» فانظر إلى حالك مع اللّه إذ لم تكن شيئا وجوديا، ما كنت عليه مع الحق؟ فلتكن مع اللّه في شيئية وجودك على ذلك الحكم، لا تزد على ذلك شيئا إلا ما اقتضاه الخطاب فقف عنده، فإنه من بقي في حال وجوده مع اللّه كما كان في حال عدمه فذلك الذي أعطى اللّه حقه، و من ادعى مع اللّه في نعته و زاحمه في صفاته أحاله من دائه العضال على استعمال دواء «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» يقول له: كن معي في شيئية وجودك كما كنت إذ لم تكن موجودا، فأكون أنا على ما أنا عليه، و أنت على ما أنت عليه.
[سورة مريم (19): آية 68]
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)
[الحشر الروحاني و الجسماني]
أقسم اللّه جل ثناؤه على الحشر الروحاني و الجسماني، أقسم سبحانه على نفسه باسمه الرب المضاف إلى نبيه محمد عليه السلام فقال «فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ» الآية، فإن الإنسان لما قال منكرا (أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) و سمع النبي عليه السلام من الإنسان هذا الإنكار و تكذيبه فيما قال اللّه من حشر الأجساد بعد موتها، و لهذا ورد في الخبر الصحيح عن اللّه تعالى، يقول اللّه تعالى [شتمني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك، و كذبني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: إن لي صاحبة و ولدا، و أنا الواحد الأحد لم أتخذ صاحبة و لا ولدا، و أما تكذيبه إياي فبقوله: إني لا أعيده كما بدأته، و ليس أول الخلق عليّ بأهون من إعادته] فلما كان في إنكار الحشر و الإعادة تكذيب اللّه جل و علا، شق ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و لما لم تكن الدنيا دار انتقام مطلق، أقسم الباري باسمه جل ثناؤه- المضاف إلى نبيه- بحشر الجميع الصالح و الطالح في مقابلة الإنكار الروحاني و الترابي، و جعل الطريق الذي هو الصراط على النار، حتى لا يبقى أحد إلا و يرد عليها، فمنهم السوي و منهم المكبوت (و ما قدروا اللّه حق قدره) فقال تعالى «فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ» من أنكر الحشر «وَ الشَّياطِينَ» فهم الذين يوحون إليهم ليجادلوا أهل الحق، فذكروا له صلّى اللّه عليه و سلم في المقسومين عليهم، حتى يسكن ما يجده من الألم بالوعد الذي وعده اللّه للانتقام المطلق.
[سورة مريم (19): الآيات 69 الى 71]
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (70) وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71)
لما كان الصراط على النار، و ما تمّ طريق إلى الجنة إلا عليه، قال تعالى «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا»
[الصراط]
فالصراط المشروع الذي كان هنا معنى ينصب في الآخرة حسا محسوسا، يقول اللّه لنا (و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) و لما تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هذه الآية خط خطا و خط عن جنبتيه خطوطا، و هذا الصراط صراط التوحيد و لوازمه و حقوقه، فالمشرك ما وحد اللّه هنا، فهو من الموقف إلى النار مع المعطلة و من هو من أهل النار الذين هم أهلها، إلا المنافقين، فلا بد لهم أن ينظروا إلى الجنة و ما فيها من النعيم فيطمعون، فذلك نصيبهم من نعيم الجنان، ثم يصرفون إلى النار، و هذا من عدل اللّه، فقوبلوا بأعمالهم، و الطائفة التي لا تخلد في النار إنما تمسك و تسأل و تعذب على الصراط.
و الصراط على متن جهنم غائب فيها، و الكلاليب التي فيه بها يمسكهم اللّه عليه، و قد أتى في وصف الصراط الحسي أنه أدق من الشعر و أحد من السيف، و كذا هو علم الشريعة في الدنيا، فالشرع هنا هو الصراط المستقيم، فهو أحد من السيف و أدق من الشعر، و ظهوره في الآخرة محسوس أبين و أوضح من ظهوره في الدنيا، و قد ورد في الخبر أن الصراط يظهر يوم القيامة متنه للأبصار على قدر نور المارين عليه، فيكون دقيقا في حق قوم و عريضا في حق آخرين، فالطريق إلى الجنة على النار فلا بد من الورود، فعلى الحقيقة ما منا إلا من يردها، فإنها الطريق إلى الجنة، و إذ لم يبق في أرض الحشر من أهل الجنة أحد، عاد الصراط كله نارا.
