تفسیر ابن عربی سوره التوبة

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة التوبة آیه ۱- 60

(9) سورة التوبة مدنيّة

اختلف الناس في سورة التوبة، هل هي سورة مستقلة كسائر سور القرآن؟ أو هل هي و سورة الأنفال سورة واحدة؟ فإنهم كانوا لا يعرفون كمال السورة إلا بالفصل بالبسملة، و لم يجى‏ء هنا، فدل أنها من سورة الأنفال و هو الأوجه. و إن كان لترك البسملة وجه، و هو عدم المناسبة بين الرحمة و التبري، فإن بسملة سورة براءة هي التي في النمل، و الحق تعالى إذا وهب شيئا لم يرجع فيه و لا يرده إلى العدم، فلما خرجت رحمة براءة و هي البسملة، حكم التبري من أهلها برفع الرحمة عنهم، و أعطيت هذه البسملة للبهائم التي آمنت بسليمان عليه السلام، و هي لا يلزمها إيمان إلا برسولها، فلما عرفت قدر سليمان و آمنت به أعطيت من الرحمة الإنسانية حظا، و هي بسم اللّه الرحمن الرحيم الذي سلب عن المشركين.

و لكن ما لهذا الوجه تلك القوة بل هو وجه ضعيف، و سبب ضعفه أنه في الاسم اللّه المنعوت بجميع الأسماء ما هو اسم خاص يقتضي المؤاخذة، و البراءة إنما هي من الشريك، و إذا تبرأ من المشرك فلكونه مشركا، لأن متعلقه العدم، فإن الخالق لا يتبرأ من المخلوق، و لو تبرأ منه من كان يحفظ عليه وجوده، و لا وجود للشريك، فالشريك معدوم، فلا شركة في نفس الأمر، فإذا صحت البراءة من الشريك فهي صفة تنزيه و تبرئة للّه من الشريك، و للرسول من اعتقاد الجهل. و وجه آخر في ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه و هو عدم المناسبة بين الرحمة و التبري، و هو أن البسملة موجودة في كل سورة أولها (وَيْلٌ) و أين الرحمة من الويل؟

و لهذا كان للقراء في مثل هذه السورة مذهب مستحسن فيمن يثبت البسملة من القراء، و فيمن يتركها كقراءة حمزة، و فيمن يخير فيها كقراءة ورش، و البسملة إثباتها عنده أرجح، فأثبتناها عند قراءتنا بحرف حمزة في هذين الموضعين لما فيهما من قبيح الوصل بالقراءة، و هو أن يقول‏ (وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏ ويل) فبسملوا هنا، و أما مذهبنا فيه فهو أن يقف على آخر السورة و يقف على آخر البسملة، و يبتدئ بالسورة من غير وصل. و الخلاف في سورة التوبة أنها و الأنفال سورة واحدة حيث لم يفصل بينهما بالبسملة خلاف منقول بين علماء هذا الشأن من الصحابة، و لما علم اللّه ما يجري من الخلاف في هذه الأمة في حذف البسملة في سورة براءة، فمن ذهب إلى أنها سورة مستقلة و كان القرآن عنده مائة و ثلاث‏ عشرة سورة فيحتاج إلى مائة و ثلاث عشرة بسملة، أظهر لهم في سورة النمل بسملة ليكمل العدد، و جاء بها كما جاء بها في أوائل السور بعينها، فإن لغة سليمان عليه السلام لم تكن عربية، و إنما كانت أخرى في كتب لغة هذا اللفظ في كتابه، و إنما كتب لفظة بلغته يقتضي معناها باللسان العربي إذا عبر عنها بسم اللّه الرحمن الرحيم، و أتى بها محذوفة الألف كما جاءت في أوائل السور، ليعلم أن المقصود بها هو المقصود بها في أوائل السور، و لم يعمل ذلك في‏ (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) فأثبت الألف هناك ليفرق بين اسم البسملة و غيرها، و لهذا تتضمن سورة التوبة من صفات الرحمة و التنزل الإلهي كثيرا، فإن فيها شراء اللّه نفوس المؤمنين منهم بأن لهم الجنة و أي تنزل أعظم من أن يشتري السيد ملكه من عبده؟

و هل يكون في الرحمة أبلغ من هذا؟ فلا بد أن تكون التوبة و الأنفال سورة واحدة، أو تكون بسملة النمل السليمانية لسورة التوبة، ثم انظر في اسمها، فإن من يجعلها سورة على حدة منفصلة عن سورة الأنفال سماها سورة التوبة، و هو الرجعة الإلهية على العباد بالرحمة و العطف، فإن الرجعة الإلهية لا تكون إلا بالرحمة، لا يرجع على عباده بغيرها، فإن كانت الرجعة في الدنيا ردّهم بها إليه، و إن كانت في الآخرة فتكون رجعتهم مقدمة على رجعته، لأن الموطن يقتضي ذلك، فإن كل من حضر من الخلق في ذلك المشهد سقط و رجع بالضرورة إلى ربه، فيرجع اللّه إليهم و عليهم، فمنهم من يرجع اللّه عليه بالرحمة في القيامة و منازلها، و منهم من يرجع عليه بالرحمة بعد دخول النار، و ذلك بحسب ما تعطيه الأحوال، فالتوبة تطلب الرحمة ما تطلب التبري، و إن ابتدأ عزّ و جل بالتبري فقد ختم بآية لم يأت بها و لا وجدت إلا عند من جعل اللّه شهادته شهادة رجلين، فإن كنت تعقل علمت ما في هذه السورة من الرحمة المدرجة، و لا سيما في قوله تعالى: (و منهم) و منهم، و ذلك كله رحمة بنا لنحذر الوقوع فيه، و الاتصاف بتلك الصفات، فإن القرآن علينا نزل، فلم تتضمن سورة من القرآن في حقنا رحمة أعظم من هذه السورة، لأنه كثر من الأمور التي ينبغي أن يتقيها المؤمن و يجتنبها، فلو لم يعرفنا الحق تعالى بها، وقعنا فيها و لا نشعر، فهي سورة رحمة للمؤمنين.

