تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة سبأ
سورة سبأ
[1]
[سورة سبإ (34): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ بجعله مظاهر لصفاته الظاهرة و كمالاته الباهرة و ظهوره فيها بالحجب الجلالية وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ بتجليه على الأرواح بالكمالات الباطنة و الصفات الجمالية، أي: له الحمد بالصفات الرحمانية في الدنيا ظاهرا، و له الحمد بالصفات الرحيمية في الآخرة باطنا وَ هُوَ الْحَكِيمُ الذي أحكم ترتيب عالم الشهادة بمقتضى حكمته الْخَبِيرُ الذي نفذ علمه في بواطن عالم الغيب للطافته.
[2- 5]
[سورة سبإ (34): الآيات 2 الى 5]
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ هُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَ الَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5)
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ من الملكوت الأرضية و القوى الطبيعية وَ ما يَخْرُجُ مِنْها بالتجريد من النفوس الإنسانية و الكمالات الخلقية وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من المعارف و الحقائق الروحانية وَ ما يَعْرُجُ فِيها من هيئات الأعمال الصالحة و الأخلاق الفاضلة وَ هُوَ الرَّحِيمُ بإفاضة الكمالات السماوية النورانية الْغَفُورُ بستر الهيئات الأرضية الظلمانية.
[6- 9]
[سورة سبإ (34): الآيات 6 الى 9]
وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَ يَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَ الضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)
وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي: العلماء المحققون يرون حقيّة ما أنزل إليك عيانا لأن المحجوب لا يمكنه معرفة العارف و كلامه، إذ كل عارف بشيء لا يعرفه إلا بما فيه من معناه، فمن لم يكن له حظ من العلم و نصيب من المعرفة لا يعرف العالم العارف و علمه لخلوّه عما به يمكن معرفته وَ يَهْدِي إِلى طريق الوصول إلى اللّه الْعَزِيزِ الذي يغلب المحجوبين و يمنعهم بالقهر و القمع الْحَمِيدِ الذي ينعم على المؤمنين بأنواع اللطف و لو لم يعتبر تطبيق الصفتين على قوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا[1] إلى آخره، و اعتبر التطبيق على قوله: وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ لكان معنى العزيز القوي الذي يغلب الواصلين بالإفناء الحميد الذي ينعم عليهم بصفاته عند البقاء.
[10- 11]
[سورة سبإ (34): الآيات 10 الى 11]
وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)
وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ الروح مِنَّا فَضْلًا بعلوّ الرتبة و تسبيح المشاهدة و المناغاة في المحبة مع مزيد العبادة و التفكّر و الكمالات العلمية و العملية، بأن قلنا: يا جبال الأعضاء أَوِّبِي أي: سبحي مَعَهُ بالتسبيحات المخصوصة بك من الانقياد و التمرن في الطاعات بالحركات و السكنات و الأفعال و الانفعالات التي أمرناك بها و طير القوى الروحانية بالتسبيحات القدسية من الأذكار و الإدراكات و التعقلات و الاستفاضات و الاستشراقات من الأرواح المجرّدة و الذوات المفارقة كل بما أمر وَ أَلَنَّا لَهُ حديد الطبيعة الجسمانية العنصرية أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ من هيئات الورع و التقوى فإن الورع الحصين في الحقيقة هو لباس الورع الحافظ من صوارم دواعي أعادي النفوس و سهام نوازع الشياطين وَ قَدِّرْ بالحكمة العملية و الصنعة المتقنة العقلية و الشرعية في ترغيب الأعمال المزكية و وصول الهيئات المانعة من تأثير الدواعي النفسية وَ اعْمَلُوا أيها العاملون للّه بالجمعية في الجهة السفلية إلى الجهة العلوية عملا صالحا يصعدكم في الترقي إلى الحضرة الإلهية و يعدّكم لقبول الأنوار القدسية. و الخطاب لداود الروح و آله من القوى الروحانية و النفسانية و الأعضاء البدنية.
[12]
[سورة سبإ (34): آية 12]
وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12)
وَ لِسُلَيْمانَ القلب ريح الهوى النفسانية غُدُوُّها شَهْرٌ أي: جريها غداة طلوع نور الروح و إشراق شعاع القلب و إقبال النهار سير طور في تحصيل الأخلاق و الفضائل و الطاعات و العبادات و الصوالح التي تتعلق بسعادة المعاد وَ رَواحُها أي: جريها رواح غروب الأنوار الروحية في الصفات النفسية و زوال تلألؤ أشعتها، و إدبار نهار النور سير طور آخر في ترتيب مصالح المعاش من الأقوات و الأرزاق و الملابس و المناكح و ما يتعلق بصلاح النظام و قوام البدن.
وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ قطر الطبيعة البدنية الجامدة بالتمرين في الطاعات و المعاملات وَ مِنَ جنّ القوى الوهمية و الخيالية مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بحضوره في التقديرات المتعلقة بصلاح العالم و عمارة البلاد و رفاهية العباد و التركيبات و التفضيلات المتعلقة بإصلاح النفس و اكتساب العلوم بِإِذْنِ رَبِّهِ بتسخيره إياها له و تيسيره الأمور على أيديها وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا بمقتضى طبيعته الجنيّة و ينحرف عن الصواب و الرأي العقليّ بالميل إلى الزخارف النفسية و اللذات البدنية نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ بالرياضة القوية و تسليط القوى الملكية عليها بضرب السياط النارية من الدواعي العقلية القهرية المخالفة للطباع الشيطانية.
[13]
[سورة سبإ (34): آية 13]
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13)
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ المقامات الشريفة وَ تَماثِيلَ الصور الهندسية وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ من ظروف الأرزاق المعنوية و الأغذية الروحانية بمحاكاة المعاني بالصور الحسيّة و إيداع الحقائق في الأمثلة الصورية و إدراج المدركات الكلية و الواردات الغيبية في الملابس اللفظية و الهيئات الجزئية واسعة كالحياض لكونها عرية عن المواد الهيولانية، و إن اكتفت باللواحق المادية و العوارض الجسمانية وَ قُدُورٍ راسِياتٍ من تهيئة الاستعدادات بتركيب القياسات المستقيمة و إعداد موارد العلوم و المعارف بالآراء الصائبة و العزائم القوية الثابتة اعْمَلُوا آلَ داوُدَ الروح بما سخّرنا لكم ما سخرنا، و أفضنا عليكم من نعم الكمالات ما أفضنا شُكْراً باستعمال هذه النعم في طريق السلوك و التوجه إليّ و أداء حقوق العبودية بالفناء فيّ لا في تدبير المملكة الدنيوية و إصلاح الكمالات البدنية وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ الذي يعمل استعمال النعم في طاعة اللّه العمل الخالص لوجه اللّه.
[14]
[سورة سبإ (34): آية 14]
فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (14)
فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ بالفناء فيّ في مقام السرّ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ أي: ما اهتدوا إلى فنائه في مقام الروح و توجهه إلى الحق في حال السرّ إلا بحركة الطبيعة الأرضية و قواها البدنية الضعيفة الغالبة على النفس الحيوانية التي هي منسأته إذ لا طريق لهم إلى الوصول إلى مقام السرّ و لا وقوف على حال القلب فيه و لا شعور بكونه في طور وراء أطوارهم إلا برابطة اتصال الطبيعة البدنية المتصلة به، المقهورة بالقوى الطبيعية لضعفها بالرياضة و انقطاع مدد القلب عنها حينئذ أي: لا يطلعون إلا على حال الدابة التي تأكل المنسأة بالاستيلاء عليها لأن النفس الحيوانية عند عروج القلب ضعفت و سقطت قواها و لم يبق منها إلا القوى الطبيعية الحاكمة عليها فَلَمَّا خَرَّ من صعقته الموسوية و ذهل في الحضور و الاشتغال بالحضرة الإلهية عن استعمالها في الأعمال و إعمالها بالرياضات تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ غيب مقام السرّ بالاطلاع على المكاشفات لو كانوا مجرّدين ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ من الرياضة الشاقة التي تمنعهم الحظوظ و المرادات و مقتضيات الطباع و الأهواء بالمخالفات و الإجبار على الأعمال المتعبة في السلوك و الاقتصار بها على الحقوق.
[15]
[سورة سبإ (34): آية 15]
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ (15)
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ أهل مدينة البدن فِي مَسْكَنِهِمْ في مقارّهم و محالهم آيَةٌ دالة لهم على صفات اللّه و أفعاله جَنَّتانِ جنة الصفات و المشاهدات عن يمينهم من جهة القلب و البرزخ التي هي أقوى الجهتين و أشرفهما، و جنّة الآثار و الأفعال عن شمالهم من جهة الصدر و النفس التي هي أضعف الجهتين و أخسّهما كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ من الجهتين كقوله:
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ[2]، وَ اشْكُرُوا لَهُ باستعمال نعم ثمراتها في الطاعات و السلوك فيه بالقربات بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ باعتدال المزاج و الصحة وَ رَبٌّ غَفُورٌ يستر هيئات الرذائل و ظلمات النفوس و الطباع بنور صفاته و أفعاله، فلكم التمكين من جهة الاستعداد و الأسباب و الآلات و التوفيق بالإمداد و إفاضات الأنوار.
