تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الأعراف آیه ۱- 72
(7) سورة الأعراف مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة الأعراف (7): الآيات 1 الى 8]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (1) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (3) وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4)
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَ ما كُنَّا غائِبِينَ (7) وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)
هي موازين الأعمال، فإن رجح عمله به ثقل ميزان عمله به و ارتفعت الكفة فيه، فأخذ إلى عليين، و إن رجح هو بعمله نزل بكفته في سجين، لذلك قال تعالى.
[سورة الأعراف (7): آية 9]
وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9)
الوزن يوم القيامة وزنان: وزن الأعمال بعضها ببعض، و يعتبر في ذلك كفة الحسنات، و وزن الأعمال بعاملها، و يعتبر فيها كفة العمل، لما كان الحشر يوم القيامة و النشور في الأجسام الطبيعية ظهر الميزان بصورة نشأتهم من الثقل، فإذا ثقلت موازينهم، و هم الذين أسعدهم اللّه، فأرادوا حسنا و فعلوا في ظاهرهم حسنا فثقلت موازينهم، فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى مائة ألف مما دون ذلك و ما فوقه، و أما القبيح السيئ، فواحدة بواحدة، فيخف ميزانه، أعني ميزان الشقي بالنسبة إلى ثقل السعيد،
و اعلم أن الحق تعالى ما اعتبر في الوزن إلا كفة الخير لا كفة الشر، فهي الثقيلة في حق السعيد، الخفيفة في حق الشقي، مع كون السيئة غير مضاعفة، و مع هذا فقد خفت كفة خيره، فانظر ما أشقاه، فالكفة الثقيلة للسعيد هي بعينها الخفيفة للشقي، لقلة ما فيها من الخير، أو لعدمه بالجملة، مثل الذي يخرجه سبحانه من النار و ما عمل خيرا قط، فميزان مثل هذا ما في كفة اليمين منه شيء أصلا، و ليس عنده إلا ما في قلبه من العلم الضروري بتوحيد اللّه، و ليس له في ذلك تعمل مثل سائر الضروريات، فلو اعتبر الحق بالثقل و الخفة الكفتين، كفة الخير و الشر، لكان يزيد بيانا في ذلك، فإن إحدى الكفتين إذا ثقلت خفت الأخرى بلا شك، خيرا كان أو شرا، و أما إذا وقع الوزن به، فيكون هو في إحدى الكفتين و عمله في الأخرى، فذلك وزن آخر، فمن ثقل ميزانه نزل عمله إلى أسفل، فإن الأعمال في الدنيا من مشاق النفوس، و المشاق محلها النار، فتنزل كفة عمله تطلب النار، و ترتفع الكفة التي هو فيها لخفتها فيدخل الجنة لأن لها العلو، و الشقي تثقل كفة الميزان الذي هو فيها و تخف كفة عمله، فيهوي في النار،و هو قوله: (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) فكفة ميزان العمل هي المعتبرة في هذا النوع من الوزن، الموصوفة بالثقل في السعيد لرفعة صاحبها، و الموصوفة بالخفة في حق الشقي لثقل صاحبها، و هو قوله تعالى: (يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) و ليس إلا ما يعطيهم من الثقل الذي يهوي به في نار جهنم.
[سورة الأعراف (7): الآيات 10 الى 11]
وَ لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (10) وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)
قيل لإبليس: اسجد لآدم، فغاب عن لام الخفض التي هي إشارة إلى لام الإضافة، و احتجب العلم عنه بذكر آدم، فلو رأى اللام من قوله لآدم لرأى نور محيا الذات المطلوبة لقلوب الرجال، فما كانت تتصور منه الإباية عما دعاه إليه، فاحتجب إبليس و استكبر بنظره إلى عنصره الأعلى عن عنصر آدم الترابي، فلما رأى الشرف له امتنع عن النزول للأخس، و ما عرف ما أبطن اللّه له فيه من سبحات الأسماء الإلهية و الإحاطة.
[سورة الأعراف (7): آية 12]
قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)
لما اجتمع النار مع النور في الإحراق و قوة الفعل في بقية العناصر، نظر إبليس في أصل نشأته و عرف أن عنصره الأعظم النار، و هو أرفع الأركان مكانا، و له سلطان على إحالة الأشياء التي تقتضيها الطبيعة، فإن النار لا تقبل التبريد بخلاف بقية الأركان، فالهواء يسخن و كذلك الماء و كذلك التراب، فللنار في نفس الأركان أثر و ليس لواحد منها في النار أثر، و جهل إبليس ما فطر اللّه آدم عليه من كمال الصورة، فتكبر، و أدّاه تأويله أن يفتخر على آدم و يقول: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ» أي أقرب إليك من هذا الذي خلقته من طين، ثم علل فقال: «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» فالنار أقرب في الإضاءة النورية إلى النور، و النور اسم من أسماء اللّه، و الطين ظلمة محضة، فجمع إبليس بين الجهل و الكذب، فإنه ما هو خير منه لا عند اللّه و لا في النشأة، و فضل بين الأركان و لا فضل بينها في الحقائق، و ما علم أن سلطان الماء الذي خلق منه آدم أقوى منه فإنه يذهبه، و أن التراب أثبت منه للبرد و اليبس، فلآدم القوة و الثبوت لغلبة الركنين اللذين أوجده اللّه منهما، و إن كان فيه بقية الأركان و لكن ليس لها ذلك السلطان، و هو الهواء و النار، و إبليس بحكم أصل نشأته بخلقه من لهب النار له عدم الثبوت و عدم البقاء على حالة واحدة، فهو سريع الحركة بحكم أصل خلقه من لهب النار، و الإنسان له الثبوت فإنه من التراب، فله البرد و اليبس فهو ثابت في شغله.
[سورة الأعراف (7): آية 13]
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)
أهبط إبليس للأرض عقوبة لما وقع منه فسأل اللّه الإغواء أن يدوم له في ذرية آدم لما عاقبه اللّه بما يكرهه من إنزاله إلى الأرض فقال تعالى مخبرا عنه.
[سورة الأعراف (7): الآيات 14 الى 17]
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17)
إن الأعمال هنا في التكليف مقسمة على أربع جهات، قرن اللّه السعادة و الشقاء بها، و هي اليمين و الشمال و الخلف و الأمام، لأن الفوقية لا يمشي الجسم فيها بطبعه، و التحتية لا يمشي فيها الروح بطبعه، فما جعلت سعادة الإنسان و شقاوته إلا فيما يقبله طبعه في روحه و جسمه، و هن الجهات الأربع، و بها خوطب، و منها دخل عليه إبليس، فهي جهات الأهواء، و لم يقل من فوقهم و لا من تحتهم لأنه لم يقترن بها عمل، فإنها للتنزل الإلهي و الوهب الرباني الرحماني الذي له العزة و المنع و السلطان، فلما علم إبليس بهذه الجهات قال: «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ» فما جاء إبليس إلا من الجهات التي تؤثر في سعادة الإنسان إن سمع منه و قبل ما يدعوه إليه، و في شقاوته إن لم يسمع منه و لم يقبل ما دعاه إليه، فإن هذه الطرق الأربع هي طرق الشيطان، قال ذلك لما سمع أمر اللّه (وَ اسْتَفْزِزْ) قال: «لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» و لما قال له: (وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ) قال: «وَ مِنْ خَلْفِهِمْ» و لما قال له اللّه: (وَ شارِكْهُمْ) قال الشيطان: «وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ» و لما قال له: (وَ عِدْهُمْ)
قال الشيطان: «وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ» فهي صورة حرب لما كان القلب هو موضع الإمام، و هو الذي اصطفاه اللّه من نشأة عبده حين قال: [وسعني قلب عبدي المؤمن] و ليس لعدو اللّه غرض إلا هذا القلب، فلم يبق للعدو الذي نصبه اللّه إلا أن يأتي من بين أيدينا و من خلفنا و عن أيماننا و عن شمائلنا يبتغي الاستيلاء على القلب، فهي حرب سجال بين جند اللّه و بين جند الشيطان، و الذي أراد الشيطان هنا ليس هو يمين الجارحة، فإنه لا يلقي على الجوارح، و كذلك ما هو شمال الجوارح و لا أمام الإنسان و لا خلفه، فإن محل إلقائه إنما هو القلب ما يقدح في أفعال ما يتعلق بيمينه أو شماله أو من خلفه أو من بين يديه، و يستعين على الإنسان بالطبع، فإنه المساعد له فيما يدعوه إليه من اتباع الشهوات، فقال: «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» بظاهر القول الذي يؤدي إلى التجسيم و التشبيه و التشكيك في الحواس، و يدفعه المؤمن بالعلم فيمنعه أن يصل إليه فبنور علم البرهان يرد به الشبه المضلة القادحة في وجود الحق و توحيده و أسمائه و أفعاله، فبالبرهان يرد على المعطلة و يدل على إثبات وجود الإله، و به يرد على أهل الشرك الذين يجعلون مع اللّه إلها آخر، و يدل على توحيد الإله من كونه إلها، و به يرد على من ينفي أحكام الأسماء الإلهية و صحة آثارها في الكون، و يدل على إثباتها بالبرهان السمعي من طريق الإطلاق، و بالبرهان العقلي من طريق المعاني، و به يرد على نفاة الأفعال من الفلاسفة، و يدل على أنه سبحانه فاعل و أن المفعولات مرادة للحق سمعا و عقلا، «وَ مِنْ خَلْفِهِمْ» بشبه و أمور من الخيالات الفاسدة، و هو ما يدعوك إليه أن تقول على اللّه ما لا تعلم، و تدعي النبوة و الرسالة و أن اللّه قد أوحى إليك، فيقوم التفكر فيدفعه، فإنك إن لم تتفكر و تبحث حتى تعثر على أن تلك الأشياء شبهات هلكت، و إن طردته من خلفك لاحت لك علوم الصدق و منازله و أين ينتهي بصاحبه، كما قال تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) فإن القوة لما كانت صفة الصادق حيث قوي على نفسه، فلم يتزين بما ليس له، و التزم الحق في أقواله و أحواله و أفعاله، و صدق فيها، أقعده الحق عند مليك مقتدر «وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ» و هذه الجهة هي الموصوفة بالقوة فإنه يأتي منها ليضعف إيمانك و يقينك، و يلقي عليك شبها في أدلتك و مكاشفاتك، أو يأتيك بالجنة العاجلة و هي الشهوات و اللذات، فيزينها و يحببها للعبد، و لكن الخوف يعرض له فيدرأه عنها، و لولاه لوقع فيها، و بوقوعه يكون الهلاك «وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ» بشبهات التعطيل أو وجود الشريك للّه تعالى في ألوهيته، فتطرده بدلائل التوحيد و علم النظر الذي يعلم به وجود الباري، أو يأتي الشيطان عن الشمال بالقنوط و اليأس و سوء الظن باللّه و غلبة المقت، و لكن الرجاء و حسن الظن باللّه عزّ و جل يدفعه و يقمعه، فلتجعل الخوف عن يمينك و الرجاء عن شمالك، و العلم بين يديك و التفكر من خلفك، فهذه الجهات الأربع التي يدخل عليك الخلل منها، و من جهة أخرى فإن الخلف للتعطيل، و الشمال للشرك، و اليمين للضعف، و من بين أيديهم التشكيك في الحواس-
الوجه الثاني- الشيطان يأتي للمشرك من بين يديه، فإنه رأى إذ كان بين يديه جهة عينيه، فأثبت وجود اللّه و لم يقدر على إنكاره، فجعله إبليس يشرك مع اللّه في ألوهيته، و يأتي للمعطل من خلفه، فإن الخلف ما هو محل النظر، فقال له: ما ثمّ شيء، أي ما في الوجود إله، و يأتي إلى المتكبر عن يمينه، لأن اليمين محل القوة، فتكبر بقوته التي أحسها من نفسه، فادعى الربوبية لنفسه و نفاها عن اللّه، و يأتي المنافق عن شماله، فإنه أضعف الطوائف، كما أن الشمال أضعف من اليمين-
الوجه الثالث- لما سكت إبليس في إتيانه العبد للإغواء عن الفوقية سكت عن التحت، لأنه على خط استواء مع الفوق، لأنه لعنه اللّه رأى نزول الأنوار على العبد من فوقه، فخاف من الاحتراق، فلم يتعرض في إتيانه من الفوق، و رأى التحت على خط استواء من فوق، فإن ذلك النور يتصل بالتحت للاستواء لم يأت من التحت
[- إشارة- فإن قلت: لم أتى إبليس ابن آدم من جميع جهاته إلا من أعلاه؟]
– إشارة- فإن قلت: لم أتى إبليس ابن آدم من جميع جهاته إلا من أعلاه؟ قلنا: لئلا يحترق بنور تنزل الأمر من مولاه، فإن قلت: فهلا أتاه من أسفله فيغويه؟ قلنا: إليه يدعوه فلا فائدة فيه، أي السفل مقام الذل و العبودية. اعلم أن لك ست جهات، أربعة منها للشيطان، و واحدة لك و واحدة للّه، فأنت فيما منها للّه معصوم فمن ثمّ خذ التلقي، و احذر من الباقي و هو الخمسة، و لذا جاء الشرع بخمسة أحكام، منها جهتك و جهات الشيطان منك، و أما جهته منك فلا حكم فيها للشرع، و هي جهة معصومة لا يتنزل على القلب منها إلا العلوم الإلهية المحفوظة من الشوب.
[- إشارة- فإن قلت: لم أتى إبليس ابن آدم من جميع جهاته إلا من أعلاه؟]
– إشارة- فإن قلت: لم أتى إبليس ابن آدم من جميع جهاته إلا من أعلاه؟ قلنا: لئلا يحترق بنور تنزل الأمر من مولاه، فإن قلت: فهلا أتاه من أسفله فيغويه؟ قلنا: إليه يدعوه فلا فائدة فيه، أي السفل مقام الذل و العبودية. اعلم أن لك ست جهات، أربعة منها للشيطان، و واحدة لك و واحدة للّه، فأنت فيما منها للّه معصوم فمن ثمّ خذ التلقي، و احذر من الباقي و هو الخمسة، و لذا جاء الشرع بخمسة أحكام، منها جهتك و جهات الشيطان منك، و أما جهته منك فلا حكم فيها للشرع، و هي جهة معصومة لا يتنزل على القلب منها إلا العلوم الإلهية المحفوظة من الشوب.
[سورة الأعراف (7): آية 18]
قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)
لا سبيل لخروج إبليس من جهنم لأنه و أتباعه من المشركين الذين هم أهل النار يملأ اللّه بهم جهنم و لا نقص فيها بعد ملئها فلا خروج.
[سورة الأعراف (7): آية 19]
وَ يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)
«فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما» كلا هو العامل في قوله: «مِنْ حَيْثُ شِئْتُما»، أول نهي ظهر في الوجود قوله تعالى لآدم و حواء: «لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» و كذلك أول أمر قوله تعالى للملائكة و لإبليس (اسْجُدُوا لِآدَمَ) فكان أول أمر ظهر في الوجود، و لما كان هذا أول أمر و نهي لذلك وقعت العقوبة عند المخالفة، و النهي ليس بتكليف عملي، فإنه يتضمن أمرا عدميا، و هو لا تفعل، و من حقيقة الممكن أنه لا يفعل، فكأنه قيل له: لا تفارق أصلك، و الأمر ليس كذلك، فإنه يتضمن أمرا وجوديا، و هو أن يفعل، فكأنه قيل له:
اخرج عن أصلك، فالأمر أشق على النفس من النهي، إذ كلف الخروج عن أصله، فلو أن إبليس لمّا عصى و لم يسجد لم يقل ما قال من التكبر و الفضلية التي نسبها إلى نفسه على غيره، فخرج عن عبوديته بقدر ذلك، فحلت به عقوبة اللّه، و كانت العقوبة لآدم و حواء لما تكلفا الخروج عن أصلهما و هو الترك، و من هذه الحقيقة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم و إذا نهيتكم فانتهوا]- إشارة- ما وقع التحجير على آدم إلا في الشجرة، أي لا تقرب التشاجر، و الزم طريق إنسانيتك و ما تستحقه، و لا تزاحم أحدا في حقيقته، فإن المزاحمة تشاجر و خلاف، و لهذا لما قرب من الشجرة خالف نهي ربه، فكان مشاجرا فذهب عنه في تلك الحال السعادة العاجلة في الوقت.
[سورة الأعراف (7): الآيات 20 الى 22]
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)
[إشارة: سر ظهور سوأة آدم و حواء]
تقدم الأمر لآدم عليه السلام بسكن الجنة و الأكل منها حيث شاء، ثم نهاه عن قرب شجرة مشار إليها أن يقربها، فوقع التحجير و النهي في قوله: «حَيْثُ شِئْتُما» لا في الأكل فما حجر عليه الأكل و إنما حجر عليه القرب منها الذي كان قد أطلقه في (حَيْثُ شِئْتُما) فما أكلا منها حتى قربا؛ فتناولا منها، فأخذا بالقرب لا بالأكل- إشارة- سر ظهور سوءاتهما، معاينة مكمنات غاياتهما، و نظيرهما في الوجود، القلم و اللوح المشهود، و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ليكون لهما عن ملاحظة الأغيار جنة.
[سورة الأعراف (7): آية 23]
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23)
«قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» حيث لم نتفطن لإشارتك بالتحجير و المنع في موطن التسريح و الإباحة، فظلمنا أنفسنا بما اكتسبت من الخطايا، حيث عرضوها إلى التلف، و كان حقا عليهم أن يسعوا في نجاتها بامتثال نهي سيدهم «وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا» أي و إن لم تسترنا عن وارد المخالفة حتى لا يحكم بسلطانه علينا، فإنه لا يقدر على سترها إلا أنت «وَ تَرْحَمْنا» بذلك الستر «لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» ما ربحت تجارتنا، و هذه هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه أعطاه إياها لما اجتباه من قوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ) و ما زاد آدم عليه السلام على الاعتراف و الدعاء، فلم ير أكمل من آدم معرفة، حيث اعترف و دعا، و ما عهد مع اللّه توبة عزم فيها أنه لا يعود.
[سورة الأعراف (7): آية 24]
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (24)
قيل لإبليس و حواء و آدم «اهْبِطُوا»
[إشارة: اهبطوا بعضكم لبعض عدو]
بضمير الجماعة في ضمير واحد، و هو كان أشد عقوبة على آدم، و لم يكن الهبوط عقوبة لآدم و حواء، و إنما كان عقوبة لإبليس، فإن آدم أهبط لصدق الوعد بأن يجعل في الأرض خليفة، بعد ما تاب عليه و اجتباه، و تلقى الكلمات من ربه بالاعتراف، فاعترافه عليه السلام في مقابلة كلام إبليس (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) فعرفنا الحق بمقام الاعتراف عند اللّه و ما ينتجه من السعادة، لنتخذه طريقا في مخالفاتنا، و عرفنا بدعوى إبليس و مقالته لنحذر من مثلها عند مخالفتنا، و أهبطت حواء للتناسل، و أهبط إبليس للإغواء، فكان هبوط آدم و حواء هبوط كرامة، و هبوط إبليس هبوط خذلان و عقوبة و اكتساب أوزار- إشارة- جعل بعضهم لبعض عدوا في هذه الدار، ليستعينا بتأييد اللّه، فيصح منهما الافتقار، و ينفرد جلاله بالعزيز الغفار.