كان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه نائب محمد صلّى اللّه عليه و سلم في تلاوة سورة براءة على أهل مكة، و قد كان بعث بها أبا بكر ثم رجع عن ذلك فقال: لا يبلغ عني القرآن إلا رجل‏ من أهل بيتي، فدعا بعلي فأمره فلحق أبا بكر، فلما وصل إلى مكة حج أبو بكر بالناس و بلغ عليّ إلى الناس سورة براءة، و تلاها عليهم نيابة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و هذا مما يدلك على صحة خلافة أبي بكر و منزلة علي رضي اللّه عنهما.

 

[سورة التوبة (9): آية 1]

بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)

فهو يتبرأ من الشريك لأن الشريك ليس ثم فهو عدم.

[سورة التوبة (9): الآيات 2 الى 3]

فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ أَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2) وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (3)

كان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه نائب محمد صلّى اللّه عليه و سلم في تلاوة سورة براءة على أهل مكة «وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» هو يوم النحر بمنى، و إنما سمي يوم الحج الأكبر لأنه كان مجمع الحاج بجملته، إذ كان من الناس من يقف بعرفة، و كانت الحمس تقف بالمزدلفة، فكانوا متفرقين فلما كان يوم منى اجتمعوا فيه، أهل الموقف بالمزدلفة و بعرفة، فكان يوم الحج الأكبر لاجتماع الكل فيه، و سنّ طواف الإفاضة في هذا اليوم، فأحل الحاج في هذا اليوم من إحرامه مع كونه متلبسا بالحج حتى يفرغ من أيام منى، فلما أحل من إحرامه في هذا اليوم، زال عن التحجير الذي كان تلبس به في هذه العبادة، و أبيح له ما كان حرّم عليه، و أحلّ الحل كله في هذا اليوم، و كان إحلاله عبادة، كما كان إحرامه عبادة، و ما زال عنه اسم الحج لما بقي عليه من الرمي، فكان يوم الحج الأكبر لهذا السراح و الإحلال، فكانت أيام منى أيام أكل و شرب و بعال، فمن أراد فضل هذا اليوم فليطف فيه طواف الإفاضة، و يحل الحل كله. (أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ) لا تصح البراءة من الأعداء إلا للّه و لرسله عليهم السلام و من كوشف على الخواتم، و من سواهم فما لهم التبري، و إنما لهم أن لا يتخذوهم أولياء يلقون إليهم بالمودة لا غير، (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ).

[سورة التوبة (9): الآيات 4 الى 6]

إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى‏ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6)

نزل القرآن على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أحدي العين، فتلاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بلسانه أصواتا و حروفا سمعها الأعرابي بسمع أذنه في حال ترجمته، فالكلام للّه بلا شك و الترجمة للمتكلم به، و أضاف الكلام إلى اللّه تعالى لا إلى نبيه صلّى اللّه عليه و سلم، و جعله مسموعا للعربي المخاطب بحاسة سمعه، فما أدركه إلا متقطعا متقدما متأخرا و من لم ينسب ذلك الكلام المسمى قرآنا إلى اللّه فقد جحد ما أنزل اللّه، فإن كلام اللّه في هذه الآية هو ما أنزله خاصة، و إنما سمي الكلام كلاما لما له من الأثر في النفس، من الكلم الذي هو الجرح في الحس، و هذا الكلام هو النوع الثالث من كلام اللّه للبشر في قوله: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) فقد يكون الرسول بشرا، فأضاف الكلام إلى اللّه، و ما سمعته الصحابة و لا هذا الأعرابي إلا من لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هو الذي تلا عليه القرآن، و القرآن كلام اللّه تعالى فناب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مناب الحق هنا من الاسم الظاهر، فكأن الحق ظهر في عالم الشهادة بصورة التالي كلامه، فإن الأعرابي ما سمع إلا الأصوات و الحروف من فم‏ النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و قال اللّه: إن ذلك كلامي و أضافه إلى نفسه، و من وجه آخر كان الحجاب للأعرابي على كلام اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و سلم.

و اعلم أن من المتشابه صفة الكلام، و منه نسبة الصوت و الحرف إلى كلام اللّه سبحانه، و قد وردت آيات و أحاديث توهم ذلك، و هي مسألة مهمة بعيدة الغور تزلزلت فيها أقدام المتكلمين، و مذهب أهل الحق أن للّه تعالى كلاما قديما قائما بذاته واحدا في حقيقته، مخالفا لصفة علمه و إرادته، منزها عن الظروف المرتبة و الأصوات المحدثة، منزلا على نبيه مقروءا بالألسنة مكتوبا في المصاحف، مسموعا لموسى صلّى اللّه عليه و سلم حقيقة، و لمن يريد اللّه تعالى إسماعه، غير مخلوق في الشجرة، و لا قائم بالحوادث.

و كلام اللّه سبحانه صفته، و صفة القديم قديمة تتقدس عن الحدوث، و الحروف في إفادة الكلام يلزمها الترتيب و تقدم بعضها على بعض، و ذلك مستحيل على القديم، و لما كان الحق تعالى لصفاته مظهران علم أن لكلامه مظهرين، مظهر علوي روحاني، و هو روح القدس، و كلمة العلي، و الحروف و الأصوات من لوازم المظهرين، و كلامه منزه عنها كتنزه القلب في كلامه عن الحروف اللسانية و الأصوات الهوائية و إن كانت مظاهر له، فقوله تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) أي بواسطة مظاهره الجسمانية، و هي أصوات العباد و حروفهم، و إطلاق كونه سامعا لكلام اللّه بذلك مجاز لما قدمناه أن المظاهر الجسمانية ليست منسوبة إلى اللّه تعالى لغة، و لا شرعا، و روي عن عائشة رضي اللّه عنها في صحيح البخاري و مسلم و غيرهما، أن الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كيف يأتيك الوحي؟

قال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشده علي، فيفصم عني و قد وعيت عنه، قال: و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. و هذا يحقق لك أن لكلام اللّه تعالى في الروحانيات مظهرين، مظهر جلي يتشكل بالمظاهر الجسمانية و أصواتها و حروفها، و مظهر آخر له حروف و أصوات خفي روحاني، لأن الجرس في أصله هو الصوت الخفي، و الصلصلة صوت اليابس الصلب إذا حرك، و يصح نسبة المسموع حينئذ إلى اللّه تعالى بالتأويل الذي ذكرته لك، و إفادة الشجرة لإسماع كلام اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام، كإفادة ألسنة القراء، و كلاهما في ذلك بمثابة القلم في إفادة المكتوب، و كما أن المكتوب لا يحل بالقلم، و لا يكون صفة له، و لا ينتقل به عمن هو صفته، كذلك الكلام المسموع لا يحل بالألسنة و لا بالمصاحف و لا بالأقلام، و لا يكون صفة للقارئ و لا ينتقل بالقراءة و الكتابة عن موصوفه تبارك و تعالى.

