تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّبإ
(78) سورة النّبإ مكيّة
[سورة النبإ (78): الآيات 1 الى 6]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (4)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (5) أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (6)
فهي مهاد موضوع، و السماء سقف مرفوع.
[سورة النبإ (78): آية 7]
وَ الْجِبالَ أَوْتاداً (7)
فإنه بالجبال سكن ميد الأرض، لما تحركت من خشية اللّه، آمنها اللّه بالجبال التي جعلها اللّه أوتادها، فهي مسكنة لكونها متمكنة، فلها الرسوخ و الشموخ، و مع هذه العزة و المنع، و قوة الردع و الدفع، فلا بد من صيرورتها عهنا منفوشا، و هباء منبثا مفروشا، فتلحق بالأرض لاندكاكها
[تفسير من باب الإشارة: «وَ الْجِبالَ أَوْتاداً» الآية]
– تفسير من باب الإشارة- صليت مع شيخي أبي جعفر أحمد العريبي في دار وليي و صفيي أبي عبد اللّه محمد الخياط المعروف بالعصاد و أخيه أبي العباس أحمد الحريري، فقرأ الإمام (عَمَّ يَتَساءَلُونَ) فلما وصل إلى قوله تعالى «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً» غبت عن قراءة الإمام، و ما سمعت شيئا، و رأيت شيخنا أبا جعفر و هو يقول: المهاد العالم و الأوتاد المؤمنون و المهاد المؤمنون و الأوتاد العارفون، و المهاد العارفون و الأوتاد النبيون، و المهاد النبيون و الأوتاد المرسلون، و ذكر من الحقائق ما شاء اللّه أن يذكر، فرددت إليّ و الإمام يقرأ (وَ قالَ صَواباً ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ) فلما فرغنا من الصلاة سألته فوجدته قد خطر له في تلك الآية ما شهدته.
[سورة النبإ (78): الآيات 8 الى 9]
وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (8) وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (9)
[أقسام النوم:]
النوم برزخ، و البرازخ موطن الراحات، و لذلك جعل اللّه النوم سباتا أي راحة، لأنه بين الضدين الموت و الحياة، فالنائم لا حي و لا ميت، و لذلك قال تعالى «وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً» يقول: و جعل النوم لكم راحة تستريح به النفوس لأجل التعب الذي كانت عليه هذه النشأة في حال اليقظة من الحركة، و إن كان في هواها، و النوم على قسمين: قسم انتقال و فيه بعض راحة، أو نيل غرض، أو زيادة تعب، و القسم الآخر قسم راحة خاصة، و هو النوم الخالص الصحيح، الذي ذكر اللّه أنه جعله راحة لما تعبت فيه هذه الآلات و الجوارح و الأعضاء البدنية حال اليقظة، و جعل زمانه الليل و إن وقع بالنهار، كما جعل النهار للمعاش و إن وقع بالليل، و لكن الحكم للغالب،
فالنوم راحة بلا شك، و هو بالليل أقوى، فإنه فيه أشد استغراقا من نوم النهار، و أما قسم الانتقال فهو النوم الذي يكون معه الرؤيا، فتنتقل هذه الآلات من ظاهر الحس إلى باطنه، ليرى ما تقرر في خزانة الخيال، الذي رفعت إليه الحواس ما أخذته من المحسوسات، و ما صورته القوة المصورة، و قسم الراحة هو النوم الذي لا يرى فيه رؤيا، فهو لمجرد الراحة البدنية لا غير– إشارة- «وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً» أي راحة لأهل الليل إلهية، كما هو راحة للناس طبيعية، فإذا نام الناس استراح هؤلاء مع ربهم و خلوا به حسا و معنى، لأنه جعل النوم في أعين الرقباء، فيسألونه من قبول توبة، و إجابة دعوة، و مغفرة حوبة و غير ذلك، فنوم الناس راحة لهم، فإن اللّه ينزل إليهم بالليل إلى السماء الدنيا، فلا يبقى بينه و بينهم حجاب فلكي، و نزوله إليهم رحمة بهم، لذلك قال تعالى.
[سورة النبإ (78): آية 10]
وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (10)
الليل محل الستر، و لذلك جعل الليل لباسا، و النهار محل الظهور و الحركة، و لذلك جعله معاشا، فقال تعالى:
[سورة النبإ (78): آية 11]
وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (11)
لابتغاء الفضل، يعني طلب الرزق هنا من وجهه، فالفضل المبتغى فيه من الزيادة و من الشرف هو زيادة الفضائل، فإن الإنسان يجمع ما ليس له برزق، فهو فضول لأنه يجمعه لوارثه أو لغيره، فإن رزق الإنسان ما هو ما يجمعه، و إنما هو ما يتغذى به، و كما جعل النهار معاشا، جعل الأعمال رياشا، فعليك بالاشتغال، و التزين بأحسن الأعمال، و احذر من زينة الدنيا و الشيطان، و عليك بزينة اللّه المنصوص عليها في القرآن، و اغتنم حياة لست فيها بهالك، و دارا أنت فيها مالك، ميزانك فيها موضوع، و كلامك مسموع، و أذنك واعية، و مواعظك داعية، و أنفاسك باقية، و أعمالك الخيرات واقية، فنور بيتك المظلم، و أوضح سرك المبهم، ما دامت أركان بيتك غير واهية، قبل أن تحصل في الهاوية.
