تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره سبأ

(۳۴) سوره سبا مکیّه

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم‏

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۱ الى ۲]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَهُ ما فِی السَّماواتِ وَ ما فِی الْأَرْضِ وَ لَهُ الْحَمْدُ فِی الْآخِرَهِ وَ هُوَ الْحَکِیمُ الْخَبِیرُ (۱) یَعْلَمُ ما یَلِجُ فِی الْأَرْضِ وَ ما یَخْرُجُ مِنْها وَ ما یَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما یَعْرُجُ فِیها وَ هُوَ الرَّحِیمُ الْغَفُورُ (۲)

[إشاره لا تفسیر: على الإنسان أن یعلم ما یلج فی أرض طبیعته‏]

– إشاره لا تفسیر- على الإنسان أن یعلم ما یلج فی أرض طبیعته من بذر ما بذر اللّه فیها حین سواها و عدلها، و ما یخرج منها من العبارات عما فیها، و الأفعال العملیه الصناعیه على مراتبها، لأن الذی یخرج عن الأرض مختلف الأنواع، و ذلک زینه الأرض،

فما یخرج عن أرض طبیعه الإنسان و جسده فهو زینه له، من فصاحه فی عباره و أفعال صناعیه محکمه، کما یعلم ما ینزل من سماء عقله، بما ینظر فیه من شرعه فی معرفه ربه، و ذلک هو التنزیل الإلهی على قلبه، و ما یعرج فیها من کلمه الطیب على براق العمل الصالح الذی یرفعه إلى اللّه، کما قال تعالى: (إِلَیْهِ یَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّیِّبُ) و هو ما خرج من الأرض‏ (وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ یَرْفَعُهُ) و هو ما أخرجته الأرض أیضا، فالذی ینزل من السماء هو الذی یلج فی الأرض، و الذی یخرج من الأرض، و هو ما ظهر عن الذی ولج فیها، هو الذی یعرج فی السماء، فعین النازل هو عین الوالج، و عین الخارج هو عین العارج.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۳ الى ۶]

وَ قالَ الَّذِینَ کَفَرُوا لا تَأْتِینَا السَّاعَهُ قُلْ بَلى‏ وَ رَبِّی لَتَأْتِیَنَّکُمْ عالِمِ الْغَیْبِ لا یَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّهٍ فِی السَّماواتِ وَ لا فِی الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِکَ وَ لا أَکْبَرُ إِلاَّ فِی کِتابٍ مُبِینٍ (۳) لِیَجْزِیَ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِکَ لَهُمْ مَغْفِرَهٌ وَ رِزْقٌ کَرِیمٌ (۴) وَ الَّذِینَ سَعَوْا فِی آیاتِنا مُعاجِزِینَ أُولئِکَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِیمٌ (۵) وَ یَرَى الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْکَ مِنْ رَبِّکَ هُوَ الْحَقَّ وَ یَهْدِی إِلى‏ صِراطِ الْعَزِیزِ الْحَمِیدِ (۶)

«وَ یَرَى الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْکَ مِنْ رَبِّکَ هُوَ الْحَقَّ».

و انسب إلى الباری ما قال و ما جاء به شرع و لکن ابتدا
مما لو أن العقل یبقى وحده‏ ما قاله معتقدا و قدّا
فإن یکن بعد سؤال قاله‏ فهو دواء و هو بالبرهان دا
فالحق ما قرره الشرع و لو دل على کل محال و بدا
فالمؤمن الحق بهذا مؤمن‏ و کل من أوله قد اعتدى‏
لأنه ظن و بعض الظن قد یکون إثما قائدا نحو الردى‏

«وَ یَهْدِی إِلى‏ صِراطِ الْعَزِیزِ الْحَمِیدِ» فإن معامله الحق و عبادته لا تدرک بالاجتهاد، بل بما یشرعه الحق و یبیّنه، لما کان قدره مجهولا و ما ینبغی لجلاله غیر معلوم.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۷ الى ۱۰]

وَ قالَ الَّذِینَ کَفَرُوا هَلْ نَدُلُّکُمْ عَلى‏ رَجُلٍ یُنَبِّئُکُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ کُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّکُمْ لَفِی خَلْقٍ جَدِیدٍ (۷) أَفْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ کَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّهٌ بَلِ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَهِ فِی الْعَذابِ وَ الضَّلالِ الْبَعِیدِ (۸) أَ فَلَمْ یَرَوْا إِلى‏ ما بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَیْهِمْ کِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیَهً لِکُلِّ عَبْدٍ مُنِیبٍ (۹) وَ لَقَدْ آتَیْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً یا جِبالُ أَوِّبِی مَعَهُ وَ الطَّیْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِیدَ (۱۰)

 

[إشاره: القلوب القاسیه یلینها الزجر و الوعید]

«وَ لَقَدْ آتَیْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا– الوجه الأول- لما کانت عطایاه تعالى للأنبیاء و الرسل علیهم السلام اختصاصا إلهیا، فهی مواهب لیست جزاء، و لا یطلب علیها منهم جزاء فإعطاؤه إیاهم على طریق الإنعام و الإفضال، قال تعالى فی حق داود «وَ لَقَدْ آتَیْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» فلم یقرن به جزاء یطلبه منه، و لا أخبر أنه أعطاه هذا الذی ذکره جزاء،- الوجه الثانی- «وَ لَقَدْ آتَیْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» أی معرفه به سبحانه لا یقتضیها عمله، فلو اقتضاها عمله لکانت جزاء، و وهب له فضلا سلیمان علیه السلام فقال‏ (وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَیْمانَ) «یا جِبالُ أَوِّبِی مَعَهُ وَ الطَّیْرَ»

لغه: لا یکون ما بعد النداء أبدا إلا منصوبا، إما لفظا و إما معنى، و لهذا عطف بالمنصوب على الموضع فی قوله تعالى: «وَ الطَّیْرَ» بالنصب، عطفا على موضع الجبال و إن کان مرفوعا فی اللفظ فی أوقات، و لهذا قرئ أیضا و الطیر بالرفع؛ قال تعالى فی حق داود فیما أعطاه على طریق الإنعام علیه ترجیع الجبال معه بالتسبیح، فتسبح لتسبیحه لیکون له عملها، و کذلک الطیر «وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِیدَ»

– إشاره- «وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِیدَ» القلوب القاسیه یلینها الزجر و الوعید تلیین النار الحدید، و إنما الصعب قلوب أشد قساوه من الحجاره، فإن الحجاره تکسرها و تکلسها النار و لا تلینها، و ما ألان له الحدید إلا لعمل الدروع الواقیه، تنبیها من اللّه، أی لا یتّقى الشی‏ء إلا بنفسه، لأن الدرع یتّقى بها السنان و السیف و السکین و النصل، فاتقیت الحدید بالحدید، فجاء الشرع المحمدی ب [أعوذ بک منک‏] فهذا روح تلیین الحدید، فهو المنتقم الرحیم.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۱۱ الى ۱۳]

أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِی السَّرْدِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّی بِما تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ (۱۱) وَ لِسُلَیْمانَ الرِّیحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ وَ أَسَلْنا لَهُ عَیْنَ الْقِطْرِ وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ یَعْمَلُ بَیْنَ یَدَیْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ یَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِیرِ (۱۲) یَعْمَلُونَ لَهُ ما یَشاءُ مِنْ مَحارِیبَ وَ تَماثِیلَ وَ جِفانٍ کَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِیاتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُکْراً وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ (۱۳)

 

لما طلب الحق الشکر على العمل طلبه من آل داود و لم یتعرض لذکر داود، لیشکر الآل على ما أنعم به على داود، فهو فی حق داود عطاء نعمه و إفضال، و فی حق آله غیر ذلک لطلب المعاوضه، فقال تعالى: «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُکْراً» هذا هو الشکر العملی ببذل ما عندهم من نعم اللّه على المحتاجین من عباده، فإن الشکر منه لفظی و علمی و عملی.

[ «وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ» الآیه]

«وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ» یعنی المبالغه فی الشکر لجهلهم بالنعم أنها نعم یجب الشکر علیها، و الشکور من عباد اللّه ببنیه المبالغه هم خاصه اللّه، الذین یرون جمیع ما یکون من اللّه فی حقهم و فی حق عباده نعمه إلهیه، سواء سرّهم ذلک أم ساءهم فهم یشکرون على کل حال،

و هذا الصنف قلیل بالوجود و بتعریف اللّه إیانا بقلتهم، فإنهم یعملون ما تعیّن على جمیع الأعضاء و القوى الظاهره و الباطنه فی کل حال بما یلیق به، و فی کل زمان بما یلیق به، مما أمر به اللّه تعالى، و المبالغه فی الشکر هو أن یشکر اللّه حق الشکر، و ذلک بأن یرى النعمه منه، ذکر ابن ماجه فی سننه حدیثا و هو [أن اللّه سبحانه و تعالى أوحى إلى موسى اشکرنی حق الشکر، فقال موسى علیه السلام: و من یقدر على ذلک یا رب؟

فقال له:إذا رأیت النعمه منی فقد شکرتنی‏] فمن لا یرى النعمه إلا منه فقد شکره حق الشکر، أ لا تراها من الأسباب التی سدلها بینک و بینه عند إرداف النعم، و هذا هو الشکر العلمی، و أما الشکر اللفظی فهو الثناء على اللّه بما یکون منه، و أما الشاکرون من العباد فهم الذین یشکرون اللّه على المسمى نعمه فی العرف خاصه، لما بشّر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم بأن اللّه قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر تنفل حتى تورمت قدماه،

فسئل فی ذلک فقال: [أ فلا أکون عبدا شکورا] و عباده الشکر عباده مغفول عنها، و لهذا قال تعالى: «وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ» و ما بأیدی الناس من عباده الشکر على النعماء إلا قولهم: الحمد للّه و الشکر للّه، لفظ ما فیه کلفه، و أهل اللّه یزیدون على مثل هذا اللفظ العمل بالأبدان و التوجه بالهمم، قال تعالى: «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُکْراً» و لم یقل قولوا، و الأمه المحمدیه أولى بهذه الصفه من کل أمه، إذ کانت خیر أمه أخرجت للناس فقال تعالى: «وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ» ببنیه المبالغه، لیعم شکر التکلیف و شکر التبرع، فشکر التبرع [أ فلا أکون عبدا شکورا] قول النبی صلّى اللّه علیه و سلم، و شکر التکلیف ما وقع به الأمر مثل (و اشکروا اللّه) (و اشکروا نعمه اللّه) و بین الشکرین ما بین الشکورین.

 

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۱۴ الى ۱۹]

فَلَمَّا قَضَیْنا عَلَیْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى‏ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّهُ الْأَرْضِ تَأْکُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَیَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ کانُوا یَعْلَمُونَ الْغَیْبَ ما لَبِثُوا فِی الْعَذابِ الْمُهِینِ (۱۴) لَقَدْ کانَ لِسَبَإٍ فِی مَسْکَنِهِمْ آیَهٌ جَنَّتانِ عَنْ یَمِینٍ وَ شِمالٍ کُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّکُمْ وَ اشْکُرُوا لَهُ بَلْدَهٌ طَیِّبَهٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ (۱۵) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَیْهِمْ سَیْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَیْهِمْ جَنَّتَیْنِ ذَواتَیْ أُکُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَیْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِیلٍ (۱۶) ذلِکَ جَزَیْناهُمْ بِما کَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِی إِلاَّ الْکَفُورَ (۱۷) وَ جَعَلْنا بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ الْقُرَى الَّتِی بارَکْنا فِیها قُرىً ظاهِرَهً وَ قَدَّرْنا فِیهَا السَّیْرَ سِیرُوا فِیها لَیالِیَ وَ أَیَّاماً آمِنِینَ (۱۸)

فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَیْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِیثَ وَ مَزَّقْناهُمْ کُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِکُلِّ صَبَّارٍ شَکُورٍ (۱۹)

«وَ مَزَّقْناهُمْ کُلَّ مُمَزَّقٍ» هم أهل سبأ، و تفرقهم معلوم.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۲۰ الى ۲۱]

وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَیْهِمْ إِبْلِیسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِیقاً مِنَ الْمُؤْمِنِینَ (۲۰) وَ ما کانَ لَهُ عَلَیْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ یُؤْمِنُ بِالْآخِرَهِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِی شَکٍّ وَ رَبُّکَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ حَفِیظٌ (۲۱)

[ «وَ رَبُّکَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ حَفِیظٌ» الآیه]

«وَ رَبُّکَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ حَفِیظٌ» الحفظ الذی یعلمه اللّه، لا الحفظ العرضی، فإن اللّه تعالى ما رأیناه یحفظ على کل عین صورتها، بل الواقع غیر ذلک و هو مطلق الحفظ، فلیس الحفظ ما یتخیل من حفظ الصور على أعیانها، و لکنه حفظ التغییر و الاستحالات، فالحافظ یحفظ على کل شی‏ء حکم التغییر، و حفظ اللّه للعالم إنما هو لبقاء الثناء علیه بلسان المحدثات، بالتنزیه عما هی علیه من الافتقار، فلم یکن الحفظ للاهتمام به و لا للعنایه، بل لیکون مجلاه، و لیظهر أحکام أسمائه، و الحفظ لا یکون إلا ممن لا یغالب على محفوظه و لا یقاوى على حفظه، فلا یزال العالم محفوظا باللّه، و لا یزال حافظا له، فلو انقطع الحفظ لزال العالم.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۲۲ الى ۲۳]

