تفسیر ابن عربی سوره القدر

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة القدر

(97) سورة القدر مكيّة

[سورة القدر (97): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)

قوله تعالى‏ «إِنَّا أَنْزَلْناهُ» بنون الجمع و العظمة، فجمع في إنزاله فيها جميع الأسماء الإلهية «فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»

[ليلة القدر]

اعلم أن اللّه أنزل الكتاب فرقانا في ليلة القدر ليلة النصف من شعبان، و أنزله قرآنا في شهر رمضان، كل ذلك إلى السماء الدنيا، و من هناك نزل في ثلاث و عشرين سنة فرقانا نجوما ذا آيات و سور، لتعلم المنازل و تتبين المراتب، فمن نزوله إلى الأرض في شهر شعبان يتلى فرقانا، و من نزوله في شهر رمضان يتلى قرآنا، و اختلف الناس في ليلة القدر أعني في زمانها، فهي عندنا تدور في السنة كلها، و قد جعلها اللّه دائرة متنقلة في الشهور و في أيام‏ الأسبوع، حتى يأخذ كل شهر من الشهور قسطه منها، و كذلك كل يوم من أيام الأسبوع، كما جعل رمضان يدور في الشهور الشمسية، حتى يأخذ كل شهر من الشهور الشمسية فضيلة رمضان فيعمّ فضل رمضان فصول السنة كلها، و علامتها محو الأنوار بنورها، فيمحو نور ليلة القدر شعاع الشمس حتى تعلو قيد رمح أو أقل من ذلك، فحينئذ يرجع إليها نورها، فترى الشمس تطلع في صبيحتها صبيحة ليلة القدر كأنها طاس ليس لها شعاع، من وجود الضوء، مثل طلوع القمر لا شعاع له.

[سورة القدر (97): آية 2]

وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)

التي أمرنا بالتماسها لعظم قدرها و عظم قدر من أنزلها، و حقارة من التمسها عند نفسه بالتماسها، فإنه شاهد بالتماس هذا الخير العظيم القدر على نفسه بافتقار عظيم يقابله، لأن العبد كلما أراد أن يتحقق بعبوديته حقّر قدره، إلى أن يلحق نفسه بالعدم، فسميت ليلة القدر لمعرفة أهل الحضور فيها بأقدارهم، أعني بحقارة أقدارهم.

[سورة القدر (97): آية 3]

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)

[كونها خير من ألف شهر:]

– الوجه الأول- إن ليلة القدر إذا صادفها الإنسان هي خير له فيما ينعم اللّه به عليه من ألف شهر، أن لو لم تكن إلا واحدة في ألف شهر، فكيف و هي في كل اثني عشر شهرا في كل سنة؟– الوجه الثاني- ما أراد بألف شهر توقيتا، بل أراد أنها خير على الإطلاق من جميع ليالي الزمان، في أي وجود كان، و فيه زمان رمضان و يوم الجمعة و يوم عاشوراء و يوم عرفة و ليلة القدر، فكأنه قال: تضاعف خيرها ثلاثا و ثمانين ضعفا و ثلث ضعف، لأنها ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر، قد تكون الأربعة أشهر مما يكون فيها ليلة القدر، فيكون التضعيف في كل ليلة قدر أربعة و ثمانين ضعفا، فانظر ما في هذا الزمان من الخير، فهي خير من ألف شهر من غير تحديد، و إن كان الزائد على ألف شهر غير محدود، فلا يدري حيث ينتهي، فما جعلها اللّه أنها تقاوم ألف شهر، بل جعلها خيرا من ذلك، أي أفضل من ذلك من غير توقيت، فإذا نالها العبد كان كمن عاش في عبادة ربه مخلصا أكثر من‏ ألف شهر، من غير توقيت، كمن يتعدى العمر الطبيعي يقع في العمر المجهول، و إن كان لا بدّ له من الموت و لكن لا يدري، هل يعد تعديه العمر الطبيعي بنفس واحد، أو بآلاف من السنين؟

فهكذا ليلة القدر إذ لم تكن محصورة كما قدمنا، و جعل سبحانه إضافة الليل إلى القدر دون النهار لأن الليل شبيه بالغيب، و التقدير لا يكون إلا غيبا، فهي ليلة المقادير مقادير الأشياء، و المقادير ما تطلب سوانا، فلهذا أمرنا بطلب ليلة القدر، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلّم [التمسوها] لنستقبلها، و كان نزول القرآن في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فأتى بغاية أسماء العدد البسيط الذي لا اسم بعده بسيط إلا ما يتركب، كما كان القرآن آخر كتاب أنزل من اللّه، كما كان من أنزل عليه آخر الرسل و خاتمهم، ثم أضاف ذلك الاسم الذي هو ألف إلى شهر بالتنكير، فيدخل الفصول فيه، و الشهر العربي قدر قطع منازل درجات الفلك كله لسير القمر الذي به يظهر الشهر، فلو قال: أزيد من ذلك لكرر، و لا تكرار في الوجود، بل هو خلق جديد، و لو نقص بذكر الأيام أو الجمع لما استوفى قطع درجات الفلك،