و اعلم أن من مقام هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:إذا قال الإمام سمع اللّه لمن حمده، فقولوا: ربنا و لك الحمد، فإن اللّه قال على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده. و اعلم أن من سمع كلام اللّه من اللّه استفاد، و من سمعه من المحدث ربما عاند و ربما قبل بحسب ما يوفق له.- إشارة- لا تقل نحن إياه، لقوله فأجره حتى يسمع كلام اللّه، أنت الترجمان، و المتكلم الرحمن، تقيد كلام اللّه بالأمكنة، بكونه في المصاحف و الألسنة. الحروف ظروف، و الصفة عين الموصوف، فإذا نطقت فاعلم بمن تنطق، فعليك بالصدق.- تحقيق- لما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هو المتكلم بالقرآن، فليس أحد من خلق اللّه يجوز أن يخبر عن نفسه و لا عن غيره، و إنما إخبار الجميع عن اللّه، فإنه سبحانه هو الذي يخلق فيهم بكن ما يخبرون به، فالعارف يقبل كل كلام، و ينزله في المنزلة التي عينها اللّه على لسان الشرع.

 

[سورة التوبة (9): الآيات 7 الى 8]

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَ لا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَ تَأْبى‏ قُلُوبُهُمْ وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (8)

«لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً» الإل بكسر الهمزة هو اللّه تعالى، و الإل أيضا العهد بكسر الهمزة، فالإل اسم من أسماء اللّه، «وَ لا ذِمَّةً» الذمة العهد و العقد.

[سورة التوبة (9): الآيات 9 الى 14]

اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَ لا ذِمَّةً وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)

قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)

اعلم أنه ليس في الوجود فاعل إلا اللّه تعالى، و أفعال العباد بجملتها عند أهل السنة و الجماعة منسوبة الوجود و الاختراع إلى اللّه تعالى، بلا شريك و لا معين، فهي على الحقيقة فعله و له بها عليهم الحجة، لا يسأل عما يفعل، و هم يسألون. و من المعلوم أن أفعال العباد لا بد فيها من توسط الآلات و الجوارح، مع أنها منسوبة إليه، و بذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياته لعباده مظهرين: مظهر عبادي سفلي منسوب لعباده، و هو الصور و الجوارح الجسمانية، و مظهر حقيقي علوي منسوب إليه، و قد أجرى عليه أسماء المظاهر المنسوبة لعباده على سبيل التقريب لأفهامهم، و التأنيس لقلوبهم، و نبه تعالى في كتابه العزيز على التنبيهين، و أنه منزه عن الجوارح في الحالين، و نبه على الأول بقوله: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ» و ذلك يفهم أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه و فعل له، و أن جوارحنا مظهر له و واسطة فيه، فهو على الحقيقة الفاعل بجوارحنا، مع القطع الضروري لكل عاقل أن جوارح العبد ليست بجوارح لربنا تعالى و لا صفات له، و نبه على الثاني بقوله تعالى فيما أخبر عنه نبيه صلّى اللّه عليه و سلم في صحيح مسلم و غيره «و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به، و يده التي يبطش بها، و رجله التي يمشي بها»- الحديث- و قد حقق اللّه تعالى لنبينا صلّى اللّه عليه و سلم ذلك بقوله تعالى: (أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ) بعد قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها) و بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) فنزل يد نبيه منزلة يده في المبايعة، و أخذ الصدقات، و الرمي في قوله تعالى: (وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏)، ذلك كله يفهم أن العبد إذا صار محمودا صارت أفعاله ناشئة عن أنوار علوية روحانية من عند ربه سبحانه، تكون له بمثابة الجوارح، و أن اللّه سبحانه يكون له بواسطتها سمعا و بصرا و يدا و رجلا، مع القطع الضروري أن اللّه تعالى لا يكون جارحة لعبده، فإن ذاته المتقدسة متعالية عن الاتصاف بها، لأن الجوارح يلزمها الحدوث، و ذاته واجبة القدم، و كل ما كان واجب القدم استحال عليه القدم.

[سورة التوبة (9): آية 15]

وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

لما كان العذاب فيه ضرب من اللذة و منه في صفة الماء عذب فرات، و كان في إيلام الكفار باللّه و رسوله سرور المؤمنين قال: «وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ» بالانتقام من الكفار في مقابلة ما ضيقوا به صدور المؤمنين، و سمي العذاب عذابا للعذوبة التي تحصل منه للمؤمن.

 

[سورة التوبة (9): الآيات 16 الى 21]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (16) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَ فِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (17) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى‏ أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (20)

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)

«يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ»

[سبب دوام التنعم في الجنة و انتفاء الملل‏]

البشرى مختصة بالمؤمن، و الكافر لا حظ له في البشرى الإلهية برفع الوسائط، و كانت البشرى من الحق في مقابلة إجابتهم داعي الحق بالعبادات، و كذلك في قوله تعالى: «لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ» «وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ» النعيم و التنعم له أسباب ظاهرة و هي نيل الأغراض كانت ما كانت، فإن صاحبها يتنعم بوجودها فهو صاحب تنعم في مقام تنعيم، و تسمى أسباب وجود اللذة في الملتذ نعيما، و ليس النعيم في الحقيقة إلا اللذة الموجودة في النفس، و هي لذات حسية و نفسية.