قُلِ ادْعُوا الَّذِینَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا یَمْلِکُونَ مِثْقالَ ذَرَّهٍ فِی السَّماواتِ وَ لا فِی الْأَرْضِ وَ ما لَهُمْ فِیهِما مِنْ شِرْکٍ وَ ما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِیرٍ (۲۲) وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَهُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّکُمْ قالُوا الْحَقَّ وَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبِیرُ (۲۳)

[الصلاه على المیت شفاعه من المصلی علیه‏]

«وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَهُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ» و قد أذن اللّه تعالى لنا بالصلاه على المیت، و هو لا یأذن و فی نفسه أن لا یقبل سؤال السائل، فقد أذن لنا أن نشفع فیه بالصلاه علیه، فقد تحققنا الإجابه بلا شک، و الصلاه على المیت شفاعه من المصلی علیه عند ربه، و لا تکون الشفاعه إلا لمن ارتضى الحق أن یشفع فیه، و لم یرتض سبحانه من عباده إلا العصاه من أهل التوحید، سواء کان عن دلیل أو إیمان، و لهذا شرع تلقین المیت لیکون الشفیع على علم بتوحید من یشفع فیه، و کل من قال إن المیت إذا کان من أهل الصلاه علیه و صلی علیه لا تقبل الشفاعه فما عنده خبر جمله واحده، لا و اللّه، بل ذلک المیت سعید بلا شک،

و لو کانت ذنوبه عدد الرمل و الحصى و التراب، أما المختصه باللّه من ذلک فمغفوره، و أما ما یختص بمظالم العباد فإن اللّه یصلح بین عباده یوم القیامه، فعلى کل حال لا بد من الخیر و لو بعد حین، و لهذا ینبغی للمصلی على المیت إذا شفع فی صلاته عند اللّه أن لا یخص جنایه بعینها، و لیعم ذکره ما ینطلق علیه به أنه مسی‏ء إساءه تحول بینه و بین سعادته، و لیسأل اللّه التجاوز عن سیئاته مطلقا، و أن یعترف عن المیت بجمیع السیئات، و إن لم یحضر المصلی التعمیم فی ذلک فإن اللّه إن شاء عمه بالتجاوز، و إن شاء عامل المیت بحسب ما وقعت فیه الشفاعه من الشافع، و لهذا ینبغی للمصلی على المیت أن یسأل اللّه له فی التخلیص من العذاب،لا فی دخول الجنه، لأنه ما ثمّ دار ثالثه،

إنما هی جنه أو نار، و ذلک أنه إن سأل فی دخول الجنه لا غیر فإن اللّه یقبل سؤاله فیه، و لکن قد یرى فی الطریق أهوالا عظاما، فلهذا ینبغی أن تکون شفاعه المصلی فی أن ینجی اللّه من صلى علیه مما یحول بینه و بین العافیه و استصحابها له، فإن ذلک أنفع فی حق المیت، و اللّه أسأل لنا و لإخواننا إذا جاء أجلنا أن یکون المصلی علینا عبدا محبوبا عند ربه، یکون الحق سمعه و بصره و لسانه، لنا و لإخواننا و أولادنا و آبائنا و أهلینا و معارفنا و جمیع المسلمین من الجن و الإنس، آمین بعزته و کرمه.

و اعلم أیدنا اللّه و إیاک بروح منه أن الملائکه أرواح فی أنوار أو لو أجنحه، و أن نزول الوحی على قلوب الملائکه، و القلب هو المدبر للجسد، فاشتغل القلب بما نزل إلیه لیتلقاه فغاب عن تدبیر بدنه، فسمی بذلک غشیا و صعقا، فإذا تکلم اللّه بالوحی على صوره خاصه و تعلقت به أسماعهم کأنه سلسله على صفوان،

و هو وحی إجمالی، و قد أخبر النبی صلّى اللّه علیه و سلم عن الملائکه فی طریان هذا الحال فقال: [إن الملائکه إذا تکلم اللّه بالوحی کأنه سلسله على صفوان، ضربت الملائکه بأجنحتها خضعانا- أی لهذا التشبیه- فتصعق الملائکه، و هو أشد الوحی، فیصعقون ما شاء اللّه ثم ینادون فیفیقون‏] و هو قوله تعالى فی حقهم: (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) و هو إفاقتهم من صعقتهم، و هنا یقع التفصیل فیما أجمل، فأخبر اللّه عنهم- الوجه الأول- «قالُوا ما ذا قالَ رَبُّکُمْ» و هنا وقف، فیقول بعضهم لبعض و هو قوله تعالى‏ «قالُوا الْحَقَّ» و هو من قول الملائکه.

– الوجه الثانی- «قالُوا ما ذا؟» و هنا وقف، فاستفهموا بعد صعقتهم أی یقول بعضهم لبعض‏ «ما ذا؟» «قالَ» أی فیقول بعضهم أو قال القائل: «رَبُّکُمْ» و هنا وقف، إعلاما بأن کلامه عین ذاته، فیقول بعضهم و هو قوله:

«قالُوا» لهذا القائل‏ «الْحَقَّ» أی الحق یقول، بالنصب، أی قال الحق کذا علمناه- الوجه الثالث- لما أفاقوا و زال الخطاب الإجمالی المشبه و زالت البدیهه «قالُوا ما ذا؟» و هنا وقف، ثم یجیبهم فقال لهم: «رَبُّکُمْ» و هو قوله: «قالَ رَبُّکُمْ»، فما صعقوا عند هذا القول بل ثبتوا و (قالُوا الْحَقَّ) أی قال الحق، أی قال ربنا القول الحق، یعنون ما فهموه من الوحی أو قوله‏ «قالَ رَبُّکُمْ» أو هما معا و هو الصحیح‏ «وَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبِیرُ»

الوجه الأول- أن یکون هذا من قول الملائکه قالوا «وَ هُوَ الْعَلِیُّ» عن هذا النزول‏ «الْکَبِیرُ» عن هذا التشبیه فی هذه النسبه، و هی کسلسله على صفوان، أی‏ «وَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبِیرُ» عن هذاالتشبیه، و لکن هکذا نسمع، فجاءوا فی ذکرهم بالاسم العلی فی کبریائه إن کان من قولهم، فإنه محتمل أن یکون قول اللّه‏ «وَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبِیرُ» أو یکون حکایه الحق عن قولهم، و العالون الذین قال اللّه فیهم لإبلیس لما أبى السجود (أَسْتَکْبَرْتَ أَمْ کُنْتَ مِنَ الْعالِینَ) هم الذین قالوا لهؤلاء الملائکه الذین أفاقوا «رَبَّکُمُ» و هم الذین نادوهم، و هم العالون،

