تفسیر ابن عربی سوره البينة

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة البيّنة

(98) سورة البيّنة مدنيّة

[سورة البينة (98): الآيات 1 الى 5]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَ ما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4)

وَ ما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)

«وَ ما أُمِرُوا» و هؤلاء هم أهل المكابدة و المجاهدة في استخلاص الدين ممن أمرهم اللّه أن يستخلصوه منه، من شيطان أو باعث من خوف و رغبة و جنّة و نار، و ليس على الحقيقة إلا هوى أنفسهم‏ «إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ»

[إخلاص الدين للّه تعالى:]

الإخلاص النية، و لهذا قيدها بقوله‏ «لَهُ» لا لغيره و لا لحكم الشركة، و في النية نقول:

الروح للجسم و النيات للعمل‏ تحيا بها كحياة الأرض بالمطر
فتبصر الزهر و الأشجار بارزة و كل ما تخرج الأشجار من ثمر
كذاك تخرج من أعمالنا صور لها روائح من نتن و من عطر
لو لا الشريعة كان المسك يخجل من‏ أعرافها هكذا يقضي به نظري‏
إذا كان مستند التكوين أجمعه‏ له فلا فرق بين النفع و الضرر
فالزم شريعته تنعم بها سورا تحلها صور تزهو على سرر
مثل الملوك تراها في أسرّتها أو كالعرائس معشوقين للبصر

روينا من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال [إنما الأعمال بالنيات و إنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى اللّه و رسوله فهجرته إلى اللّه و رسوله و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه‏] فالنية لجميع الحركات و السكنات من المكلفين للأعمال كالمطر لما تنبته الأرض، فالنية من حيث ذاتها واحدة و تختلف بالمتعلق و هو المنوي، فتكون النتيجة بحسب المتعلق به لا بحسبها، فإن حظ النية إنما هو القصد للفعل أو تركه، و كون ذلك الفعل حسنا أو قبيحا و خيرا أو شرا ما هو أثر النية،

و إنما هو أمر عارض ميّزه الشارع و عيّنه للمكلف، فليس للنية أثر البتة من هذا الوجه خاصة، و إنما النية سبب في ظهور الأعمال الصالحة و غير الصالحة، و ليس لها إلا الإمداد، و حقيقتها تعطي تعلقها بالمنوي، و كون ذلك المنوي حسنا أو قبيحا ليس لها، و إنما ذلك لصاحب الحكم فيه بالحسن و القبح، فالمخاطب المكلف إن نوى الخير أثمر خيرا، و إن نوى الشر أثمر شرا، و ما أتي عليه إلا من المحل من طيبه و خبثه، فالإخلاص هو النية، فإن فاتتك النية فاتك الخير كله، فكثير ما بين فاعل بنية القربة إلى اللّه و بين فاعل بغير هذه النية، و العبادة عمل و ترك، فالإخلاص مأمور به شرعا «الدِّينَ» و هو ما تعبدهم به‏ «حُنَفاءَ» «وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ»

فيجب تأخر العبد عن رتبة سيده، و تخليص عبوديته للّه من غيره، كما أقر له بذلك في قبضة الذرية، يريد الحق أن يستصحبه ذلك الإقرار في حياته الدنيا موضع الحجاب و الستر، فإن الحق له التقدم على الخلق بالوجود من جميع الوجوه و بالمكانة و الرتبة، فكان و لا مخلوق، هذا تقدم الوجود، و قدّر و قضى و حكم و أمضى إمضاء لا يردّ و لا يقضى عليه، فهذا تقدم الرتبة، فلا يجتمع الخلق و الحق أبدا في وجه من الوجوه، فالعبد عبد لنفسه، و الرب رب لنفسه، فأوجب على عباده التأخر عن ربوبيته، فشرع له الصلاة ليسميه بالمصلي، و هو المتأخر عن رتبة ربه، فقال تعالى من باب الإشارة «وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ» فمن لزم رتبته منا فما جنى.

على نفسه بل أعطى الأمر حقه‏ «وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ».