[16- 18]
[سورة سبإ (34): الآيات 16 الى 18]
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (17) وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ (18)
فَأَعْرَضُوا عن القيام بالشكر و التوسل بها إلى اللّه بل عن الأكل من ثمراتها التي هي العلوم النافعة و الحقيقية بالانهماك في اللذات و الشهوات و الانغماس في ظلمات الطبائع و الهيئات.
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الطبيعة الهيولانية بنقب جرذان سيول الطبائع العنصرية سكر المزاج الذي سدّته بلقيس النفس التي هي ملكتهم. و العرم الجرذ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ من شوك الهيئات المؤذية و أثل الصفات السيئة البهيمية و السبعية و الشيطانية ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ أي: ثمرة مرّة بشعة كقوله: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65)[3].
وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ بقاء الصفات الإنسانية قَلِيلٍ ذلِكَ العقاب جَزَيْناهُمْ بكفرانهم النعم وَ هَلْ نُجازِي بذلك إِلَّا الْكَفُورَ الذي يستعمل نعمة الرحمن في طاعة الشيطان وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها من الحضرة القلبية و السرية و الروحية و الإلهية بالتجليات الأفعالية و الصفاتية و الأسمائية الذاتية و أنوار المكاشفات و المشاهدات قُرىً ظاهِرَةً مقامات و منازل مترائية متواصلة كالصبر و التوكل و الرضا و أمثالها وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ إلى اللّه و في اللّه مرتبا يرتحل السالك في الترقي من مقام و ينزل في مقام سِيرُوا في منازل النفوس لَيالِيَ و في مقامات القلوب و مواردها وَ أَيَّاماً آمِنِينَ بين القواطع الشيطانية و غلبات الصفات النفسانية بقوة اليقين و النظر الصحيح على منهاج الشرع المبين.
[19]
[سورة سبإ (34): آية 19]
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)
فَقالُوا بلسان الحال و التوجه إلى الجهة السفلية المبعدة عن الحضرة القدسية و الميل إلى المهاوي البدنية و السير في المهامة الطبيعية و المهالك الشيطانية رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالاحتجاب عن أنوار القرى المباركة بظلمات البرازخ المنحوسة فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ و آثارا سائرة بين الناس في الهلاك و التدمير وَ مَزَّقْناهُمْ بالغرق و التفريق.
[20- 54]
[سورة سبإ (34): الآيات 20 الى 54]
وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَ رَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ ما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَ ما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)
قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ هُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28) وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (29)
قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَ لا تَسْتَقْدِمُونَ (30) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَ لا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَ قالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ نَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَ جَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33) وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (34)
وَ قالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (37) وَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)
وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا وَ نَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَ قالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَ ما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَ ما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44)
وَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَ فُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَ ما يُعِيدُ (49)
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51) وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52) وَ قَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53) وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ على الناس إِبْلِيسُ ظَنَّهُ في قوله: وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ[4] و أمثال ذلك. و الفريق المستثنون هم المخلصون وَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ أي: ما سلطناه عليهم إلا لظهور علمنا في مظاهر العلماء المحققين المخلصين و امتيازهم عن المحجوبين المرتابين، فإن المستعدّ الموفق الصافي القلب ينبع علمه من مكمن الاستعداد و يتفجر من قلبه عند وسوسة الشيطان فيرجمه بمصابيح الحجج النيّرة و يطرده بالعياذ باللّه عند ظهور مفسدته الغوية بخلاف غيره من الذين اسودّت قلوبهم بصفات النفوس و ناسبت بجهالاتهم مكايد الشيطان و أحوال القيامة الكبرى من الجمع و الفصل و الفتح بين المحق و المبطل و مقالات الظالمين كلها تظهر عند ظهور المهدي عليه السلام.
[1] ( 1) سورة سبأ، الآية: 4.
[2] ( 1) سورة المائدة، الآية: 66.
[3] ( 1) سورة الصافات، الآية: 65.
[4] ( 1) سورة النساء، الآية: 119.