فلهذا جاء بالاسم العلی، فمن علم أن للملائکه قلوبا أو علم القلوب ما هی علم أن اللّه تعالى ما أسمعهم فی الوحی الذی أصعقهم إلا ما یناسب من الوحی‏ (کُلَّ یَوْمٍ هُوَ فِی شَأْنٍ) و من هذه الآیه علمنا بتفاضل الملائکه فی العلم باللّه على بعضهم، و هو قولهم: (وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) أی فی العلم باللّه، و ذلک لما ورد من الاستفهام فی قول من قال منهم‏ «ما ذا» و قد رفعت التهمه عنهم فیما بینهم، و تصدیق بعضهم بعضا،

و انصباغ بعضهم بما عند بعض مما یکون علیه ذلک البعض من صوره العلم باللّه، فیفید بعضهم بعضا، و ذلک قوله عنهم: «قالُوا الْحَقَّ» ابتداء، و لم ینازعوا عند ما قال لهم المسئول‏ «رَبَّکُمُ»*، ثم أقیموا فی‏ (لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْ‏ءٌ) فلم یروه إلا فی الهویه، و هی ما غاب عنهم من الحق فی عین ما تجلى، و تلک الهویه هی روح صوره ما تجلى، فنسبوا إلیها أعنی إلى الهویه من‏ (لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْ‏ءٌ) العلو فقالوا:

«وَ هُوَ الْعَلِیُّ» عن التقیید فی صوره ما تجلى لهم‏ «الْکَبِیرُ» من الکبریاء عن الحصر، فهو العظیم بذاته، بخلاف الأسباب المعظمه، و هو الکبیر واضع الأسباب، و أمرنا بتعظیمها، و من لا عظمه له ذاتیه لنفسه فعظمته عرض فی حکم الزوال، فالکبیر على الإطلاق من غیر تقیید و لا مفاضله هو اللّه- الوجه الثانی- فی هذه الآیه انته کلام الملائکه عند قوله:

«ما ذا قالَ رَبُّکُمْ قالُوا الْحَقَّ» ثم یقول تعالى: أی فقال اللّه: «وَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبِیرُ» فهو من قول اللّه لا من قول الملائکه، أی هذه النسبه من حیث هویته، و من هذه الآیه یظهر عجز الملائکه عن معرفه اللّه تعالى.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۲۴ الى ۲۶]

قُلْ مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَ إِنَّا أَوْ إِیَّاکُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ فِی ضَلالٍ مُبِینٍ (۲۴) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (۲۵) قُلْ یَجْمَعُ بَیْنَنا رَبُّنا ثُمَّ یَفْتَحُ بَیْنَنا بِالْحَقِّ وَ هُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِیمُ (۲۶)

من الفتح الإلهی النصر على الأعداء و القهر لهم، و الرحمه بالأولیاء و العطف علیهم.

 

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۲۷ الى ۲۸]

قُلْ أَرُونِیَ الَّذِینَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَکاءَ کَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ (۲۷) وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلاَّ کَافَّهً لِلنَّاسِ بَشِیراً وَ نَذِیراً وَ لکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لا یَعْلَمُونَ (۲۸)

«وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلَّا کَافَّهً» من الکفت و هو الضم‏ «لِلنَّاسِ» فضمت شریعته جمیع الناس، فلا یسمع به أحد إلا لزمه الإیمان به، و ضمت شریعته الجن و الإنس فعم بشریعته الإنس و الجن، و کانت باللسان العربی فعم کل لسان، فنقل شرعه بالترجمه فعم اللغات، و لم یکن ذلک لغیره صلّى اللّه علیه و سلم، و کانت الأنبیاء فی العالم نواب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم، لأن الناس من آدم إلى آخر إنسان، و قد أبان صلّى اللّه علیه و سلم عن هذا المقام بأمور، منها قوله صلّى اللّه علیه و سلم [و اللّه لو کان موسى حیا ما وسعه إلا أن یتبعنی‏] و قوله فی نزول عیسى ابن مریم فی آخر الزمان:

إنه یؤمنا- أی یحکم فینا- بسنه نبینا علیه السلام و یکسر الصلیب و یقتل الخنزیر، و لو کان محمد صلّى اللّه علیه و سلم قد بعث فی زمان آدم لکانت الأنبیاء و جمیع الناس تحت حکم شریعته إلى یوم القیامه حسا، فجمیع الأنبیاء هم أرساله و نوابه فی الأرض لغیبه جسمه، و لو کان جسمه موجودا ما کان لأحد شرع معه،

و لهذا لم یبعث عامه إلا هو خاصه، فهو الملک و السید، و کل رسول سواه فبعث إلى قوم مخصوصین، فلم تعم رساله أحد من الرسل سوى رسالته صلّى اللّه علیه و سلم، فمن زمان آدم علیه السلام إلى زمان بعث محمد صلّى اللّه علیه و سلم إلى یوم القیامه ملکه، و تقدمه فی الآخره على جمیع الرسل و سیادته فمنصوص على ذلک فی الصحیح عنه، مثل قوله:

[أنا سید الناس یوم القیامه] بإخباره إیانا بالوحی الذی أوحی به إلیه، و قوله: [أنا سید ولد آدم و لا فخر] بالراء و فی روایه بالزای و هو التبجح بالباطل، فثبتت له السیاده و الشرف على أبناء جنسه من البشر، فمحمد صلّى اللّه علیه و سلم بعث إلى الناس کافه بالنص، و لم یقل: أرسلناک إلى هذه الأمه خاصه، و لا إلى أهل هذا الزمان إلى یوم القیامه خاصه،

و إنما أخبره أنه مرسل إلى الناس کافه، و الناس من آدم إلى یوم القیامه، فقال صلّى اللّه علیه و سلم: [کنت نبیا و آدم بین الماء و الطین‏] فأعلم بنبوته، فکان الرسل و الأنبیاء علیهم السلام نوابه حتى ظهوره بجسمه صلّى اللّه علیه و سلم، فإنه لمّا لم یتقدم فی عالم الحس وجود عینه صلّى اللّه علیه و سلم أولا، نسب کل شرع إلى من بعث به، و هو فی الحقیقه شرع محمد صلّى اللّه علیه و سلم، و إن کان مفقود العین من حیث لا یعلم ذلک، کما هو مفقود العین الآن و فی زمان نزول عیسى علیه السلام، و الحکم بشرعه،