[سورة البينة (98): آية 6]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)

اعلم أن كل مشرك كافر، فإن المشرك باتباع هواه فيمن أشرك و اتخذه إلها و عدوله عن أحدية الإله، يسترها عن النظر في الأدلة و الآيات المؤدية إلى توحيد الإله فسمي كافرا لذلك الستر ظاهرا و باطنا، و سمي مشركا لكونه نسب الألوهية إلى غير اللّه مع اللّه، فجعل لها نسبتين فأشرك، فهذا الفرق بين المشرك و الكافر، و أما الكافر الذي ليس بمشرك فهو موحد غير أنه كافر بالرسول و ببعض كتابه، و كفره على وجهين: الوجه الواحد أن يكون كفره بما جاء من عند اللّه مثل كفر المشرك في توحيد اللّه، و الوجه الآخر أن يكون عالما برسول اللّه و بما جاء من عند اللّه أنه من عند اللّه و يستر ذلك عن العامة و المقلدة من أتباعه رغبة في الرئاسة، و هو الذي أراد عليه السلام بقوله في كتابه إلى قيصر [فإن توليت فعليك إثم الأريسيين‏] أي الأتباع.

[سورة البينة (98): الآيات 7 الى 8]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)

متعلق الرضا القليل، فإن الإنعام لا يتناهى بالبرهان الواضح و الدليل، فلا بد من الرضى، بذا حكم الدليل و قضى، و بهذا المعنى رضاه سبحانه عنك بما أعطيته منك‏ «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» لما كانت مواهب اللّه لا نهاية لها، فما لها آخر ترجع إليه فتنقضي، و العبد ما وفى فيما كلفه اللّه وسعه و لا حق استطاعته، فصح و ثبت‏ «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» فيما أتوا به من الأعمال‏ «وَ رَضُوا عَنْهُ» و رضوا بما وهبهم مما عنده مما لا يتناهى كثرة، فالرضا من صفات الحق و الرضا من صفات الخلق بما ينبغي للحق و بما يليق بالمخلوق، ورد في بعض الأخبار النبوية أن الناس في الجنة إذا أخذوا منازلهم فيها، ناداهم الحق جل جلاله بالكلام الذي ينبغي أن ينسب إليه من غير تكييف و لا تشبيه [يا عبادي هل بقي لكم شي‏ء] فيقولون: [يا ربنا ما بقي لنا شي‏ء، نجيتنا من النار و أدخلتنا الجنة و كسوتنا و أطعمتنا و سقيتنا و فعلت و صنعت، فيقول جل جلاله: و بقي لكم شي‏ء، فيقولون: يا ربنا و ما بقي لنا؟

فيقول: أن أعلمكم برضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا، هل رضيتم؟ فيقولون: رضينا عنك‏] فما يسر أهل الجنة بشي‏ء أعظم من سرورهم بهذا الخطاب، و هؤلاء المخاطبون بهذا الخطاب هم أهل الجنة الذين هم أهلها، العاملون لها و المتعشقون بها، الذين ما طلبوا من الحق سواها، و أما العارفون أهل اللّه و خاصته فليس لهم في هذا الخطاب مدخل، إذ قد نالوه في الدنيا، و أولئك في الآخرة، فالعارفون في الجنة بحكم العرض لا بحكم الذات و هم مع اللّه بالذات، فقيل فيهم: أهل اللّه و خاصته، و لم ينسبوا إلى الجنة لكن الجنة تنسب إليهم، و أما أهل الجنة الذين هم أهلها فهم مع الجنة بالذات و مع اللّه بالعرض، فرؤيتهم للّه تعالى في أوقات مخصوصة، و كلهم في الجنان مع الحور و الولدان‏ «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» بطلب الحق المشروع ليتصف به، بالعمل ليرضي اللّه بذلك، فيكون ممن رضي اللّه عنهم في أقوالهم و أفعالهم و أحوالهم، فهم على ما شرع لهم‏

رقيقة- خشية الفؤاد من قلة الزاد

و هول المعاد، بل هو من سوء المعاملة مع طلب المواصلة، بل هو من الدعوى مع التعدي في التقوى.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 532

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=