[سورة مريم (19): الآيات 72 الى 76]
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (72) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَ رِءْياً (74) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَ إِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً (75) وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ مَرَدًّا (76)
[سورة مريم (19): الآيات 77 الى 85]
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَ وَلَداً (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79) وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً (80) وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)
كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (85)
[كيف يحشر المتقون إلى الرحمن؟]
معلوم أنه لا يحشر إلى شيء من كان عند ذلك الشيء، و لا يحشر الرحمن إليه إلا من ليس عنده من حيث هذا الاسم الخاص، و هو عنده من حيث حكم اسم آخر غير هذا الاسم، فالعين التي تحشر منها هي العين التي تحشر إليها و بعينها ما وصفت به، فانظر أي اسم يكون مشهود المتقي فما تجده الرحمن، و إن كان معه في حال اتقائه، و لكن تحشر إليه لينفرد بك دون أن يكون لاسم آخر تصرف فيك، و المتقي هو الحذر الخائف الوجل، و لا يكون أحد يشهد الرحمن الرحيم الرءوف و يتقيه،
و إنما مشهود المتقي السريع الحساب الشديد العقاب المتكبر الجبار، لأن الاتقاء و الخوف من حكم المتقى منه، فكان المتقي في حكم أمثال هذه الأسماء الإلهية فيتقي و يخاف، لأن المتقي ما هو جليس الرحمن، إنما هو جليس الجبار المريد العظيم المتكبر فيتقي سطوته، و الاسم الرحمن ماله سطوة من كونه الرحمن، إنما الرحمن يعطي اللين و العطف و العفو و المغفرة، فإن الرحمن لا يتّقى، بل هو محل موضع الطمع و الإدلال و الأنس، فلذلك يحشر إليه من الاسم الجبار الذي يعطي السطوة و الهيبة،
فإنه جليس المتقين في الدنيا مع كونهم متقين، فالمتقي جليس الاسم الإلهي الذي يقع منه الخوف في قلوب العباد، فسمي جليسه متقيا منه، فيحشره اللّه من هذا الاسم إلى الاسم الإلهي الذي يعطيه الأمان مما كان خائفا منه، و هو الرحمن، فقال «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً» أي يأمنون مما كانوا يخافون منه، قال صلّى اللّه عليه و سلم في حديث الشفاعة [شفعت الملائكة و شفع النبيون و شفع المؤمنون و بقي أرحم الراحمين] فيقضي سياق الكلام أن يكون أرحم الراحمين يشفع أيضا، فلا بد ممن يشفع عنده، و ما ثمّ إلا اللّه، فيشفع اسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهار و الشديد العقاب، لذا يحشر اللّه المتقين يوم القيامة إلى الرحمن ليكون جليسهم، فيزول عنهم الاتقاء و يزول عنهم حكم هؤلاء الأسماء الأخر، فيأمن المتقي سطوة الجبار القهار، و على هذا الأسلوب تأخذ الأسماء الإلهية كلها، و هكذا تجدها حيث وردت في ألسنة النبوات إذا قصدت حقيقة الاسم و تميزه من غيره، فإن له دلالتين: دلالة على المسمى به، و دلالة على حقيقته التي بها يتميز عن اسم آخر.
[سورة مريم (19): آية 86]
وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (86)
«وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ» و هم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه، و الذي ساقهم هو عين الأهواء التي كانوا عليها «إِلى جَهَنَّمَ» و هي البعد «وِرْداً».
[سورة مريم (19): الآيات 87 الى 91]
لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87) وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (91)
فانظر إلى القوة الإلهية التي أعطاها اللّه لمن أنزل عليه الوحي الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية اللّه، فإنهم علموا قدر من أنزله، فرزقهم اللّه من القوة ما يطيقون به حمل ذلك الجلال، فإذا سمعوا في اللّه ما يخالف ما تجلى لهم فيه «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً» و قد سمع ذلك أهل اللّه و رسله، و ما جرى عليهم شيء من ذلك، لما أعطاهم من قوة العلم، إذ لا أقوى من العلم، فعلم أهل اللّه من رسول و نبي و ولي ما لم تعلمه السموات و الأرض و الجبال من اللّه، فأنتج لهم هذا العلم باللّه قوة في نفوسهم حملوا بها ما سمعوه من قول من قال: إن المسيح ابن اللّه، و إن عزيرا ابن اللّه، و لم يتزلزلوا، و لو نزل ذلك على من ليست له هذه القوة لذاب في عينه لعظيم ما جاءه، فانظر ما اكثف حجاب من اعتقد أن للّه ولدا و ما أشد عماه عن الحقائق.
[سورة مريم (19): الآيات 92 الى 93]
وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93)
[حكم العبادة للممكن في حال عدمه أمكن فيه منها في حال وجوده]
يعني يوم القيامة، و العبودة حال يستصحب العبد في الدنيا و الآخرة فإنها حقيقة تطلبه، فالعبد ثابت الوجود في عبوديته، دائم الحكم في ذلك، لأن العبودة نعت ثابت لا يرتفع عن الكون، فإذا أضفت الخلق إلى اللّه تعالى فكل ما سوى اللّه عبد للّه، فالعبادة حال ذاتي للإنسان لا يصح أن يكون لها أجر مخلوق، لأنها ليست بمخلوقة أصلا، فالأعيان من كل ما سوى اللّه مخلوقة موجودة حادثة، و العبادة فيها ليست بمخلوقة، فإنها لهذه الأعيان أعني أعيان العالم في حال عدمه و في حال وجوده، و بها صح أن يقبل أمر اللّه بالتكوين من غير تثبط، فحكم العبادة للممكن في حال عدمه أمكن فيه منها في حال وجوده، إذ لا بد له في حال وجوده و استحكام رأيه و نظره لنفسه و استقلاله من دعوى في سيادة بوجه ما، و لو كان ما كان، فينقص له من حكم عبادته بقدر ما ادعاه من السيادة.
[سورة مريم (19): الآيات 94 الى 96]
لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (95) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96)
الود هو ثبات الحب، أي سيجعل لهم الرحمن ثباتا في المحبة عند اللّه و في قلوب عباده.
[سورة مريم (19): الآيات 97 الى 98]
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (97) وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (98)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 67