فجمیع الشرائع التی کانت فی الأمم فهی شرائع محمد صلّى اللّه علیه و سلم بأیدی نوابه، فإنه المبعوث إلى الناس کافه، و ما یلزم رؤیه شخصه، فکما وجّه فی زمان ظهور جسمه علیا و معاذا إلى الیمن لتبلیغ الدعوه، کذلک وجّه الرسل و الأنبیاء إلى أممهم من حین کان نبیا و آدم بین الماء و الطین، فدعا الکل إلى اللّه تعالى، فالناس أمته من آدم إلى یوم القیامه، و جمیع الرسل نوابه بلا شک، فلما ظهر بنفسه لم یبق حکم إلا له، و لا حاکم إلا رجع إلیه، و أما نسخ اللّه بشرعه جمیع الشرائع فلا یخرج هذا النسخ ما تقدم من الشرائع أن تکون من شرعه، فإن اللّه قد أشهدنا فی شرعه الظاهر المنزل به صلّى اللّه علیه و سلم فی القرآن و السنه النسخ،

مع إجماعنا و اتفاقنا على أن ذلک المنسوخ شرعه الذی بعث به إلینا، فنسخ بالمتأخر المتقدم، فکان تنبیها لنا هذا النسخ الموجود فی القرآن و السنه على أن نسخه لجمیع الشرائع المتقدمه لا یخرجها عن کونها شرعا له، و کان نزول عیسى علیه السلام فی آخر الزمان حاکما بغیر شرعه أو بعضه الذی کان علیه فی زمان رسالته، و حکمه بالشرع المحمدی المقرر الیوم دلیلا على أنه لا حکم لأحد الیوم من الأنبیاء علیهم السلام مع وجود ما قرره صلّى اللّه علیه و سلم فی شرعه، و یدخل فی ذلک ما هم علیه أهل الذمه من أهل الکتاب،

ما داموا یعطون الجزیه عن ید و هم صاغرون، فإن حکم الشرائع على الأحوال فخرج من هذا المجموع کله أنه ملک و سید على جمیع بنی آدم، و أن جمیع من تقدمه کان ملکا له و تبعا، و الحاکمون فیه نواب عنه، فبعثته العامه إشعار بأن جمیع ما تقدمه من الشرائع بالزمان إنما هو من شرعه، فنسخ ببعثته منها ما نسخ و أبقى منها ما أبقى، کما نسخ ما قد کان أثبته حکما، فإن قیل فقوله صلّى اللّه علیه و سلم: [لا تفضلونی‏] فالجواب: نحن ما فضلناه بل اللّه فضله، فإن ذلک لیس لنا، و إن کان قد ورد (أُولئِکَ الَّذِینَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) لما ذکر الأنبیاء علیهم السلام فهو صحیح، فإنه قال فبهداهم و هداهم من اللّه،

[جمیع الشرائع هی شرع محمد صلّى اللّه علیه و سلم بأیدی نوابه‏]

و الطین‏] فأعلم بنبوته، فکان الرسل و الأنبیاء علیهم السلام نوابه حتى ظهوره بجسمه صلّى اللّه علیه و سلم، فإنه لمّا لم یتقدم فی عالم الحس وجود عینه صلّى اللّه علیه و سلم أولا، نسب کل شرع إلى من بعث به، و هو فی الحقیقه شرع محمد صلّى اللّه علیه و سلم، و إن کان مفقود العین من حیث لا یعلم ذلک، کما هو مفقود العین الآن و فی زمان نزول عیسى علیه السلام، و الحکم بشرعه، فجمیع الشرائع التی کانت فی الأمم فهی شرائع محمد صلّى اللّه علیه و سلم بأیدی نوابه، فإنه المبعوث إلى الناس کافه،

و ما یلزم رؤیه شخصه، فکما وجّه فی زمان ظهور جسمه علیا و معاذا إلى الیمن لتبلیغ الدعوه، کذلک وجّه الرسل و الأنبیاء إلى أممهم من حین کان نبیا و آدم بین الماء و الطین، فدعا الکل إلى اللّه تعالى، فالناس أمته من آدم إلى یوم القیامه، و جمیع الرسل نوابه بلا شک، فلما ظهر بنفسه لم یبق حکم إلا له، و لا حاکم إلا رجع إلیه، و أما نسخ اللّه بشرعه جمیع الشرائع فلا یخرج هذا النسخ ما تقدم من الشرائع أن تکون من شرعه، فإن اللّه قد أشهدنا فی شرعه الظاهر المنزل به صلّى اللّه علیه و سلم فی القرآن و السنه النسخ، مع إجماعنا و اتفاقنا على أن ذلک المنسوخ شرعه الذی بعث به إلینا، فنسخ بالمتأخر المتقدم، فکان تنبیها لنا هذا النسخ الموجود فی القرآن و السنه على أن نسخه لجمیع الشرائع المتقدمه لا یخرجها عن کونها شرعا له،

و کان نزول عیسى علیه السلام فی آخر الزمان حاکما بغیر شرعه أو بعضه الذی کان علیه فی زمان رسالته، و حکمه بالشرع المحمدی المقرر الیوم دلیلا على أنه لا حکم لأحد الیوم من الأنبیاء علیهم السلام مع وجود ما قرره صلّى اللّه علیه و سلم فی شرعه، و یدخل فی ذلک ما هم علیه أهل الذمه من أهل الکتاب، ما داموا یعطون الجزیه عن ید و هم صاغرون، فإن حکم الشرائع على الأحوال فخرج من هذا المجموع کله أنه ملک و سید على جمیع بنی آدم، و أن جمیع من تقدمه کان ملکا له و تبعا، و الحاکمون فیه نواب عنه،

فبعثته العامه إشعار بأن جمیع ما تقدمه من الشرائع بالزمان إنما هو من شرعه، فنسخ ببعثته منها ما نسخ و أبقى منها ما أبقى، کما نسخ ما قد کان أثبته حکما، فإن قیل فقوله صلّى اللّه علیه و سلم: [لا تفضلونی‏] فالجواب: نحن ما فضلناه بل اللّه فضله، فإن ذلک لیس لنا، و إن کان قد ورد (أُولئِکَ الَّذِینَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) لما ذکر الأنبیاء علیهم السلام فهو صحیح، فإنه قال فبهداهم و هداهم من اللّه،

[جمیع الشرائع هی شرع محمد صلّى اللّه علیه و سلم بأیدی نوابه‏]

و هو شرعه صلّى اللّه علیه و سلم، أی الزم شرعک الذی ظهر به نوابک من إقامه الدین و لا تتفرقوا فیه، فلم یقل: فبهم اقتده، و فی قوله: (وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِیهِ) تنبیه على أحدیه الشرائع،و قوله: (اتَّبَعَ مِلَّهَ إِبْراهِیمَ حَنِیفاً) و هو الدین، فهو مأمور باتباع الدین، فإن الدین إنما هو من اللّه لا من غیره، و انظر قوله علیه السلام: [لو کان موسى حیا ما وسعه إلا أن یتبعنی‏] فأضاف الاتباع إلیه، و أمر صلّى اللّه علیه و سلم باتباع الدین و هدى الأنبیاء لا بهم،