و في الجنان في كل حين خلق جديد، و نعيم جديد، حتى لا يقع الملل، فإن كل شي‏ء طبيعي إذا توالى عليه أمر ما من غير تبدل لا بد أن يصحب الإنسان فيه ملل، فإن الملل نعت ذاتي له، فإن لم يغذه اللّه بالتجديد في كل وقت ليدوم له النعيم بذلك، و إلا كان يدركهم الملل. فأهل الجنان يدركون في كل نظرة ينظرونها إلى ملكهم أمرا و صورة لم يكونوا رأوها قبل ذلك، فينعمون بحدوثها، و كذلك في كل أكلة و شربة يجدون طعما جديدا لذيذا لم يكونوا يجدونه في الأكلة الأولى، فينعمون بذلك و تعظم شهواتهم.

[سورة التوبة (9): الآيات 22 الى 23]

خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)

ثم قال تعالى فيمن تربص في أهله و لم يفر إليه.

 

[سورة التوبة (9): آية 24]

قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (24)

«قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ» و هو كل من له عليك ولادة «وَ أَبْناؤُكُمْ» كل من لك عليه ولادة «وَ إِخْوانُكُمْ» كل ما قابلك من الأمثال، و داخلك من الأشباه، و مازجك أو قارب من الأنداد «وَ أَزْواجُكُمْ» و هو كل ثنّاك وجوده، و انفعل لك فيما تريده، و كنت فيه خلاقا، و إليه إذا غاب عنك مشتاقا، و جمعتكما الرحمة و المودة الثابتة، و سكنت إليه، و سكن إليك، و أعطاك من نفسه التحكم فيه، و ظهر فيه اقتدارك، فهو زوجك، تحبه طبعا و تتحد به، و يكون ملكا لك شرعا «وَ عَشِيرَتُكُمْ» العشائر: الأصحاب، و كل ما تعتضد به في أمورك‏ «وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها» و هو كل ما تميل إليه فيميل إليك، و يحضره ديوان نيلك، و يقف عند فعلك فيه و قولك، و يتحكم فيه سلطان طولك، و تصل في اقتنائه نهارك بليلك، من ثابت كالعقار، و من غير ثابت كالعروض و الدرهم و الدينار، و كل منقول لا يقر به قرار، و كله مال، لأنه مال، و إليه المآل بعد الرحلة عنه و الانتقال، «وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها» و هو كل أمر تطلب الخروج عنه، ليكون ذلك الخروج سببا لتحصيل ما يكون عندك أنفس منه، فتطلب به النفاق في الأسواق، تخشى كسادها و تخاف فسادها «وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها» و هو كل ما اتخذته محلا، و كنت به محلى، و جعلته لك حرما و حلا، فذلك مسكنك الذي ترضاه، و منزلك الذي تقصده و تتوخاه، كل ذلك قاله لك الحق فيما أنزله إليك، و وفد به رسوله الأمين عليك، إذا لم تر وجه الحق في كل ما ذكرته و تعشقت به لعينه، و تعرف أنه من عنده ما هو عينه، و آثرته مع هذا الحجاب على ما دعاك الحق إليه من الزهد فيه إذا فقدت فيه وجه الحق فتعلم أن اللّه ما أراد منك إلا أن تعرفه فيما أمرك بالزهد فيه، و الرغبة عنه، و أحببته حب عين، و صورة كون، و كان أحب إليك من اللّه‏ الجامع للرغبة فيه، و الرغبة عنه، فإنه المعطي المانع، و الضار النافع، و أحب إليك من رسوله الوافد عليك المعرف بما هو حجاب عن المقصود، و ستر بين العابد و المعبود، مع علمك بما أعلمك أنه ما خلقك إلا لتعبده، و تؤثره على ما تراه و تقصده، و أحب إليك من جهادك في سبيل اللّه الذي يجمع لك بين الحياتين فلا تعرف للموت طعما، و لا للحصر حكما «فَتَرَبَّصُوا» كلمة تهديد و وعيد، و التربص: نقيض الفرار المأمور به و هو قوله تعالى:

«فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» «حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ» فتعرف عند ذلك خيره من شره، و حلوه من مره، و تذوق شهده من صبره- تفسير من باب الإشارة- اعلم أن قوله تعالى:

«فَتَرَبَّصُوا» عقيب ما تعدد من الأعيان إذن و أمر بالتربص إن كان اللّه مشهودا لكم في كل ما ذكرناه، فإن ذلك الشهود هو المطلوب بالفرار إلى اللّه، لأن اللّه أمرنا بالفرار إلى اللّه، و قوله: «أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ» أي من أجل اللّه أي شهودكم اللّه في هذه الأعيان أحب إليكم من شهودكم إياه في أعيان غيرها، للمناسبة القريبة بينكم و بين هذه الأشياء المذكورة، و إن كان الكامل يشهده في كل عين، و لكن بعض الأعيان قد يكون لبعض الأشخاص أحب من أعيان أخر، و قوله: «وَ رَسُولِهِ» مثل قوله: «مِنَ اللَّهِ» أي و من أجل رسوله حيث أمركم ببر هؤلاء، و جعل لهم حقوقا عليكم فحقوق الآباء و الأبناء و الإخوان و الأزواج و العشائر معلومة، منصوص عليها لا تخفى على من وقف على العلم المشروع، و كذلك حقوق الأموال، نعم المال الصالح للرجل الصالح، و حقوق التجارة معلومة، فإن صدق التجارة لا يكون لغيرها، و التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النبيين و الشهداء كذا قال صلّى اللّه عليه و سلم و قوله: «تَخْشَوْنَ كَسادَها» يقول تخافون أن تتركوها لأجل الكساد طلبا للأرباح، و أي ربح أعظم من ربح صدق التاجر و قوله: «وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ» أي و من أجل أيضا شهودكم إياه تعالى في الجهاد في سبيله لأنه أمركم بهذا، و علمتم أن مشهودكم في كل ما ذكرناه و لما ذكرناه منزلة شريفة عندكم‏ «فَتَرَبَّصُوا» أي لا تفروا فإنه ما أمرنا بالفرار إلّا لكوننا ليست لنا هذه المشاهدة.

