تفسیر ابن عربی سوره يوسف

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة يوسف

(12) سورة يوسف مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة يوسف (12): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3)

«وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» فانتبه قلبك من سنة الغفلة، و الغفلة لا تكون إلا عن سلطنة الأمر الطبيعي و المزاج.

 

[سورة يوسف (12): الآيات 4 الى 5]

إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)

و ذلك لما علم يعقوب عليه السلام من علم أبنائه بتأويل ما مثّل الحق ليوسف عليه السلام في رؤياه، إذ ما كان ما رآه و مثل له إلا عين إخوته و أبويه، فأنشأ الخيال صورة الإخوة كواكب، و صورة الأبوين شمسا و قمرا، و كلهم لحم و دم و عروق و أعصاب، فانظر هذه النقلة من عالم السفل إلى عالم الأفلاك، و من ظلمة هذا الهيكل إلى نور الكوكب، فقد لطف الكثيف، ثم عمد إلى مرتبة التقدم و علو المنزلة و المعاني المجردة فكساها صورة السجود المحسوس فكثف لطيفها، و الرؤيا واحدة، و لو لا قوة الخيال و جمعيته ما جرى ما جرى ثم برأ يعقوب عليه السلام أبناءه عن ذلك الكيد و ألحقه بالشيطان، و ليس إلا عين الكيد، فقال: «إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ» أي ظاهر العداوة

[- الرؤيا-]

– الرؤيا- اعلم أيدك اللّه أن للإنسان حالتين حالة تسمى النوم و حالة تسمى اليقظة، و في كلتا الحالتين جعل اللّه له إدراكا يدرك به الأشياء، تسمى تلك الإدراكات في اليقظة حسا، و تسمى في النوم حسا مشتركا، فكل شي‏ء تبصره في اليقظة يسمى رؤية، و كل ما تبصره في النوم يسمى رؤيا مقصورا، و جميع ما يدركه الإنسان في النوم هو مما ضبطه الخيال في حال اليقظة من الحواس، و هو على نوعين، إما ما أدرك صورته في الحس، و إما ما أدرك أجزاء صورته التي أدركها في النوم بالحس لا بد من ذلك، فإن نقصه شي‏ء من إدراك الحواس في أصل خلقه، فلم يدرك في اليقظة ذلك الأمر فقد المعنى الحسي الذي يدركه به في أصل خلقته، فلا يدركه في النوم أبدا، فالأصل الحسّ، و الإدراك به في اليقظة و الخيال تبع في ذلك، و قد يتقوى الأمر على بعض الناس فيدركون في اليقظة ما كانوا يدركونه في النوم، و ذلك نادر و هو للنبي و الولي،

و اعلم أن مبدأ الوحي الرؤيا الصادقة، و هي لا تكون إلا في حال النوم، قالت عائشة في الحديث الصحيح [أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح‏] و سبب ذلك صدقه صلّى اللّه عليه و سلم، فإنه‏ ثبت عنه أنه قال أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، فكان لا يحدث أحدا صلّى اللّه عليه و سلم بحديث عن تزوير يزوره في نفسه، بل يتحدث بما يدركه بإحدى قواه الحسية أو بكلها، ما كان يحدث بالغرض و لا يقول ما لم يكن، و لا ينطق في اليقظة عن شي‏ء يصوره في خياله مما لم ير لتلك الصورة بجملتها عينا في الحس، فهذا سبب صدق رؤياه،

و إنما بدئ الوحي بالرؤيا دون الحس لأن المعاني المعقولة أقرب إلى الخيال منها إلى الحس، لأن الحس طرف أدنى، و المعنى طرف أعلى و ألطف، و الخيال بينهما و الوحي معنى، فإذا أراد المعنى أن ينزل إلى الحس فلا بد أن يعبر على حضرة الخيال قبل وصوله إلى الحس، و الخيال من حقيقته أن يصور كل ما حصل عنده في صورة المحسوس، لا بد من ذلك، فإن كان ورود ذلك الوحي الإلهي في حال النوم سمي رؤيا، و إن كان في حال اليقظة سمي تخيلا أي خيل إليه، فلهذا بدئ الوحي بالخيال، ثم بعد ذلك انتقل الخيال إلى الملك من خارج، فكان يتمثل له الملك رجلا أو شخصا من الأشخاص المدركة بالحس، و قد ينفرد هذا الشخص المراد بذلك الوحي بإدراك هذا الملك، و قد يدركه الحاضرون معه، فيلقي على سمعه حديث ربه و هو الوحي، و تارة ينزل على قلبه صلّى اللّه عليه و سلم فتأخذه البرحاء و هو المعبر عنه بالحال، فإن الطبع لا يناسبه، و انفرد الأنبياء في ذلك بالتشريع، فقد يكون الولي بشيرا و نذيرا و لكن لا يكون مشرعا، فإن الرسالة و النبوة بالتشريع قد انقطعت فلا رسول بعده و لا نبي، أي لا مشرع و لا شريعة، ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: [إن الرسالة و النبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي و لا نبي‏] فشق ذلك على الناس فقال: [لكن المبشرات‏] فقالوا: يا رسول اللّه، و ما المبشرات؟

فقال: [رؤيا المسلم، و هي جزء من أجزاء النبوة] هذا حديث حسن صحيح من حديث أنس بن مالك، و عن أبي هريرة و حذيفة و ابن عباس و أم كرز، أنه صلّى اللّه عليه و سلم أخبر أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فقد بقي للناس من النبوة هذا و غيره، و مع هذا لا يطلق اسم النبوة و لا النبي إلا على المشرع خاصة، فحجر هذا الاسم لخصوص وصف معيّن في النبوة، و ما حجر النبوة التي ليس فيها هذا الوصف الخاص، و إن كان حجر الاسم، فنتأدب و نقف حيث وقف صلّى اللّه عليه و سلم بعد علمنا بما قال و ما أطلق و ما حجر، فنكون على بينة من أمرنا، و إذا علمت هذا فلنقل إن الرؤيا ثلاث، منها بشرى و رؤيا مما يحدث المرء به نفسه في اليقظة، فيرتقم في خياله، فإذا نام أدرك ذلك بالحس المشترك لأنه تصوره في يقظته، فبقي مرتسما في خياله، فإذا نام و انصرفت الحواس إلى خزانة الخيال أبصرت ذلك، و الرؤيا الثالثة من الشيطان، عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، و أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، و رؤيا المسلم جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة،

و الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من اللّه تعالى، و رؤيا من تحزين الشيطان، و رؤيا مما يحدث الرجل به نفسه، و إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم و ليتفل و لا يحدث به الناس‏]- الحديث- و في حديث أبي قتادة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [إذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات، و ليستعذ باللّه من شرها فإنها لا تضرّه‏] و هو حديث حسن صحيح، و في الحديث الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم [إن رؤيا المسلم على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت‏]

و اعلم أن للّه ملكا موكلا بالرؤيا يسمى الروح، و هو دون السماء الدنيا، و بيده صور الأجساد التي يدرك النائم فيها نفسه و غيره، و صور ما يحدث من تلك الصور من الأكوان، فإذا نام الإنسان، أو كان صاحب غيبة أو فناء أو قوة إدراك لا يحجبه المحسوسات في يقظته عن إدراك ما بيد هذا الملك من الصور، فيدرك هذا الشخص بقوته في يقظته ما يدركه النائم في نومه، و ذلك أن اللطيفة الإنسانية تنتقل بقواها من حضرة المحسوسات إلى حضرة الخيال المتصل بها، الذي محله مقدم الدماغ، فيفيض عليها ذلك الروح الموكل بالصور من الخيال المنفصل عن الإذن الإلهي ما يشاء الحق أن يريه هذا النائم أو الغائب أو الفاني أو القوي، من المعاني متجسدة في الصور التي بيد هذا الملك، فمنها ما يتعلق باللّه و ما يوصف به من الأسماء، فيدرك الحق في صورة، أو القرآن أو العلم أو الرسول الذي هو على شرعه، فهنا يحدث للرائي ثلاث مراتب أو إحداهن، المرتبة الواحدة أن تكون الصورة المدركة راجعة للمرئي بالنظر إلى منزلة ما من منازله و صفاته التي ترجع إليه، فتلك رؤيا الأمر على ما هو عليه بما يرجع إليه، و المرتبة الثانية أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى حال الرائي في نفسه، و المرتبة الثالثة أن تكون الصورة المرئية راجعة إلى الحق المشروع و الناموس الموضوع، أي ناموس كان في تلك البقعة التي ترى تلك الصورة فيها، في ولاة أمر ذلك الإقليم القائمين بناموسه، و ما ثم مرتبة رابعة سوى ما ذكرناه، فالأولى و هي رجوع الصورة إلى عين المرئي فهي حسنة كاملة و لا بد، لا تتصف بشي‏ء من القبح و النقص، و المرتبتان الباقيتان قد تظهر الصورة فيها بحسب الأحوال من الحسن و القبح‏ و النقص و الكمال، فلينظر إن كان من تلك الصورة خطاب فبحسب ما يكون الخطاب يكون حاله، و بقدر ما يفهم منه في رؤياه، و لا يعول على التعبير في ذلك بعد الرجوع إلى عالم الحس، إلا إن كان عالما بالتعبير أو يسأل عالما بذلك، و لينظر أيضا حركته أعني حركة الرائي مع تلك الصورة، من الأدب و الاحترام أو غير ذلك، فإن حاله بحسب ما يصدر منه في معاملته لتلك الصورة،