[سورة الأعراف (7): الآيات 25 الى 26]
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَ فِيها تَمُوتُونَ وَ مِنْها تُخْرَجُونَ (25) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)
«يا بَنِي آدَمَ»
[- إشارة- رحم آدم عليه السلام رحم مقطوعة عند أكثر الناس]
– إشارة- رحم آدم عليه السلام رحم مقطوعة عند أكثر الناس من أهل اللّه، فكيف حال العامة في ذلك؟ فما تفطن الناس لقول اللّه تعالى في غير موضع «يا بني آدم يا بني آدم» يذكّر، و لا أحد ينتبه لهذه الأبوة و البنوة، و لا يتذكر إلا أولو الألباب، جعلنا اللّه و إياكم ممن بر أباه «قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ» و ليس إلا ما يسوءكم ما ينظر إليه منكم، لما نسب إليها من المذام،
[- إشارة- فقد سميت السوءة عورة لميلها]
– إشارة- فقد سميت السوءة عورة لميلها، فإن لها درجة السر في الإيجاد الإلهي، و أنزلها الحق منزلة القلم الإلهي كما أنزل المرأة منزلة اللوح لرقم هذا القلم، فلما مالت عن هذه المرتبة العظمى و المكانة الزلفى إلى أن تكون محلا لوجود الروائح الكريهة الخارجة منهما، عن أذى الغائط و البول، و جعلت نفسها طريقا لما تخرجه القوة الدافعة من البدن، سميت عورة، و أمر بستر هذه الحقيقة، و اللباس هو ما يواري و يستر و يمنع من الضرر، و هو ما زاد على الريش «يُوارِي سَوْآتِكُمْ» فيسترها غيرة «وَ رِيشاً» هو لباس الظاهر «وَ لِباسُ التَّقْوى» هو لباس الباطن «ذلِكَ خَيْرٌ»
[ «وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» الآية]
أي هو خير لباس، فالتقوى لباس، لأن الوقاية ستر يتقى به ما ينبغي أن يتقى منه، فجعل التقوى لباسا، و البدن هنا هو القلب، و لذلك قال: «ذلِكَ خَيْرٌ» أي هو خير لباس، و التقوى في اللباس هنا ما يقي به الإنسان كشف عورته، و يكون سترا لعورته التي هي مذام الأخلاق، و ما يقى به الإنسان برد الهواء و حره، فهو خير لباس من الريش. اعلم أن لباس الباطن الغذا و لباس الظاهر ما يدفع به الأذى، فالجوع أ لم يدفعه بالطعام، و العطش أ لم يدفعه بالشراب، و الحر و البرد أ لم يدفعهما باللباس، و سائر الآلام يدفعها بالأدوية التي جعلها اللّه لدفع الآلام، و ما عدا الدفع إما زينة أو اتباع شهوة.
[سورة الأعراف (7): آية 27]
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27)
«يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ» فالتحق النساء بالرجال في الأبوة «إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ» مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ» فوصفهم باللطافة، و يرانا هو و قبيله شهودا عينا، فإن الاسم اللطيف أورث الجان الاستتار عن أعين الناس، فلا تدركهم الأبصار إلا إذا تجسدوا.
[سورة الأعراف (7): آية 28]
وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28)
الأمر من أقسام الكلام، فما أمر اللّه بالذنوب و إنما أمر بالمسابقة و الإسراع إلى الخير و فيه و إلى المغفرة،
[أنه تعالى لم يأمر بالفحشاء، كذلك لا يريدها]
و كما أنه تعالى لم يأمر بالفحشاء، كذلك لا يريدها، لكن قضاها و قدرها،و بيان كونه لا يريدها، لأن كونها فاحشة ليس عينها، بل هو حكم اللّه فيها، و حكم اللّه في الأشياء غير مخلوق، لأنه عين علمه بها في هذه الحالة، فلا يكون مرادا فلا يكون الحكم مأمورا به، و ما لم يجر عليه الخلق لا يكون مرادا، فإن ألزمناه في الطاعة التزمناه، و قلنا الإرادة للطاعة ثبتت سمعا لا عقلا، فاثبتوها في الفحشاء، و نحن قبلناها إيمانا كما قبلنا وزن الأعمال و صورها مع كونها أعراضا، فلا يقدح ذلك فيما ذهبنا إليه لما اقتضاه الدليل.
[سورة الأعراف (7): آية 29]
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)
اختلف في الإعادة، هل تكون على صورة ما أوجدنا في الدنيا من التناسل شخصا عن شخص بجماع و حمل و ولادة في آن واحد للجميع؟ و هو مذهب أبي القاسم بن قسي، فإن إحياء الموتى يوم القيامة يكون في الزمان القليل على صورة ما جاءوا عليها في الزمان الكثير، فإن الإعادة إن لم تكن على صورة الابتداء و إلا ليست بإعادة، أو يعودون روحا إلى جسم؟ و هو مذهب الجماعة، فقوله تعالى: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» يعني في النشأة الآخرة أنها تشبه النشأة الدنياوية في عدم المثال، فإن اللّه أنشأنا على غير مثال سبق، و كذلك ينشئنا على غير مثال سبق، فقوله: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» يعني في النشأة الآخرة أنها تشبه النشأة الدنياوية في عدم المثال، فإن اللّه أنشأنا على غير مثال سبق، و كذلك ينشئنا على غير مثال سبق، فقوله: «كَما بَدَأَكُمْ» يعني على غير مثال «تَعُودُونَ» على غير مثال، يعني في النشأة الآخرة، فإن الصورة لا تشبه الصورة، و لا المزاج المزاج، و قد وردت الأخبار الإلهية بذلك على ألسنة الأنبياء عليهم السلام و هم الرسل، فالنشأة الآخرة ليست من مولدات العناصر بل هي من مولدات الطبيعة، فلذلك لا تنام و لا تقبل النوم، فلا ينام أهل الجنة في الجنة، و لا يعيب عنهم شيء من العالم، بل كل عالم من حس و معنى و برزخ مشهود لهم، مع كونهم غير متصفين بالنوم، فإن قيل: فما فائدة قوله:
«تَعُودُونَ»؟ قلنا: يخاطب الأرواح الإنسانية أنها تعود إلى تدبير الأجسام في الآخرة كما كانت في الدنيا، على المزاج الذي خلق تلك النشأة عليه، و يخرجها من قبرها فيها، و من النار حين ينبتون كما تنبت الحبة تكون في حميل السيل، مع القدرة منه على إعادة ذلك المزاج، لكن ما شاء، و لهذا علق المشيئة به فقال تعالى: «إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ» يعني المزاج الذي كان عليه، فلو كان هو بعينه لقال (ثم ينشره) فكان قوله تعالى: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ»
[ «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ»]
هو قوله تعالى: «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ» و قوله: «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا» و قد علمنا أن النشأة الأولى أوجدها اللّه على غير مثال سبق، فهكذا النشأة الآخرة يوجدها اللّه تعالى على غير مثال سبق، مع كونها محسوسة بلا شك، و قد ذكر صلّى اللّه عليه و سلم في صفة نشأة أهل الجنة و النار ما يخالف ما هي عليه هذه النشأة الدنيا، فعلمنا أن ذلك راجع إلى عدم مثال سابق ينشئها عليه، و هو أعظم في القدرة، فينشئ اللّه النشأة الأخرى على عجب الذنب الذي يبقى من هذه النشأة الدنيا، و هو أصلها، فعليه تركيب النشأة الآخرة، و هو لا يبلى و لا يقبل البلى، فإذا أنشأ اللّه النشأة الآخرة و سواها و عدلها، ينفخ إسرافيل نفخة واحدة، فتمر تلك النفخة على الصور البرزخية فتطفئها، و تمر النفخة التالية و هي الأخرى إلى الصور المستعدة للاشتعال و هي النشأة الأخرى فتشتعل بأرواحها، فإذا هم قيام ينظرون، فتقوم الصور أحياء ناطقة بما ينطقها اللّه به، فمن ناطق بالحمد للّه، و من ناطق يقول: من بعثنا من مرقدنا؟
و من ناطق يقول: سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا و إليه النشور، و كل ناطق ينطق بحسب علمه و ما كان عليه، و نسي حاله في البرزخ، و يتخيل أن ذلك الذي كان فيه منام، كما تخيله المستيقظ، و قد كان حين مات و انتقل إلى البرزخ كأن المستيقظ هناك و أن الحياة الدنيا كانت له كالمنام، و في الآخرة يعتقد في أمر الدنيا و البرزخ أنه منام في منام، و أن اليقظة الصحيحة هي التي هو عليها في الدار الآخرة، و هي يقظة لا نوم فيها، و لا نوم بعدها لأهل السعادة، لكن لأهل النار و فيها راحتهم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا] فالدنيا بالنسبة إلى البرزخ نوم و منام، فإن البرزخ أقرب إلى الأمر الحق، فهو أولى باليقظة، و البرزخ بالنظر إلى النشأة الأخرى يوم القيامة منام، و اعلم أن الإنسان مقلوب النشأة، فآخرته في باطنه و دنياه في ظاهره، ففي نشأة الآخرة باطنه في الدنيا صورة ظاهره في النشأة الآخرة و ظاهره في الدنيا باطنه في النشأة الآخرة، لهذا جاء «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» فالآخرة مقلوب نشأة الدنيا، و الدنيا مقلوب نشأة الآخرة، و الإنسان هو الإنسان عينه، فاجهد أن تكون خواطرك هنا محمودة شرعا، فتجمل صورتك في الآخرة و بالعكس، فلا يعلم «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» إلا من علم (وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ) و هو عودة الحق إلى الخلق و إن اختلفت الصور، ففيه إثبات الغير، فإثبات الإعادة الإيمان بها يعطي السعادة، فلا تكرار في الوجود و إن خفي في الشهود، فذلك لوجود الأمثال، و لا يعرفه إلا الرجال، لو تكرر لضاق النطاق، و لم يصح الاسم الواسع بالاتفاق، و بطل كون الممكنات لا تتناهى، و لم يثبت ما كان به يتباهى- وجه آخر- «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» اعلم أن الإنسان خلق من ضعف، صورة و معنى، و إلى الضعف يعود، و إنما يترقى إلى ظهوره في الصور بالعوارض، فقوته في التوسط بجعل اللّه تعالى، كما قال سبحانه: (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً) فجاء بالجعل لأجل الشيبة، فأما الضعف فهو أصله عاد إليه، لذلك قال تعالى: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» و قال: (مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) و قال: (ثم يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم من بعد علم شيئا) و ذلك أوان رجوعه إلى المهد، قال سبحانه و تعالى: (و جعلنا الأرض مهادا).