فلم تكن تعم رسالته، و لم يكن القرآن يعم جميع الكتب قبله، لأنه ما ثمّ سير لكوكب يقطع الدرجات كلها في أصغر دورة إلا القمر، الذي له الشهر العربي، فلذلك نزل في ليلة هي خير من ألف شهر، أي أفضل من ألف شهر، و الأفضل زيادة، و الزيادة عيّنها، و جعل الأفضلية في القدر و هي المنزلة عند اللّه لذلك المذكور، و كانت تلك الليلة المنزل فيها التي هي ليلة القدر موافقة ليلة النصف من شعبان، فإنها «لَيْلَةِ الْقَدْرِ» تدور في السنة كلها، فأي ليلة شاء اللّه أي يجعلها محلا من ليالي السنة، للقدر الذي به تسمى ليلة القدر جعل ذلك، فإن كان ذلك من ليالي السنة ليلة لها خصوص فضل على غيرها من ليالي السنة، كليلة الجمعة و ليلة عرفة و ليلة النصف من شعبان و غير تلك من الليالي المعروفة، فينضاف خير تلك الليلة إلى فضل القدر، فتكون ليلة القدر تفضل ليلة القدر في السنة التي لا ينضاف إليها فضل غيرها.

[سورة القدر (97): آية 4]

تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)

«تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ» ما نزل فيها واحد «وَ الرُّوحُ» القائم فيهم مقام الإمام في الجماعة «فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» و كل يقتضي جميع الأمور التي يريد الحق تنفيذها في خلقه.

 

[سورة القدر (97): آية 5]

سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

حتى نهاية غاية، فإنها تتضمن حرف إلى التي للغاية، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [من قام ليلة القدر فيوافقها إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخر] فألحقت من قامها برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في المغفرة، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [من حرم خيرها فقد حرم‏].

[إشارة: في قيام ليلة القدر:]

– إشارة- من قام ليلة القدر من أجل ليلة القدر فقد قام لنفسه، و إن كان قيامه لترغيب الحق في التماسها، و من قام لأجل الاسم الذي أقامه، رمضان أو غيره، فقيامه للّه لا لنفسه، و هو أتم، و الكل شرع، فمن الناس عبيد و منهم أجراء، و لأجل الإجارة نزلت الكتب الإلهية بها بين الأجير و المستأجر، فلو كانوا عبيدا ما كتب الحق كتابا لهم على نفسه، فإن العبد لا يوقّت على سيده، إنما هو عامل في ملكه، و متناول ما يحتاج إليه، فها أولئك لهم أجرهم، و العبيد لهم نورهم، و هو سيدهم، و قد قال صلّى اللّه عليه و سلّم [التمسوها] لنستقبلها كما يستقبل القادم إذا جاء من سفره، و المسافر إذا جاء من سفره فلا بد له إذا كان له موجود من هدية لأهله الذين يستقبلونه،

فإذا استقبلوه و اجتمعوا به دفع إليهم ما كان قد استعده به لهم، فتلك المقادير فيهم، و بذلك فليفرحوا، فمنهم من تكون هديته لقاء ربه، و منهم من تكون هديته التوفيق الإلهي و الاعتصام، و كل على حسب ما أراد المقدّر أن يهبه و يعطيه، لا تحجير عليه في ذلك، و جاء في حديث الترمذي عن أبي ذر، و فيه يقول [فقام بنا حتى تخوفنا أن يفوت الفلاح، قيل: و ما الفلاح؟ قال: السحور] ينبه بذلك على أن الإنسان إنما هو في الصوم بالعرض، فإنه لا بقاء له، فإن الصوم للّه، فالإنسان في بقائه آكل لا صائم، فهو متغذ بالذات صائم بالعرض، و الفلاح البقاء، لهذا قال الصاحب لما اتصف في ليلته بالقيوم، قال:

تخوفنا أن يفوتنا الفلاح، و هو أن ينقضي زمان الليل و ما عرفنا نفوسنا، إذ في معرفتنا بها معرفة ربنا، لكنهم ما فاتهم الفلاح بحمد اللّه، بل أشهدهم اللّه نفوسهم بالغذاء، ليشهدوا أن القيومية له ذاتية، و قيومية العبد إنما هي بإمداد ما يتغذى به، فالتماسنا لليلة القدر لم يغننا عن حظوظ نفوسنا التي بها بقاؤنا، و هو التغذي، فإن التماسنا لها إنما هو لما ينالنا من خيرها في دار البقاء، فما التمسناها بالعبادة إلا لحظ نفسي نبقى به في الدار الآخرة، و أما التماسها في الجماعة فلمناسبة الجمعية في الإنسان، فإنه لا أعرف باللّه منه، لجمعيته و عقله و معرفته بنفسه.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 529

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=