و قوله: «حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ» و هو قيام الساعة، أو الموت الذي يخرجكم عن مشاهدة هؤلاء و قوله: «وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» يقول الخارجين عن حكم هذه المشاهدة التي أنتم فيها، و التي دعيتم إليها، فما هي في حق أصحاب هذا النظر آية وعيد، و إنما هي آية وعد و بشرى، و تقرير حال و سكون أي تربصوا إذا كان هذا مشهدكم، فقد حصل المطلوب، فإن انتقلتم بعد هذا فهو انتقال من خير إلى خير، أو من خير أدنى إلى خير أعلى.

 

[سورة التوبة (9): آية 25]

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)

المؤمن الكامل منصور أبدا، و لهذا ما انهزم نبي قط، و لا ولي، أ لا ترى يوم حنين لما ادعت الصحابة رضي اللّه عنهم توحيد اللّه، ثم رأوا كثرتهم فأعجبتهم كثرتهم فنسوا اللّه عند ذلك، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، مع كون الصحابة مؤمنين بلا شك، و لكن دخلهم الخلل باعتمادهم على الكثرة، و نسوا قول اللّه: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ».

[سورة التوبة (9): آية 26]

ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (26)

السكينة هي مطالعة الأمر بطريق الإحاطة من كل وجه، و ما لم يكن ذلك فالسكينة لا تصح، فالسكينة هي الأمر الذي تسكن له النفس لما وعدت به، أو لما حصل في نفسه من طلب أمر ما، و سميت سكينة لأنها إذا حصلت قطعت عنه وجود الهبوب إلى غير ما سكنت إليه النفس، و منه سمي السكين سكينا.

[سورة التوبة (9): الآيات 27 الى 28]

ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)

العالم كله طاهر، فإن عرض له عارض إلهي يقال له نجاسة حكمنا بنجاسة ذلك المحل على الحد المقدر شرعا خاصة في عين تلك النسبة الخاصة، فالنجاسة في الأشياء عوارض نسب و أعظم النجاسات الشرك باللّه، فالمشرك نجس العين، فإذا آمن فهو طاهر العين، أي عين الشرك و عين الإيمان، و هذا يدل على أن النجاسة عوارض و نسب، و هذه الآية نص في المسجد الحرام الذي بمكة بأن لا يقربه مشرك، و أنه نجس، فمن علل المنع بالنجاسة و جعل النجاسة لكفره، و علل المسجد لكونه مسجدا.

منع الكفار كيفما كانوا من جميع المساجد، و من رأى أن ذلك خاص بالمسجد الحرام و لهذا خص بالذكر و أن ما عدا المشرك و إن كان كافرا، لا يتنزل منزلته منع دخول المشرك المسجد الحرام و كل مسجد، لقوله تعالى: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ» و جوز الدخول فيه لمن ليس بمشرك، و من أخذ بالظاهر و لم يعلل منع المشرك خاصة من المسجد الحرام خاصة، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم حبس في المسجد في المدينة ثمامة بن أثال حين أسر و هو مشرك و هو الأوجه، و لم يمنع غير المشرك من المسجد الحرام و من المساجد، و منع المشرك من سائر المساجد أولى إلا أن يقترن بذلك أمر أو حالة فلا بأس.

[سورة التوبة (9): آية 29]

قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ (29)

لم تضرب الجزية على المشرك، و فرق بينه و بين الكفار من أهل الكتب المنزلة، فإن المشرك قادح في الحق و في الكون بشركه، فلم يكن له مستند يعصمه من القتل، لأنه قدح في التوحيد و في الرسل، و الكفار من أهل الكتاب لم يقدحوا في التوحيد و لا في الكون، أعني الرسل، لكن قدحوا في رسول معين لهوى، أو شبهة قائمة بنفوسهم، أداهم ما قام بهم إلى جحود الحق ظلما و علوا مع اليقين به، و إما لشبهة قامت بهم لم يثبت صدق صاحب الدعوى عندهم، فلهذا كان لهم في الجملة مستند صحيح عندهم لا في نفس الأمر،يعصمهم من القتل، فضربت عليهم الجزية، و هذا من رحمة اللّه، إبقاء عليهم و تركوا على دينهم ليقيموه أو يقيموا بعضه على قدر ما يوفقون إليه.

و هنا نكتة لمن فهم أن دينهم مشروع لهم بشرعنا حيث قررهم عليه، و لهذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذا سمع أن الروم قد ظهرت على فارس يظهر السرور في وجهه، مع كون الروم كافرين به صلّى اللّه عليه و سلم، و لكن الرسول لعلمه صلّى اللّه عليه و سلم كان منصفا، لأنه علم أن مستند الروم لمن استند إليه أهل الحق، لأنهم أهل كتاب، مؤمنون به لكنهم طرأت عليهم شبهة، من تحريف أئمتهم، ما أنزل عليهم، حالت بينهم و بين الإيمان و الإقرار بنبوة محمد صلّى اللّه عليه و سلم أو بعمومها، فعذرهم الشرع لهذا القدر الذي علمه منهم، و راعى فيه جناب الحق تعالى حيث و حدوده، و ما أشركوا به حين أشرك به فارس و عبدة الأوثان، و قدحت في توحيد الإله و ما يستحقه من الأحدية.

و اعلم أن كل مشرك كافر، فإن المشرك باتباع هواه فيمن أشرك و اتخذه إلها، و عدوله عن أحدية الإله، يستر نفسه عن النظر في الأدلة، و الآيات المؤدية إلى التوحيد، فسمي كافرا لذلك الستر ظاهرا و باطنا، و سمي مشركا لكونه نسب الألوهية إلى غير اللّه مع اللّه، فجعل لها نسبتين، فأشرك فهذا الفرق بين المشرك و الكافر، و أما الكافر الذي ليس بمشرك فهو موحد غير أنه كافر بالرسول، و ببعض كتابه، و كفره على وجهين: الوجه الواحد أن يكون كفره بما جاء من عند اللّه، مثل كفر المشرك في توحيد اللّه، و الوجه الآخر: أن يكون عالما برسول اللّه، و بما جاء من عند اللّه أنه من عند اللّه، و يستر ذلك عن العامة و المقلدة من أتباعه، رغبة في الرئاسة، و هو الذي أراد عليه السلام بقوله في كتابه إلى قيصر: «فإن توليت فعليك إثم اليريسيين» يعني الأتباع.

«حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ» فيتعذبون عذابين عذابا بإخراج المال من أيديهم، و عذاب الصغار و القهر الذي هو عذاب نفوسهم مما يجدون في ذلك من الحرج، و مما جاء في الشروط التي اشترطها أمير المؤمنين، و إمام المتقين عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه على أهل الذمة، أن لا يحدثوا في مدينتهم، و لا ما حولها كنيسة، و لا ديرا و لا قلة و لا صومعة راهب، و لا يجددوا ما خرب منها، و لا يمنعوا كنائسهم أن ينزل بها أحد من المسلمين ثلاث ليال، يطعموهم، و لا يؤووا جاسوسا، و لا يكتموا غشا للمسلمين، و لا يعلموا أولادهم القرآن، و لا يظهروا شركا، و لا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه، و أن يوقروا المسلمين و أن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس،و لا يتشبهوا بالمسلمين في شي‏ء من لباسهم، في قلنسوة و لا عمامة و لا نعلين، و لا فرق شعر، و لا يتسموا بأسماء المسلمين، و لا يتكنوا بكناهم، و لا يركبوا سرجا، و لا يتقلدوا سيفا، و لا يتخذوا شيئا من السلاح، و لا ينقشوا خواتيمهم بالعربية، و لا يبيعوا الخمور، و أن يجزوا مقادم رءوسهم، و أن يلزموا زيهم حيث ما كانوا، و أن يشدوا الزنانير على أوساطهم، و لا يظهروا صليبا، و لا شيئا من كتبهم في طرق المسلمين، و لا يجاوروا موتى المسلمين بموتاهم، و لا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيفا، و لا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شي‏ء من حضرة المسلمين، و لا يخرجوا شعانين، و لا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم، و لا يظهروا النيران معهم، و لا يشتروا من الرقيق ما جرت عليهم سهام المسلمين، فإن خالفوا في شي‏ء مما شورطوا عليه، فلا ذمة لهم، و قد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة و الشقاق.

[سورة التوبة (9): آية 30]

وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى‏ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)

«وَ قالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ» أي بالتبني‏ «وَ قالَتِ النَّصارى‏: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ» يعنون بنوّة الصلب، إذ لم يعرفوا له أبا و لا تكون عن أب لجهلهم بما قال اللّه، من تمثل الملك لمريم بشرا سويا، و جعله الحق روحا إذ كان جبريل روحا، فما تكون عيسى إلا عن اثنين، فجبريل وهب لها عيسى في النفخ، فلم يشعروا بذلك كما ينفخ الروح في الصورة عند تسويتها، فما عرفوا روح عيسى و لا صورته، و أنّ صورة عيسى مثل تجسد الروح، لأنه عن تمثل، فلو تفطنت لخلق عيسى لرأيت علما عظيما، تقصر عنه أفهام العقلاء.

 

[سورة التوبة (9): آية 31]

اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)

إن من حمل العبادة هنا على الأعمال، لا معرفة له باللسان، فالعمل صورة، و العبادة روح تلك الصورة العملية التي أنشأها المكلف، فحظ المؤمن المخاطب بهذه الآية توحيد الأمر بالعبادة من حيث أحدية العين مع كثرة الأسماء الإلهية، فإن حقيقة الطالب للرزق إنما تعبد الرزاق، و حقيقة الطالب للعافية إنما تعبد الشافي، فقيل لهم: لا تعبدوا إلا إلها واحدا، و هو أن كل اسم إلهي و إن كان يدل على معنى يخالف الآخر فهو أيضا يدل على عين واحدة تطلبها هذه النسب المختلفة، و أما غير المؤمنين و هم المشركون فهم الذين نسبوا الألوهة إلى غير من يستحقها، و وضعوا اسمها على غير مسماها، و ادعوا الكثرة فيها، و لذلك تعجبوا من توحيدها فقالوا: «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً؟ إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ» فأمرهم اللّه أن لا يعبدوا إلا إلها واحدا لا إله إلا هو» في نفس الأمر «سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»

[توحيد الأمر بالعبادة]

أي هو بعيد أن يشرك في ألوهته، و هذا هو التوحيد العاشر في القرآن و هو توحيد الأمر بالعبادة و هو من أعجب الأمر كيف يكون الأمر فيما هو ذاتي للمأمور؟ فإن العبادة ذاتية للمخلوقين، فكانت في حق المؤمنين و المشركين ما أوضحناه.

[سورة التوبة (9): الآيات 32 الى 34]

يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَ الرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34)

اعلم أن ذلك كان قبل فرض الزكاة التي فرض اللّه على عباده في أموالهم، فلما فرض اللّه الزكاة على عباده المؤمنين، طهر اللّه بها أموالهم، و زال بأدائها اسم البخل من مؤديها، فإنه قد أدى ما أوجب اللّه عليه في ماله، ثم فسر العذاب الأليم بما هو الحال عليه فقال تعالى:

 

[سورة التوبة (9): آية 35]

يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)

[عقوبة مانع الزكاة]

ما يراد المال للاكتناز، و إنما خلقه اللّه للإنفاق فمن اكتنزه و لم يعط حق اللّه منه الذي عينه له حمي عليه في نار جهنم، فيكوى به جبينه، فإنه أول ما يقابل به السائل فيتغير منه إذا رآه مقبلا إليه، فإن السائل إذا رآه صاحب المال مقبلا إليه انقبضت أسارير جبينه، لعلمه أنه يسأله من ماله، فتكوى جبهته، فإن السائل يعرف ذلك في وجهه ثم إن المسئول يتغافل عن السائل، و يعطيه جانبه إعراضا عنه، كأنه ما رآه، و كأنه ما عنده خبر منه، فيكوى بها جنبه، فإذا علم من السائل أنه يقصده و لا بد أعطاه ظهره، و انصرف حتى لا يقابله بالسؤال.

فأخبر اللّه أنه تكوى بها ظهورهم، فهذا حكم مانعي الزكاة، أعني زكاة الذهب و الفضة، فصار بالكي عين المكان الذي اختزنه فيه فهو خزانته، و أما زكاة الغنم و البقر و الإبل فأمر آخر، كما ورد في النص أنه يبطح لها بقاع قرقر، فتنطحه بقرونها، و تطؤه بأظلافها، و تعضه بأفواهها، فلهذا خص الجباه و الجنوب و الظهور في الكي و أنزل اللّه الزكاة طهارة للأموال.

[سورة التوبة (9): الآيات 36 الى 37]

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (37)

كانت العرب تنسأ في الشهور، فترد المحرم منها- و هي ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر- حلالا، و الحلال منها حراما، فجاء محمد صلّى اللّه عليه و سلم فرد الزمان إلى أصله الذي حكم اللّه به عند خلقه، فعين المحرم من الشهور على حد ما خلقها اللّه عليه، و لهذا قال:

إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه اللّه.

[سورة التوبة (9): آية 38]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38)

متاع الدنيا قليل، فما من قبيل و لا جيل، إلا و هو مملوك للقطمير و النقير و الفتيل، فالكل تائه، و لهذا قنعوا بالتافه، فلا يرضى بالحقير إلا من لا يعرف قبيلا من دبير.

[سورة التوبة (9): الآيات 39 الى 40]

إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (39) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى‏ وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)

«إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» حكاية اللفظ بعينه، و المعية هنا معية اختصاص، لا معية عامة، مثل قوله تعالى للعموم: و هو معكم أينما كنتم، و من هنا تعرف مرتبة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و علوها على رتبة غيره من الرسل، فإن اللّه أخبر عن محمد صلّى اللّه عليه و سلم في حال خوف الصديق عليه و على نفسه فقال لصاحبه يؤمنه و يفرحه، إذ هما في الغار، و هو كنف الحق عليهما «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» فقام النبي صلّى اللّه عليه و سلم في هذا الإخبار مقام الحق في معيته لموسى‏ و هارون، و ناب منابه في قوله تعالى لهما: «إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى‏» و قال صلّى اللّه عليه و سلم لصاحبه:

«ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما» يريد أن اللّه عزّ و جل حافظهما، يعني في الغار، زمان هجرة الدار.- وجه آخر- المقالة عندنا إنما كانت لأبي بكر رضي اللّه عنه، و يؤيدنا قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، فالنبي صلّى اللّه عليه و سلم ليس بمصاحب، و بعضهم أصحاب بعض، و هم له أنصار و أعوان، فإن النبي لا يصحب إلا نبوته، فإنه لا يتمكن للنبي أن يكون من صاحبه بحيث ما يريد صاحبه منه، و إنما هو مع ما يوحى إليه به، لا يفعل إلا بحسبه، فالصاحب من يترك إرادته لإرادة صاحبه، فالنبي يصحب و لا يصحب، فإن الناس مع الرسول بحكم ما يشرع لهم، ما هم بحكم إرادتهم، برهانه قوله تعالى: «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً». فلذلك صحبوه و ما صحبهم، فالصحبة لا تصح إلا من الطرف الواحد، و هو الأدنى، و لهذا ليست الصحبة فعل فاعلين.

فكان أبو بكر رضي اللّه عنه واقفا مع صدقه، و محمد عليه السلام واقفا مع الحق في الحال الذي هو عليه في ذلك الوقت، فهو الحكيم، كفعله يوم بدر في الدعاء و الإلحاح، و أبو بكر عن ذلك صاح، فإن الحكيم يوفي المواطن حقها، فهو صلّى اللّه عليه و سلم صادق ذلك الوقت و حكيمه، و ما سواه تحت حكمه، و لما لم يصح اجتماع صادقين معا، لذلك لم يقم أبو بكر في حال النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و ثبت مع صدقه به، فلما نظر أبو بكر رضي اللّه عنه إلى الطالبين، أسف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فأظهر الشدة، و غلّب الصدق و قال: «لا تَحْزَنْ» لأثر ذلك الأسف الذي رآه صلّى اللّه عليه و سلم على أبي بكر «إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» كما أخبرتنا.

و إن جعل المنازع أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم القائل لم نبال، لما كان مقامه صلّى اللّه عليه و سلم الجمع و التفرقة، و علم من أبي بكر الأسف، و علم أن أمره مستمر.

 

[سورة التوبة (9): آية 41]

انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالاً وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)

اعلم أن الشيطان إذا رأى عزم العبد في الجهاد أخطر له أنه يقاتل ليقال، رغبة منه و حرصا أن يحبط عمل هذا العبد، و كان قد أخلص النية أولا عند شروعه في القتال أنه يقاتل ذابا عن دين اللّه، فلا يبالي العبد بهذا الخاطر، فإن الأصل الذي بني عليه صحيح، و الأساس قوي، و هو النية في أول الشروع.

[سورة التوبة (9): آية 42]

لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (42)

العرض المال و سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال لما فيه من المشقة و الجهد لأهل الثروة و اليسار، فكيف حال الضعفاء؟!.