فإنها صورة حق بكل وجه، و قد يشاهد الروح الذي بيده هذه الحضرة و قد لا يشاهده، و ما عدا هذه الصورة فليست إلا من الشيطان إن كان فيه تحزين، أو مما يحدث المرء به نفسه في حال يقظته، فلا يعول على ما يرى من ذلك، و مع هذا و كونها لا يعول عليها إذا عبّرت كان لها حكم و لا بد، يحدث لها ذلك من قوة التعبير لا من نفسها، و هو أن الذي يعبرها لا يعبرها حتى يصورها في خياله من المتكلم، فقد انتقلت تلك الصورة من المحل الذي كانت حديث نفس أو تحزين شيطان إلى خيال العابر لها، و ما هي له حديث نفس، فيحكم على صورة محققة ارتسمت في ذاته، فيظهر لها حكم أحدثه حصول تلك الصورة في نفس العابر، كما جاء في قصة يوسف مع الرجلين، و كانا قد كذبا فيما صوراه، ثم إن اللّه تعالى إذا رأى أحد رؤيا فإن صاحبها له فيما رآه حظ من الخير و الشر بحسب ما تقتضي رؤياه، أو يكون الحظ في ناموس الوقت في ذلك الموضع، و أما في الصورة المرئية فلا، فيصور اللّه ذلك الحظ طائرا و هو ملك في صورة طائر، كما يخلق من الأعمال صورا ملكية روحانية جسدية برزخية،

و إنما جعلها في صورة طائر لأنه يقال طار له سهمه بكذا، و الطائر الحظ، و يجعل الرؤيا معلقة في رجل هذا الطائر، و هي عين الطائر، و لما كان الطائر إذا اقتنص شيئا من الصيد من الأرض إنما يأخذه برجله لأنه لا يد له، و جناحه لا يتمكن له الأخذ به، فلذلك علق الرؤيا برجله، فهي المعلقة و هي عين الطائر، فإذا عبرت سقطت لما قيلت له، و عند ما تسقط ينعدم بسقوطها، و يتصور في عالم الحس بحسب الحال التي تخرج عليه تلك الرؤيا، فترجع صورة الرؤيا عين الحال لا غير، ثم إن تسمية النبي صلّى اللّه عليه و سلم لها بشرى و مبشرة لتأثيرها في بشرة الإنسان، فإن الصورة البشرية تتغير بما يرد عليها في باطنها مما تتخيله، من صورة تبصرها أو كلمة تسمعها إما بحزن أو فرح، فيظهر لذلك أثر في البشرة لا بد من ذلك، فإنه حكم طبيعي أودعه اللّه في الطبيعة، فلا يكون إلا هكذا.

و اعلم أن للرؤيا مكان و محل و حال، فحالها النوم، و هو الغيبة عن‏ المحسوسات الظاهرة الموجبة للراحة، لأجل التعب الذي كانت عليه في هذه النشأة في حال اليقظة من الحركة، و إن كان في هواها، فتعب الآلات و الجوارح و الأعضاء البدنية في حال اليقظة، و جعل زمانه الليل و إن وقع بالنهار، كما جعل النهار للمعاش و إن وقع بالليل، و لكن الحكم للغالب، فتنتقل هذه الآلات من ظاهر الحس إلى باطنه في النوم الذي يكون معه الرؤيا، ليرى ما تقرر في خزانة الخيال الذي رفعت إليه الحواس ما أخذته من المحسوسات، و ما صورته القوة المصورة التي هي من بعض خدم هذه الخزانة، لترى هذه النفس الناطقة التي ملّكها اللّه هذه المدينة ما استقر في خزانتها، و على قدر ما كمل لهذه النشأة من الآلات التي هي الجوارح و الخدام الذين هم القوى الحسية يكون الاختزان، فثمّ خزانة كاملة لكمال الحياة، و ثمّ خزانة ناقصة كالأكمه، فإنه لا ينتقل إلى خزانة خياله صور الألوان، و الخرس لا ينتقل إلى خزانة خياله صور الأصوات و لا الحروف اللفظية، هذا كله إذا عدمها في أصل نشأته، و أما إذا طرأت عليه هذه الآفات فلا، فإنه إذا انتقل بالنوم إلى باطن النشأة و دخل الخزانة وجد صور الألوان التي اختزنها فيها قبل طرق الآفة، و كذلك كل ما أعطته قوة من قوى الحس الذين هم جباة هذه المملكة، فإذا ارتقى الإنسان في درج المعرفة علم أنه نائم في حال اليقظة المعهودة، و أن الأمر الذي هو فيه رؤيا، إيمانا و كشفا، و لهذا ذكر اللّه أمورا واقعة في ظاهر الحس و قال‏ (فَاعْتَبِرُوا) و قال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً) أي جوزوا و اعبروا مما ظهر لكم من ذلك إلى علم ما بطن به و ما جاء له، قال عليه السلام: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) و لكن لا يشعرون، فمن اعتبر الرؤيا يرى أمرا هائلا و يتبين له ما لا يدركه من غير هذا الوجه، و لهذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذا أصبح في أصحابه سألهم: هل رأى أحد منكم رؤيا؟

لأنها نبوة، فكان يحب أن يشهدها في أمته، و الناس اليوم في غاية الجهل بهذه المرتبة التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يعتني بها و يسأل كل يوم عنها، و الجهلاء في هذا الزمان إذا سمعوا بأمر وقع في النوم لم يرفعوا به رأسا و قالوا: بالمنامات يريد أن يحكم، هذا خيال، و ما هي إلا رؤيا، فيستهونوا بالرائي إذا اعتمد عليها و هذا كله لجهله بمقامها، و جهله بأنه في يقظته و تصرفه في رؤيا، و في منامه في رؤيا في رؤيا، فهو كمن يرى أنه استيقظ في نومه و هو في منامه، و هو قوله عليه السلام: [الناس نيام‏] و أما المكان و المحل، فأما المحل فهو هذه النشأة العنصرية، لا يكون للرؤيا محل غيرها، فليس للملك رؤيا، و إنما ذلك للنشأة العنصرية الحيوانية خاصة، و أما المكان فهو ما تحت مقعر فلك القمر خاصة، و في الآخرة ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة، و ذلك لأن النوم قد يكون في جهنم في أوقات، و لا سيما في المؤمنين من أهل الكبائر، و ما فوق فلك الكواكب فلا نوم، و أعني به النوم الكائن المعروف في العرف.

و اعلم أن الإنسان إذا زهد في غرضه و رغب عن نفسه و آثر ربه، أقام له الحق عوضا من صورة نفسه صورة هداية إلهية حقا من عند حق، حتى يرفل في غلائل النور، و هي شريعة نبيه و رسالة رسوله، فيلقى إليه من ربه ما يكون فيه سعادته، فمن الناس من يراها على صورة نبيه، و منهم من يراها على صورة حاله، فإذا تجلت له في صورة نبيه فليكن عين فهمه فيما تلقي إليه تلك الصورة لا غير، فإن الشيطان لا يتمثل على صورة نبي أصلا، فتلك حقيقة ذلك النبي و روحه، أو صورة ملك مثله عالم من اللّه بشريعته، فما قال فهو ذاك، فمن صبر نفسه على ما شرع اللّه له على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم فإن اللّه لا بد أن يخرج إليه رسوله صلّى اللّه عليه و سلم في مبشرة يراها أو كشف بما يكون له عند اللّه من الخير، و إنما يخرج اللّه إليه رسوله صلّى اللّه عليه و سلم لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لا يتصور على صورته غيره، فمن رآه رآه لا شك فيه، فالمبشرات و هي جزء من أجزاء النبوة إما أن تكون من اللّه إلى العبد، أو من اللّه على يد بعض عباده إليه، و هي الرؤيا يراها الرجل المسلم أو ترى له، فإن جاءته من اللّه في رؤياه على يد رسوله صلّى اللّه عليه و سلم، فإن كان حكما تعبد نفسه به و لا بد، بشرط أن يرى الرسول صلّى اللّه عليه و سلم على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا، كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنده، حتى إنه إن رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يراه مكسور الثنية العليا، فإن لم يره بهذا الأثر فما هو ذاك، و إن تحقق أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و رآه شيخا أو شابا مغايرا للصورة التي كان عليها في الدنيا و مات عليها، و رآه في حسن أزيد مما وصف له، أو قبح صورة أو يرى الرائي إساءة أدب في نفسه معه، فذلك كله الحق الذي جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، ما هو رسول اللّه، فيكون ما رآه هذا الرائي عين الشرع،