فإن الإمام الأعظم إذا حضر لا یبقى لنائب من نوابه حکم إلا له، فإذا غاب حکم النواب بمراسمه، فهو الحاکم غیبا و شهاده، و من ذلک کونه صلّى اللّه علیه و سلم أوتی جوامع الکلم، و العالم کلمات اللّه، فقد آتاه اللّه الحکم فی کلماته، و عمّ و ختم به الرساله و النبوه، کما بدأ به باطنا ختم به ظاهرا، فله الأمر النبوی من قبل و من بعد- نصیحه-

اعلم أن الرسل أعدل الناس مزاجا لقبولهم رسالات ربهم، و کل شخص منهم قبل من الرساله قدر ما أعطاه اللّه فی مزاجه من الترکیب، فما من نبی إلا بعث خاصه إلى قوم معینین، لأنه على مزاج خاص مقصور و إن محمدا صلّى اللّه علیه و سلم ما بعثه إلا برساله عامه إلى جمیع الناس کافه، و لا قبل مثل هذه الرساله إلا لکونه على مزاج یحوی على مزاج کل نبی و رسول، فهو أعدل الأمزجه و أکملها و أقوم النشآت، فإذا علمت هذا و أردت أن ترى الحق على أکمل ما ینبغی أن یظهر به لهذه النشأه الإنسانیه، فاعلم أنک لیس لک و لا أنت على مثل هذا المزاج الذی لمحمد صلّى اللّه علیه و سلم، و أن الحق مهما تجلى لک فی مرآه قلبک فإنما تظهره لک مرآتک على قدر مزاجها و صوره شکلها، و قد علمت نزولک عن الدرجه التی صحت لمحمد صلّى اللّه علیه و سلم فی العلم بربه فی نشأته،

فالزم الإیمان و الاتباع، و اجعله أمامک مثل المرآه التی تنظر فیها صورتک و صوره غیرک، فإذا فعلت هذا علمت أن اللّه تعالى لا بد أن یتجلى لمحمد صلّى اللّه علیه و سلم فی مرآته، و المرآه لها أثر فی ناظر الرائی فی المرئی، فیکون ظهور الحق فی مرآه محمد صلّى اللّه علیه و سلم أکمل ظهور و أعدله و أحسنه، لما هی مرآته علیه، فإذا أدرکته فی مرآه محمد صلّى اللّه علیه و سلم فقد أدرکت منه کمالا لم تدرکه من حیث نظرک فی مرآتک، أ لا ترى فی باب الإیمان و ما جاء فی الرساله من الأمور التی نسب الحق لنفسه بلسان الشرع مما تحیله العقول؟

و لو لا الشرع و الإیمان به لما قبلنا من ذلک من حیث نظرنا العقلی شیئا البته، بل نرده ابتداء و نجهّل القائل به، فکما أعطاه بالرساله و الإیمان ما قصرت العقول التی لا إیمان لها عن إدراکها ذلک من جانب الحق، کذلک قصرت أمزجتنا و مرائی عقولنا عند المشاهده عن إدراک ما تجلى فی مرآه محمد صلّى اللّه علیه و سلم أن تدرکه فی مرآتها، و کما آمنت به فی الرساله غیبا شهدته فی هذا التجلی النبوی عینا، فقد نصحتک و أبلغت لک فی النصیحه،

فلا تطلب مشاهده الحق‏ إلا فی مرآه نبیک صلّى اللّه علیه و سلم، و احذر أن تشهده فی مرآتک، أو تشهد النبی و ما تجلى فی مرآته من الحق فی مرآتک، فإنه ینزل بک ذلک عن الدرجه العالیه، فالزم الاقتداء و الاتباع، و لا تطأ مکانا لا ترى فیه قدم نبیک، فضع قدمک على قدمه إن أردت أن تکون من أهل الدرجات العلى و الشهود الکامل فی المکانه الزلفى، و قد أبلغت لک فی النصیحه کما أمرت، و اللّه یهدی من یشاء إلى صراط مستقیم.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۲۹ الى ۳۷]

وَ یَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ (۲۹) قُلْ لَکُمْ مِیعادُ یَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَهً وَ لا تَسْتَقْدِمُونَ (۳۰) وَ قالَ الَّذِینَ کَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَ لا بِالَّذِی بَیْنَ یَدَیْهِ وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ یَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ الْقَوْلَ یَقُولُ الَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِینَ اسْتَکْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَکُنَّا مُؤْمِنِینَ (۳۱) قالَ الَّذِینَ اسْتَکْبَرُوا لِلَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناکُمْ عَنِ الْهُدى‏ بَعْدَ إِذْ جاءَکُمْ بَلْ کُنْتُمْ مُجْرِمِینَ (۳۲) وَ قالَ الَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِینَ اسْتَکْبَرُوا بَلْ مَکْرُ اللَّیْلِ وَ النَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَکْفُرَ بِاللَّهِ وَ نَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَ أَسَرُّوا النَّدامَهَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَ جَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِی أَعْناقِ الَّذِینَ کَفَرُوا هَلْ یُجْزَوْنَ إِلاَّ ما کانُوا یَعْمَلُونَ (۳۳)

وَ ما أَرْسَلْنا فِی قَرْیَهٍ مِنْ نَذِیرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ کافِرُونَ (۳۴) وَ قالُوا نَحْنُ أَکْثَرُ أَمْوالاً وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِینَ (۳۵) قُلْ إِنَّ رَبِّی یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ وَ لکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لا یَعْلَمُونَ (۳۶) وَ ما أَمْوالُکُمْ وَ لا أَوْلادُکُمْ بِالَّتِی تُقَرِّبُکُمْ عِنْدَنا زُلْفى‏ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِکَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِی الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (۳۷)

القربات إلى اللّه لا تعلم إلا من اللّه، لیس للعقل فیها حکم بوجه من الوجوه، فإذا شرع الشارع القربات فهی على حد ما شرع، و ما منع من ذلک أن یکون قربه فلیس للعقل أن یجعلها قربه، لذلک قال تعالى: «إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِکَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِی الْغُرُفاتِ آمِنُونَ»– إشاره- لم یحصل له أمان الغرفه، إلا من قنع فی شربه بالغرفه، فمن اغترف نال الدرجات، و من شرب لیرتوی عمّر الدرکات، فما ارتوى من شرب، و روی من اغترف غرفه بیده و طرب.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۳۸ الى ۳۹]