[سورة التوبة (9): آية 43]

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (43)

[عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ- الآية]

قدم اللّه البشرى لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم قبل العتاب، و هذه الآية عندنا خاصة ما فيها عتاب، بل هو استفهام لمن أنصف، و أعطى أهل العلم حقهم، فإن مقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يعطي أن ذلك استفهام لا إنكار، فإنما استفهم العالم ليتميز به من في قلبه ريب ممن ليس في قلبه ريب، فيعلم العالم من غير العالم لإقامة الحجة، فالسؤال هنا عن العلة، لا سؤال عن توبيخ، لأن العفو تقدمه، فإن العفو لا سيما إذا تقدم و التوبيخ لا يجتمعان، لأنه من وبّخ فما عفا مطلقا، فإن التوبيخ مؤاخذة و هو قد عفا، و لما كان هذا اللفظ قد يفهم منه في اللسان التوبيخ، لهذا جاء بالعفو ابتداء، ليتنبه العالم باللّه أنه ما أراد التوبيخ الذي يظنه من لا علم له، و لذلك قال: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ» فهو استفهام كأنه يقول: أفعلت ذلك حتى يتبين لك‏ «الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ»؟ فهو عند ذلك إما أن يقول: نعم أو لا، فهو استفهام كقوله تعالى لعيسى عليه السلام: «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ» لإقامة الحجة، فهنا قدم الحق العفو عن السؤال عندنا، و على العتاب عند غيرنا، لتعرف العناية الإلهية بأحبابه قال تعالى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ» فلا ذنب لمحبوب و لا حسنة لمحبّ عند نفسه.

[سورة التوبة (9): الآيات 44 الى 46]

لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (46)

«وَ لكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ» لأنهم الأشقياء أبصروا سوء الغاية بعين المخالفة و الغواية.

[سورة التوبة (9): الآيات 47 الى 60]

لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَ لَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كارِهُونَ (48) وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (49) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَ يَتَوَلَّوْا وَ هُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (53) وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَ هُمْ كُسالى‏ وَ لا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَ هُمْ كارِهُونَ (54) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ (55) وَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56)

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَ هُمْ يَجْمَحُونَ (57) وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)

 

جعل اللّه في مال الإنسان الزكاة حقا لأصناف مذكورين، فأوجب على أصحاب الأموال على وجه مخصوص إخراجها، و أوجب على الإمام أخذها، و لم يوجب على الأصناف أخذها، فهم مخيرون في أخذ حقهم و في تركه كسائر الحقوق فمن أخذها منهم‏ أخذ حقه، و من ترك أخذها ترك حقه و له ذلك. و الذي أذهب إليه أنه من وجد من هؤلاء الأصناف قسمت عليهم الصدقة بحسب ما يوجد منهم، لكن على الأصناف، لا على الأشخاص و لو لم يوجد من صنف منهم إلا شخص واحد دفع إليه قسم ذلك الصنف، و إن وجد من الصنف أكثر من شخص واحد قسم على الموجودين منه ما تعين لذلك الصنف، قل الأشخاص أو كثروا، و كذلك العامل عليها قسّمه في ذلك البلد بحسب ما يوجد من الأصناف، فإن وجد الكل، فلكل صنف ثمن الصدقة، إلى سبع و سدس و خمس و ربع و ثلث و نصف و الكل ثم إنا نقدم من قدم اللّه بالذكر في العطاء، و الزكاة و إن كانت لهؤلاء الأصناف، فإنها حق اللّه في هذه الأموال، فواجب على من أعطيها أن يأخذها، فإن للعبد أن يأكل من مال سيده، فإنه حقه،

و إنما حرمت على أهل البيت تخصيصا لإضافة الأموال إلى الخلق في قوله: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ» أي إضافة الزكاة إلى الخلق لا إلى اللّه، و ما قدم الحق الفقراء بالذكر و فوقهم من هو أشد حاجة منهم، لا مسكين و لا غيره، فإن الفقير هو الذي انكسر فقار ظهره، فلا يقدر على أن يقيم ظهره و صلبه، فلا يزال منكسرا، و هو الذي يجب إعطاء الصدقة له، و واجب عليه أخذها إذا أعطيها، و لا يسألها أصلا، فإن الفقير هو الذي يفتقر إلى كل شي‏ء، و لا يفتقر إليه شي‏ء، و المسكين هو من يدبره غيره، فهو من السكون، و هو ضد الحركة، فهو المسلم المفوض أمره إلى اللّه. و العاملين عليها، و هم الجامعون لها ممن تجب عليهم، و المؤلفة قلوبهم: هم الذين يتألفهم الإحسان على حب المحسن، و في الرقاب: و هم الذين يطلبون الحرية من الرق، و الغارمين: و هم الذين أقرضوا اللّه قرضا حسنا و منهم أصحاب الديون، و في سبيل اللّه: يمكن أن يريد المجاهدين، و الإنفاق منها في الجهاد، فإن العرف في سبيل اللّه عند الشرع هو الجهاد و الأظهر، و في هذه الآية مع أنه يمنك أن يريد بسبيل اللّه سبل الخير كلها، المقربة إلى اللّه، و هو ما تقتضيه المصلحة العامة لكل إنسان، بل لكل حيوان و نبات، حتى الشجرة يراها تموت عطشا فيكون عنده بما يشتري لها ما يسقيها به من مال الزكاة فيسقيها بذلك، فإنه من سبيل اللّه و لا قائل بهذا، و يدخل في المجاهدين المجاهدون أنفسهم أيضا في سبيل اللّه، فيعاونون بذلك على جهاد أنفسهم، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: رجعتم من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر يريد جهاد النفوس و مخالفتها في أغراضها الصارفة عن طريق اللّه تعالى، و ابن السبيل: و هم‏ معلومون‏ «فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ» أي فرضها اللّه لهؤلاء المذكورين فلا يجوز أن تعطى إلى سواهم‏ «وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»

– إشارة و اعتبار-

إذا قابلنا الأصناف التي تجب لهم الزكاة، بالأعضاء المكلفة من الإنسان، نجد أن الفقراء يوازنهم من الأعضاء: الفرج، و المساكين يوازنهم: البطن، و يوازن العاملين: القلب، و يوازن المؤلفة قلوبهم: السمع، و يوازن الرقاب: بالبصر، و يوازن الغارمين: باليد، و يوازن المجاهدين: باللسان، و يوازن ابن السبيل: الرجل، فالفقر في الفرج واضح، و كذلك المسكنة في الباطن ظاهر، و العامل بالقلب صريح، و المؤلفة قلوبهم بالسمع بيّن، و الرقاب بالبصر واقع، و الغارم باليد إفصاح، و المجاهد باللسان صحيح، و ابن السبيل بالرجل أوضح من الكل.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 265

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=