تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّازعات
(79) سورة النّازعات مكيّة
[سورة النازعات (79): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً (1)
و هم ملائكة مسخرة بالتشتيت، و هم عمار السماء السابعة.
[سورة النازعات (79): آية 2]
وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً (2)
بالترهيب و هم الملائكة عمار السماء الثانية.
[سورة النازعات (79): آية 3]
وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً (3)
بالسوق و هم الملائكة عمار السماء الدنيا.
[سورة النازعات (79): آية 4]
فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (4)
بالاعتناء و هم الملائكة عمار كرة الأثير.
[سورة النازعات (79): آية 5]
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (5)
بالأحكام، و هم الملائكة، عمار الكرسي.
[سورة النازعات (79): الآيات 6 الى 12]
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (8) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (10)
أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (11) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (12)
و ليس إلا صورا ظاهرة هنا و في البرزخ و الآخرة، و من كانت تجارته بايرة، فكرته خاسرة إذا رد في الحافرة.
[سورة النازعات (79): الآيات 13 الى 14]
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (13) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)
و هي أرض المحشر فإنه لا نوم لأحد بعد الدنيا، و هي نفس الأرض التي نحن عليها، غير أن نعوتها تتبدل، فتكون الخاصية في الحشر الساهرة، أي لا ينام عليها أحد لهذه الخاصية، فالساهرة هي هذه الأرض التي نحن عليها بعد أن يبدلها اللّه تعالى كيف يشاء، إما بالصورة، و إما بأرض أخرى ما نيم عليها تسمى بالساهرة.
[سورة النازعات (79): الآيات 15 الى 24]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (15) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (16) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (18) وَ أَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (19)
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (20) فَكَذَّبَ وَ عَصى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (22) فَحَشَرَ فَنادى (23) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (24)
يريد أنه ما في السماء إله غيري، فانظر إلى من خذله اللّه كيف اعتز على أمثاله بهذا القول، هل جعله في ذلك إلا علمه بمرتبته لا علمه بنفسه؟ فالإنسان عبد عينا و رتبة، كما هو سيد عينا لا رتبة، و لهذا إذا ادعى الرتبة قصم، و حرم، و إذا ادعى العين عصم، و رحم.
[سورة النازعات (79): آية 25]
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى (25)
[ «فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى» الآية- نجاة فرعون:]
النكال في اللسان: هو القيد،– الوجه الأول- الأولى هي قوله (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) و الآخرة و هي كلمة (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى)– الوجه الثاني- على اعتبار صحة إيمان فرعون في علم اللّه «فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى» النكل القيد، لما رأى فرعون ما عند موسى و هارون عليهما السلام من اللين في الخطاب، رق لهما، و سرت الرحمة الإلهية بالعناية الربانية في باطنه، فعلم أن الذي أرسلا به هو الحق، فقيده اللّه بعبوديته مع ربه في الأولى بعلمه أنه عبد اللّه، و في الآخرة إذا بعثه اللّه يبعثه على ما مات عليه من الإيمان به علما و قولا، و ليس بعد شهادة اللّه شهادة، و قد شهد له أنه قيده في الأولى و الآخرة.
[سورة النازعات (79): آية 26]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (26)
– الوجه الأول- «إِنَّ فِي ذلِكَ» أي في هذا الأخذ «لَعِبْرَةً» أي تعجبا و تجاوزا مما يسبق منه إلى فهم العامة إلى ما فيه مما يفهمه الخاصة من عباد اللّه و هم العلماء، و لذلك قال «لِمَنْ يَخْشى» و قد عرّفنا أنه إنما يخشى اللّه من عباده العلماء، و قد قال تعالى (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) و لا يخشى حتى يعلم بالتذكّر ما كان نسيه من العلم باللّه، و من قيده الحق فلا يتمكن له الإطلاق و السراح من ذلك القيد–
الوجه الثاني- «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى» العبرة في ذلك للعالم، فيعتبر العالم كما أخبر اللّه من أين أخذ فرعون، فإن اللّه سبحانه هو الأعلى حقيقة، فهو ربنا الأعلى، و ادعى هذه الصفة فرعون و ما لبسها قط عند نفسه، ففي قوله «في ذا» إشارة إلى ما تقدم في القصة و الذي تقدم قوله (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى)، و أخذ اللّه له نكال الآخرة و الأولى أي هذه الدعوى أوجبت هذا الأخذ، و أن الصفة طلبت موصوفها و هو اللّه، و بقي فرعون عريا عنها، فلم يكن له من يحميه عن الأخذ، فإن الصفة تطلب موصوفها، فإنه لا يقبلها إلا من هي له، فإذا تضمن الكلام صفة لا تنبغي إلا للعبد فالعبد صاحبها و إن وصف الحق بها نفسه، و إذا تضمن الكلام صفة لا تنبغي إلا للّه فاللّه صاحبها و إن وصف العبد بها نفسه–
الوجه الثالث- رحمة اللّه أوسع من حيث أن لا يقبل إيمان المضطر، و أي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق، و اللّه يقول (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ) فقرن للمضطر إذا دعاه الإجابة و كشف السوء عنه، و هذا آمن للّه خالصا، و ما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا، خوفا من العوارض أو يحال بينه و بين هذا الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال، فرجح جانب لقاء اللّه على البقاء بالتلفظ بالإيمان،
و جعل ذلك الغرق «نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى» فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الأجاج، و قبضه على أحسن صفة، هذا ما يعطي ظاهر اللفظ، و هذا معنى قوله «إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى» يعني في أخذه نكال الآخرة و الأولى، و قدم ذكر الآخرة و أخر الأولى، ليعلم أن العذاب أعني عذاب الغرق هو نكال الآخرة، فلذلك قدمها في الذكر على الأولى، و هذا هو الفضل العظيم.
[سورة النازعات (79): آية 27]
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (27)
و ذكر ما يختص بالسماء فقال.
[سورة النازعات (79): الآيات 28 الى 29]
رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (28) وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها (29)
ثم ذكر الأرض و دحاها و ما يختص بها فقال:
[سورة النازعات (79): آية 30]
وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (30)
و ذلك في معرض التفضيل على الإنسان.
[سورة النازعات (79): الآيات 31 الى 40]
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها (31) وَ الْجِبالَ أَرْساها (32) مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ (33) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (35)
وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغى (37) وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (39) وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40)
اعلم أن كل مقام سيد عند كل عبد ذي اعتقاد إنما هو بحسب ما ينشئه في اعتقاده في نفسه، و لهذا قال اللّه «مَقامَ رَبِّهِ» فأضافه إليه و ما أطلقه، و ما تجد قط هذا الاسم الرب إلا مضافا مقيدا، لا يكون مطلقا في كتاب اللّه، و الاسم الرب من حيث دلالته هو الذي يعطي في أصل وضعه أن يسع كلّ يعتقد يعتقد فيه، و يظهر بصورته في نفس معتقده، و لذا يتجلّى لهم يوم القيامة في صور اعتقادهم. فممن يخاطب الحق بهذه الآية أهل المقامات العلى، من إطلاق اسم الرب الذي يقبل التجلي في صور الاعتقادات، فصاحب هذا المقام لا يزال خائفا حتى يأتيه البشرى في الحياة الدنيا بأن الأمر كما قال
[ «وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى» الآية- الموت الأحمر:]
«وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى»– الوجه الأول- الهوى هو تقييد الرب بصورة معينة في نفسه، و عدم إطلاقه في التحول في صور الاعتقادات– الوجه الثاني- اعلم أن الهوى ما هو غير عين الإرادة، و كل مراد إذا حصل لمن أراده فهو ملذوذ للنفس، فكل إرادة فهي هوى، لأن الهوى تستلذه النفوس، و ما لا لذة لها فيه فليس بهواها، و ما سمي هوى إلا لسقوطه في النفس، و قد جعل اللّه زمام كل نفس بيد صاحبها، و أمرها إليه،
و أنزلها منزلة الأجنبي و ليس إلا عينها، فقال تعالى «وَ نَهَى النَّفْسَ» يعني نفسه «عَنِ الْهَوى» المردي، و هو إرادة النفس ما لم يشرع لها العمل به أو تركه، فيأمره الهوى بمخالفة ما أمره اللّه به أن يفعله أو ينهاه عنه، فيكون هواها لا تأتيه من حيث ما هو هواها، بل من حيث ما هو إرادة الحق، و هذه الآية نص في المجاهدة بكسر الصفات البشرية،
و إنما يتيسر ذلك تماما بتربية شيخ كامل يخرجك عن كل مألوف معتاد، و يقطعك عن كل أستاذ سوى رب العالمين، و لا يمكن حصر ذلك تفصيلا، فمن لم تنفعه الكلمة لم تنفعه القناطير، فإن أوصاف الخلق لا تحصر بالأساطير، فالعمل في ذلك خلاف كل هوى نفساني، و الخروج عن العادة سوى الفرائض بغير المحظورات، فمن حيث تعدد الهوى بتعدد المهويات و المشتهيات و المألوفات قيل: الطريق إلى اللّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق؛ و من حيث اتحاده قيل الطريق واحد، و النفس واحد متعدد بحسب القوابل.
فليحذر الإنسان أن تقوم عليه حجة الدنيا و الشيطان، فليس لهما عليه من سلطان، فلا تقل تزينت لي الدنيا و دعاني الشيطان، فأوقعاني في الخسران، أنت الذي أجبتهما و وقعت معهما، و ليس لعنهما غير طردهما عنك بتنحيك عنهما، من حيث أنت لا من حيث هما، فذاك لعنهما بلسان الحال، و هو أصدق من لسان المقال، و قد نبّهت على ذلك بالنهي عن لعن الدنيا، و ليس لك نص، و إن لعن الشيطان فبالمعنى الأول، فبهذا المعنى تخالف الشيطان، فإنه قد نص عليه بالعصيان، و ليس لك سبيل إلى مخالفة الهوى و حصول الإسلام إلا بمفارقة قرناء السوء في الظاهر أولا، و مجانبة صحبة الأحداث و الاستقامة، و ينضبط لك إن كنت منفردا عن حضرة شيخ كامل بالعزلة عن كل قاطع، سيما أربعة أشياء: الكلام، و التأذي بأذى الأنام، و الطعام، و المنام، أو بعبارة أخرى: بالصمت، و العزلة، و الجوع، و السهر.
قال صلّى اللّه عليه و سلّم [من صمت نجا] و هو من آثار العزلة، و قال صلّى اللّه عليه و سلّم [الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع و العطش] و قال صلّى اللّه عليه و سلّم لعائشة رضي اللّه عنها [داومي قرع باب الجنة، قالت: بما ذا يا رسول اللّه؟ قال: بالجوع و العطش]، و به يحصل صمت اللسان، و قلة الكلام، و الذلة و الانكسار من جميع الشهوات، و يذهب الوسواس بها فيسلم من آفاتها، و بالجوع يحصل السهر للعين.
و مخالفة النفس هو الموت الأحمر، و هو حال شاق عليها، و لا تخالف النفس إلا في ثلاثة مواطن: في المباح، و المكروه، و المحظور لا غير؛ و لا يعتبر هنا إلا جانب الشريعة خاصة، فإنها التي وضعت الأسباب الفاضلة، التي بفعل ما أمرت بفعله، و ترك ما نهت عن فعله، وجبت السعادة، و حصلت المحبة الإلهية. فإذا كان عملك عن أثر إلهي مشروع خرجت عن هوى نفسك، و لو وافقت الهوى، و تكون ممن نهى النفس عن الهوى، و هنا نكتة فإنه تعالى قال:
[سورة النازعات (79): آية 41]
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (41)
و الجنة ستر و الإيواء ستر، فإن النهي عن الهوى لا يكون إلا من أديب أو مستور عنه الحق في الأشياء، فإنه لو كان صاحب كشف لكان هواه ما ارتضاه اللّه و أراد إمضاءه، و يقول تعالى لصاحب المقام المطلق في تجلي الحق في صور الاعتقادات: إن مقامه ستر هذا العلم باللّه الذي حصل له حتى لا ينكره عليه صاحب الاعتقاد المقيد أو يجهّله و ربما كفّره- اعتبار- النفس إذا سافرت في صحبة هواها أضلها عن طريق الرشد و النجاة و ما فيه سعادتها، فقال تعالى: «وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى» يعني أن تسافر معه، فإنه على الحقيقة عبدها، لأنه من جملة أوصافها الذي ليس له عين إلا بوجودها، فهي المالكة له، فإذا تبعته صار مالكا لها، و هو لا عقل له و لا إيمان، فيرمي بها في المهالك فتضيع، و قد اعتبر الشارع ذلك في السفر المحسوس في المرأة مع عبدها، و جعله تنبيها لما ذكرناه، فقال صلّى اللّه عليه و سلّم [سفر المرأة مع عبدها ضيعة]
[سورة النازعات (79): الآيات 42 الى 44]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (43) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (44)
فمنتهاها ربها.
[سورة النازعات (79): الآيات 45 الى 46]
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (46)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج4، ص: 448