[سورة الأعراف (7): الآيات 30 الى 31]
فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)
«يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» هذا أمر من الحق بالتجمل للّه، و هو عبادة مستقلة، و لا سيما في عبادة الصلاة، فالزينة مأمور بها، و الزينة هو اللباس الحسن، و منها لباس التقوى فإنه خير لباس، فأمرنا اللّه بالزينة عند كل مسجد يريد مناجاته، و هي قرة عين محمد صلّى اللّه عليه و سلم و كل مؤمن، لما فيها من الشهود، فإن اللّه في قبلة المصلي، و قد قال: [اعبد اللّه كأنك تراه] و لا شك أن الجمال محبوب لذاته، و في الحديث أن رجلا قال للنبي عليه السلام: أحب أن يكون نعلي حسنا و ثوبي حسنا، فقال عليه السلام: اللّه أولى من تجمّل له. و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إن اللّه جميل يحب الجمال] قال الصاحب لما نزلت هذه الآية:
[إشارة الى النعلين]
أمرنا فيها بالصلاة في النعلين- إشارة لا تفسير- إن النعلين إشارة في الاستعانة بالسير إلى اللّه و السفر إليه بالكتاب و السنة، و هي زينة كل مسجد، فتزين و تجمل تارة بنعتك من ذلة و افتقار و خشوع و خضوع و سجود و ركوع، و تارة بنعته عزّ و جل من كرم و لطف و رأفة و تجاوز و عفو و صفح و مغفرة و غير ذلك مما هو للّه، و من زينة اللّه التي ما حرمها اللّه على عباده، فإذا كنت بهذه المثابة أحبك اللّه لما جملك به من هذه النعوت، فزينة اللّه غير محرمة علينا، و الذي وقع عليه الذم زينة الحياة الدنيا، أي الزينة القريبة الزوال، أي لا تلبسوا من الملابس إلا ما يكون دائما، كملابس العلوم و المعارف، فإنها لا تخلق و لهذا قال: (وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) يعني العلم الذي ألبسك التقوى من قوله: (وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» قال علماء الطبيعة: ما قال أحد في أصل هذا العلم أجمع و لا أبدع من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذ قال: [المعدة بيت الداء، و الحمية رأس الدواء، و أصل كل داء البردة] و أمر في الأكل إن كثر و لا بد فثلث للطعام و ثلث للشراب و ثلث للنفس، و قال صلّى اللّه عليه و سلم: [بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه] هذا في تدبير هذا البيت الذي هو هذه الأجسام الطبيعية التي خلقها و سواها و عدلها بالبناء لسكنى النفوس الإنسانية المدبرة لها.
و اعلم وفقك اللّه أن النفس العدوة الكافرة الأمارة بالسوء، لها على الإنسان قوة كبيرة و سلطان عظيم بسيفين ماضيين، تقطع بهما رقاب صناديد الرجال و عظمائهم، و هما شهوة البطن و الفرج، اللتان قد تعبدتا جميع الخلائق و أسرتاهم، فقد سلط اللّه تعالى على هذا العبد الضعيف المسكين المسمى بالإنسان، شهوتين عظيمتين و آفتين كبيرتين، هلك بهما أكثر الناس، و هما شهوة البطن و الفرج، غير أن شهوة الفرج و إن كانت عظيمة قوية السلطان، فهي دون شهوة البطن، فإنها ليس لها تأييد إلا من شهوة البطن، فإن غلب هذا العدو البطني يقل التعب مع الفرج، بل ربما تذهب ذهابا كليا، فهذه الشهوة البطنية تجعل صاحبها أولا يمتلئ من الطعام، مع علمها أن أصل كل داء البردة، دينيا كان أو طبيعيا، فالداء الطبيعي الذي تنتجه هذه البردة، هو فساد الأعضاء من أبخرة فاسدة، تتولد عنه آلام و أمراض مؤدية إلى الهلاك، و أما الداء الديني فإنه يؤدي إلى هلاك الأبد، فكونه يؤديك إلى فضول النظر و الكلام و المشي و الجماع و غير ذلك من أنواع الحركات المردية، و إن كان الأمر على هذا الحد، فواجب على كل عاقل أن لا يملأ بطنه من طعام و لا شراب أصلا، فإن كان صاحب شريعة طالبا سبيل النجاة، فيتوجه عليه وجوبا تجنب الحرام، و الورع في الشبهات المظنونة، و أما المحققة فواجب عليه تجنبها كالحرام، على كل حال من الأحوال، فإنه ما أتي على أحد إلا من بطنه، منه تقع الرغبة و قلة الورع في الكسب و التعدي لحدود اللّه تعالى، فاللّه اللّه يا بني، التقليل في الغذاء الطيب في اللباس و الطعام، فإن اللباس أيضا غذاء الجسم كالطعام، به ينعم، حيث يحفظه من الهواء البارد و الحار، الذي هو بمنزلة الجوع و الامتلاء و الظمأ و الري المتفاوت، فكل و اشرب و البس لبقاء جسمك في عبادتك لا لنفسك، فإن الجسم لا يطلب منك إلا سد جوعة بما كان، و وقاية من الهواء الحار و البارد بما كان، و أما النفس فلا تطلب منك إلا الطيب من الطعام الحسن الطعم و المنظر، و كذلك المشرب و المركب و المسكن و الملبس،
إنما تريد من كل شيء أحسنه و أعلاه منزلة و أغلاه ثمنا، و لو استطاعت أن تنفرد بالأحسن من هذا كله دون النفوس كلها لم تقصر في ذلك، و الذي يؤديها إلى ذلك طلب التقدم و الترأس، و أن ينظر إليها و يشار، و أن لا يلتفت إلى غيرها، و لا تبالي حراما كان ذلك أو حلالا، و الجسم ليس كذلك، إنما مراده الوقاية مما ذكرناه، فصار الجسم من هذه طالبا لما يصونه خاصة، من أكل و شرب و ملبس و مسكن و أشباه ذلك مما يصلح به، و صارت النفس أو العقل الشرعي الكاسبة و المطعمة له، فإن كانت النفس المغذية له و الناظرة في صونه خاض في الشبهات و تورط في المحرمات، لأنها أمارة بالسوء و مطمئنة بالهوى، فهلكت و أهلكته في الدارين، لأنها ربما لا تبلغ هنا مناها و طلبتها، لأن الأمر الإلهي رزق مقسوم، و أجل مسمى محدود، و إن كان العقل الشرعي المغذي له، تقيّد و أخذ الشيء من حله و وضعه في حقه، و ترك الشهي من الطعام و إن كان حلالا، فغذاؤه ما تيسر، و همته فيما عند مولاه من رؤيته إلى ما دون ذلك مما يبقى بخلاف النفس، فإن همتها و إن تعلقت بما هو حسن في الحال، فمآله عذر نتن، نسأل اللّه العافية، و الحجة علينا في هذا بيّنة، لأنه لو كان هذا خبرا لكان بعض عذر و إنما هذا كله معاينة منّا، و ليت لو وقفت الحال هنا، و لا تبقى عليه تبعات ذلك في الدار الآخرة، حين يسأل مم كسبت؟ و فيما أنفقت؟
و يسأل عن الفتيل و القطمير، بل في مثقال ذرة، فالحجة قائمة للعاقل على نفسه إن طلبت منه هذا، فما يجب عليك في الطعام من اجتناب المحظور فيه و المتشابه، يتوجه عليك في اللباس، و التقليل من هذا كالتقليل من هذا، و ما ملئ وعاء شر من بطن ملئ بالحلال، و ينبغي أن لا تأكل إلا مما تعرف إذا كنت موكلا لنفسك، فإن رأس الدين الورع، و الزهد قائد الفوائد، و كل عمل لا يصحبه ورع فصاحبه مخدوع، فاسع جهدك في أن تأكل من عمل يدك إن كنت صانعا، و إلا فاحفظ البساتين و الفدادين، و الزم الاستقامة فيما تحاوله على الطريقة المشروعة، و الورع الشافي الذي لا يبقي في القلب أثر تهمة، إن أردت أن تكون من المفلحين، و هذا لا يحصل إلا بعد تحصيل العلم المشروع بالمكاسب و الحلال و الحرام، لا بد لك منه هذا إذا كنت موكلا لنفسك، و اعلم آن الحلال عزيز المنال على جهة الورع، قليل جدا، لا يحتمل الإسراف و التبذير، بل إذا تورعت على ما لزمه أهل الورع في الورع، فبالحري أن يسلم لك قوتك على التقتير، كيف أن تصل به إلى نيل شهوة من شهوات النفس؟
فاللّه اللّه يا بني، حافظ على نفسك أن لا تصاحبها في شهوتها لهذه المطاعم الغالية الأثمان، فإنك إن صاحبتها عليها و تقوى في خاطرك أن لو نلتها لعذوبتها و أن تأخذها على وجه الاعتبار، أعمت بصيرتك و دلتك بغرور، و أدخلت عليك ضربا من التأويلات في مكسبك، ليكثر درهمك بما تلحق تلك الشهوة، حتى تؤديك إلى التوريط في الشبهات، و هي تريد الحرام، فإن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فسد عليها هذا الباب، و لا تطعمها إلا ما تقوى به على أداء ما كلّفته و تكلفته، على الشرط الذي ذكرت لك من التقليل، و هكذا في اللباس، و إياك و الإسراف في النفقة و إن كانت حلالا صافيا، فإنه مذموم و صاحبه مبذر ملوم، قال تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) و قال تعالى: «يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» فهذا قد عم اللباس و الطعام و الشراب، فالبطن يا بني أكبر الأعداء بعد الهوى، و الفرج بعدهما، (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) و قال تعالى: «يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» فهذا قد عم اللباس و الطعام و الشراب، فالبطن يا بني أكبر الأعداء بعد الهوى، و الفرج بعدهما، عصمنا اللّه من الشهوات، و حال بيننا و بين الآفات.
[سورة الأعراف (7): آية 32]
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)
[ «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ»]
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ» فإن اللّه أضاف الزينة إليه، و ما أضافها إلى الدنيا و لا إلى الشيطان، و أكثر من هذا البيان في مثل هذا القرآن فلا يكون، فعليك بتحرير النية في استخدام زينة اللّه للتجمل للّه، لأنه لا فرق بين زينة اللّه و زينة الحياة الدنيا إلا بالقصد و النية، و إنما عين الزينة هي هي، ما هي أمر آخر، فالنية روح الأمور،
و إنما لامرئ ما نوى، ورد في صحيح مسلم أن رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: يا رسول اللّه، إني أحب أن يكون نعلي حسنا و ثوبي حسنا، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إن اللّه جميل يحب الجمال، و قال:إن اللّه أولى من تجمل له، هذا المقصود بالتجمل للّه، لا للزينة و الفخر بعرض الدنيا، و الزهو و العجب و البطر على غيره، و اجهد نفسك يا ولي أن تتحلى بحلية قوم بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم شوقا إليهم، لا يؤثر فيك كلام المغرورين من الفقهاء علماء السوء، الذين لبسوا رقاق الثياب، و تناولوا لذيذ المطاعم، فإن قلت لهم في ذلك تلوا عليك «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» فقد أخبر النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنهم سيقولون هذا إذا قلت لهم في ذلك، فمن حديث سعيد بن زيد بن نفيل، قال: سمعت النبي صلّى اللّه عليه و سلم و أقبل على أسامة بن زيد،
فقال: يا أسامة عليك بطريق الجنة، و إياك أن تختلج دونها، فقال: يا رسول اللّه، و ما شيء أسرع ما يقطع به ذلك الطريق، قال: الظمأ في الهواجر و كسر النفس عن لذة الدنيا، يا أسامة و عليك عند ذلك بالصوم، فإنه يقرب إلى اللّه عزّ و جل، إنه ليس من شيء أحب إلى اللّه عزّ و جل من ريح فم الصائم، ترك الطعام و الشراب للّه عزّ و جل، و إن استطعت أن يأتيك الموت و بطنك جائع و كبدك ظمآن فافعل، فإنك تدرك شرف المنازل في الآخرة، و تحمل مع النبيين صلوات اللّه عليهم أجمعين، تفرح بقدوم روحك عليهم، و يصلي عليك الجبار تبارك و تعالى، و إياك يا أسامة و كل كبد جائع يخاصمك إلى اللّه عزّ و جل يوم القيامة،
و إياك يا أسامة و دعاء عباد قد أذابوا اللحوم، و أحرقوا الجلود بالريح و السمائم، و أظمئوا الأكباد، حتى غشيت أبصارهم، فإن اللّه عزّ و جل قد نظر إليهم و باهى بهم الملائكة عليهم السلام، بهم تصرف الزلازل و الفتن، ثم بكى النبي صلّى اللّه عليه و سلم حتى اشتد نحيبه، و هاب الناس أن يكلموه، حتى ظنوا أن أمرا قد حدث بهم من السماء، ثم تكلم فقال: ويح هذه الأمة، ما يلقى منهم من أطاع اللّه ربه عزّ و جل فيهم!! كيف يقتلونه و يكذبونه من أجل أنه أطاع اللّه تعالى؟
فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه:يا رسول اللّه، و الناس يومئذ على الإسلام؟ قال: نعم، قال: ففيم إذن يقتلون من أطاع اللّه و أمرهم بطاعة اللّه؟ فقال: يا عمر ترك الناس الطريق، و ركبوا الدواب، و لبسوا ليّن الثياب، و خدمتهم أبناء فارس، يتزين الرجل منهم تزين المرأة لزوجها، و يتبرج النساء، زيهم زي الملوك الجبابرة، و دينهم دين كسرى و هرمز، يتسمون بالجشاء، فإذا تكلم أولياء اللّه عزّ و جل، عليهم العباءة، منحنية أصلابهم، قد ذبحوا أنفسهم من العطش، فإذا تكلم منهم متكلم، كذّب و قيل له: أنت قرين الشيطان و رأس الضلالة، تحرم زينة اللّه و الطيبات من الرزق، و يتلون كتاب اللّه عزّ و جل على غير علم، استذلوا أولياء اللّه عزّ و جل،
اعلم يا أسامة، أن أقرب الناس إلى اللّه عزّ و جل يوم القيامة من أطال حزنه و عطشه و جوعه في الدنيا، الأخفياء الأبرياء الذين إذا شهدوا لم يقربوا، و إذا غابوا لم يفتقدوا، تعرفهم بقاع الأرض يعرفون في أهل السماء و يخفون على أهل الأرض، و تحف بهم الملائكة، تنعم الناس بالشهوات، و تنعموا هم بالجوع و العطش، لبس الناس ليّن الثياب، و لبسوا هم خشن الثياب، و افترش الناس الفراش، و افترشوا الجباه و الركب، ضحك الناس و بكوا، يا أسامة لا يجمع اللّه عزّ و جل عليهم الشدة في الدنيا و الآخرة، لهم الجنة، فيا ليتني قد رأيتهم،
يا أسامة، لهم الشرف في الآخرة، و يا ليتني قد رأيتهم، الأرض بهم رحبة، و الجبار عنهم راض، ضيّع الناس فعل النبيين و أخلاقهم، و حفظوا، الراغب من رغب إلى اللّه مثل رغبتهم، و الخاسر من خالفهم، تبكي الأرض إذا فقدتهم، و يسخط اللّه على كل بلدة ليس فيها مثلهم، يا أسامة إذا رأيتهم في قرية فاعلم أنهم أمان لأهل تلك القرية، لا يعذب اللّه عزّ و جل قوما هم فيهم، اتخذهم لنفسك عسى أن تنجو بهم،
و إياك أن تدع ما هم عليه، فتزل قدمك، فتهوي في النار، طلبوا الفضل في الآخرة، تركوا الطعام و الشراب على قدرة، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيفة، شغل الناس بالدنيا و شغلوا أنفسهم بطاعة اللّه عزّ و جل، لبسوا الخلق، و أكلوا الفلق، تراهم شعثا غبرا، يظن الناس أن بهم داء و ما ذاك بهم، و يظن الناس أنهم خولطوا و ما خولطوا، و لكن خالط القوم حزن، و تظن أنهم ذهبت عقولهم و ما ذهبت عقولهم، و لكن نظروا بقلوبهم إلى أمر ذهب بعقولهم عن الدنيا، فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول، يا أسامة عقلوا حين ذهبت عقول الناس، لهم الشرف في الآخرة- انته الحديث- فانظر يا ولي وصف حبيب اللّه و رسوله لأولياء اللّه، و كيف نعتهم، فإن قلت إن زينة اللّه هي الحلال التي ما فيها حرام، فما حكم المتنعم في الدنيا المباح له التنعم في الحلال؟
قلنا: لا نمنع ذلك في حق غير العارف، و لكن العارف تحت سلطان التكليف، فما من نعمة ينعم اللّه بها عليه باطنة كانت أو ظاهرة، إلا و التكليف من اللّه بالشكر عليها يصحبها، فذلك التكليف ينغص على العارف التنعم بتلك النعمة، لاشتغاله بموازنة الشكر عليها، و إذا و فى الشكر عليها، فالوفاء به نعمة من اللّه عليه يجب عليه الشكر عليها، فلا يزال متعوب الخاطر في إقامة الوزن بالقسط، أن لا يخسر الميزان، و من هذه حالته كيف ينعم؟
فظاهرها نعمة و باطنها غصص، و هو لا يبرح يتقلب في نعم اللّه ظاهرا و باطنا، و لا تؤثر عنده إلا ألما و تنغيصا، و العامة تفرح بتلك النعم و تتصرف فيها أشرا و بطرا، و العارف مسدود عليه في الدنيا باب الراحة في قلبه، و إن استراح في ظاهره، فهو يموت في كل نفس ألف موتة و لا يشعر به، يقول عمر بن الخطاب: ما ابتلاني اللّه بمصيبة إلا رأيت للّه عليّ فيها ثلاث نعم، إحداها أن لم تكن في ديني، الثانية حيث لم تكن أكبر منها، الثالثة ما وعد اللّه عليها من الثواب، و من كان في مصيبة واحدة يرى ثلاث نعم، فقد انتقل إلى مصيبة أعظم من تلك المصيبة، فإنه يتعين عليه إقامة ميزان الشكر على ثلاث نعم، فابتلاه اللّه بمصيبة واحدة ليصبر عليها، و ابتلته معرفته في تلك المصيبة بثلاث مصائب كلفه اللّه الشكر عليها، حيث أعلمه بتلك النعم في تلك المصيبة الواحدة، فانظر إلى معرفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، كيف أوجب على نفسه مثل هذا، و انظر إلى ما فيها من الأدب، حيث عدل عن النظر من كونها مصيبة إلى رؤية النعم، فتلقاها بالقبول، لأن النعمة محبوبة لذاتها، فرضي فكان له مقام الرضا و الاستسلام و التفويض و الصبر و الاعتماد على اللّه، و أين الناس من هذا الذوق الشريف «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ»
[تحقيق: زينة اللّه]
الطيب من الرزق ليس في أكله تنغيص بل لذة و نعيم في الدنيا و الآخرة، و لذلك قال تعالى:
«خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» فلو كان مناقشة حساب لم تكن خالصة، و لا وقعت للمؤمن بها لذة، قال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً) فاعلم أن ذلك في مجرد الأكل الحلال، و الحساب إنما يقع و السؤال في كسبه و الوصول إليه، لا في أكله إذا كان حلالا، فإنه يغمض هذا المعنى على أكثر الناس- تحقيق- زينة اللّه أسماؤه، فمن تخلق بأسماء اللّه و صفاته على الحد المشروع، فقد تحلى بزينة اللّه التي أخرج لعباده في كتابه و على ألسنة رسله، جاء في الحديث [و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به] فمن كان الحق سمعه و بصره و جمع قواه فإن عينه ثابتة، و لهذا أعاد الضمير عليه لوجوده في قوله: كنت سمعه، فهذه الهاء هي عينه الذي الحق سمعها و بصرها، و هذه القوى قد أخبر الحق أنه لما أحبك كان سمعك و بصرك، فهو قواك، فبه سلكت في طاعته التي أمرك أن تعمل نفسك فيها، و تحلي ذاتك بها، و هي زينة اللّه، و هو سبحانه الجميل و الزينة جمال، فهو جمال هذا السالك، فزينته ربه، فبه يسمع، و به يبصر، و به يسلك، و لا مانع من ذلك، و لهذا قال: «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ» لما أحبهم حين تقربوا إليه بنوافل الخيرات، زينهم به، فكان قواهم التي سلكوا بها ما كلفهم من الأعمال.
[سورة الأعراف (7): آية 33]
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33)
قوله تعالى: «وَ الْإِثْمَ» قد يكون هنا الإثم اسم الخمر، فإن العرب تسمي الخمر الإثم، قال الشاعر:
| شربت الإثم حتى ضل عقلي | كذلك الإثم يذهب بالعقول |
و ثبت بهذه الآية أن الفاحشة هي فاحشة لعينها، و لهذا حرمها اللّه، فقيل لمحمد عليه السلام: «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ» أي ما علم و ما لم يعلم إلا بالتوقيف، لغموض إدراك الفحش، فكل محرم حرمه اللّه على عباده فهو فحش، و ما هو عين ما أحله في زمان آخر و لا في شرع آخر، فهذا هو الذي بطن علمه، قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم:
[إن سعدا لغيور، و أنا أغير من سعد، و اللّه أغير مني، و من غيرته حرم الفواحش] فجعل الفواحش حراما محرما، كما حرم مكة و غيرها، فتخيل من لا علم له أن ذلك إهانة، و هو تعظيم، إذ هو من شعائر اللّه و حرماته، و اللّه يقول: (مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) فالتحريم دليل على التعظيم، فما أمرك اللّه إلا بما هو خير لك و هو عند اللّه عظيم، و ما نهاك إلا عما هو تركه خير لك لعظيم حرمته عنده، فمن غيرته حرم الفواحش ليفتضح المحبون في دعواهم محبته، فغار أن يدعي الكاذب دعوى الصادق، و لا يكون ثم ميزان يفصل بين الدعوتين، فحرم الفواحش، فمن ادعى محبته وقف عند حدوده، فتبين الصادق من الكاذب، و ليس الفحش إلا ما ظهر، و أما فحش ما بطن فهو لمن ظهر له.
و اعلم أن أعظم فاحشة باطنة هو اعتقاد العبد الربوبية لنفسه، و لما حرّم اللّه ذلك، ختم على كل قلب أن تدخله ربوبية الحق فتكون نعتا له، فما من أحد يجد في قلبه أنه رب إله، بل يعلم كل أحد من نفسه أنه فقير محتاج ذليل، فجعل البواطن كلها في كل فرد فرد مختوما عليه أن لا يدخلها تأله، و لم يعصم الألسنة أن تتلفظ بالدعوى بالألوهية، و لا عصم النفوس أن تعتقد الألوهية في غيرها، بل هي معصومة أن تعتقدها في نفسها لا في أمثالها، لأنه ما كل أحد عالم بالأمور على ما هي عليه، و لا يعلم كل أحد أن الأمثال حكمها في الماهية واحد.
[سورة الأعراف (7): آية 34]
وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (34)
«وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ» و هو الموت الاضطراري في العموم و العرف «لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ» على تلك الساعة فهي الآجال في الأشياء.
[سورة الأعراف (7): الآيات 35 الى 37]
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37)
[سورة الأعراف (7): الآيات 38 الى 39]
قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) وَ قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)
«وَ قالَتْ أُولاهُمْ» و هم رؤساؤهم الذين أضلوهم و جعلوهم يشركون باللّه، و هو قوله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) أي من الذين اتبعوهم و هو قوله: «لِأُخْراهُمْ» «فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ» حتى تنظروا و تبحثوا عن وجه الحق بل كنتم مجرمين «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» فما حكم فيهم إلا بهم فأعمالهم عذبتهم، و ما حكم فيهم غيرهم.
[سورة الأعراف (7): آية 40]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)
هذه أرجى آية في كتاب اللّه في حق أهل الشقاء، في إسبال النعيم عليهم و شمول الرحمة، و هذا جزاء المجرمين على التعيين، فليس في القدرة عجز، فإن دخول الجمل في سم الخياط ليس من قبيل المحال، لأن الصغر و الكبر العارضين في الشخص لا يبطلان حقيقته، و لا يخرجانه عنها، و القدرة صالحة أن تخلق جملا يكون من الصغر بحيث لا يضيق عنه سم الخياط، فكان في ذلك رجاء لهم أن يدخلوا جنة النعيم.
[سورة الأعراف (7): الآيات 41 الى 42]
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42)
[- إشارة- لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها]
– إشارة- لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها، تقسمت العوالم فتقسمت التكاليف و طمست المعالم فجهلت التصاريف، فعالم كلفتهم في أداء العبادة، و عالم كلفتهم في حيرتهم في موافقة الأمر و الإرادة، و عالم كلفتهم في توجيه الخطاب الإلهي، على هذا العالم الكياني، مع رد الأفعال إليه، و استحالة التكليف إليه، فتاهت الألباب في هذا الباب، و استوى فيه البصير و الأعمى، و زادهم في ذلك حيرة و عمى، قوله تعالى: (وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى) لكن ثم رقيقة، و هي لعمر التصوف دقيقة، أنه ما وجد شيء إلا و فيه منه حقيقة، اسمع يا مربوب ربّ القدم، امتنع المحدث أن تقوم به حقائق القدم، و امتنع القديم أن تقوم به حقائق الحدوث لئلا يتقدم على وجوده العدم، لكن تبلى جميع الصفات، و إلا فمن أين ظهرت المتضادات و المتماثلات و المختلفات، و ليس القدم بصفة إثبات عين، و لا الحدوث بوصف إثبات كون، لكن لما تعذرت الأسباب في الوجودين، و لم يكن للمعلوم الواحد تحصيل المعرفتين، و أراد تمام الوجود ليعلم من الطريقين، فظهر في الإيجاد تكليف محقق، و عناء لا يتحقق، فظهرت بينهما، برازخ التكليف، في مشهد التخيير و التوقيف، و لهذا جاء الخبر بالعماء، ما فوقه هواء و ما تحته هواء، فقال: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) قال ابن عباس: (ليعرفون) فلو عرف نفسه بمعرفتهم دونهم، ما أوجد عيونهم، فصح التكليف في القدم، و الخلق في حال العدم، و من هذه الحقيقة تكليف العباد، و إن لم يكن لهم مدخل في الإيجاد، عصمنا اللّه و إياكم من العناد، و أمننا و إياكم من الفزع يوم التناد، بكرمه.
[سورة الأعراف (7): آية 43]
وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)
«وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» فإن أهل الدنيا كانوا أهل بغي و حسد و تدابر و تقاطع و غل و شحناء، فأبدلهم اللّه بأهل الآخرة التي ينقلب المؤمنون إليها بمن وصفهم اللّه تعالى، «وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» إخوانا على سرر متقابلين، فإن الجنة ليست بمحل تعن و لا تعد «و تودوا أن تكلم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون» اعلم أيدنا اللّه و إياك أن الجنة جنتان جنة محسوسة، و جنة معنوية، و العقل يعقلهما معا، فالنفس الناطقة المخاطبة المكلفة لها نعيم بما تحمله من العلوم و المعارف، من طريق نظرها و فكرها و ما وصلت إليه من ذلك بالأدلة العقلية، و نعيم بما تحمله من اللذات و الشهوات مما يناله بالنفس الحيوانية من طريق قواها الحسية، من أكل و شرب و نكاح و لباس و روائح و نغمات طيبة تتعلق بها الأسماع، و جمال حسي في صورة حسنة معشوقة يعطيها البصر، في نساء كاعبات و وجوه حسان و ألوان متنوعة و أشجار و أنهار، كل ذلك تنقله الحواس إلى النفس الناطقة، فتلتذ به من جهة طبيعتها،
و هذه الجنات ثلاث جنان: جنة اختصاص إلهي و هي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا حد العمل، وحدهم من أول ما يولد إلى أن يستهل صارخا إلى انقضاء ست أعوام، و يعطي اللّه من شاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء، و من أهلها المجانين الذين ما عقلوا، و من أهلها أهل التوحيد العملي، و من أهلها أهل الفترات و من لم تصل إليهم دعوة رسول، و الجنة الثانية جنة ميراث، ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا و من المؤمنين، و هي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها، و الجنة الثالثة جنة الأعمال، و هي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم، فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر، و سواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن، غير أنه فضله في هذا المقام بهذه الحالة، فما من عمل من الأعمال إلا و له جنة، و يقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما يقتضي أحوالهم، ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال لبلال: [يا بلال بم سبقتني إلى الجنة، فما وطئت منها موضعا إلا سمعت خشخشتك أمامي؟
فقال: يا رسول اللّه ما أحدثت قط إلا توضأت، و لا توضأت إلا صليت ركعتين، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:بهما] فعلمنا أنها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل، فكأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول لبلال:بم نلت أن تكون مطرّقا بين يدي تحجبني؟ من أين لك هذه المسابقة إلى هذه المرتبة؟ فلما ذكر له ذلك، قال صلّى اللّه عليه و سلم: بهما، فما من فريضة و لا نافلة و لا فعل خير و لا ترك محرم و مكروه إلا و له جنة مخصوصة و نعيم خاص يناله من دخلها، و التفاضل على مراتب، فمنها بالسن و لكن في الطاعة و الإسلام، فيفضل الكبير السن على الصغير السن إذا كانا على مرتبة واحدة من العمل بالسن فإنه أقدم منه فيه، و يفضل أيضا بالزمان فإن العمل في رمضان و في يوم الجمعة و في ليلة القدر و في عشر ذي الحجة و في عاشوراء أعظم من سائر الأزمان، و كل زمان عيّنه الشارع، و تقع المفاضلة بالمكان، كالمصلي في المسجد الحرام أفضل من صلاة المصلي في مسجد المدينة، و كذلك الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى،
و هكذا فضل الصلاة في المسجد الأقصى على سائر المساجد، و يتفاضلون أيضا بالأحوال، فإن الصلاة في الجماعة في الفريضة أفضل من صلاة الشخص وحده، و أشباه هذا، و يتفاضلون بالأعمال، فإن الصلاة أفضل من إماطة الأذى، و قد فضل اللّه الأعمال بعضها على بعض، و يتفاضلون أيضا في نفس العمل الواحد، كالمتصدق على رحمه، فيكون صاحب صلة رحم و صدقة، و المتصدق على غير رحمه دونه في الأجر، و كذلك من أهدى هدية لشريف من أهل البيت أفضل ممن أهدى لغير شريف أو بره أو أحسن إليه، و وجوه المفاضلة كثيرة في الشرع، و الرسل عليهم السلام إنما ظهر فضلها في الجنة على غيرها بجنة الاختصاص، و أما بالعمل فهم في جنات الأعمال بحسب الأحوال كما ذكرنا، و كل من فضل غيره ممن ليس في مقامه فمن جنات الاختصاص لا من جنات الأعمال، و من الناس من يجمع في الزمن الواحد أعمالا كثيرة، فيصرف سمعه فيما ينبغي في زمان تصريفه بصره، في زمان تصريفه يده، في زمان صومه، في زمان صدقته، في زمان صلاته، في زمان ذكره، في زمان نيّته من فعل و ترك، فيؤجر في الزمن الواحد من وجوه كثيرة، فيفضل غيره ممن ليس له ذلك، و لذلك لما ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الثمانية الأبواب من الجنة أن يدخل من أيها شاء، قال أبو بكر: يا رسول اللّه و ما على الإنسان أن يدخل من الأبواب كلها؟
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: أرجو أن تكون منهم يا أبا بكر. فأراد أبو بكر بذلك القول ما ذكرنا، أن يكون الإنسان في زمان واحد في أعمال كثيرة تعم أبواب الجنة، و اعلم أن جنة الأعمال مائة درجة لا غير، كما أن النار مائة درك، غير أن كل درجة تنقسم إلى منازل.
– إشارة- من تسلل لواذا، و اعتصم عياذا، و اتخذ لا مقام ملاذا، و صير الأصنام جذاذا، و أمطر وابلا و رذاذا، وجب أن يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا»– شرح هذه الإشارة- قوله: «من تسلل لواذا» أي من انتزع عن نفسه انتزاعا خفيا لا يشعر به في العامة و لا في الخاصة، و لاذ باللّه تعالى، كالمتصدق بيمينه لا تعرف بها شماله، قوله:«و اعتصم عياذا» أي اتخذ اللّه من حيث جمعية هذا الاسم أمرا يتعوذ به، كما قال: «و أعوذ بك منك» لأنه لم ير في مقابلة الحق إلا الحق «و اتخذ لا مقام ملاذا» أراد ميراثا محمديا،«و صير الأصنام جذاذا» أي كل من قال له: أنا اللّه، قال له: أنت باللّه، قوله: «و امطر وابلا و رذاذا» يريد أصناف العلوم، يلقيها على قلوب المتعلمين على قدر قواهم، فالرذاذ منه هو الرش، و هو الخفيف من المطر، و الوابل هو كل علم يرد على قلب مريض ذي علة فيبريه من تلك العلة، فكأنه علم مختص بإزالة الشبهات، يقال: بل المريض و أبلّ و استبلّ، إذا صح من مرضه.
[سورة الأعراف (7): الآيات 44 الى 46]
وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45) وَ بَيْنَهُما حِجابٌ وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ (46)
الأعراف سور بين الجنة و النار، باطنه فيه الرحمة و هو ما يلي الجنة منه، و ظاهره من قبله العذاب و هو ما يلي النار منه، فجعل النار من قبله أي يقابله، و المقابل ضد، فلم يجعل السور محلا للعذاب، و جعله محلا للرحمة بقوله باطنه فيه الرحمة، فأهل الأعراف في محل رحمة اللّه، و ذلك هو الذي أطمعهم في الجنة و إن كانوا بعد ما دخلوها، و الأعراف يكون عليه رجال تساوت كفتا ميزانهم، فهم ينظرون إلى النار و ينظرون إلى الجنة، و ما لهم رجحان بما يدخلهم أحد الدارين، لأنه لم ترجح في الوزن كفة حسناتهم على كفة سيئاتهم، فلم تثقل موازينهم و لا خفت، فإنه ما وضع اللّه لأحد منهم في ميزانه تلفظه بلا إله إلا اللّه، فإنه ما ثمّ سيئة تعادلها إلا الشرك، و لما لم يجتمع الشرك و التوحيد في قلب شخص واحد، كذلك لا يدخل في الميزان إلا لصاحب السجلات، و يرى أصحاب الأعراف أن موطن القيامة قد سجد فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عند ما طلب من ربه فتح باب الشفاعة تعظيما للّه و هيبة و إجلالا، فعلموا أنه موطن سجود، فلما دعوا إلى السجود هناك و هو الذي يبقى يوم القيامة من التكليف سجد أصحاب الأعراف امتثالا لأمر اللّه، فرجحت كفة حسناتهم بهذه السجدة و ثقلت، فسعدوا، لأنها سجدة تكليف مشروعة في ذلك الموطن عن أمر اللّه، فيدخلون الجنة، و كانوا ينظرون إلى النار بما لهم من السيئات و ينظرون إلى الجنة بما لهم من الحسنات، و لذلك أشار الحق تعالى بأن ختم سورة الأعراف بسجدة للتالي عند ذكر سجود الملأ الأعلى، و هي سجدة اقتداء بهدي الملائكة «يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ» فذكر الحق عن أصحاب الأعراف أن لهم المعرفة بمقام الخلق، فقال: «يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ» أي بما جعلنا فيهم من العلامة، فإن الآخرة دار تمييز، فأهل الجنة مميزون و أهل النار مميزون، فبالسمات يفرق بين الأشخاص يوم التنادي، و لات حين مناص «وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ» فإنهم في مقام الكشف للأشياء، فلو دخلوا الجنة استتر عنهم بدخولهم فيها و سترتهم، لأنها جنّة، عن كشف ما هم له كاشفون «أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ» تحية إقبال عليهم لمعرفتهم بهم، و تحية لانصرافهم عنهم إلى جناتهم «لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ» فإنهم يرون رحمة اللّه، فيطمعون، و سبب طمعهم أيضا أنهم من أهل لا إله إلا اللّه، و لا يرونها في ميزانهم، و يعلمون أن اللّه لا يظلم مثقال ذرة، و لو جاءت ذرة لإحدى الكفتين لرجحت بها، لأنهما في غاية الاعتدال، فيطعمون في كرم اللّه و عدله، و أنه لا بد أن يكون لكلمة لا إله إلا اللّه عناية بصاحبها، يظهر لها أثر عليهم كما نادوا أيضا.
[سورة الأعراف (7): آية 47]
وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)
و الظلم هنا الشرك لا غير.
[سورة الأعراف (7): الآيات 48 الى 51]
وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَ نادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَ ما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51)
ذم اللّه قوما اتخذوا دينهم لهوا و لعبا، و هم في هذا الزمان أصحاب السماع، أهل الدف و المزمار، نعوذ باللّه من الخذلان.
[ما الدين بالدف و المزمار و اللعب]
| ما الدين بالدف و المزمار و اللعب | لكنما الدين بالقرآن و الأدب |
[سورة الأعراف (7): آية 52]
وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
ليس من نعوت الكمال أن يكون في علم اللّه إجمال، و الإجمال في المعاني محال، و محل الإجمال الألفاظ و الأقوال، فإذا جعل قول عبده قوله اتصف عند ذلك بالإجمال، و كان من نعوت الكمال، فالعلوم في اللوح مفصلة، و قد كانت في العلم مجملة، و ما فصلها القلم و لا كان ممن علم، و إنما اليمين حركته لتفصيل المجمل، و فتح الباب المقفل، فكمال العارف، علمه بتفصيل المعارف.
[سورة الأعراف (7): الآيات 53 الى 54]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54)
قال بعض المفسرين إن السموات و الأرض و ما بينهما خلقهما اللّه في ستة أيام مقدرة لا موجودة، على تقدير لو كانت ثمّ أيام كان هذا المقدار، و هذا خطأ، فإن السموات و الأرض و ما بينهما إنما خلقهم اللّه في هذه الستة الأيام الموجودة المعلومة عندنا، و إنها كانت موجودة قبل خلق السماء و الأرض، فإن السموات السبع و الأرضين ليست الأيام لها، و إنما لفلك النجوم الثوابت، و قد كان قبل السموات دائرا، فاليوم دورته، غير أن النهار و الليل أمر آخر معلوم في اليوم، لا نفس اليوم، فحدث النهار و الليل بحدوث السموات و الأرض لا الأيام، و اللّه ما قال في ستة أنهار و لا في ست ليال، و إنما ذكر الأيام، و وقع ابتداء الخلق في يوم الأحد، و انته الخلق في يوم الجمعة، و قال في يوم السبت و قد وضع إحدى الرجلين على الأخرى: أنا الملك «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» راجع البقرة آية رقم (29) و طه آية رقم (5)
و اعلم أن اللّه أوجد العرش إظهارا لقدرته، لا محلا لذاته، و أوجد الوجود لا حاجة إليه، إنما هو إظهار لأسمائه و صفاته، فهو تعالى مقدس في وجوده عن ملامسة ما أوجده، و مجانبته و مواصلته و مفاصلته، لأنه كان و لا كون، و هو الآن كما كان لا يتصل بكون، و لا ينفصل عن كون، لأن الوصل و الفصل من صفات الحدوث لا من صفات القدم، لأن الاتصال و الانفصال يلزم منه الانتقال و الارتحال، و يلزم من الانتقال و الارتحال التحول و الزوال و التغيير و الاستبدال، هذا كله من صفات النقص لا من صفات الكمال، فسبحانه سبحانه، و تعالى عما يقول الظالمون و الجاحدون علوا كبيرا، و لكن اقتضت مرتبة من لا يقبل المكان أن يخلق سماء جعله عرشا، ثم ذكر أنه استوى عليه حتى يقصد بالدعاء و طلب الحوائج، فلا يبقى العبد حائرا لا يدري أين يتوجه، لأن العبد خلقه اللّه ذا جهة «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» أي يغطيه و هو النكاح و الإيلاج، لظهور أعيان المولدات و ما يحدث اللّه في الليل و النهار من المخلوقات عن هذا الإيلاج و الغشيان، لإيجاد ما سبق في علمه أن يظهر فيه، من الأحكام و الأعيان في العالم العنصري، فنحن أولاد الليل و النهار، فما حدث في النهار، فالنهار أمه و الليل أبوه، لأن لهما عليه ولادة، و ما ولد في الليل فالليل أمه و النهار أبوه، فإن لهما عليه ولادة، فلا يزال الحال في الدنيا ما دام الليل و النهار يغشي أحدهما الآخر، فنحن أبناء أم و أب لمن ولد معنا في يومنا أو في ليلتنا خاصة، و ما ولد في الليلة الثانية و النهار الثاني فأمثالنا، ما هم إخواننا، لأن الليل و النهار جديدان «يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» هذا الطلب منهما لإبراز أعيان الحوادث «وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ» فكانت منافع الحيوانات بها و عن أحكامها بما أودع اللّه فيها.
و اعلم أن الفلك عندنا متحرك تحرك الإنسان في الجهات، لأنه يعقل و يكلّف و يؤمر، كما قال عليه السلام في ناقته إنها مأمورة، و قال عليه السلام في الشمس إنها تستأذن في الطلوع، فالفلك متحرك بالإرادة ليعطي ما في سمائه من الأمر الإلهيّ الذي يحدث الأشياء في الأركان و المولدات بما أودع اللّه فيها من العقل و الروح و العلم، فتعطي أشخاص كل نوع من المولدات على التعيين من معدن و نبات و حيوان و جن و ملك مخلوق من عمل أو نفس بقول من تسبيح و ذكر أو تلاوة، و ذلك لعلمها بما أودع اللّه لديها، و هو قوله تعالى: (وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها) فمن لا كشف له يرى أن ذلك كله الكائن من سريانها أنها مسخرات في حركاتها لإيجاد هذه الأمور، كتحريك الصانع للآلات لإيجاد صورة ما يريد إيجادها، كالصورة في الخشب و غيره، و لا تعرف الآلات شيئا من ذلك و لا ما صدر عنها، و عندنا كل جزء من الكون عالم بما يراد منه، فهو على بصيرة، حتى أجزاء بدن الإنسان، فما يجهل منه إلا لطيفته المكلفة الموكلة إلى استعمال فكرها، أو تنظر بنور الإيمان حتى يظهر ذلك النور على بصرها، فيكشف ما كان خبرا عندها، فما من متحرك في العالم إلا و هو عالم بما إليه يتحرك إلا الثقلين، فقد يجهلون ما يتحركون إليه، بل يجهلون «وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ» بما في حركة كل كوكب، و ما له من اقترانات مع الكواكب بما يحدث عنها من الأمور المختلفة، بحسب الأقاليم و أمزجة القوابل و مساقط نطفه في أشخاص الحيوان، فيكون القران واحدا و يكون أثره في العالم العنصري مختلفا بحسب الأقاليم و ما يعطيه طبيعته، فهي حوادث أمّن اللّه عليها هذه الكواكب المسخرة
[ «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ»]
«أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ» الخلق خلقان: خلق تقدير، و هو الذي يتقدم الأمر الإلهي، كما قدمه الحق، و أخّر عنه الأمر، فقال تعالى: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ» و الخلق الآخر بمعنى الإيجاد، و هو الذي يساوق الأمر الإلهي، و إن تقدمه الأمر الإلهي بالرتبة، فالأمر الإلهي بالتكوين بين خلقين، خلق تقدير و خلق إيجاد، فمتعلق الأمر خلق الإيجاد، و متعلق خلق التقدير تعيين الوقت لإظهار عين الممكن، فيتوقف الأمر عليه، فالأمر الإلهي يساوق الخلق الإيجادي في الوجود، فعين قول كن، عين قبول الكائن للتكوين فيكون، فالفاء في قوله فيكون جواب أمره كن، و هي فاء التعقيب، و ليس الجواب و التعقيب إلا في الرتبة، و ما من ممكن من عالم الخلق إلا و له وجهان: وجه إلى سببه، و وجه إلى اللّه تعالى، فكل حجاب و ظلمة تطرأ عليه فمن سببه، و كل نور و كشف فمن جانب حقه، و كل ممكن من الأمر فلا يتصور فيه حجاب، لأنه ليس له إلا وجه واحد، فهو النور المحض، فعالم الخلق طبيعي، و عالم الأمر أنوار، و الوجه الخاص الإلهي الخارج عن الخلق هو الأمر الإلهي، فما كان من الوجه الخاص الذي للّه تعالى في كل موجود يلقي إليه منه ما يشاء، مما لا يكون لغيره من الوجوه، فذلك الأمر، و ما كان من غير ذلك الوجه فهو الخلق، فإن اللّه سبحانه يعطي بسبب و هو الذي كتبه القلم من علم اللّه في خلقه، و يعطي بغير سبب، و هو ما يعطيه من الوجه الخاص، فلا تعرف به الأسباب و لا الخلق، فعالم الأمر هو الوجه الخاص الذي في عالم الخلق- وجه آخر- كل موجود عند سبب حادث مخلوق مما سوى اللّه هو عالم الخلق، فالغيب فيه مستور، و كل ما لم يوجد عند سبب حادث مخلوق فهو عالم الأمر، و الكل على الحقيقة عالم الأمر، إلا أنا لا يمكننا رفع الأسباب من العالم، فإن اللّه قد وضعها و لا سبيل إلى رفع ما وضعه اللّه، فقوله تعالى: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ» هو كل ما يوجده عند سبب، أو بسبب، كيف شئت قل، من غير مشافهة الأمر التي هي الكلمة، و قوله «وَ الْأَمْرُ» ما لا يوجده بسبب، أي كل من صدر عن اللّه بلا واسطة إلا بمشافهة الأمر العزيز مثل الروح، فاللّه قادر من حيث الأمر، مقتدر من حيث الخلق، و عالم الخلق و عالم الأمر، خص بالاسم الرب دون غيره من قوله تعالى: «تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» إشارة إلى أنه سيد العالم و خالقه و مربيه. و اعلم أن الأمور التي يكرهها الإنسان طبعا و شرعا هي أمور مخصوصة بعالم الخلق و التركيب الطبيعي لا بعالم الأمر، فكان عالم الخلق و التركيب يقتضي الشر لذاته لتركيبه من طبائع متنافرة، و التنافر هو عين التنازع، و النزاع أمر مؤد إلى الفساد، و عالم الأمر هو الخير الذي لا شر فيه، فما ظهر من عالم التركيب من الشرور فمن طبيعته، و ما ظهر منه من خير فمن روحه الإلهي، فالشرور كلها مضافة إلى عالم الخلق، و الخير كله مضاف إلى عالم الأمر، و لما كان عالم الخلق الموجود من الطبيعة موجودا فيه الفساد و التغيير، و لو لا هذا النور الذي من عالم الأمر هلك عالم الخلق جملة واحدة، أمر اللّه سبحانه أن يلجأ إليه بالدعاء في دفع هذه المكاره، فيؤيد اللّه الروح بما يعطيه من النور من الاسم الرب ليدفع به ما تقع به المضرة من جانب ظلمة الطبع- إشارة- قال تعالى: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فجعل العبادة المقصود منه بخلقهم و قال تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) هذا أمر بالعبادة، فإن كان العبد مطيعا طائعا فقد فاز بوقوع ما قصد له في الخلق و الأمر، فإن للّه الخلق و الأمر تبارك اللّه رب العالمين، و أما العاصي فهو مخالف لأمر اللّه، فلم يقم بما قصد له من الخلق و الأمر.
[سورة الأعراف (7): آية 55]
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)
تضرعا ذلة و فقرا و انكسارا.
[سورة الأعراف (7): آية 56]
وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)
اعلم أن المؤمن من استوى خوفه و رجاؤه، فهو يدعو ربه خوفا من زوال النعمة، و طمعا في بقائها، فلا يزال بين شكر و فقر، فإنه بين نعمة و بلاء، و شدة و رخاء.
[سورة الأعراف (7): آية 57]
وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)
[- من باب الإشارة لا التفسير- «هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً»]
– من باب الإشارة لا التفسير- «هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً» و هو بشائر التوفيق «بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» و هي العناية بعبده «حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا» و هو ترادف التوفيق «سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ» و هو العبد المعتنى به «فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» و هو ما يظهر عليه من أنوار القبول و العمل الصالح و التعشق به، ثم مثّل فقال: «كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» يشير بذلك إلى خبر ورد من النبي صلّى اللّه عليه و سلم في البعث، أعني حشر الأجسام، من أن اللّه يجعل السماء تمطر مثل منّي الرجال- الحديث-.
[سورة الأعراف (7): آية 58]
وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)
«وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ» و ليس سوى الموافقة و السمع و الطاعة، لطهارة المحل «وَ الَّذِي خَبُثَ» و هو الذي غلبت عليه نفسه و الطبع، و هو معتنى به في نفس الأمر «لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً» مثل قوله: إن للّه عبادا يقادون إلى الجنة بالسلاسل، و قوله تعالى:
وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً» فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، هو النفس التي تسارع إلى إجابة الداعي، و هي من النفوس الذين يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون، و أما الذي خبث فلا يخرج إلا نكدا، فهي النفس التي تجيب مضطرة مثل من قال فيه تعالى: (وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ).
[سورة الأعراف (7): الآيات 59 الى 62]
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62)
الرسالة موهوبة غير مكسوبة، و طالبة غير مطلوبة، و ليس لها بدايات، فتوجد عند الغايات.
[سورة الأعراف (7): الآيات 63 الى 64]
أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ لِتَتَّقُوا وَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَ أَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64)
[- إشارة- الرجل من جعل نفسه سفينة نوح]
[سورة الأعراف (7): الآيات 65 الى 72]
وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ (65) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَ إِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)
قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ قَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72)
و ها قد حلت بكم المثلات، و ما توعدناكم به عند مخالفتكم آت.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج2، ص: 157