[سورة النبإ (78): الآيات 12 الى 14]
وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (12) وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (13) وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (14)
المطر للأرض ليس سوى بخارها، صعد منها بخارا، ثم نزل إليها ماء، فتغيرت صورته لاختلاف المحل.
[سورة النبإ (78): الآيات 15 الى 18]
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً (15) وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (18)
الصور قرن من نور، اتساعه في علين، و فيه ما أعطى اللّه من الدرجات لأصحاب اليمين، و ضيقه في سجين في أسفل سافلين، و فيه ما أودع اللّه من الدركات للمحجوبين.
[سورة النبإ (78): الآيات 19 الى 22]
وَ فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (19) وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (21) لِلطَّاغِينَ مَآباً (22)
الطاغي المرتفع، فمن ادعى الرفعة و الارتفاع جعله اللّه في نقيض دعواه، فرده إلى أصله من البعد في جهنم، و هي من جهنام، يقال: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، فمرجع الطاغين إلى جهنم، فينزلون إلى قعرها.
[سورة النبإ (78): آية 23]
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (23)
أحقابا بوزن أفعال، و هو من أوزان جمع القلة، و الحقبة السنة، و العشرة آخر نهاية الأحقاب، فأرجو أن يكون المآل إلى الرحمة في أي دار شاء، فإن المراد أن تعم الرحمة الجميع حيث كانوا:
| مراتب النار بالأعمال تمتاز | و ليس فيها اختصاصات و أنجاز | |
| بوزن أفعال قد جاء العذاب له | بشرى و إن عذبوا فيها بما حازوا | |
[سورة النبإ (78): الآيات 24 الى 26]
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَ لا شَراباً (24) إِلاَّ حَمِيماً وَ غَسَّاقاً (25) جَزاءً وِفاقاً (26)
لا ينقص و لا يزيد.
[سورة النبإ (78): الآيات 27 الى 33]
إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (27) وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (28) وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (31)
حَدائِقَ وَ أَعْناباً (32) وَ كَواعِبَ أَتْراباً (33)
الكاعب التي صار ثديها كالكعب، و هو أول شباب الجارية.
[سورة النبإ (78): الآيات 34 الى 36]
وَ كَأْساً دِهاقاً (34) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا كِذَّاباً (35) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (36)
ما ثمّ من اللّه للعبد إلا جزاء، و الابتداء للعبد، فإن النفس إذا أكلت من كسبها لها إدلال، كما أن لها انكسارا في الهبة، فلهذا كان الجزاء عاما لأنه على الصورة، و لا انكسار ينبغي للنفس.
[سورة النبإ (78): الآيات 37 الى 38]
رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً (38)
يوم الفصل و القضاء تأتي الملائكة بين يدي عرش الفصل و القضاء، ملائكة السموات، ملائكة كل سماء على حدة متميزة عن غيرها، فيكونون سبعة صفوف، أهل كل سماء صف، و الروح قائم مقدم الجماعة، و هو الملك الذي نزل بالشرائع على الرسل، فيوم يقوم الروح و هو الإمام، و الملائكة صفا صفا فالإمام صف وحده
– الفرق بين الملك و الروح-
كل روح مما هو تحت العقل الأول صاحب الكلمة فهو ملك، و ما فوقه فهو روح لا ملك، فالملائكة ما بين مسخر و مدبر، و كلهم رسل اللّه عن أمر اللّه حفظة، و هم على مراتب، و لهم معارج و نزول و صعود دنيا و آخرة، فمنهم المسخرون في الدعاء و الاستغفار للمؤمنين، و آخرون في الاستغفار لمن في الأرض، و منهم المسخرون في مصالح
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 442
العالم المتعلقة بالدنيا، و منهم المسخرون في مصالح العالم المتعلقة بالآخرة، و هذا القدر من العمل الذي هم عليه هو عبادتهم و صلاتهم، و أما تسبيحهم فذكر اللّه في هذه الصلوات التي لهم، كالقراءة و الذكر لنا في صلاتنا، و لا يزال الأمر كذلك إلى الوقت الذي يشاء اللّه أن تعم الرحمة جميع خلقه التي وسعت كل شيء، فإذا عمتهم الرحمة لم يبق لبعض الملائكة الذي كان لهم الاستغفار من عبادتهم إلا التسبيح خاصة، و بقيت الملائكة الذين لهم تعلق بأحوالنا في الجنان و حيث كان من كان من الدارين فذلك منهم لا ينقطع، و زال عن أولئك اسم الملائكة و بقوا أرواحا لا شغل لهم إلا التسبيح و التمجيد للّه تعالى كسائر الأرواح المهيمة، ف «لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً» اعلم أن خير الشفاعة و الكلام ما أذن فيهما الرحمن.
[سورة النبإ (78): الآيات 39 الى 40]
ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (39) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (40)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 440