وَ الَّذِینَ یَسْعَوْنَ فِی آیاتِنا مُعاجِزِینَ أُولئِکَ فِی الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (۳۸) قُلْ إِنَّ رَبِّی یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ یَقْدِرُ لَهُ وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَیْ‏ءٍ فَهُوَ یُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَیْرُ الرَّازِقِینَ (۳۹)

– الوجه الأول- الإنفاق إهلاک، و من أهلک شیئا فقد فقده، و فی‏ «یُخْلِفُهُ» قراءتان: بفتح الیاء و ضمها، فبالفتح ما أنفقتم من شی‏ء فإن اللّه یخلفه بهویته، فإنه ما ینفق حتى یشهد العوض، فهو إذا فقد الشی‏ء لم یجده، و إذا لم یجده وجد اللّه عنده، فهو یخلفه، و هو قوله: (وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ) فحیث فنیت الأسباب یوجد اللّه، و بالضم کما عاد الضمیر على الشی‏ء من یخلفه لا یخلف إلا مثله لا عینه، فإذا أنفق الإنسان فاللّه مخلف، و من أیقن بالخلف جاد بالأعطیه، و حتى على قراءه الضم فإنه یفید المعنى الأول، فأی سبب یکون للمنفق بعد الإنفاق یسد مسد ما أنفقه، من أمر ظاهر أو باطن، حتى الیقین أو الاستغناء عن الأمر الذی کان یصل إلیه بذلک الذی أنفقه فی عین تحصیله لذلک الشی‏ء،

فهو مجعول من هویه الحق، أو هویه الحق، فانظر یا أخی کیف جعل هویته خلفا من نفقتک، و إنک أحییت من تصدقت علیه فأحیاک اللّه به حیاه أبدیه، لأنه إن لم یکن الحق حیاتک فلا حیاه، فإن قلت: لو کان ذلک لنصب الیاء و رفع اللام، قلنا: الهویه عین الذات، و الهویه تخلف الشی‏ء المتصدق به باسم إلهی تکون به حیاه ذلک المنفق، و أسماؤه‏ لیست غیره، و لکن هکذا تقع العباره عنها لما یعقل فی ذلک من اختلاف النسب،

خرّج مسلم فی صحیحه عن أبی هریره قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم: [ما من یوم یصبح فیه العباد إلا و ملکان ینزلان یقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، و یقول الآخر: اللهم أعط ممسکا تلفا] و معنى ذلک الحدیث أن الملک الآخر الذی یقول: اللهم أعط ممسکا تلفا، أی ما أعطیت المنفق حتى یتلف ماله مثل صاحبه،

فکأنه یقول: اللهم ارزق الممسک الإنفاق حتى ینفق، فإن کنت لم تقدّر فی سابق علمک أن ینفقه باختیاره، فاتلف ماله حتى تأجره فیه أجر المصاب فیصیب خیرا، فإن الملائکه لسان خیر، فلا تدعو الملائکه بالشر على المؤمنین، فهو دعاء خیر بکل وجه- الوجه الثانی- «وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَیْ‏ءٍ فَهُوَ یُخْلِفُهُ» إن أنفق لیبتنی مجدا فی ألسنه الخلق فهو لما أنفق.

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۴۰ الى ۴۶]

وَ یَوْمَ یَحْشُرُهُمْ جَمِیعاً ثُمَّ یَقُولُ لِلْمَلائِکَهِ أَ هؤُلاءِ إِیَّاکُمْ کانُوا یَعْبُدُونَ (۴۰) قالُوا سُبْحانَکَ أَنْتَ وَلِیُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ کانُوا یَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَکْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (۴۱) فَالْیَوْمَ لا یَمْلِکُ بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا وَ نَقُولُ لِلَّذِینَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِی کُنْتُمْ بِها تُکَذِّبُونَ (۴۲) وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَیْهِمْ آیاتُنا بَیِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ یُرِیدُ أَنْ یَصُدَّکُمْ عَمَّا کانَ یَعْبُدُ آباؤُکُمْ وَ قالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْکٌ مُفْتَرىً وَ قالَ الَّذِینَ کَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِینٌ (۴۳) وَ ما آتَیْناهُمْ مِنْ کُتُبٍ یَدْرُسُونَها وَ ما أَرْسَلْنا إِلَیْهِمْ قَبْلَکَ مِنْ نَذِیرٍ (۴۴)

وَ کَذَّبَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَیْناهُمْ فَکَذَّبُوا رُسُلِی فَکَیْفَ کانَ نَکِیرِ (۴۵) قُلْ إِنَّما أَعِظُکُمْ بِواحِدَهٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ وَ فُرادى‏ ثُمَّ تَتَفَکَّرُوا ما بِصاحِبِکُمْ مِنْ جِنَّهٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِیرٌ لَکُمْ بَیْنَ یَدَیْ عَذابٍ شَدِیدٍ (۴۶)

«قُلْ إِنَّما أَعِظُکُمْ بِواحِدَهٍ» و هی أن تقوم من أجل اللّه، إذا رأیت من فعل اللّه فی کونه ما أمرک أن تقوم له فیه، إما غیره و إما تعظیما «أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى‏ وَ فُرادى‏» فقوله فی القیام مثنى، باللّه و رسوله، فإنه من أطاع الرسول قد أطاع اللّه، فقمت للّه بکتاب أو سنه، لا تقوم عن هوى نفس و لا غیره طبیعیه و لا تعظیم کونی‏ «وَ فُرادى‏» إما باللّه خاصه أو لرسوله خاصه،

کما قال صلّى اللّه علیه و سلم: [لا أرى أحدکم متکئا على أریکته یأتیه الحدیث عنی فیقول: اتل به علیّ قرآنا؛ إنه و اللّه لمثل القرآن أو أکثر] فقوله صلّى اللّه علیه و سلم [أو أکثر] فی رفع المنزله، فإن القرآن بینه و بین اللّه فیه الروح الأمین، و الحدیث من اللّه إلیه، و معلوم أن القرب فی الإسناد أعظم من البعد فیه، و لو بشخص واحد ینقص فی الطریق، فبهذا کان الحدیث أکثر من القرآن، و غایته أن یکون إذا نزل عن هذه الطبقه مثله، و ما عدل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم إلى الأکثریه إلا و الأمر أکثر بلا شک، فلا ینبغی لواعظ أن یخرج فی وعظه عن الکتاب أو السنه و قد یکون قوله: «مَثْنى‏» یرید به التعاون فی القیام للّه تعالى فی ذلک الأمر، و صوره التعاون أن الشرع فی نفس الأمر أنکر هذا الفعل ممن صدر عنه علیه،

