تفسیر ابن عربی سوره الانشقاق

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الانشقاق

(84) سورة الانشقاق مكيّة

[سورة الانشقاق (84): الآيات 1 الى 3]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (1) وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ (2) وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)

أي زيد في سعتها ما شاء، فإن الجبال ما كانت أرضا ثم صارت أرضا، ففي يوم القيامة تصير الجبال دكا دكا لتجلي الحق، فما كان منها في العلو في الجو إذا انبسط زاد في بسط الأرض، و لهذا جاء في الخبر [إن اللّه يمد الأرض يوم القيامة مد الأديم‏] فشبه مدها بمد الأديم، و إذا مد الإنسان الأديم فإنه يطول من غير أن يزيد فيه شي‏ء لم يكن في عينه،

و إنما كان فيه تقبض و نتوء، فلما مد انبسط عن قبضه، و فرش ذلك النتوء الذي كان فيه، فزاد في سعة الأرض، و رفع المنخفض منها حتى بسطه، فزاد فيها ما كان من طول سطحها إلى‏ القاع منها، كما يكون في الجلد سواء، فلا ترى في الأرض عوجا و لا أمتا، فيأخذ البصر جميع من في الموقف بلا حجاب من ارتفاع و انخفاض، ليرى الخلق بعضهم بعضا، فيشهدوا حكم اللّه بالفصل و القضاء في عباده.

[سورة الانشقاق (84): الآيات 4 الى 7]

وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ (4) وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ (5) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7)

و هم أهل السعادة.

[سورة الانشقاق (84): آية 8]

فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8)

[ «فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً» الآية- السؤال عام في الجميع:]

القيامة الكبرى هي قيامة البعث و الحشر الأعظم الذي يجمع الناس فيه، و الإنسان في القيامة الكبرى ما بين مسئول و محاسب، و مناقش في حسابه و غير مناقش، و هو الحساب اليسير، و هو عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة، و المناقشة السؤال عن العلل في الأعمال، فالسؤال عام في الجميع حتى في الرسل، سألت عائشة أم المؤمنين عن قوله تعالى‏ «فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً» فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [ذلك العرض يا عائشة من نوقش الحساب عذب‏].

[سورة الانشقاق (84): الآيات 9 الى 10]

وَ يَنْقَلِبُ إِلى‏ أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (10)

يوم القيامة تتطاير الكتب فتتميز المراتب، فمن الناس من يأخذ كتابه بيمينه لقوة يقينه، و منهم الآخذ بشماله لإهماله، و منهم من يأخذه من وراء ظهره لجهله بأمره، لأنهم حين أتاهم به الرسول نبذوه وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا في الدنيا، فبئس ما يشترون في الأخرى‏ «وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ».

– الوجه الأول- و ليس أولئك إلا الأئمة الضلال المضلون، الذين ضلوا و أضلوا، باعوا العالي بالدون، و ابتاعوا الحقير بالعظيم، فهم المغبونون، فإذا كان يوم القيامة قيل له: خذ كتابك من وراء ظهرك؛ أي الموضع‏ الذي نبذته فيه في حياتك الدنيا، فهو كتابهم المنزل عليهم لا كتاب الأعمال، فإنه حين نبذه وراء ظهره ظن أنه لن يحور أي تيقن- الوجه الثاني- هم المنافقون، يعطى المنافق كتابه بشماله من وراء ظهره يضرب به في صدره فينفذ إلى ظهره.

[سورة الانشقاق (84): الآيات 11 الى 14]

فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (11) وَ يَصْلى‏ سَعِيراً (12) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14)

ظن أي تيقن، قال الشاعر: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج؛ أي تيقنوا، ورد في الصحيح يقول اللّه له يوم القيامة [أ ظننت أنك ملاقي‏] «يَحُورَ» حار يحور و هو الرجوع.

[سورة الانشقاق (84): الآيات 15 الى 19]

بَلى‏ إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (15) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ (17) وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (19)

فما ثمّ إلا تغير أحوال، في أفعال و أقوال.

[سورة الانشقاق (84): الآيات 20 الى 21]

فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21)

«وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ» الذي هو جامع صفات اللّه من التنزيه و التقديس‏ «لا يَسْجُدُونَ» فهذه سجدة الجمع، لأنه سجود عند القرآن، فيسجد لمن له جميع صفات التنزيه، و في السجدة هنا خلاف، و سجدها أبو هريرة خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

[سورة الانشقاق (84): الآيات 20 الى 21]

فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21)

«وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ» الذي هو جامع صفات اللّه من التنزيه و التقديس‏ «لا يَسْجُدُونَ» فهذه سجدة الجمع، لأنه سجود عند القرآن، فيسجد لمن له جميع صفات التنزيه، و في السجدة هنا خلاف، و سجدها أبو هريرة خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

[سورة الانشقاق (84): الآيات 22 الى 24]

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (24)

[ «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» الآية- البشرى اللغوية:]

كل خبر يؤثر وروده في بشرة الإنسان الظاهرة فهو خبر بشرى، فالبشرى لا تختص بالسعداء في الظاهر و إن كانت مختصة بالخير، و الكلام على هذه البشرى لغة و عرفا، فأما البشرى من طريق العرف فالمفهوم منها الخير و لا بد، و لما كان هذا الشقي ينتظر البشرى‏ في زعمه، لكونه يتخيل أنه على الحق قيل: بشره؛ لانتظاره البشرى، و لكن كانت البشرى له بعذاب أليم، و أما من طريق اللغة فهو أن يقال له ما يؤثر في بشرته، فإنه إذا قيل له خير أثر في بشرته بسط وجه و ضحكا و فرحا و اهتزازا و طربا، و إذا قيل له شر أثر في بشرته قبضا و بكاء و حزنا و كمدا و اغبرارا و تعبيسا، فلهذا كانت البشرى تنطلق على الخير و الشر لغة، و أما في العرف فلا، و من عينته الرسل بالبشرى أنه شقي فقد تميز بالشقاء.

[سورة الانشقاق (84): آية 25]

إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 473

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=