إما في البقعة التي يراه فيها عند ولاة الأمور من الناس، و إما أن يرجع ما يراه إلى حال الرائي أو إلى المجموع، غير ذلك لا يكون، فيكون تغير صورته صلّى اللّه عليه و سلم عين إعلامه و خطابه إياه بما هو الأمر عليه، في حقه أو حق ولاة العصر بالموضع الذي يراه فيه، فإن جاءه بحكم في هذه الصورة فلا يأخذ به إن اقتضى ذلك نسخ حكم ثابت بالخبر المنقول الصحيح المعمول به، و كل ما أتى به‏ من العلوم و الأسرار مما عدا التحليل و التحريم فلا تحجير عليه فيما من العلوم و الأسرار مما عدا التحليل و التحريم فلا تحجير عليه فيما يأخذه منه، لا في العقائد و لا في غيرها، و ذلك بخلاف حكمه لو رآه صلّى اللّه عليه و سلم على صورته، فيلزمه الأخذ به و لا يلزم غير ذلك، فإن اللّه يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) هذا هو الفرقان بين الأمرين، فقد يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في الرؤيا أو في الكشف، فيصحح من الأخبار ما ضعف بالنقل، و قد ينفي من الأخبار ما ثبت عندنا بالنقل، كما ذكر مسلم في صدر كتابه عن شخص أنه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في المنام، فعرض عليه ألف حديث كان في حفظه، فأثبت صلّى اللّه عليه و سلم من الألف ستة أحاديث و أنكر صلّى اللّه عليه و سلم ما بقي، فمن رآه صلّى اللّه عليه و سلم في المنام فقد رآه في اليقظة ما لم تتغير عليه الصورة، فإن الشيطان لا يتمثل على صورته أصلا، فهو معصوم الصورة حيا و ميتا، فمن رآه فقد رآه في أيّ صورة رآه.

[سورة يوسف (12): آية 6]

وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى‏ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

اعلم أنه كل ما يتخيل يعبر كالرؤيا، كذلك يعبر كل كلام و يتأول، فما في الكون كلام لا يتأول و لذلك قال تعالى: (وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) و كل كلام فإنه حادث عند السامع، فمن التأويل ما يكون إصابة لما أراده المتكلم بحديثه، و من التأويل ما يكون خطأ عن مراد المتكلم، فقول يعقوب عليه السلام لابنه يوسف عليه السلام: «وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» يعني الإصابة في التأويل بما يريد المتكلم.

[سورة يوسف (12): الآيات 7 الى 20]

لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (9) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى‏ يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11)

أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) وَ جاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (16)

قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) وَ جاؤُ عَلى‏ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ (18) وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى‏ دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى‏ هذا غُلامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19) وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

اعلم أن الذي تحقق مقام العبودة تعرّض صاحبه للبلاء، ثم إن من شأن هذا الموطن أن لا يكمل فيه عز لأحد و لا راحة، فإنه لما وهب اللّه عز الحسن يوسف عليه السلام ابتلي بذل الرق، و مع ذلك الحسن العالي الذي لا يقاومه شي‏ء بيع بثمن بخس دراهم معدودة، من ثلاثة دراهم إلى عشرة لا غير، و ذلك مبالغة في الذلة تقاوم مبالغته عزة الحسن، ثم سلب الرحمة من قلوب الإخوة، و الحسن مرحوم أبدا بكل وجه، فظهر أن الأمر الإلهي لم يكن بيد الخلق منه شي‏ء سوى التصريف تحت القهر، فزال بهذا الذل العظيم عن ذلك الحسن‏ العرضي، فبقي يوسف عليه السلام في سفره (إلى اللّه) طيب النفس عزيزا بالعزة الإلهية لا غير

[- إشارة- و بيع بثمن بخس‏]

– إشارة- و بيع بثمن بخس، ليعلم أن الإنسان من حيث هو صاحب نقص، فإن غلا ثمنه و علا، فلصفة زائدة على ذاته حضرتها الملأ الأعلى.

[سورة يوسف (12): آية 21]

وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21)

«وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» يعني الإصابة في التأويل بما يريد المتكلم‏ «وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ» الصورة قد تكون في اللسان الأمر و الشأن، فقوله تعالى: «وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ» أي على من أظهره بصورته أي بأمره، فإن له حكم العزل فيه مع بقاء نشأته، فتدل هذه الآية على أن قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [خلق اللّه آدم على صورته‏] أنه ما أراد بالصورة النشأة و إنما أراد الأمر و الحكم‏ «وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» لأنهم لا يسمعون و لا يشهدون، فالعالم لا يعدل عن سنن العلم، و مراد اللّه في الأشياء.

[سورة يوسف (12): الآيات 22 الى 23]

وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)

«هَيْتَ لَكَ» أي حسنت هيئتي لك.

[سورة يوسف (12): آية 24]

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)

[ «وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها»]

«وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها» و لم يعيّن اللّه في الآية فيما ذا، فإنه قد يتبادر أنه في اللسان يدل على أحدية المعنى، و لكن إذا نظرنا إلى قول يوسف للملك على لسان رسوله أن يسأل عن النسوة و شأن الأمر، فما ذكرت المرأة إلا أنها راودته عن نفسه، و ما ذكرت أنه راودها، فزال ما كان يتوهم من ذلك فإن قلت: لا زال الاشتراك في اللسان و لا بد منه، ففي ما ذا يقع الاشتراك؟

قلنا: إنها همت به لتقهره على ما تريد منه، و همّ هو بها ليقهرها في الدفع عن ذلك، فالاشتراك وقع في طلب القهر منه و منها، فلهذا قال تعالى: «وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ» يعني في عين ما همّ بها، و ليس إلا القهر فيما يريد كل واحد من صاحبه، دليل ذلك قولها (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) و ما جاء في السورة قط أنه راودها عن نفسها، فأراه اللّه البرهان عند إرادته القهر في دفعها عنه فيما تريد منه‏ «لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ» فكان البرهان الذي رآه أن يدفع عن نفسه بالقول اللين، فإن القول اللين قد يأتي في مواطن بما لا يأتي به القهر، كما قال تعالى لموسى و هارون‏ (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً) فكان البرهان لا تعنف عليها و لا تسبها، فإنها امرأة موصوفة بالضعف على كل حال، «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ» و الهم بالسوء من السوء و هو مصروف عنه أعني السوء، فلم يكن يهم بسوء «إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ» بفتح اللام، إذا ولد المولود و نشأ محفوظا قبل التكليف و لم يرزأ في عهده الذي أخذ اللّه من بني آدم من ظهورهم و أشهدهم على أنفسهم، و هو الفطرة التي يولد عليها كل مولود، فبقي عهده على أصله خالصا، و هو الدين الخالص، لا المخلص من غير شوب خالطه، فهو صاحب العهد الخالص فلا يشقى.

 

[سورة يوسف (12): الآيات 25 الى 27]

وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (26) وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)

هذا الشاهد هو صبي كان في المهد.

[سورة يوسف (12): الآيات 28 الى 30]

فَلَمَّا رَأى‏ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (29) وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30)

«شَغَفَها حُبًّا» أي صار حبها يوسف على قلبها كالشغاف، و هو الجلدة الرقيقة التي تحتوي على القلب، فهي ظرف له محيطة، و هو العشق، فإنه إفراط المحبة.

[سورة يوسف (12): آية 31]

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

لما رأينه في تقديسه نفسه عن الشهوات الطبيعية، و هذا ما يدل على عصمته من أن يهم بسوء، فإن الملك ليس من السوء في شي‏ء قالت النسوة: «إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ» لاختصاصه عموما بأحسن تقويم.

[سورة يوسف (12): الآيات 32 الى 33]

قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33)

قول يوسف عليه السلام‏ «السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» محبة إضافة لا محبة حقيقية.

[سورة يوسف (12): الآيات 34 الى 36]

فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَ قالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)

العصر ضم شي‏ء إلى شي‏ء لاستخراج مطلوب.

[سورة يوسف (12): الآيات 37 الى 39]

قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37) وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39)

«أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» فهو توحيد الإله و نفي ربوبية ما سواه، قال تعالى: (ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) و أما قوله: «الْواحِدُ الْقَهَّارُ» فعن الفردية ظهرت الأفراد، و عن الاثنين ظهرت الأشفاع، و لا يخلو كل عدد أن يكون شفعا أو وترا إلى ما لا يتناهى التضعيف فيه، و الواحد يضعفه أبدا، فبقوة الواحد ظهر ما ظهر من حكم العدد، و الحكم للّه الواحد القهار، و لو لا أنه سمي بالمتقابلين ما تسمى بالقهار، لأنه محال أن يقاومه مخلوق أصلا، فإذا ما هو قهار إلا من حيث أنه تسمى بالمتقابلين، فلا يقاومه غيره، فهو المعز المذل، فيقع بين الاسمين حكم القهر و المقهور بظهور أحد الحكمين في المحل، فلذلك هو الواحد من حيث أنه يسمى، القهار من حيث أنه يسمى بالمتقابلين، و لا بد من نفوذ حكم أحد الاسمين، فالنافذ الحكم هو القاهر و القهار، من حيث أن أسماء التقابل له كثيرة، فهو القهار في مقابلة المنازعين.

[سورة يوسف (12): الآيات 40 الى 41]

ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41)

كان الرجلان قد كذبا فيما صوراه فكان مما حدّثا به أنفسهما، فتخيلاه من غير رؤيا، فلما قصاه على يوسف حصل في خيال يوسف عليه السلام صورة من ذلك لم يكن يوسف حدث بذلك نفسه، فصارت حقا في حق يوسف و كأنه هو الرائي الذي رأى تلك الرؤيا لذلك الرجل، فلما عبر لهما رؤياهما قالا له: أردنا اختبارك و ما رأينا شيئا، فقال يوسف: «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ» فخرج الأمر في الحسّ كما عبّر.

[سورة يوسف (12): آية 42]

وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)

راجع الهامش.

(-) قال سيدي أحمد بن إدريس في كتابه العقد النفيس‏ «وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» الظان هو الرجل لا يوسف، لأنه لا يجوز الظن على يوسف عليه السلام، لأنه أوحى الحق سبحانه و تعالى بتأويل الرؤيا، و الظن لا يغني من الحق شيئا، و إياكم و الظن فإنه أكذب الحديث، فكيف يظن يوسف فيما أوحى إليه ربه سبحانه و تعالى؟!.

 

[سورة يوسف (12): آية 43]

وَ قالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى‏ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43)

[لم سمى الرؤيا عبارة؟]

حضرة الخيال في النوم، و هو الرؤيا كالجسر بين الشطين للعبور عليه من هذا الشط إلى هذا الشط، فجعل النوم معبرا، و جعل المشي عليه عبورا، و ما سمي الإخبار عن الأمور عبارة و لا التعبير عن الرؤيا تعبيرا إلا لكون المخبر يعبر بما يتكلم به، أي يجوز بما يتكلم به من حضرة نفسه إلى نفس السامع، فهو ينقله من خيال إلى خيال، لأن السامع يتخيله على قدر فهمه، فقد يطابق الخيال الخيال، خيال السامع مع خيال المتكلم و قد لا يطابق، فإذا طابق سمي فهما، و إن لم يطابقه كان لفظا لا عبارة، لأنه ما عبر به عن محله إلى محل السامع، غير أن التعبير عن غير الرؤيا رباعي، و التعبير عن الرؤيا ثلاثي، ففي الأول عبّر بالتشديد، و في الثاني عبر بالتخفيف، و لما كان عالم الخيال ليس مطلوبا لنفسه، و إنما هو مطلوب لما نصب له لهذا سمي تأويل الرؤيا عبارة، لأن المفسر يعبر منها إلى ما جاءت له، كما عبر النبي صلّى اللّه عليه و سلم من القيد إلى الثبات في الدين، و من اللبن إلى العلم.

[سورة يوسف (12): آية 44]

قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44)

الرؤيا الصادقة ما هي بأضغاث أحلام، و هي جزء من أجزاء النبوة، أما قولهم‏ «أَضْغاثُ أَحْلامٍ» أي لا حقيقة لها.

[سورة يوسف (12): الآيات 45 الى 48]

وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)

لما كان يوسف عليه السلام من أئمة علم التعبير بصور التمثيل و الخيال، علم أن صور البقر هي السنوات، و أن سمنها يعني الخصب، و أن عجافها هو جدبها، و ذلك كله من تجسد المعاني.

[سورة يوسف (12): الآيات 49 الى 50]

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)

لما دعا الملك يوسف عليه السلام إلى الخروج من السجن فلم يخرج، و قال لرسول الملك‏ «ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ» يعني العزيز الذي حبسه‏ «فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ» ليثبت عنده براءته فلا تصح له المنة عليه في إخراجه من السجن، بل اللّه يمن عليكم، إذ لو بقي احتمال لقدح في عدالته، و هو رسول من اللّه، فلا بد من عدالته أن تثبت في قلوبهم، و قال صلّى اللّه عليه و سلم في معرض الثناء على يوسف عليه السلام و تعظيما لحقه [لو كنت أنا بدل أو محل يوسف لأجبت الداعي‏] و هذه إشارة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلى فتوة يوسف عليه السلام، فإنه قد اجتمع في يوسف حالان، حال السجن و حال كونه مفترى عليه، و هو رسول، و الرسول يطلب أن يقرر في نفس المرسل إليه ما يقبل به دعاء ربه فيما يدعوه به إليه، و الذي نسب إليه معلوم عند كل أحد أنه لا يقع من مثل من جاء بدعوته إليهم، فلا بد أن يطلب البراءة في ذلك عندهم ليؤمنوا بما جاء به من عند ربه، فلم يحضر بنفسه ذلك المجلس حتى لا تدخل الشبهة في نفوس الحاضرين بحضوره، و فرق كبير بين من يحصر في مثل هذا الموطن و بين من لا يحضره، فإن صحة البراءة في غيبته أدل على براءته من حضوره،

[فتوة يوسف (ع)]

فمن فتوة يوسف عليه السلام إقامته في السجن بعد أن دعاه الملك إليه، و ما علم قدر ذلك إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حيث قال عن نفسه [لأجبت الداعي‏] ثناء على يوسف، فإنه اختار الإقامة في السجن و لم يخرج حتى يرجع إليه الرسول بالجواب.

 

[سورة يوسف (12): آية 51]

قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)

فما ذكرت المرأة إلا أنها راودته عن نفسه، و ما ذكرت أنه راودها «وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ».

[سورة يوسف (12): آية 52]

ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52)

لم تخن المرأة يوسف في غيبته لما برأته و أضافت المراودة إلى نفسها، لتعلم أن يوسف لم يخن العزيز في أهله، و علمت أنه أحق بهذا الوصف منها في حقه، فما برأت نفسها، بل قالت.

[سورة يوسف (12): آية 53]

وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)

 

[النفس ليست أمارة بالسوء من حيث ذاتها]

النفس ليست أمارة بالسوء من حيث ذاتها، و إنما ينسب إليها ذلك من حيث أنها قابلة لإلهام الشيطان بالفجور، و لجهلها بالحكم المشروع في ذلك، ثم إن قول اللّه تعالى: «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» ما هو حكم اللّه عليها بذلك، و إنما اللّه حكى ما قالته امرأة العزيز في مجلس العزيز، و هل أصابت في هذه الإضافة أو لم تصب هذا حكم آخر مسكوت عنه، فهذا الإخبار عن النفس أنها أمارة بالسوء ما هو حكم اللّه عليها، و لا من قول يوسف عليه السلام، فبطل التمسك بهذه الآية لما دل عليه الظاهر، و الدليل إذا دخله الاحتمال سقط الاحتجاج به، و الذي هو للنفس أنها لوامة نفسها إذا قبلت من الشيطان ما يأمرها به، و النفس ما ينسب إليها ذم إلا بعد تصريفها آلاتها في المذموم، و ما لم يظهر الفعل على‏ الآلات لم يتعلق بها ذم، و الذي أجرأ النفوس على ارتكاب المحارم و الدخول في المآثم هو كونها ليست على بصيرة من المؤاخذة، فإن اللّه أدخلها في حكم المشيئة «إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي» إلا من عصم اللّه، بخوف أو رجاء أو حياء، أو عصمة في علم اللّه به خارجة عن هذه الثلاثة، و لا خامس لهذه الأربعة المانعة من وقوع المخالفة و التعرض للعقوبة. و اعلم أن النفس أشد الأعداء شكيمة و أقواهم عزيمة، فجهادها هو الجهاد الأكبر، فمن ثبت قدمه في هذا الزحف، و تحقق بمعنى ذلك الحرف انتهض بأعضائه في الملكوت مليكا، و كان له الملك جليسا، غير أن هذه النفس العدوة الكافرة الأمارة بالسوء لها على الإنسان قوة كبيرة و سلطان عظيم، بسيفين عظيمين ماضيين، تقطع بهما رقاب صناديد الرجال و عظمائهم، و هما شهوتا البطن و الفرج، اللتان قد تعبدتا جميع الخلائق و أسرتهم، و من عظمهما و كبير فعلهما حتى أفرد الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه كتابا سمّاه (كسر الشهوتين) في إحياء علوم الدين له، و كذلك اعتنى بهما كبار العلماء رضي اللّه عنهم، و الذي يتوجه عليك في هذا الباب أن تبدأ بالحسام الواحد الذي هو البطن، ثم يليه الفرج.

– استدراك و موعظة- لا ينبغي لواعظ أن يخرج في وعظه عن الكتاب و السنة، و لا يدخل في هذه الطوام، فينقل عن اليهود و النصارى و المفسرين الذين ينقلون في كتب تفاسيرهم ما لا يليق بجناب اللّه و لا بمنزلة رسل اللّه عليهم السلام، فإن للّه ملائكة في الأرض سياحين فيها يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر نادى بعضهم بعضا هلموا إلى بغيتكم، و هم الملائكة الذين خلقهم اللّه من أنفاس بني آدم، فينبغي للمذكر أن يراقب اللّه و يستحي منه، و يكون عالما بما يورده، و ما ينبغي لجلال اللّه و يجتنب الطامات في وعظه، فإن الملائكة يتأذون إذا سمعوا في الحق و في المصطفين من عباده ما لا يليق، و هم عالمون بالقصص، و قد أخبر صلّى اللّه عليه و سلم أن العبد إذا كذب الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلا من نتن ما جاء به، فتمقته الملائكة، فإذا علم المذكر أن مثل هؤلاء يحضرون مجلسه فينبغي له أن يتحرى الصدق، و لا يتعرض لما ذكره المؤرخون عن اليهود من زلات من أثنى اللّه عليهم و اجتباهم، و يجعل ذلك تفسيرا لكتاب اللّه، و يقول: قال المفسرون، و ما ينبغي أن يقدم على تفسير كلام اللّه بمثل هذه الطوام، كقصة يوسف و داود و أمثالهم عليهم السلام و محمد صلّى اللّه عليه و سلم، بتأويلات فاسدة و أسانيد واهية، عن قوم قالوا في اللّه ما ذكر اللّه عنهم، فإذا أورد المذكر مثل هذا في مجلسه مقتته الملائكة و نفروا عنه، و مقته اللّه،المذكر مثل هذا في مجلسه مقتته الملائكة و نفروا عنه، و مقته اللّه، و وجد الذي في دينه نقص رخصة يلجأ إليها في معصيته، و يقول: إذا كانت الأنبياء قد وقعت في مثل هذا، فمن أكون أنا؟

و حاشا و اللّه الأنبياء مما نسبت إليهم اليهود لعنهم اللّه، فينبغي للمذكر أن يحترم جلساءه و لا يتعدى ذكر تعظيم اللّه بما ينبغي لجلاله، و يرغب في الجنة و يحذر من النار و أهوال الموقف، و الوقوف بين يدي اللّه، من أجل من عنده من البطالين المفرطين من البشر، فهؤلاء المذكرون الذين يرددون افتراءات اليهود نقلة عن اليهود لا عن كلام اللّه لما غلب عليهم من الجهل، فواجب على المذكر إقامة حرمة الأنبياء عليهم السلام و الحياء من اللّه أن لا يقلد اليهود فيما قالوا في حق الأنبياء عليهم الصلاة و السلام من المثالب و نقلة المفسرين خذلهم اللّه، و منها مراعاة من يحضر مجلسه من الملائكة السياحين، فمن يراعي هذه الأمور ينبغي أن يذكر الناس، و يكون مجلسه رحمة بالحاضرين و منفعة.

[سورة يوسف (12): آية 54]

وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)

فأعطته المملكة مقاليدها، و ملكته الخلافة أزمتها، و وهبته مطاريفها و متاليدها، فلم يخفر عهدها و ذمتها، و لم يزل يسوس مملكته بحسن النظر، و يقيمها بسديد الفكر، حتى قامت الدولة على ساقها، و عمتها خيراته على بعد أقطارها و آفاقها، و تجلى شمسا باهرة بين أزرتها و طوقها، وحيد دهره، و فريد عصره، فقال:

[سورة يوسف (12): آية 55]

قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)

قوله عليه السلام‏ «إِنِّي حَفِيظٌ» و الحفظ أمانة، و لو همّ بسوء لم يكن أمينا، و لو فعل لم يكن حفيظا، و طلب يوسف عليه السلام من الملك صاحب مصر أن يجعله على خزائن الأرض لأنه حفيظ عليم، ليفتقر الكل إليه فتصح سيادته عليهم، و لهذا أخبر بالصفة التي يستحق من قامت به هذا المقام فقال: «إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» حفيظ عليها فلا نخرج منها إلا بقدر معلوم، كما أن اللّه سبحانه يقول: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) فإذا كانت هذه الصفة فيمن كانت ملك مقاليدها، ثم قال بعد قوله‏ «حَفِيظٌ» «عَلِيمٌ» أخبرنا أنه عالم بحاجة المحتاجين لما في هذه الخزائن التي خزن فيها ما به قوامهم، عليم بقدر الحاجة. و اعلم أن الغفلة ما تعمّ قط، لا في العموم و لا في الخصوص، و العبد لا بد له أن يغفل عن شي‏ء دون شي‏ء، و حفظه للأشياء ما هو حفظ الحق لها، فحفظ العبد بالتضمين، و حفظ الحق ما خلق ليس كذلك، بل حفظ لكل صورة على التعيين.

[سورة يوسف (12): الآيات 56 الى 64]

وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (57) وَ جاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَ لَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَ أَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَ لا تَقْرَبُونِ (60)

قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَ إِنَّا لَفاعِلُونَ (61) وَ قالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى‏ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى‏ أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى‏ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)

يقول اللّه: [شفعت الملائكة و شفع النبيون و شفع المؤمنون و بقي أرحم الراحمين‏] فاعلم أن اللّه يشفع من حيث أسماؤه، فيشفع اسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهار و الشديد العقاب ليرفع عقوبته عن بعض الطوائف، فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط.

[سورة يوسف (12): الآيات 65 الى 67]

وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَ نَمِيرُ أَهْلَنا وَ نَحْفَظُ أَخانا وَ نَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَ قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)

 

[و عليه فليتوكل المتوكلون‏]

اعلم أن الوكالة لا تصح إلا في موكل فيه، و ذلك الموكل فيه أمر يكون للموكل ليس لغيره، فيقيم فيه وكيلا و يتصرف فيما للموكل أن يتصرف فيه مطلقا، فمن نظر أنّ الأشياء ما عدا الإنسان خلقت من أجل الإنسان كان كل شي‏ء له فيه مصلحة يطلبها بذاته ملكا له، و لما جهل مصالح نفسه، و مصالحه ما فيها سعادته، خاف من سوء التصرف في ذلك، فقال: إذ و قد خلق اللّه الأشياء من أجلي فما خلق إلا ما يصلح لي، و أنا جاهل بالمصلحة التي في استعمالها نجاتي و سعادتي، فلنوكله في أموري فهو أعلم بما يصلح لي، فكما أنه خلقها هو أولى بالتصرف فيها، هذا يقتضيه النظر و العقل، فكيف و قد ورد به الأمر الإلهي، فالمؤمن يتخذ الحق وكيلا يسلم إليه أموره، و يجعل زمامها بيده كما هو في نفس الأمر، فما زاد شيئا مما هو الأمر عليه في الوجود، و مدحه اللّه بذلك، و ما أثر في الملك شيئا، و هذا غاية الكرم الثناء بالأثر على غير المؤثر، بل الكل منه و إليه، فنتخذ الحق وكيلا في المصلحة لنا لا في الأشياء، فنوكله ليسخر لنا من هذه الأشياء ما يرى فيه المصلحة لنا، امتنانا منه و امتثالا لأمره، فنكون في توكلنا عليه عبيدا مأمورين ممتثلين أمره نرجو بذلك خيره، فوقع التوكل في المصالح لا في عين الأشياء.

 

[سورة يوسف (12): الآيات 68 الى 72]

وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ آوى‏ إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)

– إشارة- جعل يوسف عليه السلام الصواع حجابا، يقرع بذلك للاتصال بالأحبة بابا.

[سورة يوسف (12): الآيات 73 الى 83]

قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنَّا سارِقِينَ (73) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (77)

قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلى‏ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ ما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (81) وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (82)

قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)

فهو سبحانه العليم و لا عالم، و هو الحكيم في ترتيب العالم، فالعالم و العليم أعم، و الحكيم تعلق خاص للعلم.

[سورة يوسف (12): الآيات 84 الى 86]

وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (86)

البث هو تفرق هموم المحبوب في وجوه كثيرة، فإن المحبة تورث الحيرة، و الحيرة تفرق و لا تجمع، و لهذا وصفت المحبة بالبث.

[سورة يوسف (12): الآيات 87 الى 88]

يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)

لكل متصدق عليه صدقة تليق به من المخلوقين، فيبدأ بنفسه ثم بجوارحه، ثم الأقرب إليه بعد ذلك و هو الأهل و الولد، ثم الخادم ثم الرحم و الجار، كما يتصدق على تلميذه و طالب الفائدة منه.

[سورة يوسف (12): الآيات 89 الى 92]

قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)

قال يوسف عليه السلام لمن أساء في حقه فقطع رحمه‏ «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» فالحق أولى بهذه الصفة لمن أساء في حقه بقطع رحمه‏ «يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» بعباده.

[سورة يوسف (12): الآيات 93 الى 95]

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95)

قال ذلك إخوة يوسف ليعقوب عليه السلام يريدون حيرته في حب يوسف، لأن الحب من أوصافه الضلال و الحيرة، و الحيرة تنافي العقل.

[سورة يوسف (12): الآيات 96 الى 100]

فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى‏ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ آوى‏ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

«وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ»، أي مآل: «رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» أي حقا في الحس و قد كانت حقا في الخيال في موطن الرؤيا، فكان الشمس و القمر و الأحد عشر كوكبا هم أبا يوسف و خالته و إخوته، لما دخلوا عليه خرّوا له سجّدا، فوقع حسّا ما كان أدركه خيالا في صورة كوكبية، فإن قلت: ما هو الرأي في هذا السجود؟ قلنا:

[من سجد لغير اللّه عن أمر اللّه فقد أدى قربة]

سجود قربة للّه، فإن من سجد لغير اللّه عن أمر اللّه فقد أدى قربة، و من سجد لغير اللّه عن غير أمر اللّه قربة إلى اللّه فقد شقي، فإن رؤيا يوسف عليه السلام كانت حقا من حق، فهي مأمور بها، كالسجود لآدم و للكعبة و لصخرة بيت المقدس‏ «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» الفرق بين العلم و الحكمة أن الحكمة لها الجعل، و العلم ليس كذلك، لأن العلم يتبع المعلوم، و الحكمة تحكم في الأمر أن يكون هكذا، فيثبت الترتيب في أعيان الممكنات في حال ثبوتها بحكمة الحكيم في الزمان و الحال قبل وجودها، فتعلق بها العلم الإلهي بحسب ما رتبها الحكيم عليه، فالحكمة أفادت الممكن ما هو عليه من الترتيب الذي يجوز خلافه،و الترتيب أعطى العالم العلم بأن الأمر كذا هو، فلا يوجد إلا بحسب ما هو عليه في الثبوت، فالعارف يعلم بالجملة أن الظاهر في الوجود و الواقع إنما هو في قبضة الحكمة الإلهية، فيزول عنه التسخط و الضجر، و يقوم به التسليم و التفويض إلى اللّه في جميع الأمور، فإن اللّه ما رجح إلا الواقع، فأوقع ما أوقع حكمة منه، و أمسك ما أمسك حكمة منه، و هو الحكيم العليم، فالعارف عنده الحكيم يتقدم العليم، و العامي يقدم العليم ثم الحكيم، و قد ورد الأمران معا، فالحكيم خصوص و العليم عموم، و لذلك ما كل عليم حكيم، و كل حكيم عليم، فالحكمة الخير الكثير.

[سورة يوسف (12): آية 101]

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)

ليس فوق الصلاح مرتبة، و هي مطلب رسل اللّه من اللّه، و هم أعلم الخلق باللّه.

[سورة يوسف (12): الآيات 102 الى 104]

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَ ما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (104)

العالمون أصحاب العلامات و الدلائل.

[سورة يوسف (12): آية 105]

وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (105)

الآية العلامة، غير أن الآيات على قسمين معتادة و غير معتادة، فأرباب الفكر و المستبصرون الموفقون هي عندهم سواء، يتخذونها أدلة، و ما عدا هؤلاء فلا ينظرون إلا في الآيات غير المعتادة، فيحصل لهم استشعار الخوف فيردهم ذلك القدر إلى اللّه، ثم إن الذين يتخذون غير المعتادة آية منهم من يخلصها دليلا على اللّه، و منهم من يشرك، لذلك قال تعالى:

[سورة يوسف (12): آية 106]

وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (106)

لمعرفتهم بالأسباب المولدة لتلك الآيات، كالزلازل و الكسوفات و ما يحدث من الآثار العلوية

[ «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ»]

«وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ» و لم يقل بتوحيد اللّه، فالمشرك مؤمن بوجود اللّه لا بتوحيده‏ «إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» و الشرك منه جلي و خفي، فالمؤمن بتوحيد اللّه مؤمن بوجود اللّه، و ما كل مؤمن بوجود اللّه يكون مؤمنا بتوحيد اللّه، فينقص عن درجته في قوة الإيمان، فإنّه لما أخذ اللّه من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم‏ «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قالُوا بَلى‏» و ما كان إلا التصديق بالوجود و الملك لا بالتوحيد، و إن كان فيه توحيد فغايته توحيد الملك، فجاء قوله تعالى‏ «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» لما خرجوا إلى الدنيا، لأن الفطرة إنما كانت إيمانهم بوجود الحق و الملك لا بالتوحيد، فلما عدم التوحيد من الفطرة ظهر الشرك في الأكثر ممن يزعم أنه موحد، و ما أدّى من أدّاه إلى ذلك إلا التكليف، فإنه لما كلفهم تحقق أكثرهم أن اللّه ما كلفهم إلا و قد علم أن لهم اقتدارا نفسيا على إيجاد ما كلفهم به من الأفعال، فلم يخلص لهم توحيد، فلو علموا من ذلك أن اللّه ما كلفهم إلا لما فيهم من الدعوى في نسبة الأفعال إليهم، التي نسبوها إلى أنفسهم لتجردوا عنها باللّه لا بنفوسهم، كما فعل أهل الشهود، فمن علم ذلك أقام العذر عند اللّه لعباد اللّه فيما أشركوا فيه عند إيمانهم،

فإن اللّه أثبت لهم الإيمان باللّه و هو خير كثير و عناية عظمى، فإذا سمع السامع الخبر النبوي بوجود اللّه آمن به على ما يتصوره، فما آمن إلا بما تصوره، و اللّه موجود عند كل تصور كما هو موجود في خلاف ذلك التصور بعينه، فما آمن أكثرهم باللّه إلا و هم مشركون، لما يطرأ عليهم في نفوسهم من مزيد العلم باللّه، و لو في كل مزيد تصور فيه ليس عين الأول، و ليس إلا اللّه في ذلك كله، فما جاء اللّه بهذه الآية إلا لإقامة عذرهم، و لم يتعرض سبحانه للتوحيد، و لو تعرض للتوحيد لم يصح قوله‏ «إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» مع ثبوت الإيمان، فدل أنه ما أراد الإيمان بالتوحيد،

و إنما أراد الإيمان بالوجود، ثم ظهر التوحيد لمن ظهر في ثاني حال- وجه آخر- الشرك الخفي هو الاعتماد على الأسباب الموضوعة، و الركون إليها بالقلب، فإن ذلك من أعظم رزيّة دينية في المؤمن، و هو المراد بقوله تعالى‏ «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ»قال عليه السلام [أ تدرون ما حق اللّه على العباد، أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا] فدخل فيه الشرك الخفي و الجلي الذي هو قطع الإسلام، ثم قال [أ تدرون ما حقهم على اللّه إذا فعلوا ذلك، أن لا يعذبهم‏] و ذلك بأن لا تتوجه إلا إلى اللّه، عذبهم بالاعتماد على الأسباب، لأنها معرضة للفقر، ففي حال وجودها يعذبهم بتوهم فقدها، و بعد فقدها بفقدها، فهم معذبون دائما، و الذين لم يشركوا استراحوا و لم ينالوا بفقدها ألما- الوجه الثالث- من رحمة اللّه بالعالم أن أحالهم على الأسباب و ما جعل لهم رزقا إلا فيها ليجدوا العذر في إثباتها، فمن أثبتها جعلا فهو صاحب عبادة، و من أثبتها عقلا فهو مشرك، و إن كان مؤمنا، فما كل مؤمن موحد عن بصيرة شهودية أعطاه اللّه إياها- لطيفة- ليس المراد بالشرك هنا أن تجعل مع اللّه إلها آخر، ذلك هو الجهل المحض، فإنه ما ثمّ إله آخر، بل هو إله واحد عند المشرك و غير المشرك، فكل شرك يقتضيه العلم و يطلبه الحق فهو حق، فليس المقصود إلا العلم، فما يؤمن أكثرهم باللّه إلا و هم مشركون، فكثر العلماء باللّه، و أبقى طائفة من المؤمنين هم في الشرك، و لا يعلمون أنهم فيه، فلذلك لم ينسبهم إلى الشرك لعدم علمهم بما هم فيه من الشرك، و هم لا يشعرون، فالاسم اللّه هو الذي وقع عليه الشرك فيما يتضمنه، فشاركه الاسم الرحمن قال تعالى‏ «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» فجعل للاسم اللّه شريكا في المعنى، و هو الاسم الرحمن، فالمشركون هم الذين وقعوا على الشركة في الأسماء الإلهية، لأنها اشتركت في الدلالة على الذات، و تميزت بأعيانها بما تدل عليه من رحمة و مغفرة و انتقام و حياة و علم و غير ذلك، فإن من شأن الشركة اتحاد العين المشترك فيه، فيكون لكل واحد الحكم فيه على السواء، و إلا فليس بشريك مطلق، فإن الشريك الذي أثبته الشقي لم يتوارد مع اللّه على أمر يقع فيه الاشتراك، فليس بمشرك على الحقيقة، بخلاف السعيد فإنه أشرك الاسم الرحمن بالاسم اللّه، و بالأسماء كلها في الدلالة على الذات، فهو أقوى في الشرك من هذا، فإن الأول شريك دعوى كاذبة، و هذا أثبت شريكا بدعوى صادقة

 

[لا شقاء مع التوحيد]

– تحقيق- أهل لا إله إلا اللّه سعدوا سعادة الأبد و لو شقوا يوما ما، و لا شقاء مع التوحيد، و لا سعادة مع الشرك المعتقد، و شرك الغفلة معفو عنه.

 

[سورة يوسف (12): الآيات 107 الى 108]

أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي وَ سُبْحانَ اللَّهِ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)

[الدعوة إلى اللّه على بصيرة]

قال عليه السلام عن ربه‏ «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» و لم يقل أدعو إلى نفسي، و إلى حرف موضوع للغاية، فهو النبي الأمي الذي يدعو على بصيرة مع أميته، و بهذا يزيد العالم الإلهي على غيره، و الأميون الذين يدعون معه إلى اللّه على بصيرة، فهم التابعون له في الحكم، إذ كان رأس الجماعة، فالبصيرة هي الفتح الإلهي و العلم اللدني، و المجتهد و صاحب الفكر لا يكون أبدا على بصيرة فيما يحكم به، فأما المجتهد فقد يحكم اليوم في نازلة شرعية بحكم فإذا كان في غد لاح له أمر آخر أبان له خطأ ما حكم به بالأمس في النازلة، فرجع عنه و حكم اليوم بما ظهر له، و يمضي الشرع حكمه في الأول و الآخر، و يحرم عليه الخروج عما أعطاه دليله في اجتهاده في ذلك الوقت، فلو كان على بصيرة لما حكم بالخطإ في النظر الأول، فالخطأ لا يكون مع البصيرة، و كذلك صاحب العقل، يزن المتكلم بميزان عقله ما هو خارج عن العقل لكونه وراء طوره، و هو النسب الإلهية، لم يقبله ميزانه و يرمي به، و كفر به و تخيل أنه ما ثمّ حق إلا ما دخل ميزانه، و المجتهد الفقيه وزن حكم الشرع بميزان نظره كالشافعي المذهب مثلا، أراد أن يزن بميزانه تحيل النبيذ الذي قبله ميزان أبي حنيفة فرمى به ميزان الشافعي فحرمه، و قال أخطأ أبو حنيفة، و لم يكن ينبغي للشافعي المذهب مثلا أن يقول مثل هذا دون تقييد، و قد علم أن الشرع قد تعبد كل مجتهد بما أداه إليه اجتهاده، و حرم عليه العدول عن دليله، فما وفّى الصنعة حقها،

و أخطأ الميزان العام الذي يشمل حكم الشريعة على الإطلاق، فالبصيرة في الحكم مثل الضروريات للعقول عند من يدعو إلى اللّه على بصيرة، فما يدعو إلى اللّه على بصيرة إلا من كان على بينة من ربه‏ «أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» من اتبعه صلّى اللّه عليه و سلم هم ورثة الأنبياء لاشتراكهم في الخبر، فهو يدعو بمثل دعوة النبي عليه السلام عباد اللّه إلى توحيد اللّه و العمل بطاعته، بشرعه المنزل المنطوق به حاليا، لا يزيد على دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و على ما جاء به من الإخبار بالأمور المغيبة، إلا إن أطلعه اللّه على شي‏ء من الغيب مما علّمه اللّه، فله أن يدعو به مما لا يكون مزيلا لما قرره الشرع بالتواتر عندنا، أي على طريق يفيد العلم، و ذلك أن الوحي كله موجود في رجال اللّه من الأولياء، و الذي اختص به النبي من هذا دون الولي الوحي بالتشريع، فلا يشرع إلا النبي، و لا يشرع إلا رسول خاصة، فيحلل و يحرم و يبيح و يأتي بجميع ضروب الوحي، و الأولياء ليس لهم من هذا الأمر إلا الإخبار بصحة ما جاء به هذا الرسول و تعيينه، حتى يكون هذا التابع على بصيرة فيما تعبده به ربه على لسان هذا الرسول، إذا كان هذا الولي لم يدرك زمانه حتى يسمع منه كما سمع أصحابه، فصار هذا الولي بهذا النوع من الخطاب بمنزلة الصاحب الذي سمع من لفظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما شرع قال تعالى‏ (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) و قال تعالى‏ (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) فما جاء إلا بالإعلام، فما أغلق باب التنزل بالعلم بالشريعة على قلوب أوليائه، و أبقى لهم التنزل الروحاني بالعلم بها ليكونوا على بصيرة في دعائهم إلى اللّه بها، كما كان من اتبعوه و هو الرسول، فهو أخذ لا يتطرق إليه تهمة لاحتمال التأويل و ما يتطرق إلى الناظر صاحب الدليل إلى دليله من الدخل عليه فيه، فإن من يدعو إلى اللّه على بصيرة فإن علمه من حق اليقين، أي حق استقراره في القلب، لا يزلزله شي‏ء عن مقره، فهو إدراك الأمر على ما هو، لأنه علم محقق، لذلك جاء في القرآن‏ «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» و هم هؤلاء الذين ذكرناهم، فرب حديث صحيح من طريق رواية الثقات عندنا ليس بصحيح في نفس الأمر، فنأخذه على طريق غلبة الظن لا على العلم، و هذه الطائفة التي ذكرناها تأخذه من هذا الطريق فتكون من عدم صحة ذلك الخبر الصحيح عندنا على بصيرة أنه ليس بصحيح في نفس الأمر، و بالعكس،

و هو أن يكون الحديث ضعيفا من أجل ضعف الطريق، من وضّاع فيه أو مدلس، و هو في نفس الأمر صحيح، فتدرك هذه الطائفة صحته، فتكون فيه على بصيرة، فهؤلاء هم ورثة الأنبياء لاشتراكهم في الخبر، و انفراد الأنبياء بالتشريع، و اشترك الرسول و من اتبعه في الدعوة إلى اللّه على بصيرة، و منها الأخذ عن اللّه مباشرة دون واسطة، و من هذا المقام قال أبو يزيد البسطامي: حدثني قلبي عن ربي، فأنكر عليه من أنكر و غاب عنه نص الكتاب و هو هذه الآية، فكل علم لا يكون حصوله عن كشف بعد فتح الباب يعطيه الجود الإلهي و يبديه و يوضحه فهو شعور لا علم،و ليس ينبغي لعاقل أن يدعو إلى أمر حتى يكون من ذلك الأمر على بصيرة، و هو أن يعلمه رؤية و كشفا بحيث لا يشك فيه، و ما اختصت بهذا المقام رسل اللّه، بل هو لهم و لأتباعهم الورثة، و لا وارث إلا من كمل له الاتباع في القول و العمل و الحال الباطن خاصة، فإن الوارث يجب عليه ستر الحال الظاهر، فإن إظهاره موقوف على الأمر الإلهي الواجب، فإنه في الدنيا فرع و الأصل البطون، و لهذا احتجب اللّه في العموم في الدنيا، و في الآخرة يتجلى عامة لعباده، فإذا تجلى لمن تجلى له على خصوصه كتجليه للجبل، كذلك ما ظهر من الحال على الرسل من جهة الدلالة على صدقه ليشرّع لهم، و الوارث داع لما قرره هذا الرسول، و ليس بمشرع، فلا يحتاج إلى ظهور الحال كما احتاج إليه المشرع، فالوارث يحفظ بقاء الدعوة في الأمة عليها، و ما حظه إلا ذلك، حتى إن الوارث لو أتى بشرع- و لا يأتي به- و لكن لو فرضناه ما قبلته منه الأمة، فلا فائدة لظهور الحال إذا لم يكن القبول كما كان للرسول، فما أظهر اللّه عليهم من الأحوال فذلك إلى اللّه لا عن تعمد و لا قصد من العبد، و هو المسمى كرامة في الأمة، فالذي يجهد فيه ولي اللّه إنما هو فتح ذلك الباب ليكون من اللّه في أحواله عند نفسه على بصيرة، لا أنه يظهر بذلك عند خلقه، فكرامة مثل هذا النوع علمه باللّه و ما يتعلق به من التفضيل في أسمائه الحسنى و كلماته العليا،

فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن من اتبعه يدعو إلى اللّه على بصيرة، فجعل اللّه التابع هنا على صورة نبيه صلّى اللّه عليه و سلم في نوره و إمداده، فإن المؤمن إذا أجاب و مشى إلى ربه على الطريقة التي شرع له هذا الرسول فإنه يصل إلى اللّه، فيتلقاه الحق تلقي إكرام و هبات و منح و عطايا، فصار يدعو إلى اللّه على بصيرة كما دعا ذلك الرسول، فكل من أخذ عن النبوة النور و دعا إلى اللّه على بصيرة فذلك الدعاء و النور الذي يدعو به هو نور الإمداد الإلهي، لا النور الذي اقتبسه من سراج النبوة، فينسب إلى اللّه في ذلك لا إلى الرسول، فيقال عبد اللّه، و هو الداعي إلى اللّه عن أمر اللّه بوساطة رسول اللّه، بحكم الأصل لا بحكم ما فتح اللّه به عليه في قلبه من العلوم الإلهية التي هي فتح عين فهمه لما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و سلم من القرآن و الأخبار، لا أن هذا الداعي يأتي بشرع جديد،

و إنما يأتي بفهم جديد في الكتاب العزيز لم يكن غيره يعرف أن ذلك المعنى في ذلك الحرف المتلو أو المنقول، فللرسل صلوات اللّه عليهم و سلامه العلم و لنا الفهم و هو علم أيضا، فالبصيرة هي الدرجة التي تقع فيها المشاركة مع الأنبياءعليهم السلام، و هي هنا الكشف، فالمتبع على كشف مثل كشف الرسل، فإن العلم الصحيح لا يعطيه الفكر و لا ما قررته العقلاء من حيث أفكارهم، إنما هو ما يقذفه اللّه في قلب العالم، و هو نور إلهي يختص به من يشاء من عباده من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن، و من لا كشف له لا علم له، و لهذا جاءت الرسل و التعريف الإلهي بما تحيله العقول فتضطر إلى التأويل في بعضها لتقبله، و تضطر إلى التسليم و العجز في أمور لا تقبل التأويل أصلا، و غايته أن يقول له وجه لا يعلمه إلا اللّه لا تبلغه عقولنا، و هذا كله تأنيس للنفس لا علم حتى لا ترد شيئا مما جاءت به النبوة، هذا حال المؤمن العاقل، و أما غير المؤمن فلا يقبل شيئا من ذلك، و قد وردت أخبار كثيرة مما تحيلها العقول في الجناب العالي مما وصف الحق به نفسه في كتابه و على لسان رسله مما يجب الإيمان به، و لا يقبله العقل بدليله على ظاهره إلا إن تأوله بتأويل بعيد، فإيمانه إنما هو بتأويله لا بالخبر، و لم يكن له كشف إلهي كما كان للنبي فيعرف مراد الحق في ذلك الخبر، فوصف نفسه سبحانه بالظرفية الزمانية و المكانية، و وصفه بذلك رسوله صلّى اللّه عليه و سلم و جميع الرسل، و كلهم على لسان واحد في ذلك، لأنهم يتكلمون عن إلّ واحد، و العقلاء أصحاب الأفكار اختلفت مقالاتهم في اللّه تعالى على قدر نظرهم، فالإله الذي يعبد بالعقل مجردا عن الإيمان كأنه بل هو إله موضوع بحسب ما أعطاه نظر ذلك العقل فاختلفوا، و الرسل عليهم السلام ما نقل عنهم اختلاف فيما ينسبونه إلى اللّه من النعوت، بل كلهم على لسان واحد في ذلك، و الكتب التي جاءوا بها كلها تنطق في حق اللّه بلسان واحد ما اختلف منهم اثنان، يصدق بعضهم بعضا مع طول الأزمان و عدم الاجتماع، و ما بينهم من الفرق المنازعين لهم، ما اختل نظامهم، و كذلك المؤمنون بهم على بصيرة المسلمون المسلّمون الذين لم يدخلوا نفوسهم في تأويل، فهم أحد رجلين، إما رجل آمن و سلم و جعل علم ذلك إليه إلى أن مات و هو المقلد، و إما رجل عمل بما علم من فروع الأحكام، و اعتقد الإيمان بما جاءت به الرسل و الكتب، فكشف اللّه عن بصيرته و صيره ذا بصيرة في شأنه كما فعل بنبيه و رسوله صلّى اللّه عليه و سلم و أهل عنايته، فكاشف و أبصر و دعا إلى اللّه عزّ و جل على بصيرة، كما قال اللّه تعالى في حق نبيه صلّى اللّه عليه و سلم مخبرا له‏ «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» و هؤلاء هم العلماء باللّه العارفون، و إن لم يكونوا رسلا و لا أنبياء، فهم على بينة من ربهم في علمهم به و بما جاء من عنده، و كذلك وصف نفسه‏ بكثير من صفات المخلوقين في كل خبر صحيح ورد في كتاب أو سنة، و الأخبار أكثر من أن تحصى، مما لا يقبلها إلا مؤمن بها من غير تأويل، أو بعض أرباب النظر من المؤمنين بتأويل اضطره إليه إيمانه، فانظر مرتبة المؤمن ما أعزها، و مرتبة أهل الكشف ما أعظمها، حيث ألحقت أصحابها بالرسل و الأنبياء عليهم السلام فيما خصوا به من العلم الإلهي، لأن العلماء ورثة الأنبياء، و ما ورثوا دينارا و لا درهما بل ورثوا العلم بقوله صلّى اللّه عليه و سلم [إنّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة] و هذا العلم المأخوذ من الكشف إنما هو على صورة الإيمان سواء، فكل ما يقبله الإيمان عليه يكون كشف أهل اللّه، فإنه حق كله،

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [العلماء ورثة الأنبياء، و إن الأنبياء ما ورثوا دينارا و لا درهما، ورثوا العلم‏] فالوارث الكامل من انقطع إلى اللّه بشريعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلى أن فتح اللّه له في قلبه في فهم ما أنزل اللّه عزّ و جل على نبيه و رسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلم بتجل إلهي، فرزق الفهم في كتابه عزّ و جل و جعله من المحدثين في هذه الأمة، فقام له هذا مقام الملك الذي جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، ثم رده إلى الخلق يرشدهم إلى صلاح قلوبهم مع اللّه، و يفرق لهم بين الخواطر المحمودة و المذمومة، و يبين لهم مقاصد الشرع و ما ثبت من الأحكام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و ما لم يثبت، بإعلام من اللّه، آتاه رحمة من عنده و علمه من لدنه علما، فيرقي هممهم إلى طلب الأنفس بالمقام الأقدس، و يرغبهم فيما عند اللّه كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في تبليغ رسالته، غير أن الوارث لا يحدث شريعة و لا ينسخ حكما مقررا، لكن يبين، فإنه على بينة من ربه و بصيرة في علمه و يتلوه شاهد منه بصدق اتباعه، و هو الذي شركه اللّه تعالى مع رسوله صلّى اللّه عليه و سلم في الصفة التي يدعو بها إلى اللّه، فأخبر و قال‏ «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» و هم الورثة، يدعون إلى اللّه على بصيرة، و كذلك شركهم مع الأنبياء عليهم السلام في المحنة و ما ابتلوا به فقال‏ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) و هم الورثة، فشرك بينهم في البلاء كما شرك بينهم في الدعوة إلى اللّه، فمتبع الرسول صلّى اللّه عليه و سلم لا يخطئ، فإنّه يقفو أثره، و ما أفرد نفسه صلّى اللّه عليه و سلم، بل ذكر أتباعه معه، فإنهم لا يكونون أتباعه إلا حتى يكونوا على قدمه، فيشهدون ما يشهد و يرون ما يرى، فقوله‏ «وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» هم أهل المجاهدات الذين اتبعوه في أفعاله أسوة و اقتداء، فأوصلهم ذلك الاتّباع إلى البصيرة، و هو الكشف، فكان ما أتوا به علما لهم، فدعوا إلى اللّه في أحكامه على بصيرة، و غاية المجتهدين من علماء الرسوم، الذين لم يتبعوا الرسول صلّى اللّه عليه و سلم في أفعاله و لا اقتدوا به، الحكم بغلبة الظن، فكان ما أتوا به علما في نفسه ظنا لهم، فدعوا إلى اللّه على غير بصيرة، و البصيرة التي يكون عليها الداعي و البينة إنما ذلك فيما يدعو إليه، و ليس إلا الطريق إلى السعادة، لا إلى العلم باللّه، فإنه إذا دعا إلى العلم أيضا إنما يدعو إلى الحيرة على بصيرة أنه ما ثم إلا الحيرة في اللّه، لأن الأمر عظيم و المدعو إليه لا يقبل الحصر و لا ينضبط، فليس في اليد منه شي‏ء، فما هو إلا ما تراه في كل تجل، و الحق لا يتجلى في صورة مرتين، فهؤلاء الأتباع هم العلماء باللّه من أهل اللّه الذين أقامهم الحق مقام الرسل في الدعوة إلى اللّه بلسان حق عن نبوة مطلقة، اعتنى بهم في أن وصفهم بها لا نبوة الشرائع، بل نبوة حفظ لأمر مشروع على بصيرة من الحافظ لا عن تقليد، «وَ سُبْحانَ اللَّهِ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ».

[سورة يوسف (12): الآيات 109 الى 111]

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

اعلم أن جميع هذا القصص إنما هو قناطر و جسور موضوعة نعبر عليها إلى ذواتنا و أحوالنا المختصة بنا، فإن فيها منفعتنا، إذ كان اللّه نصبها لنا معبرا، لذلك قال تعالى‏ «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ» فإن اللب يحجب بصورة القشر، فلا يعلم اللب إلا من علم أن ثم لبا، و لو لا ذلك ما كسر القشر، فيكون هذا القصص يذكرك بما فيك‏ «ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى‏ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ».

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 405

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=