فینبغی للعالم المؤمن أن یقوم مع المشرّع فی ذلک فیعینه، فیکون اثنان هو و الشرع، و فرادى أن یکون هذا المنکر لا یعلم أنه معین للشرع فی إنکاره و وعظه، فیقول قد انفردت بهذا الأمر، و ما هو إلا معین للشرع و للملک الذی یقول بلمته للفاعل لا تفعل، إذ یقول له الشیطان بلمته افعل، فیکون مع الملک مثنى، فإن الملک مکلّف بأن ینهى العبد الذی قد ألزمه اللّه به أن ینهاه فیما کلفه اللّه به أن ینهاه عنه، فیساعده الإنسان على ذلک، فیکون ممن قام للّه فی ذلک مثنى، و یکون هذا الوعظ مع وعظ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم مثنى‏ «ثُمَّ تَتَفَکَّرُوا ما بِصاحِبِکُمْ مِنْ جِنَّهٍ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِیرٌ لَکُمْ بَیْنَ یَدَیْ عَذابٍ شَدِیدٍ» و لا تکون الفکره إلا فی دلیل على صدقه أنه رسول من عند اللّه، و هذا یعنی أنه یوصل إلى معرفه الرسول بالدلیل.

[سوره سبإ (۳۴): آیه ۴۷]

قُلْ ما سَأَلْتُکُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَکُمْ إِنْ أَجْرِیَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَ هُوَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ شَهِیدٌ (۴۷)

 

[ «قُلْ ما سَأَلْتُکُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَکُمْ» الآیه]

– الوجه الأول- «قُلْ ما سَأَلْتُکُمْ مِنْ أَجْرٍ» فیما بلغه عن اللّه إلیهم‏ «فَهُوَ لَکُمْ» «إِنْ أَجْرِیَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» فإنه تعالى هو الذی استخدمه فی التبلیغ. و اعلم أن أجر التبلیغ على قدر ما ناله فی البلاغ من المشقه من المخالفین له من أمته التی بعث إلیها، و لما قاساه، و لا یعلم قدر ذلک من کل رسول إلا اللّه، و اعلم أن اللّه تعالى له المنه على عباده بأن هداهم للإیمان برسله،

فوجب شکر اللّه و حلاوه الرسول، فیضمنها اللّه عنهم بأن جعل أجر رسوله صلّى اللّه علیه و سلم علیه، و ضم فی ذلک الأجر ما یجب على المؤمنین من الحلاوه لما هداهم اللّه به، و ذلک على نوعین: النوع الواحد على قدر معرفتهم بمنزلته ممن أرسله إلیهم و هو اللّه، فإن اللّه تعالى فضّل بعضهم على بعض، و النوع الثانی على قدر ما جاء به فی رسالته، مما هو بشرى لصاحب تلک الصفه التی من قامت به کان سعیدا عند اللّه، فما کان ینبغی أن یقابله به ذلک الرجل هو الذی یعطیه الحق، فإن ساوى حال المؤمن قدر الرساله کان،

و إن قصر حاله عما تقتضیه تلک الرساله من التعظیم فإن اللّه یکرمه، لا ینظر إلى جهل الجاهل بتعظیم قدرها، فیوفیه الحق تعالى على قدر علمه فیها، فانظر ما للرسول علیه السلام من الأجور، فأجر التبلیغ أجر استحقاق، و أما من سأل من الصحابه عن أمر من الأمور، مما لم ینزل فیه قرآن، فنزل فیه قرآن من أجل سؤاله، فإن للرسول على ذلک السائل أجر استحقاق ینوب اللّه عنه فیه، زائدا على الأجر الذی له من اللّه، و أما من رد رسالته من أمته التی بعث إلیها فإن له عند اللّه أیضا أجر المصیبه، و للمصاب فیما یحب أجر، فأجره على اللّه أیضا على عدد من رد ذلک من أمته، بلغوا ما بلغوا، و له من أجر المصاب أجر مصائب العصاه، فإنه نوع من أنواع الرزایا فی حقه، فإنه ما جاء بأمر یطلب العمل به، إلا و الذی یترک العمل به قد عصى، فللرسول أجر المصیبه و الرزیه، و هذا کله على اللّه الوفاء به لکل رسول-

الوجه الثانی- «قُلْ ما سَأَلْتُکُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَکُمْ» فإن اللّه تعالى اختص محمدا صلّى اللّه علیه و سلم بفضیله لم ینلها غیره من الرسل، فإنه تعالى قال لکل رسول‏ (قُلْ ما أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَجْرٍ)* و عاد فضل هذه الفضیله على أمته، و رجع حکمه صلّى اللّه علیه و سلم إلى حکم الرسل قبله فی إبقاء أجره على اللّه، فأمره الحق أن یأخذ أجره الذی له على رسالته من أمته، و هو أن یوادوا قرابته، فبعد أن قال تعالى لنبیه صلّى اللّه علیه و سلم أن یقول لأمته‏ (لا أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً) أی على تبلیغ ما جئت به إلیکم‏ (إِلَّا الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبى‏) و لم یقل إنّه لیس له أجر على اللّه و لا إنّه‏ بقی له أجر على اللّه، و ذلک لیجدد له النعم بتعریف ما یسرّ به فقیل له بعد هذا: قل لأمتک أمرا ما قاله رسول لأمته‏ «قُلْ ما سَأَلْتُکُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَکُمْ إِنْ أَجْرِیَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» فما أسقط الأجر عن أمته فی مودتهم للقربى، و إنما رد ذلک الأجر بعد تعیینه علیهم، فعاد ذلک الأجر علیهم الذی کان یستحقه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم، فیعود فضل الموده على أهل الموده، فما یدری أحد ما لأهل الموده فی قرابه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و سلم من الأجر إلا اللّه.

 

[سوره سبإ (۳۴): الآیات ۴۸ الى ۵۴]

قُلْ إِنَّ رَبِّی یَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُیُوبِ (۴۸) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ ما یُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما یُعِیدُ (۴۹) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى‏ نَفْسِی وَ إِنِ اهْتَدَیْتُ فَبِما یُوحِی إِلَیَّ رَبِّی إِنَّهُ سَمِیعٌ قَرِیبٌ (۵۰) وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَکانٍ قَرِیبٍ (۵۱) وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَکانٍ بَعِیدٍ (۵۲)

وَ قَدْ کَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَ یَقْذِفُونَ بِالْغَیْبِ مِنْ مَکانٍ بَعِیدٍ (۵۳) وَ حِیلَ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ ما یَشْتَهُونَ کَما فُعِلَ بِأَشْیاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ کانُوا فِی شَکٍّ مُرِیبٍ (۵۴)

 

رحمه من الرحمن فى تفسیر و اشارات القرآن، ج‏۳، ص: ۴۳۷

 

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *